اللعبة لم تنتهِ... هي فقط تبحث عن لاعبٍ جديد."
.* . *. *. * .* . *.
"ابدأ بالركض..."
قالها بصوتٍ هادئ، لا يخلو من العبث، وكأنّه يدعو إلى رقصة لا إلى مجزرة.
"أنت مختل!"
قالها كارولُس، قائد ما تبقّى من القطيع الفضي، بصوت متحشرج، وقد غصّت حنجرته بالغضب واليأس ؛كان المنظر أمامه كارثة حيّةأرض محترقة، وهياكل منازل متفحمة، وقرابة العشرين فردًا من شعبه رجال، نساء، وأطفال مُكبّلين على ركبهم، برؤوسٍ منحنية وأنفاس متقطّعة، كأنهم ينتظرون النهاية على مهل.
موريس لم يُظهر أي تأثر بل تحرّك بخفّة، يتمايل في مشيته كراقصٍ يستعرض خطواته على مسرح الجحيم كان يبتسم، كعادته، يضع إصبعه على صدره حيث مكان وشمه، قبل أن يرفع يده ليعيد خصلات شعره الأسود الطويل إلى الخلف.
وعندما فعل، انكشفت عيناه السوداوان كليلٍ بلا قمر لامعتان، ماكرتان، لا تنتميان لبشر تلك النظرات لم تتناسب أبدًا مع ملامحه الجميلة، الملساء، التي تشبه تماثيل الآلهة القديمة...
لكن الشيطان دائمًا ما يختار وجهًا جميلاً، أليس كذلك؟
كان قميصه الأبيض قد تلطّخ بالدم، حتى غدا نصفه الأعلى كأنه خُضّب بلون القرمزي ومع ذلك، ظل الوشم في منتصف صدره واضحًا شمس ضخمة، محفورة بإتقان، كأنها بيدق من ماضٍ لا يُمحى.
موريس لا يخفيها، بل يستعرضها، وكأنها وسام على جرائمه، لا ندبة.
"لقد كسرت قلبي..."
همسها وهو يبتسم أكثر، نبرة مرحة لا تليق بالموت المحيط به.
"هل تملك واحدًا؟"
سأل كارولُس، محاولًا أن يستفزه، أن يُحرّك فيه شيئًا يشبه الإنسان.
"لا."
أجابها موريس بنفس الابتسامة... كأنها نكتة يعرفها وحده، ويموت العالم من أجل أن يفهمها ثم تنهد ببطء، وواصل وكأنه يتلذذ بالحوار
"أمممم... حسنًا سأمنحك ثلاثين ثانية ثم تبدأ اللعبة إن فزت،تعيش وإن فزتُ أنا..."
نظر حوله، إلى الجالسين في خوفٍ، ثم قالها بهدوء:
"سأحرق قريتك بالكامل... وسأجعل صراخهم موسيقى نصرٍ لي."
"اقتُلني... وأنهِ هذه المهزلة."
قالها كارولُس بمرارة، يحدّق فيه بعينين جافتين من كل شيء سوى الحنق موريس أدار رأسه ببطء، ثم مال نحوه وهو يهمس:
"ولِمَ عليّ أن أرحمك؟ من قال إنك تستحق نهاية كريمة؟"
وبدون مقدمات، أخرج خنجره—نصل طويل، مُزين بنقوشٍ سوداء كالرماد وغرسه في فتى صغير كان من بين المُكبّلين.
صرخة مزّقت الهواء، وسقط الطفل أرضًا، يتلوّى والألم ينهش صوته.
صرخ كارولُس، واندفع بجسده للأمام، يحاول الوصول إليه، إلى ابنه، إلى أيّ منهم...لكن موريس وقف أمامه، مائلًا برأسه، كأنّه يعطيه خيارًا
"اركض، يا ألفا...أو مع كل ثانيةٍ تمر، سأقتل واحدًا منهم.وربما... ابنك أولًا؟"
الريح تعصف كأنها تصفّر لصيّادٍ خفي، يتقن الرقص في الظلال.
أما كارولُس، فكان يركض... لا وجهة له، لا طريق مألوف، فقط غريزة البقاء تدفع جسده المنهك عبر غابةٍ خانعة للّعنة.
الأشجار المتفحمة تنتصب كقبورٍ ملتوية، والطرق تحت قدميه تتلوى ككائنات محتضرة كل شيء من حوله بدا وكأن الزمن ذاته ينهار، وكأن الأرض تُبدّل جلدها، ترفض خريطته، وتكتب نهايته بمداد الرماد.
صمتٌ ثقيل... لا طير، لا صدى، لا حياة.
فقط أنفاسه المتقطعة، تتصارع مع الريح، وصوت خطاه المرتجف على ترابٍ بات يشبه الرماد الساخن، رماد الأرواح التي سبقت.
ثم جاءت الهمسات.
لم تكن كلمات بقدر ما كانت أفكارًا تنزف من جدران الغابة، كأن المكان ذاته يُحدّثه، لا بألفاظ، بل بلعنات قديمة:
"أخطأت الطريق، ألفا..."
نظر خلفه، لا أحد. فقط ظلامٌ كثيف، خامد، كأنه الفراغ الذي وُجد قبل الخليقة.
"قلبك يفضحك... نبضك يرشدنا."
جاء الصوت من لا مكان، لكنه ضرب أعماقه كصفعة.
ثم أخرى، أكثر قسوة:
"أين ستهرب، وأنت تطأ أرض اللعنة؟"
كانت الأصوات لا تشبه الهمس العادي... بل كأنها قُطعت من داخل مخاوفه، وشُحنت بكل صرخة نسيها منذ طفولته.
توقف لاهثًا الهواء من حوله صار كثيفًا، كأن أنفاسه تمر عبر جدار ماء ملوث أدار رأسه ببطء... لا شيء لكنّه أحسّ بها.
الظلال لم تكن مجرّد غياب للضوء، بل كائنات حية، تتزحزح، تتنفس، تلتفّ حوله، تراقبه بعينٍ لا تُرى.
وفجأة...شقّت الأرض نفسها خلفه، كأنها تُخرج من رحمها كابوسًا بشريًا.
خرج كائن غريب، مشوّه الملامح، يمتلك عينين بشريتين تحدقان بثبات مقزز، وجسدًا مغطى بأشواك سوداء وعروق متحرّكة تنبض بسواد الحياة والموت.
في يده خنجرٌ مألوف، شبيه بذلك الذي ذاقه ابنه—ولكن هذا الخنجر بدا كأنّه يصدر أنينًا من تلقاء نفسه.
وصوت الكائن خرج كأنّه يُولد من حنجرة ميتة:
"... هيا، أركض أكثر."
ركض كارولُس، لكن الركض الآن لم يكن فرارًا من موت، بل سقوطًا في بعدٍ آخر كل خطوة كانت تمزق قانونًا من قوانين الواقع...كأن اللعبة لم تُصمّم للفوز، بل لاكتشاف حدود انهياره.
وعلى أطراف الغابة، جلس موريس،كأنه أمير جنونٍ مخلّد
كان مستندًا إلى جذع شجرة محترقة، ينظر ل الغابة بتركيز واعين لامعه كمن يقرأ مقطعًا شعريًا لأول مرة.
همس لنفسه، والابتسامة لا تفارق شفتيه:
"أحبّ هذا الجزء من اللعبة... حين يبدأون بالاعتقاد أنهم يملكون خيارًا."
ثم التفت نحوهم، أولئك الذين ظنّوا أنهم اقتربوا من الخلاص،
وتبدّلت ملامحه فجأة — عبث، حزن زائف، دهشة طفولية — كأنّ طفلًا قد فُجِع بفقدان لعبته المفضلة:
"لِمَ تنظرون إليّ هكذا؟ وكأنني الشرير في الرواية؟"
"كل ما في الأمر...ان الألفا الخاص بكم، رفض الولاء لي. وهذا هو... الثمن."
رفع يده ببطء، كمن يعزف سمفونية خبيثة لا يسمعها سواه،
ومع كل حركة من أصابعه، بدأت الغابة بالتحوّل… الأشجار تلوّت، تشقلبت، وانكمشت كأنها تبتلع نفسها،
لتنفتح أفواهٌ من أغصان مسنّنة، تتثاءب في جوع.
طرقٌ كانت هناك قبل لحظة، اختفت.
ممراتٌ جديدة ظهرت، لكنها لا تقود إلى النجاة…
بل إلى هاويات بلا قاع،
إلى ظلال لا مخرج منها…
إلى قلب الجنون نفسه.
وفي قلب الغابة، سمع كارولُس الصوت...لم يكن بكاءً بشريًا.
كان نداءً...نداءً من الأعماق، كأن شيئًا ما يستخدم صوت ابنه كطُعم، كحبل يجرّه نحو العتمة.
كانت تلك لحظة القرار:
أن يسير نحو الصوت، ويخاطر بروحه، ويُدخل عقله في هاوية لن يخرج منها...أو أن يستمر بالهرب، حتى تبتلعه الأرض، ويصبح مجرد ذكرى منسية في لُعبة لا اسم لها.
الركض صار ثقيلا أقدام الأب باتت تغوص في الأرض كما لو كانت الوحل يتحوّل إلى أيدٍ تسحبه،أنفاسه تحترق، قلبه يكاد ينفجر...
لكن صوت بكاء ابنه ما زال هناك، يجرّه، يكسر رجاء عقله، يُعيده للموت طوعًا.
وصل إلى تلة صغيرة، تطل على ساحة دائرية محفورة في قلب الغابة، وكأنها مسرح لجحيم قديم.
في المنتصف...
كان جسد ابنه مُعلّقًا في الهواء، خيوط سوداء تمسكه من الأطراف،
وعيناه بيضاوان بالكامل، كأن النور قد خرج منه إلى الأبد.
"بني..."
نطقها بصوتٍ مكسور، لكن الرد لم يكن بكاءً هذه المرة.
بل بصوت الطفل نفسه، خرجت كلمات لا تشبهه:
"لقد تأخرت، أبي... لقد بدأت النهاية."
ارتجّت الأرض.
ظهر موريس، من العدم، يقف على بعد خطوات، وخلفه صفوف من الظلال، كائنات من الليل، وجوهها لا ملامح لها سوى الفم... فمٌ يبتسم، دومًا.
قال بنبرة وكأنه يُلقي لحنًا محفوظًا:
"لعبة جميلة، ألفا... كنتَ فارسًا، لكنك نسيت القاعدة الأهم."
اقترب، وتابَع،
"في هذه الأرض... لا أحد يربح سوى الموت."
رفع الخنجر، وأشار به نحو قلب الأب.
فجأة، شعّ الضوء من الطفل المعلّق،
لكن لم يكن نور نجاة...
كان الضوء علامة انتهاء.
انهار الجسد، وتحولت الخيوط السوداء إلى دخان،
ثم سُحبت روح الأب فجأة، وكأنها تُنزَع منه على قيد الحياة.
صرخة تمزّقت من صدره، ارتجف لها الهواء... ثم سكت كل شيء.
في دقائق معدوده كانت القرية رمادًا البيوت قد ذابت كأن نارًا خالدة ابتلعتها ووسط الساحة، تمثال حجري لرجل يحتضن طفله...
لكن عيون التمثال كانت دامعة، والطفل لا يبتسم.
رفع موريس نظره إلى السماء وهمس كعادته:
"لقد أخبرتك أن تقتليني حينها، لأن بقائي على قيد الحياة يعني نهاية الحياة نفسها. ما يحصل الآن... هو ذنبك أنت."
.* . *. *. * .* . *.
كانت الغرفة مغمورة بهالة من الكآبة، كأنها تنبض بأنفاسٍ ثقيلة لا تُرى، تمتص النور وتلفّه بالصمت ؛ كل شيء فيها كان ميتًا بصمت، ساكنًا كأن الزمن ذاته توقف احترامًا للحزن الذي يسكن المكان
الظلام خيّم على الأرجاء، لا يقطعه سوى وهجٍ خافت لمصباحٍ وحيد في الزاوية، يرسل شعاعًا ضعيفًا يتصارع مع العدم، كما لو كان يحاول أن يصون آخر ما تبقى من وهم الأمل.
جلس موريس أمام البيانو، القميص الأبيض مفتوح حتى أسفل صدره، كاشفًا عن جسد مشدود أشبه بمنحوتة، يراقصه الهواء كأنّ البرد ذاته يعزف عليه.
كانت أصابعه تنزلق فوق المفاتيح بحذرٍ عاطفي، كأن كل نوتة يضغطها تُترجم وجعًا خفيًا، وكل لحن يصدر، ما هو إلا امتدادٌ لصرخة لم يُسمح لها بالخروج.
أغمض عينيه، وسمح لذاكرته أن تفتح أبوابها الماضي لم يعد بعيدًا...بل اجتاحه كمدٍّ أسود، يسحب أنفاسه نحو الأعماق.
صوتها..
.
كان صوتها ما يزال يرنّ في داخله، يتسلّل عبر ثقوب الزمان والمكان، كأن الذاكرة لم تعد ملكًا له بل صارت لعنة متكررة.
تردّد صدى الحوار الأخير بينهما في ذهنه، كأن الزمن أعاد تشغيله بلؤم:
"متى ستخبرني عن تلك الندوب؟"
"خمني أنتِ... دعيني أرى إلى أين يصل خيالك."
"لا أعلم... لكنها تبدو وكأنك كنت تمتلك جناحين، وتم قصّهما."
عند تلك الجملة، ارتجف وجهه لم يكن البرد ما هزّه، بل الحقيقة التي أخافته دومًا أنها رأت أكثر مما أراد...أكثر مما ينبغي لأحد أن يرى.
تشنجت عضلاته فجأة، وانفجرت أنامله على مفاتيح البيانو كمن فقد السيطرة.
النوتات تحوّلت إلى صرخات مكتومة،لحنه الهادئ صار نحيبًا جامحًا، يصرخ نيابةً عنه صوت الخشب تحت أصابعه، وصدى العزف الحاد،
كانا يتحدان ليشكّلا لغة أخرى... لغة لا يفهمها سوى من خذلهم العالم.
كان موريس يعزف، لا ليسمعه أحد، بل كي لا ينهاريعزف، كي لا يُقتل بصمته يعزف... كي يتذكّر أنه ما زال على قيد الحياة، رغم كل شيء مات فيه..
أصبح العزف أكثر حدة، يقطع الصمت بشفرات صوتية، يشق جدران الغرفة كأنّه يحاول اقتلاع الألم من جذوره كل نوتة كانت كأنّها اعتراف لا يُقال، وكل ارتجاج في المفاتيح يشبه صراخًا خافتًا يهرب من قلبٍ أنهكته الذكريات لكن فجأة... توقف كل شيء.
سقط الصمت كستارة على المشهد، حين قاطعه صوت خافت من خلفه
"أعتذر عن المقاطعة، سيدي."
فتح موريس عينيه ببطء، رمشاته ثقيلة، كأن الجفن يحمل وزن سنواتٍ من التعب عندما انكشفت عيناه، بدت كغياهب لا تُحدّ، سوداوان لا تفقدان بريقهما الداكن، حتى وسط أشد العواصف النفسية.
استدار بنصف جسده نحو مصدر الصوت، بينما بقيت أنامله ساكنة فوق مفاتيح البيانو، وكأنها لم تنهِ مقطوعتها بعد.
خرج صوته باردًا، خالٍ من كل انفعال:
"ما الأمر؟"
تردد الحارس، تبادل نظرة سريعة وقلقة مع مساعده، قبل أن يتنفس بعمق، ويكسر حاجز الخوف:
"سيدي... هناك شائعات نبوءة جديدة."
في اللحظة التي نُطقت فيها الكلمة، ارتفع حاجبا موريس بتعجب خفيف، لكن عينيه اشتعلتا بتوترٍ خفي كانت النبوءات عنده أشبه بموسيقى مقلقة... جميلة في نَسجها، لكن قادرة على تدمير ممالك.
ساد صمت، ثقلُه يكاد يُسمع، كأن العالم احتبس أنفاسه في انتظار ردة فعله.
ثم قال، بصوت منخفض لكنه حاد كالسكاكين:
"أي نبوءة؟"
تلعثم الحارس للحظة، ثم تمالك نفسه وقال، بصوت مبحوح كمن يتحدث عن شيء محرم:
"يُقال إن شخصًا ما... سيُنهي عصر الظلام. سيعيد السلام إلى العوالم المنهارة... وسيُتوَّج ملكًا على كل ما هو خارق."
لمعت عينا موريس، لا بالدهشة، بل بشيء أعمق: مزيج من السخرية والتهديد ابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه، لكنها لم تكن ابتسامة سرور، بل تلك التي تسبق الانفجار أمال رأسه للخلف قليلًا، كأنه يسمع صوتًا بعيدًا لا يسمعه أحد سواه.
ثم همس بنبرة رخيمة، كمن يتحدث إلى ظلٍّ يعرفه جيدًا:
"إذن... هل قررتِ الظهور أخيرًا، عزيزتي؟"
"هل تظنين أن نبوءتك السخيفة كافية لتهديد عرشي؟"
كانت كلماته ناعمة، لكن في عمقها هدير عاصفة.
كان لا يتحدث للحارس، بل لشيء أعمق... لصوتٍ في داخله، أو ذكرى يحاول قتلها.
وفي تلك اللحظة، لم يعد أحد يتنفس.
كأن الغرفة نفسها خافت.
كأن الجدران فهمت أن تلك الكلمات، مهما بدت هادئة، كانت نذر خرابٍ قادم...
.* . *. *. * .* . *.
- هنا البدايه تكون مقابله مع الشرير 🥀
ليليث♥︎
lilith🍒