عقد مع الشيطان

عقد مع الشيطان

29 0

فصل معدَّل

ضائعَة ، جائعَة ، مرهقَة ، كانت تَجُرُّ قَدمَيها بصعوبَةٍ بالغَةٍ، وتَستَنِدُ على عَصَا نحيلَةٍ بِالكادِ تَسنُدُ جَسَدَها الواهِنَ... وتَبِعَها كلبُها، رَفيقُها الوَحيدُ، بِفَروِهِ الأبيضِ الذي تَخلَّلتْهُ بُقعٌ سوداءُ متناثرَةٌ، سارَ بِجوارِها في صَمْتٍ مُخلِصٍ ...

نَظراتُ الفتاةِ الذابلَةِ تَنقّلَتْ يمنَةً ويَسرَةً عبرَ الأفقِ، لكنَّ عينَيها لم تَلمَحا سوى جِدارٍ أخضرَ لا نِهايةَ لهُ منَ الأشجارِ الكثيفَةِ التي تُشكّلُ غابَةً مُترامِيَةَ الأطرافِ، تَبتَلِعُها في جَوفِها الغامِضِ ...

استمرَّتْ في المسيرِ البطيءِ، وكلُّ خُطوةٍ أثقلَتْ عليها وكأنَّها عِبءٌ لا يُطاقُ ... وفجأةً، لَمَحَتْ شيئاً ما أزرقَ على الأرضِ بينَ الأوراقِ المتساقطَةِ ... والفتاةُ لم تَتَمَالكَ نَفسَها لحظةَ رُؤيتِهِ، وألقَتْ بِجَسَدِها المُنهَكِ عليهِ بِشكلٍ لا إراديٍّ، مدفوعَةً بِأملٍ واهِنٍ ...

لكنْ ما إنِ اقترَبَتْ، حتى انقلَبَ ذاكَ الأملُ خيبَةً، فقد كانَ مُجرَّدَ زهرَةٍ بيضاءَ باهِتَةٍ، وما رأتْهُ عَيناها من لونٍ أزرقَ لم يكنْ سوى تَخَيُّلاتٍ واهِيَةٍ رَسَمَها عقلُها الباطنيُّ، مُرهَقاً منَ التعبِ الشديدِ .

ارتسَمَتْ على وَجهِها، أسفلَ شَعرِها الأسودِ القصيرِ الذي يَنسَدِلُ على جَبهَتِها، نَظرَةٌ حزينَةٌ عميقَةٌ وهيَ تَحدِّقُ في الزهرَةِ البيضاءِ... تَدرَّجَتْ دُموعُ خَيبَةِ الأملِ المُرَّةِ منْ عينَيها، تَتوهَّجُ للحظَةٍ قبلَ أنْ تتلاشى بينَ أوراقِ النباتاتِ على الأرض .

نَهَضَتِ الفتاةُ بعدَها، تَجمعُ شُتاتَ نَفسِها المُتناثرَةِ، وكأنَّها تَستَجمِعُ آخرَ ما تَبَقّى لَدَيها من قُوَّةٍ ... استندَتْ على عَصاها مرَّةً أخرى، وواصلَتِ المسيرَ بصعوبَةٍ بالغَةٍ وبخُطى أبطأَ من ذي قَبلُ ...

استمرَّتْ في السيرِ عبرَ الغابَةِ، تَتخلَّلُها الأشجارُ الضَّخمَةُ التي تَبدو وكأنَّها حُرَّاسٌ صامتونَ لهذا المَكانِ، وكانَتْ تَلمَحُ بعضَ الحُطامِ وبقايا الإسمنتِ هنا وهناكَ، دليلاً على أنَّ هذه المنطقةَ قد كانَتْ مسكونَةً في وقتٍ منَ الأوقاتِ ... لكنَّ الفتاةَ، التي كانَتْ غارقَةً في بُؤسِها، لم تُبالِ بذلكَ كثيراً، بل واصلَتِ المُضيَّ قدماً، مدفوعَةً بِرغبَةٍ مُلحَّةٍ في الوصولِ إلى غايَتِها المَجهولَةِ.

لكنْ بعدَ ساعاتٍ طويلَةٍ منَ السيرِ المتواصلِ دونَ أنْ تَعثُرَ على أيِّ شيءٍ، بَدَأَ الدُّوارُ يَلُفُّ رأسَها نتيجَةَ الإرهاقِ الشديدِ ... وفجأةً، سَقطَتْ على الأرضِ بلا حَراكٍ، وبَدَأَ كلبُها بِالنباحِ بِجُنونٍ، مُحاولاً إيقاظَها ... بَقِيَتِ الفتاةُ مُلقاةً على الأرضِ لِبعضِ الوقتِ، ثمَّ بَدَأتْ عَيناها تَنغَلِقانِ بِبُطءٍ شديدٍ، بينما كانَتْ لا تَزالُ تَسمَعُ نُباحَ كلبِها المُتواصلِ، حتى انغَلَقَتْ عَيناها تماماً، وغَرِقَتِ الفتاةُ في غيبوبَةٍ عميقَةٍ.

.

.

.

.

.

وفي غَيبوبَتِها رأتِ الفتاةُ حلماً قصيراً غريباً؛ رأتْ نَفسَها تُحلِّقُ بِرشاقَةٍ بينَ مَبَانٍ عالِيَةٍ، لكنَّها لم تَكُنْ تُحلِّقُ بِأجنحَةٍ، بل كانَتْ تُطلِقُ في الحُلمِ حبالاً مُزوَّدَةً بِخَطّافاتٍ، تَصطَدِمُ هذهِ الخطّافاتُ بِالجُدرانِ الإسمنتِيَّةِ للمَبَانِي، دافعَةً الفتاةَ لِتَطيرَ في الهواءِ وكأنَّها شخصيَّةٌ خارقَةٌ... وشَعَرَتِ الفتاةُ أيضاً أنَّها تَشُمُّ رائحَةَ غازٍ غريبَةٍ ومُتميِّزَةٍ في هذا الحُلمِ ...

.

.

.

.

.

⋆༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

بعدَ مُدَّةٍ، استَيقَظَتِ الفتاةُ على لمساتٍ دافئَةٍ من لعقِ كلبِها لرأسِها ... رَفعَتْ رأسَها بِبُطءٍ، ناظِرَةً حولَها لِبرهَةٍ، وكأنَّها تُحاولُ استيعابَ ما حَدَثَ، ثمَّ رَفَعَتْ جَسَدَها، مُتَحمِّلَةً ثِقلَ الإرهاقِ، واستندَتْ على عَصاها مرَّةً أخرى، عازمَةً على مُواصلَةِ رِحلَتِها مهما كلَّفَ الثَّمنُ، لكنَّها ما إنْ وقَفَتْ... حتى لاحظَتْ شيئاً يَتحرَّكُ بِخِفَّةٍ بينَ الحشائشِ الكثيفَةِ ...

.

.

.

.

.

⋆༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

وبعدَ قليلٍ، وَجَدَتِ الفتاةُ نَفسَها معَ كلبِها أمامَ شجرَةٍ عِملاقَةٍ حقّاً، بَدَتْ وكأنَّها برجٌ هائلٌ يَبرُزُ بينَ أشجارِ المنطقةِ، مُتَفَوِّقَةً عليها حَجماً بِكثيرٍ.... وكانَتْ هناكَ مجموعَةٌ منَ الطيورِ تَدورُ حولَ الشجرَةِ بِشكلٍ غريبٍ ومُريبٍ، وكأنَّها تُؤَدِّي طُقوسَ عبادَةٍ خاصَّةً بها، تُضفِي على المَشهَدِ هَالَةً منَ الغموضِ.

نَظَرَتِ الفتاةُ إلى قاعدَةِ الشجرَةِ، فَرَأتْ جِذعَها مفتوحاً منَ الأسفلِ، وكأنَّها بَوَّابَةٌ طبيعيَّةٌ تُؤَدِّي إلى جَوفِها ... نَظَرَتْ إلى هذهِ الفتحَةِ، فلمْ تَرَ إلا ظلاماً دامِساً في الداخلِ، ما أضفَى جوّاً منَ الرُّعبِ وعَدمِ الطُّمَأنِينَةِ لما قد يُخبِّئُهُ لها داخلَها ... لكنَّ الفتاةَ لم تَتَرَدَّدْ أبداً، وبَدَأتِ السيرَ مُتَّجِهَةً إلى الداخلِ، بينما كلبُها بَدا وكأنَّ لهُ رأياً آخرَ، فقد ظَلَّ واقفاً في الخارجِ، وكأنَّهُ مرعوبٌ منَ الظُّلمَةِ التي تَكتَنِفُ جَوفَ الشجرَةِ ...

وَصَلَتِ الفتاةُ إلى الداخلِ، ونَظَرَتْ حولَها، لكنَّها لم تَرَ شيئاً بسببِ الظلامِ الحالكِ ... واصَلَتِ المشيَ قليلاً، لكنْ فجأةً، انزَلَقَتْ قَدمُها وسَقطَتْ في حفرَةٍ عميقَةٍ كانَتْ موجودَةً داخلَ الشجرَةِ! وصَرَخَتِ الفتاةُ مذعورَةً وهيَ تَسقُطُ، لكنَّ صُراخَها لم يَستَمِرَّ لأكثرَ من لحظاتٍ، حيثُ سَقطَتْ في بُركَةِ مياهٍ باردَةٍ كانَتْ في الأسفلِ ...

تَحَوَّلَتْ صَرخاتُها إلى أنفاسٍ مَكتومَةٍ، تَحَوَّلَتْ بِدَورِها إلى فُقَّاعاتٍ تَحمِلُ الهواءَ إلى أعلى البُركَةِ، وصَغُرَ حَجمُها أكثرَ وأكثرَ بينما الفتاةُ تَغوصُ إلى الأسفلِ شيئاً فشيئاً، والظلامُ أصبحَ حالكاً أكثرَ فأكثرَ ... نَظَرَتِ الفتاةُ إلى الأعلى، ورَأتِ النورَ يَختفي تدريجياً، وشَعَرَتْ أنَّ أنفاسَها على وشكِ النَّفادِ، وأنَّ هذهِ هيَ النهايةُ المَحتومَةُ، وأنَّها ستختَنِقُ لا مَحالَةَ !

لكنْ بعدَ ذلكَ، ومنْ داخلِ الظلامِ الدامسِ في المياهِ، لمَحَتِ الفتاةُ بِصعوبَةٍ كائناً غريباً مُضيئاً، لهُ عدَّةُ مُجسَّاتٍ تَتحرَّكُ بِخِفَّةٍ ... بَدا وكأنَّهُ كائنٌ مائيٌّ غريبٌ، لكنَّ الفتاةَ في تلكَ اللحظَةِ الحرجةِ كانَتْ تُفَكِّرُ فقط كيفَ ستَتَمكَّنُ منَ العيشِ في هذهِ الحالَةِ اليائسَةِ، وهذا الكائنُ هوَ آخرُ ما كانَ يَهمُّها... لكنَّ الكائنَ اقتَرَبَ منها بِبُطءٍ حتى وصَلَ إليها، ثمَّ لفَّ مُجسَّاتِهِ حولَها واستحوَذَ على جَسَدِها تماماً !

ثمَّ فجأةً ظهَرَتْ شحناتٌ صفراءُ غريبَةٌ وظهرَتْ عدَّةُ مَشاهدَ:

_رجلٌ قاسي الملامحِ يَرتَدي مَلابِسَ ضابطٍ ويَتكلَّمُ معَ امرأَةٍ جميلَةٍ ذاتِ شَعرٍ أسودَ طويلٍ ...

_طفلٌ/ةٌ رضيعٌ مَرميٌّ أرضاً وتوجَدُ دماءٌ على رأسِهِ ونفسُ الرجلِ السابقِ يَنظرُ إليهِ مذعوراً وتوجَدُ امرأَةٌ عجوزٌ بِجانبِهِ وملامحُ وَجهِها باردَةٌ للغايةِ ...

_الرجلُ مريضٌ ومستلقٍ في فراشٍ والمرأَةُ ذاتُ الشَّعرِ الأسودِ تُشيرُ إلى صورَةِ وردَةٍ زرقاءَ في كتابٍ ...

_ صورَةُ طائرٍ غريبٍ لا مَثيلَ لهُ في هذا العالمِ !...

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

صوتٌ غامضٌ ما: "هكذا إذاً..."

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

⋆༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

فتَحَتِ الفتاةُ عينَيها ورَأتْ سماءَ ليلٍ صافيَةٍ، استغربَتِ الفتاةُ من ذلكَ وظَنَّتْ أنَّها في حلمٍ، ثمَّ نَهَضَتْ وجَلَسَتْ ونَظَرَتْ حولَها وتعجَّبَتْ أنَّها قد أصبَحَتْ في صحراءَ ضخمَةٍ خاويَةٍ ولا أثرَ لكلبِها في المَكانِ مما جَعَلَ الفتاةَ تَشعرُ بريبَةٍ من ذلكَ.

وبعدَها بَدَأتْ تُحسُّ بإحساسٍ ما؛ إحساسٌ مُنعِشٌ وكأنَّ الحياةَ قد أصبَحَتْ تَدُبُّ في جَسَدِها بِأكملِهِ، وقَفَتْ فَوَجَدَتْ أنَّهُ لا توجَدُ لديها أيُّ صُعوباتٍ في الوقوفِ والتَّحرُّكِ! وقد اختفَى شُعورُها بِالجوعِ والعَطشِ والإرهاقِ أيضاً !

ثمَّ فجأةً يُسمَعُ صوتٌ غريبٌ ومخيفٌ وكأنَّهُ يأتي من كلِّ مَكانٍ : "لقد مَشيتِ عشراتِ الأميالِ بدونِ توقُّفٍ، الطعامُ والماءُ قد نَفَذا منْ عِندِكِ منذُ يومينِ، صارَ لديكِ تورُّمٌ مَلحوظٌ في رِجليكِ نتيجَةَ المشيِ الكثيرِ، ومعَ ذلكَ لا زلتِ ترغبينَ في المُضيِّ قُدُماً !".

وبعدَها تَرى الفتاةُ ظلاً لِشَخصٍ يَقفُ بعيداً.

الصوتُ: أهلاً بِكِ في الفراغِ !

شَعَرَتِ الفتاةُ بِالذُّعرِ لسببٍ ما وبَدَأتْ بِالجريِ بعيداً عن ذلكَ الظلِّ حيثُ أنَّها لم تَرتَح بِشأنِهِ واستمرَّتْ بِالجريِ بعيداً عنهُ لِمدَّةٍ.

الصوتُ: لا فائدَةَ !

ثمَّ تَعَثَّرَتِ الفتاةُ بِصخرَةٍ ما وسَقطَتْ أرضاً، ثمَّ فتَحَتْ عينَيها ورَأتْ زهرَةً زرقاءَ أمامَها مباشرةً، نَظَرَتِ الفتاةُ إليها بصدمَةٍ للحظاتٍ لكنَّها ما بَرِحَتْ حتى قَطَفَتْها وضَمَّتْها بِذراعَيها لكي لا يَأخذَها أحدٌ منها .

الصوتُ: أهذا ما تُريدينَهُ ؟

الفتاةُ : أ... أجل ...

ثمَّ لَمَحَتِ الفتاةُ زهرَةً أخرى قريبَةً، وبعدَها وبسرعَةٍ زَحَفَتْ إليها بِأربعِ أرجلٍ وقَطَفَتْها فوراً، ومنْ ثمَّ وَجَدَتْ واحدةً أخرى قريبَةً وبعدَها وقَفَتِ الفتاةُ وقَطَفَتْها هيَ الأخرى واستمرَّتْ في قَطفِ الأزهارِ وجمعِها حتى اصطدَمَتْ بِشخصٍ ما، نَظَرَتْ إليهِ فَإِذْ هوَ بِطفلٍ عاديٍّ بِعُمرِها تقريباً لكنَّ أعينَهُ مُظلمَةٌ وغيرُ واضِحَةٍ، تراجَعَتِ الفتاةُ إلى الخلفِ قليلاً معَ بعضِ الذُّعرِ.

الصوتُ: لا داعيَ لِلذُّعرِ ... يا ريبيكا !

ثمَّ أظهَرَ الولدُ يَدَهُ المُخبَّأةَ خلفَهُ فَتفاجَأتِ الفتاةُ بِباقَةٍ منَ الورودِ الزرقاءِ في يَدِهِ، انصدَمَتِ الفتاةُ بذلكَ لكنَّها بعدَها تَخَلَّتْ عنْ خوفِها وسَرَقَتِ الأزهارَ جميعَها منْ يَدِهِ !

ومنْ ثمَّ فجأةً ظهَرَ ضوءٌ قويٌّ في السّماءِ ؛ نَظَرَتِ الفتاةُ إليهِ حيثُ أنَّهُ خَفَتَ شيئاً فشيئاً لِيَتَحَوَّلَ إلى نجمَةٍ لكنَّها ساطِعَةٌ بالمقارنةِ معَ باقي النجومِ، ونَظَرَتِ الفتاةُ إليها باستغرابٍ .

الصوتُ: تلكَ النجمَةُ... هيَ أنتِ !

استدارَتِ الفتاةُ فَوَجَدَتْ أنَّ الفتى قد اختفَى ! ثمَّ نَظَرَتْ إلى يَدَيها لِتَجدَ أنَّ الزهورَ قد اختفَتْ أيضاً !

الفتاةُ: ال... زهور ... !

الصوتُ: سوفَ تَحصلينَ عليها مُجدَّداً، لكنَّ الآنَ يوجَدُ هناكَ أمرٌ أهمُّ ، الآنَ سيتوجَّبُ عليكِ أنْ تختاري !

وفجأةً ظهَرَتْ صورَتانِ ؛ واحدةٌ على اليمينِ وفيها صورَةُ قَبرٍ وهناكَ ثلاثةُ أشخاصٍ حزينينَ حولَهُ ، وأخرى على اليسارِ وفيها صورَةُ عائلَةٍ منْ أربعَةِ أشخاصٍ جالسينَ على مائدَةٍ معاً ويَبدونَ سعيدينَ .

فَكَّرَتِ الفتاةُ للحظاتٍ ثمَّ تَرَكَتِ الصّورَةَ التي على اليمينِ وبَدَأتْ بالمشيِ بِاتجاهِ الصّورَةِ التي على اليسارِ، لكنْ عندما أوشَكَتْ على الوصولِ إليها اختفَتِ الصّورَةُ وصارَتِ الفتاةُ في مكانٍ مَليءٍ بِتماثيلَ عِملاقَةٍ ! كلُّ واحدٍ منهمْ لهُ شكلٌ مُختلفٌ ورَهيبٌ !

نَظَرَتِ الفتاةُ حولَها بِجُمودٍ وبشيءٍ منَ الرُّعبِ .

الصوتُ: الآنَ اسمعيني جيداً وبتركيزٍ كبيرٍ، الزهورُ التي أعطَيتُكِ إيّاها غيرُ حقيقيَّةٍ، سيتوجَّبُ عليكِ العثورُ على الحقيقَةِ بِنفسِكِ، لذلكَ سأُعطيكِ قُوَّةَ أحدِ العَمالقَةِ لكي تَتَمَكَّني منْ إيجادِها، لذلكَ سيتوجَّبُ عليكِ اختيارُ واحدٍ منْ هذهِ العَمالقَةِ المميَّزةِ !

حدَّقَتْ ريبيكا بِحيرَةٍ وخوفٍ بينَ هذهِ التماثيلِ العِملاقَةِ ولم تعرف أيَّ واحدٍ ستختارُ بينهم ، لكنْ فجأةً اختفَتِ التماثيلُ جميعُها وبَقِيَ ثلاثةٌ منها فقط !

الصوتُ : هؤلاءِ العَمالقَةُ ثلاثتُهم ممتازونَ ولديهمْ قدرَةٌ عاليةٌ على الشمِّ وهذا ما ستحتاجينَهُ حاليّاً، يُمكنُكِ اختيارُ واحدٍ منهم، وتذكَّري ... هذا الاختيارُ سيدومُ مَعَكِ حتى مماتِكِ لذلكَ اختاري بِحِرصٍ !

نَظَرَتْ ريبيكا بينَ العمالقَةِ الثلاثِ ثمَّ اختارَتِ العملاقَ الذي على اليسارِ .

الصوتُ: اختَرتِ أقلَّهم ملامحاً وحشيَّةً،

حَسَناً إذاً .

بعدَها بَدَأَ كلُّ شيءٍ بِالاختفاء .

الصوتُ: أحسني استخدامَ هذهِ القوَّةِ، وانظُري إلى يَدِكِ عندما تَخرُجين ...

.

.

.

.

.

.

.

⋆༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

ظهَرَ ضوءٌ أصفرُ ساطِعٌ وظهَرَتْ شحناتٌ صفراءُ كثيرةٌ تَنتَشِرُ في كلِّ مَكانٍ، ثمَّ ظهَرَ عمودٌ فِقريٌّ هائلُ الحجمِ وتشَكَّلَتْ منهُ أطرافٌ وأعضاءُ جسدٍ وبَدا أنَّ كائناً مُرعباً ما يَتِمُّ تشكيلُهُ، بعدَ دُمِّرَ جذعُ الشجرَةِ وسَقطَتْ قمَّةُ الشجرَةِ أرضاً وظهرَ عملاقٌ مهيبٌ صارخاً صرخَةً مُرعبَةً !

وهذا العملاقُ لهُ شعرٌ أسودُ مثلُ شعرِ ريبيكا بالضبطِ، وليسَ لهُ شكلُ جسدٍ مُعيَّنٍ أو أعضاءَ خاصَّةً لِتُبَيِّنَ فيما إذا هوَ ذكرٌ أو أنثى لكنَّ جسدَهُ أقربُ للذكوريَّةِ معَ أنَّ بنيتَهُ مُقارِبَةٌ لِبِنْيَةِ ريبيكا الجسديَّةِ، كما أنَّهُ يتميَّزُ بِأنَّهُ توجَدُ لهُ هناكَ أضلاعٌ في الخارجِ وتُحيطُ بِصَدْرِهِ بدلَ العكسِ .

نَظَرَتْ ريبيكا العملاقَةُ حولَها بِالقُربِ من رِجْلِها فَوَجَدَتْ أنَّ كلبَها قد ماتَ نتيجَةَ الانفجارِ، حَدَّقَتْ ريبيكا فيهِ للحظاتٍ بِحزنٍ ثمَّ بعدَها فتَحَتْ يَدَها فَوَجَدَتْ فيها إحدى الزهورِ الزرقاءِ، نَظَرَتْ ريبيكا إليها قليلاً ثمَّ قَبَضَتْ يَدَها وبَدَأتِ المشيَ ...

.

.

.

.

.

.

.

في مَكانٍ ما آخرَ وقفَ ولدٌ ما حامِلاً منظاراً وقفَ في مَكانٍ عالٍ ويُراقبُ الأرجاءَ .

الفتى: سأضربُ تلكَ المُتسرِّعَةَ ضرباً مُبرِحاً عندما أَراها مُجدَّداً، أتساءلُ أينَ هيَ الآنَ وهلْ هيَ بِخيرٍ ؟

لكنْ فجأةً لاحظَ الولدُ أنَّ الطيورَ بدَأَتْ تَتصَرَّفُ بِغَرابَةٍ وأصبحت تَطيرُ بعيداً هارِبةً منْ شيءٍ ما، ثمَّ بَدَأَ يَشعرُ بِهزَّاتٍ قويَّةٍ ويَرى الأشجارَ قد أصبحتْ تَسقُطُ، وبعدَها رأى ذلكَ الشيءَ ... وفجأةً شَعرَ بالرُّعبِ وسقطَ المنظارُ منْ يَديهِ .

الولدُ: ما ... ما هذا ؟!...

واستمرَّ العملاقُ في الاقترابِ بِاتجاهِهِ أكثرَ وأكثرَ، حاولَ الولدُ أنْ يتمالكَ نَفسَهُ وبعدَها نَظَرَ إلى الأسفلِ وصَرَخَ : أميييي ! أبيييي !

الأمُّ خَرَجَتْ لِتَرى ماذا بِهِ ابنُها وتوجَدُ على وَجهِها مَلامِحُ حزنٍ -والأمُّ هيَ نفسُ المرأَةِ التي ظهرَتْ في المَشاهدِ تلك في الفراغِ- فَتفاجَأتْ بِعملاقٍ مُرعِبٍ طولُهُ أكثرُ منْ 15 متراً يَقتَرِبُ لِيَقفَ أمامَها مباشرةً ومنْ ثمَّ تَلَفَّظَ بِكلماتٍ غريبَةٍ بِصوتٍ أكثرَ رُعباً: "أواااا رياووااا أويووو" ثمَّ فتحَ يَدَهُ أمامَها لِيَظهرَ أنَّها مَليئةٌ بِالترابِ.

والأمُّ تَسارَعَتْ دَقَّاتُ قلبِها وأنفاسُها وهيَ تَنظرُ لهذا الشيءِ عاجِزَةً عنِ الكلامِ منْ شدَّةِ الرُّعبِ والصدمَةِ، ثمَّ نزلَ الولدُ منَ السلَّمِ وصَرَخَ عليها : أمّي !!

وبعدَها خرجَ الأبُ منَ البيتِ وهوَ لمْ يُكمِلْ ارتداءَ مَلابِسِهِ وحَمَلَ معَهُ بندقيَّةً - والأبُ هوَ ذاتُ الرجلِ الذي ظهرَ في المَشاهدِ في الفراغِ- نَظَرَ الرجلُ إلى العملاقِ الذي يَقفُ أمامَ زوجتِهِ ثمَّ صَرَخَ: مارثا !

وقفَ أمامَ العملاقِ وأطلقَ عليهِ عدَّةَ رصاصاتٍ على وَجهِهِ، ومعَ أنَّ تأثيرَ الرصاصاتِ يَبدو كَوَخزِ الإبرِ على وَجهِ العملاقِ لكنْ صَرَخَ العملاقُ بِأصواتٍ غريبَةٍ ومخيفَةٍ تُثيرُ فزعَ الثلاثَةِ ثمَّ سقطَ على الأرضِ بلا سببٍ وصدرَتْ منهُ أبخرَةٌ .

الأبُ: لمْ أتوقَّعْ أنَّها كفيلَةٌ بِقتلِهِ، هلْ أنتِ بِخيرٍ؟ أينَ هوَ جيمُ ؟

الولدُ: أنا هنا أبي، وأنا بخير !

ثمَّ اقترَبَ جيمُ منْ يَدِ العملاقِ وتَفَحَّصَها .

وأمّا مارثا فألقت نَفسَها على الأبِ مُعانِقَةً إيَّاهُ: نيلسون ! أنا خائفَة !

نيلسون : ما كانَ هذا الشيءُ بِحَقِّ الجحيم ؟!

جيمُ بِتفاجُؤٍ : انظُروا ماذا وَجدت !

ثمَّ أخرجَ جيمُ بعضَ الزهورِ الزرقاءِ منَ الترابِ الموجودِ في يَدِ العملاقِ .

نيلسون : مُستحيلٌ ! كيفَ أمكنَ هذا ؟!

ثمَّ تَحلَّلَتْ مُؤخَّرَةُ رأسِ العملاقِ وبعدَها سَقطَتْ منهُ جثَّةٌ على الأرضِ .

نيلسون : ما هذا؟

ثمَّ اقترَبَ جيمُ منَ الجثَّةِ .

جيمُ: لقدْ عرفت ، إنَّهُ ... إنَّها (يَتفاجَأُ) ... إنَّها ريبيكا !!

وما إنْ تَسمعْ مارثا ذلكَ تَتركْ نيلزَ وتَركُضْ بلا وَعيٍ وهيَ تَهمِسُ : "ريبي... ريب..."، تَصِلُ إلى الجثَّةِ وتَتفحَّصُ النبضَ وتَجدُهُ سليماً ثمَّ تَحتَضِنُها هيَ وجيمُ ويَصرخانِ معاً بِصوتٍ عالٍ : ريبيكااا !

نيلسون يَنظرُ منْ بعيدٍ قليلاً وهوَ مصدومٌ وسعيدٌ بِنفسِ الوقتِ، ثمَّ يَبتسِمُ: ريبيكا، لقدْ عدتِ !

ثمَّ يَسقطُ نيلسون أرضاً على رُكبتَيهِ يَلهثُ مُتعباً منَ المرض .

.

.

.

.

.

.

.

_ في وقتٍ آخرَ منَ اليومِ ريبيكا كانَتْ نائمَةً على سريرِها وأمُّها كانَتْ جالسَةً بِجانبِها وتَعتني بها .

_ وفي اليومِ التالي ريبيكا استيقَظَتْ منْ غيبوبَتِها وعائلتُها قد سَعِدَتْ بذلكَ وبعدَها هيَ حاولَتْ بلهجَةٍ مُتكسِّرَةٍ أنْ تَشرحَ لأبيها وأمِّها ما حصل معها .

_ وفي يومٍ آخرَ ريبيكا تَحوَّلَتْ إلى عملاقٍ مُجدَّداً بِطريقَةٍ ما وعائلتُها قد تفاجَأتْ منْ ذلكَ، وبعدَها قامَ أبوها بِقياسِ أبعادِ العملاقِ والأمُّ فَحَصَتْ شيئاً ما بِواسطَةِ مجهرٍ .

_ وبعدَ عدَّةِ أسابيعَ قد اعتادوا على قُدرَتِها العجيبَةِ هذهِ في التَّحوُّلِ لِعملاقٍ وقد استغلّوها واستفادوا منها في البناءِ وبِالقيامِ بإصلاحاتٍ في المنزلِ كما قد استخدموا العملاقَ في الحِراثَةِ .

_ثمَّ أخيراً في أحدِ الأيَّامِ اجتمعَ الأربعَةُ جالسينَ سعيدينَ معاً عندَ مائدَةٍ واحتفلوا بِعيدِ ميلادِ ريبيكا الـ 11 -نفسُ المشهدِ الذي اختارَتْهُ ريبيكا في الفراغِ-...

ومرَّتِ الأيَّامُ ...

.

.

.

.

.

.

.

⋆༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

شَرِبَ نيلسون شراباً بَنَفسَجيَّ اللونِ بينما مارثا كانَتْ جالسَةً بِجانبِهِ .

نيلسوت : أَحْ، لقدْ بَدَأتُ اعتادُ على هذا الطعمِ، منْ كانَ يَعرِفُ أنَّ العلاجَ الطبيعيَّ سيكونُ أفضلَ منَ العلاجِ التقليديِّ في النهايةِ .

وَضَعَتْ مارثا قِطعَةً منَ اللحمِ على صَفيحَةٍ وقامَتْ بِالتَّقطيرِ عليها .

مارثا: لا تَنسَ يا نيلز أنَّهُ توجَدُ لديكَ أفضلُ زوجَةٍ كيميائيَّةٍ هنا ! بالإضافةِ إلى أفضلِ ابنَينِ جامِعَينِ للمَوادِّ الطبيعيَّةِ منْ مُمكِنٍ أنْ تَحْصُلَ عليهما !

اقتَرَبَ نيلزُ منْ مارثا ووَضَعَ يَدَهُ على يَدِها .

نيلسون : بالطبعِ، كيفَ بِإمكانيَ أنْ أنسَى !

نَظَرَتْ إليهِ مارثا وابتسَمَتْ، ثمَّ نَظَرَ نيلسون إلى قِطعَةِ لحمٍ موجودَةٍ على صَفيحَة .

نيلسون : إذاً، هلْ منْ تَطوُّرات ؟

مارثا : اللحمُ عَديمُ الطعمِ وفيهِ بعضُ السُّميَّةِ ويَختفي بعدَ أقلَّ منْ ساعَةٍ بعدَ فَصلِهِ عنِ العملاقِ مهما كانَتْ ظروفُ التخزينِ، لحمٌ وعظمٌ يَخلُقان منَ الهواءِ مباشرةً أشعرُ أنَّنا في قصَّةٍ خياليَّةٍ تُنافي المنطقَ كليّاً وتُشبهُ تلكَ القصصَ التي تُكتَبُ للمُراهِقينَ ! ربَّما منَ الأفضلِ أنْ أصبَحَ مؤمنَةً بالديانَةِ الآزوسِيَّةِ مِثلَكَ وسأؤمِنُ بهذا بِجانبِ إيماني بِالشياطينِ وتلكَ الكائناتِ الخرافيَّةِ الأخرى .

ضَحِكَ نيلز : أظنُّ أنَّ ذلكَ سيكونُ عظيماً بِالفعلِ !

نَظَرَتْ مارثا إلى نيلسون بِعُبوسٍ، ثمَّ اختفَتِ الابتسامَةُ منْ وَجهِهِ ونَظَرَ إلى زاوِيَةٍ ما منَ الغرفَةِ خوفاً منْ غضبِها .

نيلسون : كلَّما سألنا ريبيكا عمَّا حَصَلَ لها تَكونُ إجابَتُها هيَ الكلماتُ الآتيَةُ؛ نجمَةٌ، عمالقَةٌ، ظِلٌّ، مخيفٌ، طِفلٌ، وأمورٌ منْ هذا القبيلِ، هُراءٌ! فقطْ لوْ كانَتِ ابنتُنا عاقلَةً كانَ ذلكَ لَيُسَهِّلَ علينا الكثيرَ منَ الأمورِ !

ثمَّ سَحَبَتْ مارثا يَدَها منْ يَدِ نيلسون .

مارثا: إنَّ ابنتَنا عاقِلَة !

نَظَرَ نيلسون إليها نَظرَةً استنكارِيَّةً ثمَّ نَظَرَ إلى النافذَةِ وواصَلَ الكلامَ : بِأيِّ حالٍ، أيّاً كانَ ذلكَ الشيءُ فقدْ ساعدَنا كثيراً ورُبَّما يكونُ هِبَةً لنا منَ السّماءِ بعدَ أنْ تَخلَّى عنَّا الجميع !

بَقِيَتْ مارثا صامتَةً ولمْ تُعلِّقْ على كلامِهِ بِشيء .

.

.

.

.

.

في هذا الوقتِ كانَتْ تَقومُ ريبيكا بِهَيئَةِ العملاقِ بِاقتلاعِ بعضِ الأشجارِ منَ الغابَةِ وجيمُ كانَ موجوداً على يَدِها عندما ظهَرَتْ لهمْ طائرَةٌ حديثَةٌ غريبَةٌ تُحلِّقُ بِسرعَةٍ فوقَ الغابَةِ .

جيمُ : ريبيكا انخفِضي!

ثمَّ اختبَأتْ ريبيكا العملاقَةُ بِسرعَةٍ بينَ الأشجارِ بِالفعلِ لكنْ سقطَ جيمُ منْ ذراعِها وجُرِحَتْ يَدُهُ !

.

.

.

ثمَّ بعدَ فترَةٍ قامَ جيمُ بِتَضميدِ يَدِهِ المصابة .

جيمُ: لا بأسَ، الأمرُ المُهمُّ هوَ أنَّهُ لمْ يَلمَحْنا أولئكَ الجنودُ، لا نَعلمُ نوعَ المشاكلِ التي قدْ تُصيبُنا في حالِ رُؤونا .

شَمَّتْ ريبيكا رائحَةَ الدمِ منْ ذراعِ أخيها، فاقتَرَبَتْ منهُ وبَدَأتْ بِفتحِ فمِها العملاقِ .

جيمُ: لقدْ جَمَعنا ما طلَبَتْهُ أمّي اليومَ، أظنُّ أنَّهُ قدْ حانَ وقتُ العودَةِ .

ثمَّ نَظَرَ خلفَهُ ورأى أنَّ ريبيكا تَفتحُ فمَها قُربَهُ .

جيمُ : ريبيكا ... ما الذي تَفعلينَهُ ؟

أغلَقَتْ ريبيكا فمَها مباشرةً ومنْ ثمَّ بَدَأتْ بِالتَّساؤلِ معَ نَفسِها لماذا هي قدْ فعلَتْ ذلكَ ؟!

جيمُ: لا وقتَ للتَّصرُّفاتِ الغريبَةِ الآنَ، هيَّا انخفِضي لأصعدَ على يَدِكِ ولنَعُدْ للمنزلِ .

ريبيكا : ...

.

.

.

.

.

لاحقاً وقفَ الوالدانِ في الخارجِ وهما يُراقِبانِ العملاقَ قادماً منْ بعيدٍ ويَحمِلُ معَهُ حِزمَةً منَ الأشجارِ .

مارثا: فقطْ لوْ كانَتْ ملامحُ وَجهِهِ ألطفَ قليلاً .

نيلسون : نعمْ أتَّفِقُ مَعَك ، رُبَّما يجبُ أنْ أُصمِّمَ لهُ قناعاً أيضاً !

مارثا : ...

وصلَ العملاقُ ونزلَ جيمُ منْ يَدِهِ وبعدَها سقطَ العملاقُ أرضاً لِتَخرجَ منهُ ريبيكا معَ علاماتٍ غريبَةٍ أسفلَ عينَيها واقترَبَ الوالدانِ لِيَطمَئِنّا عليهما .

مارثا: أحسنتُما صنعاً يا بطلَاي !

جيمُ: لقدْ جَلَبتُ ما طَلَبتِهِ مِنّي، لكنَّ الإصابَةَ بِمرفَقي جَعَلَتِ الأمرَ صعباً قليلاً، وكِدتُ أتعرَّضُ اليومَ لِكسرٍ آخرَ عندما سقطتُ منْ يَدِ العملاقِ .

مارثا: أوووه يا صغيري أنا آسفَةٌ على تحميلِكَ كلَّ هذهِ المسؤولِيَّة !

الأبُ: بعدَ اليومِ لنْ يَحصُلَ مثلُ هذا مُجدَّداً، انظُرْ هناكَ .

نَظَروا حيثُ أشارَ نيلسون فَأَرَوْا مَقعَداً خشبيّاً مُحاطاً بِأحزِمَةٍ.

.

.

.

بعدَ قليلٍ دخلوا إلى المنزلِ وبَقِيَتْ مارثا في الخارجِ تَنظرُ إلى عدَّادٍ موجودٍ على الجدارِ وعليهِ رقمُ 6.72، ثمَّ تَبِعَتْهُمْ بِالدُّخولِ.

جلَسَ الأربعَةُ عندَ المائدَةِ لِتَناولِ الغداءِ، ومارثا تَفَحَّصَتْ يَدَ جيمِ المُصابَةَ.

مارثا: لقدِ اعتَنَيْتَ بِيَدِكَ بِشكلٍ مُمتازٍ حقّاً ! لأوَّلِ وهلَةٍ ظننتُ أنَّ طبيباً حقيقيّاً منْ قامَ بِهذهِ الإسعافاتِ الأوَّلِيَّةِ !

جيمُ: بالطبعِ فلا زلتُ أطمحُ بِأنْ أصيرَ طبيباً في المستقبلِ، ولكنْ تَبقى قُدرَةُ ريبيكا على شفاءِ نَفسِها تلقائياً هيَ الأفضلُ وعِندي فُضولٌ لِمَعرِفَةِ سِرِّها.

ريبيكا : ...

نيلزُ: جميعُنا لدينا الفُضولُ لِمَعرِفَةِ سِرِّ هذهِ القوَّةِ ...

ريبيكا : ...

.

.

.

.

.

.

.

⋆༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

مرّت الأيامُ والأشهرُ واقتربت ريبيكا من بلوغِ الثانيةَ عشر، وفي إحدى اللّيالي بينما هي مشغولةٌ بالتحديقِ في نجومِ السماءِ ... لاحظت فجأةً توهّجَ إحدى النجومِ بشدةٍ وضوؤها انتشرَ في كلِّ مكانٍ فوضعت ريبيكا يدَها أمامَ عينيها لحمايتِها من الضوءِ ثم عادت النجمةُ إلى مستوى توهجُّ طبيعيٍّ كما حصلَ في السابق، نظرت حولَها وإذ برمالٍ حولَها، فوقفت بذعرٍ واكتشفت إنها في نفسٍ المكانِ الذي زارته في ذلك اليومِ !

الصوت : اليوم مرَّ على لقائِنا سنةٌ كاملةٌ ، احسنتِ بإجادةِ التحول لعملاقٍ بنفسكِ .

وقفت ريبيكا باحتراسٍ ونظرت حولها .

الصوت: إن والدكِ قد كان شخصاً ذو مكانةٍ عاليةٍ وبعدها تمِّ نفيُه إلى هذه الجزيرةِ بسبب خطأٍ فادحٍ قد اقترفَه، وأمُّك عالمةٌ تزوجَته وعندما تمَّ نفيُه لم تقبَل أن تتركَه وحيداً وقرّرت المجيءَ معه، وأنتما الطفلان قد تمَّ جرّكما إلى هذا الجحيمِ بسببهما .

شعرت ريبيكا بالانزعاجِ من كلامِه وأجابته : لا، خطأ، لا، لا ...

الصوت : إن عائلتَك هي كلُّ شيءٍ بالنسبةِ لك وإلّا لما مشيتِ كلَّ تلكَ المسافةِ إلى أكثرِ الأماكنِ الملوّثةِ في الجزيرةِ لإيجاد علاجٍ لوالدك، لذلك سأعرضُ عليكِ التالي؛ يمكنكِ الحصولُ على قوةٍ قادرةٍ على علاجِهما وعلى الكثيرِ من القوى الأخرى المذهلة، إذا كنتِ تريدين ذلكَ أومئي بنعم .

سكنت ريبيكا للحظاتٍ وفكّرت قليلاً ، ثمِّ أومأت بوجهِها ببطء بمعنى "نعم" .

ثمّ ظهرَ فجأةً من العدمِ نفسُ الولدِ الذي ظهرَ لها سابقاً .

الصوت : هناك وسيلتان للحصولِ على هذه القوى ...

فتحَ الولدُ يدَه اليسرى فظهرت شجرةٌ مضيئةٌ كثيرةُ الفروع فيها .

الصوت : الوسيلة الأولى طويلةُ الأمدِ وهي المساراتُ وللحصولِ عليها سيتوجّبُ عليكِ الإنجابُ من شخصٍ معيّن وستظهرُ القوةُ بعدَها عشوائيّا بين ذريّتِك وسيتمُّ توارثُها للأبدِ !

حاولت ريبيكا استيعاب الكلامِ المعقّد الذي يقولُه هذا الشخص .

الصوت : ولكنّكِ لا تحتاجينَ هذا الخيارَ في وقتكِ الحالي لذلكَ فلنتجاهلهُ .

ثم أغلقَ الولدُ يدَه وفتحَ الأخرى فظهرت منها عدّةُ نجومٍ متصلةٍ ومشكلةٍ برجاً سماوياً .

الصوت : الطريقةُ الثانيةُ قصيرةُ الأمدِ وفيها ستمتلكينَ أنت القوى وستتلاشى هذه القوى مع وفاتكِ وللحصولِ عليها سيتوجبُ عليكِ فعلُ الآتي ؛ "..." .

قال الصوتُ شيئاً ما والفتاةُ كانت تستمعُ إليه وبعدها تغيرت ملامحُها فجأةً لتصبحَ مليئةً بالخوف .

صرخت ريبيكا بذعرٍ : لااااااا ........ لا ، لا لا لا .

الصوت : تذكّري ... سيتحتمُ عليكِ الاختيار ! .

سدّت ريبيكا أذنيها وخفضت رأسها وصرخَت : لا لا لا لا اصمت لا لا .

الصوت : بقيَ أمرانِ لإخبركِ إياهما، الأولُ يمكنكِ العودةُ إلى هنا متى ما أردتِ ذلك، لكني لن أجيبكِ عندما أرغبُ منكِ أن تتخذي القراراتِ بنفسك .

ريبيكا كانت تضعُ رأسها أرضاً غيرَ مستمعةٍ ... ثمَّ بعدَ قليلٍ رفعته والدموعُ في عينيها .

الصوت : ثانيا؛ مهما حصلَ لكِ، أريدكِ أن تواصلي حياتَك، استمري بالعيش !

ثمَّ وضعَ جيم يدَه على كتفِ ريبيكا : هيي بيكا ...

تفاجأَت ريبيكا ونظرَت حولَها فإذ هي قد عادَت إلى الحياةِ الواقعيةِ .

جيم : ما بالُ عملاقتِنا شاردة ؟ لقد فوتتِ العشاءَ العائلي، وأمي قد صنعَت كعكتَها المميزة، هاكِ كأسَ شرابٍ .

التقطت ريبيكا منه الكأسَ وهي ترتجفُ قليلاً : ش.... شك...

جلسَ جيم جانبَها ... وكان يبدو عليه بعض الاستغراب : ما بالكِ ؟ هل هناكَ خطبٌ ما ؟

انهمرت الدموعُ من عينيّ ريبيكا : لا... أدري ...

.

.

.

.

.

.

.

⋆

༺𓆩𖤓𓆪༻⋆

مرَّ حوالي أسبوعان وفجأةً ازدادت حدّةُ مرضِ أبيهم وعادَ لالتزامِ الفراشِ وأصبحت حالتُه أسوءَ من أيِّ مرةٍ ... وذلكَ بسببِ انتهاءِ أحدِ مكوناتِ الدواءِ الذي يستعملُه ، لذلكَ خرجَ جيم وريبيكا لإيجادِ بعضٍ من أنواعِ الأعشابِ الطبيّةِ في إحدى المناطقِ الجبليّةِ في الجنوب ، وجيم جالسٌ على كتفِ ريبيكا حيثُ صمّمَ والده مقعداً آمناً ليتمَّ وضعُه هناكَ مثلَ السّرج .

جيم : ريبيكا أعرفُ أنّكِ تتضايقين من مجيئي معكِ في هذه الرحلات ... لكن تعرفين أنّك تحتاجين إلي كثيراً .

استمرّت ريبيكا في تسلُّقِ الجّبلِ بصمت : ...

جيم : أنت ممتازةٌ من حيثِ سرعةِ التنقُّلِ وتوفيرِ الجهدِ وعبورِ الأماكنِ الصعبةِ وإيجادِ أيِّ شيءٍ من خلال الرائحةِ ، -ثم صرخَ فجأةً - احترسي من ذلك النتوءِ ! لا تضعي يدكِ عليه فهو يبدو ضعيفاً !

وبعدها تجنّبته ريبيكا العملاقةُ بالفعل ، وجيم شعرَ بالرّاحةِ من ذلك .

جيم مواصلاً : جيّد ، بأيّ حالٍ كما كنت أقول ؛ أنت تحتاجين أحداً لكي يساعدكِ في البحث في الأماكنِ الدقيقة بالإضافة إلى أنّكِ تتوهين بسهولةٍ وتحتاجين للإرشاد .

ثم نظرَ إليها ومسحَ على شعرها : أنا ... لن أتخلَّ عنكِ ابداً !

لكن بعدَ قليلٍ وبينما هي تتسلقُ في إحدى المنحدراتِ الحادةِ ، فجأةً جيم صرخ ؛ "احترسي !!" وانزلقت يدُها وسقطَ العملاقُ وحصلَ انهيار !

شعرت ريبيكا بأنَّ الزمن بطيءٌ وهي تسقطُ في الهواءِ متجهةً لتصطدمَ بالأرضِ وكانت تنظرُ إلى السماءِ المليئةِ بالصخورِ التي تتبعها بالسقوطِ وكأنّها معلّقةٌ إلى الأبدِ مع هذه اللحظة التي ستغيّرُ كلَّ شيءٍ بالنسبةِ لها !

بعدها يصلُ العملاقُ للأرض ويحصلُ اصطدامٌ قويٌّ ومن ثمَّ سواد !

.

.

.

ثم استيقظت ريبيكا لتجدَ نفسها ملقيةً أرضاً وأصبحت تسمعُ صوتَ صراخِ أخيها ويوجدُ هناك الكثيرُ من الصخورِ على جسدِهابعضها اخترقَها ومزقَها، نظرت حولَها ورأت أن المقعدَ فارغٌ وقد انسلَّ من كتفِها ، نظرت أبعدَ قليلاً ووجدت صخرةً حمراءَ مضرجةً بالدماءِ وأسفلُها أخوها الأصغرُ أو ما بقي منه !

وهنا تسمعُ ذلك الصّوت من ذكرياتها ؛"سيتحتّمُ عليكِ الاختيار !" .

.

.

.

.

.

لاحقاً أصبحت ريبيكا العملاقة تركض مسرعةً للبيتِ الذي يبعدُ مسيرةَ نصف يومٍ وتحملُ بيدها أخيها وقد قُطعت يدُه ورجلُه والدماءُ كانتُ تخرجُ منهم بغزارة -مع أنه قد تمَّ ربطهما من قبل ريبيكا- .

صوتُ ريبيكا الداخلي : لا تمت، لا تمت، لا تمت، أرجوك !

استمرَّ أخوها بالصراخِ والأنينِ لمدةِ عشرينَ دقيقةٍ وبعدها بدأَ صوتُه بالاختفاءِ تدريجيّا، وهي كانت تركضُ بهلعٍ ولا تعرفُ ما الذي ستفعله ، ثم هي سمعت ذلكَ الصوتَ مجدّداً ؛ "سيتحتّمُ عليكِ الاختيار" ، وبعدها تذكّرَت ذلك المشهد ...

__________________

فتحَ الولدُ عديمُ العينينِ يدَه والتي فيها البرجُ السماوي .

الصوت : الطريقةُ الثانيةُ قصيرةُ الأمدِ ستمتلكين أنت القوى وستختفي مع وفاتِك ولكي تستخدميها سيتوجّب عليكِ إلتهامُ أحدِ أفراد عائلتك !! كما ترين فإنَّ هذا المكان يتغذّى على المشاعرِ البشريةِ لسببٍ ما ، بأيِّ حال يوجدُ لديكِ ثلاث أشخاصٍ ليعطوكِ القوةَ بالفعلِ ! لذلكَ ما إن يكونَ أحدُ أفرادُ عائلتِك على وشكِ الموتِ يفضَّل أن تلتهميه من أجلِ إنقاذِ البقيةِ ! .

___________________

ثمّ حملت ريبيكا أخاها جيم وقرّبته من فمِها .

وبعدها صرخَ جيم بما تبقّى من صوتِه : لا ... ما ... الذي ... تفعلي... نه ...؟ ري...... بي........ كا ......... !

ثمّ وضعته ريبيكا بينَ أسنانِها وبعدَها ظهرت ملامحُ فزعٍ في وجهِه : لاااااا ، توقفييي !!!!

ريبيكا : آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ...

الصوتُ في رأسِ ريبيكا : التهميه بسرعةٍ قبلَ أن يموت !

ريبيكا : آسفة ، آسفة ، آسفة ،آسف ، آسفة ...

نزلت دمعةٌ من عينِ العملاقِ .

ريبيكا : آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ...

الصوت : وإلّا سيكونُ الأمر عبثاً !

ريبيكا : آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ،آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ،آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ،آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ،آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ،آسفة ، آسفة ، آسفة ، آسفة ...

صوتُ قضم ...

.

.

.

.

.

ريبيكا تروي هذا الحدث بصوتٍ هادئٍ واعٍ بلهجةٍ يتخلّلُها شيءٌ من الحزنِ العميق والحكمة : في ذلك اليوم ... لقد اعتقدت أن هذا الحدث قد كان نهاية العالم بالنسبةِ لي ... ولم يعد يهمني أيُّ شيءٍ آخر حينها ... لكنني لاحقاً أدركت ... أنه لم يكن النهاية ... بل قد كان البدايةَ لكلِّ المصائب والأمور الغريبة والعظيمة التي سأعيشها في حياتي ! ...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

العملاق المهاجم: فجر إمبر

المؤلف بدر
2025/08/04 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة