مغامرة ممتعة

مغامرة ممتعة

20 0

كانت وعد تسكن في منزل فخم و كانت عائلتها تتكون من امها و التي تعمل كطبيبة جراحة و تعد من أشهر جراحين الدماغ في البلد و والدها الذي يعمل كمدير بنك

كان منزل وعد. يطل على غابة ساحرة

كانت وعد تجلس كل ليلة في غرفة نافذها التي تطل على تلك الغابة و يترواد إلى ذهنها السؤال ذاته

لماذا يقوم والداي بمنعي من دخولها؟ تبدو جميلة لم تكد تنهي سؤالها حتى دخلت عليها والدتها شهد و قطعت تفكيرها بقولها: "ألم تنامي إلى الآن غدا لديك مدرسة و عليك ان ترتاحي "

أجابتها وعد:" سأنام و لكن قبل ذلك أجيبي عن سؤالي لماذا لا أحد يسمح لي بدخول الغابة؟ "

فأجابتها: "لا يسمح لأحد بدخولها ليس أنت فقط بل الجميع"

أجابتها وعد باستهزاء:" أعلم أنك تكذبين علي

من أجل عدم دخولها ولكن لماذا؟ "

مضت برهة من الصمت حتى قطعها والد وعد ماجد بدخوله: " ما الذي يجري هنا ألم تنامي إلى الآن يا صغيرة؟ "

أجابته وعد بغضب: " أولا أنا لست صغيرة و سأدخل 18 قريبا ثانيا أنا غاضبة منكم لأنكم لا تسمحون لي بدخول الغابة" نظر إليها والدها بتجهم وقال: "لقد تأخر الوقت لكن قبل ذلك سأحكي لك حكاية و التي كانت تحت عنوان أميرة تحكم العالم

لم يمض وقت طويل على بدء الحكاية و لكن وعد نامت من شدة ارهاقها و كثرة تفكيرها

خرج ماجد من غرفتها ليتجه إلى الصالون ليجد زوجته في إنتظاره، فبدأ بالكلام

لماذا هي عنيدة هكذا؟ تريد أن تعرف كل شيء قالت شهد: إنها إبنتك و هي تشبهك

هل نسيت أنك كنت أعند منها؟

أجابها ماجد: أجل لقد كنت عنيدا و فضوليا أيضا و لكن في أشياء مهمة و ليس مثل هذه، لتقاطعه شهد بعد أن غرق ماجد في ذكريات طفولته قائلة: علينا اقناعها بالتخلي عن عن فكرة دخول الغابة إنها خطيرة جدا و عاقبة من يدخلها وخيمة جدا

أجابها ماجد: إذا لم تتخلى عن فكرة الدخول سنضطر إلى الرحيل من هذا المنزل

هزت شهد رأسها موافقة له فقال لها: هيا إلى النوم

و في الصباح الباكر نهضت شهد قبل الجميع لكي تجهز حقيبة سفرها، لينهض بعدها ماجد ثم وعد لتجد حقيبة أمها موضوعة على السرير و شهد تجهز ملابسها تسألها وعد: إلى أين تذهبين يا أمي؟

قالت شهد: سأسافر إلى بلد أجنبي من أجل عملية مهمة

أجابت وعد: ألا يوجد طبيب آخر سواك لا أريدك أن تذهبي

قالت شهد: هذه عملية مهمة من أجل مسيرتي، سأغيب لمدة أسبوع

قال ماجد: أتمنى أن ينتهي بسرعة لأنني سأشتاق لك

قالت وعد بسخرية: أنتم تشبهون عشاق الثانوية

أجابها والدها وهو يكتم ضحكته: عندما تتزوجين رجلا تحبينه ويحبك سيتغزل بك مثلما أفعل أنا مع أمك

قالت شهد: هيا نتناول فطور الصباح قبل أن نتأخر جميعا.

عند جلوسهم سألت وعد والدتها عن موعد رحلتها، أجابتها شهد: ستنطلق عند الثالثة مساءا و لكن أولا سأذهب لزيارة جدتك لأنني لم أرها منذ زمن أعرف أنك ستسألين لهذا أجبتك بعدها سأذهب إلى المشفى. هل إنتهت جميع تساؤلاتك

أجابت وعد: نعم لك... لكن أريد أن تبقي بجانبي

قاطعها ماجد: هل نسيتني بهذه السرعة سأكون هنا مساءا لكن سأتأخر لأن هناك اجتماعا مهما سنقوم بعقد صفقة إدعي لي يا عزيزتي

عندما تعودين من المدرسة أغلقي الأبواب و اتركي الأضواء مشتعلة و إذا أردت يمكنني أن أرسل حارسا من أجل حمايتك

هزت وعد راسها معارضة لفكرة الحارس

قالت شهد: من الأفضل أن لا تذهبي للمدرسة اليوم

قال ماجد: لقد تأخرنا يا حبيبتي

نظرت شهد إلى الساعة و وجدت أنها ستتأخر إن لم تذهب الآن

قامت وعد بتوديع والدتها مع القليل من الدموع

قالت شهد: انتبهي لنفسك يا عزيزتي

خرجت شهد بسيارتها متجهة إلى منزل والدتها ثم خرج بعدها ماجد و قبل ركوبه سيارته عاد إلى المنزل لأنه نسي المفاتيح و قال لوعد لا تخرجي من المنزل و في حال شعورك بالملل إنزلي للمسبح

قالت وعد: حسنا يا أبي

أجابها ماجد: نلتقي غدا صباحا

أخذ ماجد المفاتيح و حقيبة عمله وركب السيارة و انطلق إلى العمل

دخلت وعد إلى الداخل و نظرت إلى طاولة الفطور وقالت سأنظفها لاحقا

صعدت إلى غرفتها و فتحت خزانتها وأخرجت ملابس السباحة و نزلت إلى المطبخ لأخذ كأس من العصير

نزلت وعد إلى المسبح و قامت بالجلوس على أريكة هناك و قامت بتشغيل أغنيتها المفضلة بأعلى صوت و كانت كلماتها كالآتي:

وهبته روحي فما أدري به ما فعل

اسلمته في يده عيشه ام قتلا

قلبي به في شغل لا ملا ذاك الشغلا

كانت وعد تعشق الأغاني العربية و خاصة هذه الأغنية بعد ذلك نزلت إلى المسبح و قامت بعدة حركات ملفتة للنظر و بعدما خرجت و ألقت نظرة على هاتفها وجدت إتصالا من والدها وبعدها وصلت رسالة منه يقول فيها: " سأتأخر يا عزيزتي بعد الإجتماع لدي جولة تفقدية لمجموعة من البنوك، لا تنتظريني

في الليل قامت وعد بتحضير وجبة خفيفة للعشاء و أشعلت التلفاز و شاهدت برنامجها المفضل، بعد مدة من بدء البرنامج بدأت تشعر بالنعاس فذهبت إلى النوم و عند حلول منتصف الليل بدأت وعد تسمع أصوات غريبة مثل صوت صراخ

إمرأة و صوت بكاء، طفل صغير و شخص يتوسل و يقول: " أنقذوني، أنا لم أفعل شيئا إنه ليس ذنبي "

إستيقظت وعد و الدموع في عينها تنهمر على خدها لهول ما رأته في حلمها، وقالت في نفسها أنه مجرد كابوس، و لكن من شدة رعبه لم تستطع النوم و لكن غلبها النوم من شدة التفكير و عندها رأت غابة كثيفة الأشجار و كأنها مليئة بالأرواح و كانت تسمع امرأة ورجلا يصرخان حيث كان بكاء المرأة يهز الغابة من شدة قوته و كان الرجل يقول: " إنه ليس ذنبي، اتركوني و شأني أنا لم أقتله، بعدها سمعت صوت شخص يقول: قال صاحبه أنه رآك وأنت تقتله، و أجهش الرجل بالبكاء و قال: أنا لم أكن أعلم أنه منكم، لقد كان متنكرا و حاول أذية إبنتي و كان يرسل لها نداءات من أجل دخول الغابة و لكن أنا منعتها و أضاف أيضا، إذا حاولت لمس ابنتي

سأقتلك،

لا تنسى يا رهيبور اني كنت منكم و أن إسمي كان رغدان و أنني كنت أحرس هذه الغابة و أجابت المرأة و أنا أيضا كنت منكم و كان إسمي زهران و كنت أحمي النباتات و الأشجار السحرية المحيطة بالغابة

أرجوكم أشفقوا علينا فلدينا فتاة أنا أتوسل إليكم اتركونا و سنكفر عن ذنبنا بأي طريقة، أجابه رهيبور: "سأطلق سراحكم بشرط أن آخذ ابنتكم بدلا منكم"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رهيبور: يمكن أن يقرأ كـ "المخيف النور" أو "محارب" الرهبة، مما يعكس تناقض شخصيته بين القسوة والجمال.

رغدان: من "الرغد العيش الكريم، لكن بلمسة غموض( كأنه تخلى عن رغده لسبب ما).

زهران: من "الزهر" و"النوران"، كأنها روح الأزهار المتوهجة.

استيقظت وعد بعدها و كان وجهها شاحب حيث شعرت و كأنها شاهدت فيلم رعب، و لكن لفت انتباهها شيء ما و هو أن الأصوات بدت مألوفة لها.

و لكن من شدة خوفها إتصلت على والدها و لم يرد بالرغم من أن والدها يرد حتى عندما يكون مشغولا، واتصلت بأمها ولم ترد عليها.

و بعدها نزلت إلى المطبخ لتجد باب الشرفة مفتوحا رغم أنها أغلقت جميع الأبواب و النوافذ و وجدت أن الطاولة قد نظفت والأواني قد غسلت، فبدأت تشعر بالخوف و ما إن لبثت لحظة حتى وجدت أن الأبواب أغلقت وأن الأضواء قد اشتعلت وظهر أمامها شخص وكأنه شبح و قال لها: "انا من أرسلت لك رساله ليلة أمس هل تذكرتني؟"

قالت وعد: "هل انت الذي كنت في الحلم؟ وهل أنت من كنت ترسل تلك الأصوات في الليل؟"

أجابها: "نعم"

قالت وعد: " أليس لديك إسم يا هذا؟ "

اجاب: "بلى و اسمي هو رهيبور"

قالت وعد: " إذا أنت الشخص الي قام الرجل بذكر اسمه في الحلم "

قال رهيبور: " لم أتوقع أن تكوني ذكية للغاية، نعم إنه انا

و لكن هل عرفت من هما المرأة و الرجل؟ "

هزت وعد راسها نافية وقالت: "لا ... و لكن صوتهما بدا مألوفا لي ..." ثم صمتت و قالت:" إنه ...إنه يشبه صوت أشخاص أعرفهم "

قال رهيبور: "حسنا، ستعرفين لاحقا أتيت لأخبرك أن تلك الأصوات هي رسائل و تحذيرات لك في حال أتتك مرة أخرى، ركزي معها جيدا"

قالت وعد: " حسنا، أريد أن أسألك سؤالا "

قالت: " حاولت الاتصال بأمي و أبي و لكن لم يردا، هل يمكنك معرفة مكانهما؟ "

أجابها: "سأحاول، لكن لن أعدك بشيء"، بعدها اختفى

صعدت وعد إلى غرفتها و بدأت تطل من على النافذة و ترى تلك الغابة الغريبة، ثم تذكرت الحلم و رأت أن هذه الغابة تشبه الغابة التي رأتها.

بعد صراع وعد الشديد مع أفكارها، أخذت حقيبة صغيرة وضعت داخلها الهاتف، كاشف ضوئي و أخذت من المطبخ سكينا للاحتياط و قررت دخول الغابة.

بخطوات مرتعشة، دخلت وعد الغابة الهواء تحول فجأة إلى ضباب بارد يلتف حول جسدها كأذرع خفية. الضوء الوحيد كان من كاشفها الضوئي الذي يرتعش كما لو أن الظلام

يحاول ابتلاعه

فجأة، سمعت صوت حفيف خلفها. التفتت لترى ظلا أسود يتحرك بين الأشجار، ثم اختفى.

رهيبور... هل أنت هنا ؟ نادت بصوت خافت.

لكن الذي ظهر أمامها لم يكن رهيبور.

كان شبحًا شاحبًا بعينين حمراوين، يشبه رهيبور لكنه مشوه، بجروح نازفة على صدره.

"أخيرا... ابنة القاتلين تأتي إلينا."

الفصل الثاني

الكشف عن الحقيقة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشبح تقدم نحوها، وكشف هويته

"أنا ساريان... أخو رهيبور الذي قتله والداك قبل 17 عاما."

في تلك الليلة، كان ساريان يتنكر كبشر لاستكشاف العالم الخارجي (كما يفعل بعض الجن للترفيه).

والدها (رغدان) رآه يحاول لمس وعد وهي رضيعة فظنه غريبا يهاجمها، فطعنه بسكين فضي( السلاح الوحيد الذي يقتل الجن).

أمها (زهران) حاولت إنقاذه بسحرها، لكن الروح الشريرة في الغابة اختطفت روح ساريان قبل أن يتمكن من شرح الحقيقة.

فجأة، ظهر رهيبور كالبرق، ووقف بين وعد وساريان.

"كفى هذه الفتاة ليست عدوتنا ... إنها ابنة زهران وكانت طفلة بريئة !"

لكن ساريان ضحك بصوت مكسور:

"أخي الأعمى... هل نسيت أن دماءنا تستحق الانتقام ؟"

رفع يده، وانفتحت الأرض تحت قدمي وعد، لتبدأ الأشجار بلف جذوعها حولها كأفعى.

رهيبور نظر إلى وعد بعينين ذهبيتين مليئتين بالألم

"هناك طريقة واحدة لإنهاء هذا ... إما أن تتنازلي عن ذكرياتك مع والديك فينسونهما إلى الأبد، أو..."

توقف، ثم أكمل بصوت أثقل من الرصاص:

"أو أقتل أخي بيدي... لأحميك."

وعد شعرت بقلبها ينفطر. كيف تختار بين والديها... وبين رهيبور؟

المفاجأة الكبرى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فجأة سمعوا صوت انفجار من بعيد، ظهرت زهران (أمها) بثوب من أوراق الشجر الذهبية، ورغدان (أبوها) بسيف من ضوء القمر.

الأم صرخت: "سنحمل ذنبنا ... لكن دعوا ابنتنا تذهب"

ساريان اهتز كأنه تذكر شيئا، ثم زار:

"لا! لن أغفر أبدًا!"

رهيبور قفز نحو أخيه، لكن الأشباح الأخرى في الغابة . حاصرته.

وعد حاولت الهرب، لكن الجذور ربطت قدميها .

في اللحظة الأخيرة، لمست العلامة على ساعدها التي تشبه عينًا، فانطلق منها ضوء أعمى....

الفصل الثالث

بعد أن اختفى الضوء الأعمى، فتحت وعد عينيها لتجد نفسها محاطةً بأشجار عملاقة منحوتة على شكل أبراج . كانت تقف في وسط مدينة حجرية مهجورة تزين جدرانها رموز تشبه العلامة على ساعدها. الهواء كان مشبعا برائحة الياسمين البري والرطوبة القديمة.

رهيبور وقف أمامها، لكنه بدا أشبه بالبشر الآن - عيناه الذهبيتان باهتتان، وجسده أقل شفافية.

أشار إلى المدينة الخالية:

"أين نحن؟" سألته وعد بلهفة.

"هذه ميراث... آخر مدينة للجن قبل أن تتحول غابتنا إلى عالم الأرواح. هنا قضى أخي ساريان طفولته."

جولة في المدينة المنسية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ساحة الأضواء الذابلة.

حيث كانت تقام طقوس الرقص تحت القمر الآن الأعمدة الحجرية مغطاة بطبقة من الطحلب الأزرق الذي يتوهج كالنجوم

رهيبور لمس أحد الأعمدة، فظهرت ظلال شبحية لجن يرقصون، بينهم ظل طفل صغير (ساريان).

بيت العائلة.

منزل صغير بباب منقوش عليه رمز العين داخله وجدت وعد دمية قماشية على شكل طائر.

رهيبور همس: "هذه الدمية كانت تضحك أخي... لقد كان يخاف الظلام.

البئر الملعونة.

في مركز المدينة، بئر عميقة تسمع منها همسات الارواح.

رهيبور أخبرها أنها لو ألقت شيئا ثمينا فيها، ستظهر لها الحقيقة الكاملة.

وعد أخرجت خاتم أسما المميتة

الفصل الرابع

الكشف الأخير

وعد أخرجت خاتم أمها الذي وجدته في جيبها رغم أنها تركته في المنزل)، وألقته في البئر.

المياه تحولت إلى شاشة سحرية تظهر الماضي:

والداها رغدان وزهران شابان يتسللان إلى الغابة كبشر فضوليين.

ساریان (متنكرًا كشاب بشري) يقابلهما، ويُظهر لهما جمال الغابة.

فجأة، يهاجمهم جن غاضب (كان يعاقب ساريان لاختلاطه بالبشر). رغدان يطعنه بالسكين الفضي ظنا منه أنه يحمي زهران.

الصورة تتغير لترى زهران تحمل وعد الرضيعة، والجدة (والدة زهران) تنقش العلامة على يدها وهي تهمس:

هذه العلامة ستجعل الجن يعرفون أنها منا... ستكون جسرًا بين العالمين.

فجأة، ظهر ساريان من البئر نفسه، لكنه لم يعد شبحًا غاضبا عيناه كانتا مليئتين بالدموع السوداء.

لقد نسيت كم كنت سعيدًا ... قال بصوت مكسور.

رهيبور تقدم نحو أخيه:

الغضب محى ذكرياتك الجميلة ... لكنها عادت الآن.

ساريان نظر إلى وعد

"أنت... لست ابنة أعدائي. أنت ابنة تلك الليلة التي رأيت فيها البشر لأول مرة بقلب طيب."

المصالحة:

الجن يغفرون:

الأرواح في المدينة بدأت تتوهج باللون الذهبي والغابة كلها تزهر فجأة .

ساريان يتحرر من لعنة الغضب، ويصبح شبحًا طيبا يحرس المدينة.

رهيبور يقدم على تضحيته:

هو الآن أصبح بشريًا بسبب اختياره حماية وعد.

يقول لها: "مدينتنا تحتاج حارسًا جديدًا... سأبقى . أنا هنا."

الوالدان يعودان:

وعد تجدهما نائمين في المنزل، كأن شيئا لم يحدث. لكن على طاولة الطعام، تقع ورقة قديمة كتب عليها:

"اعذرينا ... كنا نحاول نسيان ذنبنا بحبك."

في الصباح التالي جلست وعد على حافة نافذتها تنظر إلى الغابة، الأشجار لم تعد مظلمة ... بل مغطاة بزهور ذهبية .

هاتفها يرن. رسالة من رهيبور (الآن رقمه مسجل في هاتفها كأنه كان دائما هناك):

"عندما تريدين زيارة المدينة ... أديري ظهرك للشمس ثلاث مرات".

وبعد لحظة، رسالة ثانية من أمها:

"هل تحبين أن نتعشى الليلة في حديقة الغابة ؟ لدينا الكثير لنحكيه لك."

وعد ابتسمت، وأرسلت

"نعم... لكنني سأحضر ضيفًا."

الفصل الخامس

بعد مرور سنة كانت وعد تجلس على نفس حافة النافذة، لكن المنظر كان مختلفا هذه المرة. الغابة لم تعد تحتفظ بزهورها الذهبية، لكنها لم تعد مظلمة أيضًا. لقد تحولت إلى مكان بين بين حيث تتلاقى العوالم بخفة.

هاتفها رن مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت الرسالة من رقم مجهول

هل ما زلت تتذكرين الاتجاهات؟ الشمس تنتظر إشارتك."

وعد لم تتردد أدارت ظهرها للشمس ثلاث مرات، وفي اللحظة الثالثة، شعرت بنسمة دافئة تحمل عبق زهور لم تعرفها من قبل عندما فتحت عينيها، كان رهيبور واقفا أمامها، يبتسم بذلك الهدوء الذي تعرفه جيدا.

"حان وقت الزيارة"، قال وهو يمد يده لها.

قبل أن تمد يدها التقطت هاتفها وأرسلت لأمها:

سنصل قريبا... وهذه المرة الضيفان سيكونان أكثر من واحد."

نظر رهيبور إليها باستفسار، لكنها أومأت باتجاه الغابة حيث بدت ظلال أخرى تتحرك بين الأشجار... كأنما السنة الماضية لم تكن سوى البداية.

كانت خطوات وعد و رهيبور تتردد بين الأشجار، كل خطوة تقربهم أكثر من ذلك العالم الخفي الذي بدأ يفتح أبوابه تدريجياً. الهواء حولهما كان مشبعاً برائحة التوت البري والخشب القديم، وكأن الغابة تتنفس معهما في انسجام.

من هم الضيوف الآخرون؟" سأل رهيبور بينما يتفحص الأغصان الممتدة فوقهما، وكأنه يتوقع ظهور أحد ما.

ابتسمت وعد دون أن تجيبه، مشيرة إلى مسار ضيق بين الأشجار لم يكن هناك من قبل. سترى بنفسك... لقد تغير الكثير خلال هذه السنة."

وبينما هما يسيران، بدأت أصوات خفيفة تصل إليهما من بعيد ضحكات مكتومة همسات متقطعة، وخطوات خفيفة كأوراق الخريف. فجأة، توقفت وعد وأمسكت بيد رهيبور بقوة. "انظر!"

من بين الضباب الخفيف، بدأت تظهر ثلاث شخصيات. الأولى كانت أمها، لكنها لم تكن ترتدي ملابسها المعتادة بل رداء من قماش أشبه بأجنحة الفراشات. وإلى جانبها وقف رجل طويل بملامح غامضة، عيناه تلمعان كالنجوم في الليل. أما الثالثة، فكانت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها العاشرة، تحمل في يديها زهرة ذهبية متوهجة.

"أمك... ولكن حاول رهيبور أن يفهم، لكن الكلمات توقفت في حلقه.

"نعم" همست وعد. أمي" لم تكن مجرد إنسانة عادية ... وهذا هو سرّها الذي أخفته طوال هذه السنوات."

أومأت الأم برأسها، ثم تقدمت نحو رهيبور. "مرحباً بك بيننا... أخيراً."

صوتها كان ناعماً، لكنه يحمل قوة غريبة كأنه يحمل قروناً من الحكمة.

أما الرجل الطويل، فقد مد يده نحو رهيبور.. "أنا حارس الغابة، وصديق العائلة منذ زمن طويل." ثم أشار إلى الفتاة الصغيرة. وهذه ليلى... ابنة وعد.

صمت ثقيل ساد المكان رهيبور نظر إلى وعد بعينين واسعتين. "ابنتك ؟ لكن كيف؟"

"الوقت هنا يختلف أجابت وعد بهدوء. "سنة في عالمنا قد تكون دقائق في هذا المكان... أو قروناً."

أخذت ليلى خطوة إلى الأمام، وقدمت الزهرة الذهبية لرهيبور. هذه لك... لقد حان وقت العودة.

"العودة ؟ إلى أين؟"......

لكن قبل أن يجيب أحد، بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم، والأشجار تميل كما لو كانت تنحني لشيء ما.

السماء فوقهم تحولت فجأة إلى لون أرجواني غامق وكأن الليل والنهار يتصارعان في لحظة واحدة.

أمسكت وعد بيد رهيبور بقلق. "إنهم قادمون... من كانوا يختبئون كل هذا الوقت."

وفي الأفق، ظهرت مجموعة من الظلال الطويلة، تتحرك بسرعة مخيفة نحوهم. لم يكونوا بشراً ... ولا شياطين..... بل شيئاً آخر تماماً.

أغلقت الأم عينيها وهمست كلمات قديمة، بينما بدأت الزهور الذهبية حولهم تتوهج بقوة، كأنها تشكل حاجزاً من النور.

"لا تخف" قالت ليلى لرهيبور، وهي تضغط على يده.

"لقد حضرنا لهذه اللحظة منذ زمن بعيد".

الفصل السادس

كان الهواء يئز بشحنات غريبة، كأن العوالم كلها تضغط على تلك البقعة الصغيرة من الغابة الظلال القادمة لم تعد مجرد خيالات، بل اتخذت أشكالاً واضحة الآن: مخلوقات طويلة بلا ملامح، أجسادها تتلوى كالدخان الأسود، لكن عيونها ... عيونها كانت ثقوباً حمراء تتوهج بالجوع.

" من هؤلاء ؟!" صرخ رهيبور، لكن صوته ضاع في زئير الريح المفاجئ الذي حمل معه رائحة الرماد.

أجابت الأم بسرعة، وهي ترفع يديها كأنها تستعد لصد هجوم: "الراقدون... أولئك الذين رفضوا الرحيل عندما سقطت البوابة الأولى قبل قرون"

وعد أخرجت من جيبها قطعة حجر غريبة منحوتة على شكل نجمة، بينما كانت ليلى تهمس بكلمات غير مفهومة والزهور الذهبية حولهم تبدأ في التحرك لوحدها، تشكل دوائر متداخلة في التراب.

"أيتها النجوم، استمعي..." همست ليلى، وفجأة انفجر نور أبيض من الزهرة التي كانت تحملها، مكوناً حاجزاً لامعاً بينهم وبين الظلال.

أحد المخلوقات اقترب أكثر من البقية، مد ذراعاً طويلاً نحو الحاجز فور ملامسته النور، انهار الذراع كالرماد، لكن عشرات أخرى بدأت تحوم حول الدائرة الذهبية.

"لن يصمد الحاجز طويلاً" صاح الحارس، وهو يضرب الأرض بعصاه الخشبية، فانفتحت شقوق صغيرة تنبعث منها أبخرة زرقاء.

وعد التفت الرهيبور، عيناها تحملان ذاك المزيج الغريب من الخوف والتصميم: "هل تثق بي؟"

"ماذا؟!"

"يجب أن نفتح البوابة ... هناك!" أشارت إلى مركز الدائرة الذهبية، حيث بدأت خطوط غريبة بالتوهج على الأرض، مشكلة رمزاً يشبه الباب القديم.

"لكن هذا سيفتح الطريق لهم أيضاً!" احتج رهيبور.

"لا... سنرسلهم إلى حيث ينتمون" صرخت الأم، وهي تسحب سكيناً صغيراً من طيات ردائها بسرعة، جرحت كفها وسمحت للدم أن يقطر على الرمز الأرضي. "دمنا يربط البوابات... وعد الآن!"

وعد أمسكت يد رهيبور ويد ليلى، وسحبتهم نحو المركز. "كرر" بعدي!" ثم بدأت تردد كلمات بلغة منسية منذ زمن

"أيتها الريح التي تحمل الأرواح... خذيهم إلى حيث لا يعودون!"

اهتزت الأرض بعنف، والسماء انشقت إلى نصفين، كأن شيئاً ما يتمزق في نسيج الكون نفسه. الظلال صرخت بأصوات معدنية مخيفة، بينما بدأت تنجذب نحو البوابة التي فتحت في منتصف الدائرة.

لكن فجأة، أحد المخلوقات تمزق من المجموعة، وانقض نحو لیلی.

"لا!" رهيبور قفز أمامها، لكن المخلوق اخترق جسده كالسيف. لم يكن هناك ألم، فقط شعور غريب بالبرودة.... ثم سقط على ركبتيه، بينما يتحول لون جلده إلى شبه شفاف.

وعد صرخت والبوابة امتصت آخر الظلال قبل أن تنغلق مع دوي كالرعد الصمت ساد بعد ذلك، حتى الأم سقطت على الأرض منهكة.

لكن رهيبور... كان يتلاشى.

"ماذا حدث له ؟!" بكيت وعد، وهي تحاول الإمساك بيده، لكن أصابعها مرت خلالها كالدخان.

لیلی ،اقتربت و دموعها تسقط على الزهور الذهبية التي ذبلت فجأة. "لقد لمسه الراقدون... سيسحبونه معهم إلى الجانب الآخر".

"لا، هذا غير ممكن" عانت وعد لإبقائه متماسكاً، لكن حتى كلماته بدأت تبهت:

"وعد... عديني... أنك ستجدينني..."

ثم اختفى.

في تلك اللحظة انفجرت الزهور الذهبية الميتة إلى غبار، والسماء عادت إلى لونها الطبيعي، كأن شيئاً لم يحدث.

لكن وعد بقيت جاثية على الأرض، تمسك بالهواء حيث كان رهيبور.

"سأجدك..." همست، بينما تبدأ الأم في جمع قطع الحجر المنكسر. "سأتبعك حتى إلى عالم الراقدين إذا لزم الأمر."

الفصل السابع

وفي الظلال البعيدة، حيث لا يرى أحد، كان شخص ما يضحك......

ظلت وعد جاثية على الأرض، أصابعها تغوص في التراب الدافئ كما لو كانت تبحث عن أثر الرهيبور. الغابة من حولها عادت إلى صمتها المعتاد، لكن شيئاً ما في الهواء اختلف. كان هناك ثقل، وكأن الزمن نفسه توقف ليترقب ما ستفعله.

"لا يمكن أن يختفي هكذا"... همست بينما تقبض كفيها على العدم.

أمها اقتربت منها بهدوء، وضعت يدها المهترئة على كتفها. "الراقدون أخذوه إلى الجانب الآخر، لكن البوابة لم تغلق إلى الأبد."

رفعت وعد راسها فجأة، عيناها تتوهجان بشرارة لم تكن هناك من قبل." أين بالضبط؟ كيف أصل إليه ؟"

الحارس الذي ظل صامتاً حتى الآن، تقدم خطوة إلى الأمام. "هناك مكان... مدينة الضباب. حيث تلتقي الأرواح الضائعة. لكن الطريق خطير، وعد. حتى نحن لا نعرف كل أسرارها."

ليلى التي كانت لا تزال تحمل بقايا الزهرة الذهبية الذابلة في يدها الصغيرة، رفعت صوتها الهادئ: "أمي... أنا أعرف الطريق."

إليها. وعد انحنت لتكون بمستواها. كيف تعرفين يا صغيرتي؟"

"لأني رأيتها في أحلامي... المدينة مبنية من ذكريات الناس الضائعة. وأبوابها تفتح فقط لمن يحمل زهرة ذهبية حقيقية."

الأم والحارس تبادلا نظرة مليئة بالقلق. لكن الزهور الذهبية ماتت عندما انغلقت البوابة ....

"ليس كلها."

قامت ليلى ببطء، وسحبت من جيبها الصغير بذرة صغيرة تتوهج بلون ذهبي خافت. "هذه البذرة الأخيرة... منحني إياها قبل أن يختفي."

وعد لم تفهم في البداية، ثم أدركت. "رهيبور... أعطاك إياها؟"

أومأت ليلى، ثم مدت يدها الصغيرة نحو أمها. "سنزرعها معاً. وعندما تتفتح ستدلنا على الطريق."

في عمق الغابة، حيث الضوء بالكاد يخترق أوراق الأشجار الكثيفة، حفرت وعد حفرة صغيرة بيديها المرتعشتين. وضعت البذرة بداخلها، ثم غطتها بالتراب الدافئ. ليلى ركعت بجانبها، وبدأت تهمس أغنية قديمة بلغة غريبة، كلماتها كانت مثل دندنة النهر البعيد.

وفجأة ....

انبعث نور ذهبي من الأرض، ثم برعمت زهرة ذهبية واحدة، تتفتح ببطء كأنها تتنفس لأول مرة بتلاتها كانت شفافة تقريباً، وتنبعث منها أضواء صغيرة تتحرك في الهواء مثل حشرات متوهجة.

"إنها جاهزة ..." قالت ليلى بابتسامة حزينة.

وعد وقفت، ونظرت إلى الزهرة التي بدأت ترفرف في الهواء كأنها فراشة. "إذن... ماذا الآن؟"

"عليك أن تتبعيها هي ستأخذك إلى حافة العالم، حيث تقع مدينة الضباب. لكن انتبهي وعد..." توقفت ليلى وعيناها الصافيتان تحملان تحذيراً غير مألوف. "في تلك المدينة، كل شيء يتغير حتى الذكريات... يمكن أن تضيع."

الأم أمسكت يد وعد بقوة "ابنتي..... هل أنت متأكدة ؟"

نظرت وعد إلى الزهرة الذهبية التي بدأت تبتعد، ثم إلى وجه ابنتها الصغيرة، وأخيراً إلى المكان الذي اختفى فيه رهيبور.

"لا يوجد خيار آخر."

ثم أخذت خطوتها الأولى خلف الزهرة، التي بدأت تسرع باتجاه الأشجار الكثيفة. مع كل خطوة، كان الضوء حولها يخفت، وكأنها تدخل في حلم غريب.

الأم وليلى والحارس وقفوا يشاهدونها حتى اختفت عن الأنظار.

"هل ستعود؟" سألت ليلى بصوت خافت.

الأم لم تجب فقط أغلقت عينيها، وعندما فتحتهما مرة أخرى، كان هناك وميض أزرق غريب في عينيها، مثل بريق النجوم في ليلة شتوية.

"هذا يعتمد على ما ستجده هناك... وعلى ما سيتذكره هو."

الفصل الثامن

مدينة الضباب و النسيان

وفي مكان بعيد، في مدينة مبنية من الضباب والنسيان فتح رهيبور عينيه ... ولم يعرف من يكون.

كان الضباب الكثيف يلتف حول وعد ببطء، يخنق أنفاسها ويبلل وجهها بقطرات ماء باردة. الزهرة الذهبية كانت تتذبذب أمامها كشمعة في مهب الريح، تختفي أحياناً خلف ستائر الضباب الرمادية ثم تعود لتظهر من جديد. أصوات غريبة تتردد في الجو - همسات ضحكات أنين - لكن لا أحد يظهر في الأفق.

" رهيبور..." حاولت وعد أن تنادي، لكن صوتها بدا غريباً في هذا المكان، وكأنه لا ينتقل أبعد من شفتيها.

فجأة، ظهرت ملامح مباني شاحبة في الضباب. كانت مدينة غريبة، مبانيها تبدو وكأنها مصنوعة من دخان متجمد، تتغير أشكالها كلما اقتربت منها. الشوارع كانت ملتوية كالأحلام المنسية، والنوافذ تشبه عيوناً نائمة.

الزهرة توقفت أمام مبنى منخفض، ثم تحلقت في الهواء وبدأت تتلاشى. وعد مدت يدها في محاولة لإنقاذها، لكنها اختفت تماماً، تاركة إياها وحيدة في شارع مهجور.

هذا ليس ما وعدتني به صرخت وعد، لكن المدينة لم ترد.

خطوات خفيفة سمعت خلفها التفتت فإذا بفتاة صغيرة ترتوي ثوباً أبيض تقف على بعد أمتار. لم تكن ليلى، لكنها بدت مألوفة بشكل غريب.

"من أنت؟" سألت وعد.

الفتاة أشارت إلى زقاق ضيق. "إنه هنا. لكنه لا يتذكر. عليك أن تسرعي قبل أن يضيع للأبد."

قلب وعد خفق بقوة. ركضت خلف الفتاة التي اختفت فجأة، لتجد نفسها في ساحة صغيرة. في الوسط، كان هناك رجل جالس على مقعد حجري، يحدق في الفراغ.

"رهيبور!"

رفع الرجل رأسه ببطء. عيناه كانتا بلا لون، كقطعتين من زجاج غائم. "هل... هل أنا أعرفك؟

الألم الذي شعرت به وعد كان أشبه بسكين في صدرها. تذكرت تحذير ليلى - في هذه المدينة، حتى الذكريات تضيع.

"إنه أنا، وعد. لقد جئت لأخذك إلى البيت."

حاول رهيبور أن يبتسم، لكنه بدا مرتبكاً. "وعد... هذا الاسم... أعتقد أنني أعرفه. لكن هناك شيئاً ما..." أمسك رأسه بين يديه. "كلما حاولت التذكر، يبدو الأمر وكأنه يبتعد أكثر."

وعد جلست بجانبه وأمسكت بيده. كانت باردة كالثلج. "استمع إلي. نتحدث عن الغابة، عن الزهور الذهبية، عن..."

صرخة مفاجئة قطعت عليها الكلام. الفتاة البيضاء عادت، وهذه المرة وجهها مشوه بالخوف. "إنهم قادمون! الراقدون يعرفون أنك هنا!"

الضباب حولهم بدأ يتحول إلى اللون الأسود. أصوات صرير غريبة تملأ الجو. رهيبور وقف فجأة، وعيناه اتسعتا. "أنا... أتذكر الآن. لقد أخذوني. هم يريدون أن نبقى هنا للأبد!"

وعد شعرت بشرارة أمل. "ما الذي يمكننا فعله؟"

"الماء!" قال رهيبور فجأة. "في مركز المدينة، هناك نهر. إذا استطعنا الوصول إليه، يمكننا الهرب. الماء هنا يحمل ذكريات العالم الحقيقي."

الفتاة البيضاء أومأت بسرعة. "لكن الطريق خطير. الراقدون سيكونون في كل مكان."

الأصوات كانت تقترب. وعد أمسكت بيد رهيبور. "يجب أن نحاول."

بدأوا يركضون عبر الشوارع المتعرجة، بينما الضباب الأسود يلاحقهم ككائن حي. المباني حولهم بدت وكأنها تنحني لتغلق الطريق، لكن الفتاة البيضاء كانت تشير إلى الاتجاه الصحيح في كل مفترق.

فجأة، ظهر النهر أمامهم - مياهه كانت سوداء كالحبر، لكنها تلمع بنقاط ضوء صغيرة كالنجوم. على الضفة الأخرى، كان هناك بوابة حجرية قديمة، ومن خلالها يمكن رؤية لمحات من الغابة.

"هناك!" صاحت وعد.

لكن فجأة، عشرات الأيدي السوداء خرجت من الضباب، تحاول الإمساك بهم. رهيبور دفع وعد نحو النهر. "اقفزي!"

"لكن ماذا عنك؟"

"سأتبعك! اقفزي الآن!"

وعد أخذت نفساً عميقاً وقفزت في المياه السوداء. البرد اخترق جسدها كالإبر، ثم فجأة - ظلام.

عندما فتحت عينيها، كانت مستلقية على ضفة النهر في الغابة. الشمس كانت مشرقة، والطيور تغرد. جلست فجأة، تبحث حولها بقلق.

"رهيبور؟!"

ثم سمعت صوت رش الماء. رهيبور كان يخرج من النهر، يتنفس بصعوبة لكن عينيه كانتا واضحتين مرة أخرى.

"لقد نجحنا..." همست وعد وهي تركض نحوه.

لكن قبل أن تصل إليه، نظر خلفها وتجمد. "وعد... انظري."

التفتت. على الضفة الأخرى للنهر، كانت الفتاة البيضاء تقف، تلوح لهم بيدها. الآن فقط أدركت وعد من تكون.

"أنت... أنت كنت أنا؟"

الفتاة ابتسمت حزيناً. "جزء منك ضاع هناك منذ زمن بعيد. لكن الآن، يمكنك أن تعودي كاملة." ثم بدأت تذوب في الضباب.

رهيبور أمسك بيد وعد. "لن ننسى أبداً ما حدث هنا."

وعد أومأت، ثم نظرت إلى النهر الذي بدأ يعود إلى لونه الطبيعي. "لنذهب إلى البيت. هناك الكثير يجب أن نحكيه للآخرين."

وفي أعماق المدينة الضائعة، بينما كان الضباب الأسود يبتلع آخر آثار وجودهم، سمع صوت ضحكة واحدة... ثم صمت.

الفصل التاسع

صحوة الذكريات

كانت وعد ورهيبور يجلسان أمام كوخ الأم الصغير عند حافة الغابة، النار تتأرجح بين أيديهما، والليل ينسج ستارة فوقهما. ليلى نائمة داخل الكوخ، بينما الأم والحارس يتحدثان بهمسٍ قرب النهر. "هل ما زلت تتذكر؟" سألت وعد،

عيناها تبحثان في وجه رهيبور الذي بدا أكثر شحوباً مما كانت تعرف.

أدار رهيبور كفيه نحو النار، وكأنه يحاول إلتقاط دفءٍ ما. "أتذكر الظلام... أصواتاً تهمس باسمي... ثم ذلك النهر."

رفع عينيه فجأة، وكأن ذكرىً ما اخترقته. "وعد، هناك شيء لم أخبرك به."

"ماذا؟"

"لقد رأيت أشياءً أخرى في مدينة الضباب... أشخاصاً آخرين محاصرين هناك. بعضهم كان يبدو وكأنه من قريتنا."

وعد شعرت ببرودةٍ تسري في جسدها. "ماذا تقصد؟"

"أعتقد أن الراقدين لم يأخذوني فقط... بل كانوا يخطفون الناس منذ زمن بعيد."

صمتٌ ثقيل ساد بينهما، لا يُكسر إلا بأصوات الحشرات الليلية.

فجأة، ظهرت الأم من الظلام، عيناها تحملان ذلك الوميض الأزرق الغريب. "إنه محق."

جلست بجانبهما، وبدأت تروي بحزن: "قبل سنوات طويلة، عندما انفتحت البوابة للمرة الأولى، اختفى الكثيرون. حاولنا إغلاقها، لكن بعض الأرواح نجحت بالهروب إلى عالمنا... والبعض منا ضاع في الوسط."

وعد حدقت في النار. "إذن... الفتاة البيضاء التي رأيتها هناك..."

"كانت شظية من روحك... جزءاً ضاع عندما كنت طفلة."

رهيبور اقترب أكثر. "لكن الآن، بما أننا عرفنا الطريق... هل يمكننا إنقاذ الآخرين؟"

الأم أومأت ببطء: "نعم، لكن الخطر أكبر هذه المرة، الراقدون الآن يعرفون طريقتنا."

من داخل الكوخ، سمعوا صوت خطوات خفيفة. ليلى وقفت عند المدخل، عيناها مفتوحتان على اتساعهما، وكأنها كانت تحلم بشيء ما. "أمي... لقد رأيتهم أيضاً."

"من رأيتِ، صغيرتي؟"

"الراقدون... لكن ليس هنا. هم قريبون من القرية الآن."

وعد وقفت فجأة، قلبها يخفق كالطبل. "أبي... إنه في القرية!"

رهيبور نهض مسرعاً. "يجب أن نذهب الآن!"

الأم أمسكت بذراع وعد. "انتظرا! أنتم لستم مستعدين بعد."

لكن وعد كانت عيناها تشتعلان بإصرار. "لقد واجهناهم مرة و سنفعلها مرة أخرى، لن ندعهم يأخذون أحداً آخر."

الحارس الذي كان صامتاً حتى الآن، تقدّم وهو يحمل حزمةً من العصي المحفورة برموز غريبة. "خذوا هذه... ستساعدكم على إبقاء الظلال بعيدةً، حتى تصلوا إلى القرية."

قبل أن يأخذا العصي، نظرت الأم إليهما بحزن. "اعلما أن هذا الاختيار قد يغير مصيركم للأبد."

وعد أخذت عصاها، ثم نظرت إلى رهيبور وليلى. "لن ندع الخوف يوقفنا هذه المرة."

وبينما يبدأ الثلاثة رحلتهم نحو القرية تحت ضوء القمر، كان هناك شيءٌ ما يتحرك في أعماق الغابة... شيءٌ لم يكن موجوداً هناك من قبل.

الفصل العاشر

ظلال القرية

كانت القرية تبدو هادئة تحت ضوء القمر، لكن وعد شعرت بذلك الوخز الغريب في مؤخرة رقبتها - الشعور نفسه الذي انتابها قبل عام كامل، عندما بدأت المغامرة كلها. ليلى كانت تحمل عصاها الصغيرة بإحكام، بينما رهيبور يمسك بيدها عيناه تفحصان كل ظل بعناية.

"أين بيت أبيك ؟" همس رهيبور.

أشارت وعد إلى منزل صغير عند أطراف القرية، نوافذه مظلمة. "هناك... لكن شيئاً ما ليس على ما يرام."

اقتربوا بحذر، وكل خطوة كانت تزيد من ذلك الإحساس الغريب بأنهم مراقبون. قبل أن يصلوا إلى الباب، توقفت لیلى فجأة. "انظروا!"

على جدار المنزل، كانت هناك خطوط سوداء متشابكة كأنها جذور شجرة ميتة، لكنها كانت تتحرك ببطء، تتسلل نحو النافذة

"إنهم هنا بالفعل !" صاحت وعد، ثم اندفعت نحو الباب.

دخلوا إلى منزل مظلم، الهواء فيه ثقيل برائحة العفن. على الأرض، كانت آثار أقدام موحلة تقود إلى غرفة النوم. وعد فتحت الباب ببطء....

"!أبي ؟"

كان والدها جالساً على السرير، ظهره منحن، وكأنه يحمل ثقلاً لا يرى. عندما رفع رأسه، كانت عيناه مغطاة بغشاء أسود.

"وعد... أخيراً ..." صوته كان مزدوجاً، وكأن شيئاً آخر يتحدث من خلاله.

رهيبور سحب وعد للخلف. إنه ليس والدك... ليس بالكامل على الأقل."

من زوايا الغرفة، بدأت الظلال تتمدد، وتتخذ أشكالاً بشرية ليلى رفعت عصاها، وبدأت تتوهج بضوء خافت. "إنهم يحاولون أخذنا!"

الأب نهض فجأة، ويداه الممتدة نحوهما كانتا مغطاتين بتلك الخطوط السوداء. لماذا تقاومون؟ سنكون معاً .... للأبد..."

وعد شعرت بالدموع تحرق عينيها، لكنها رفعت عصاها أيضاً. "أبي، إن كنت هناك حقاً ... امنحني قوة لأحميك !"

فجأة، انفجر ضوء أبيض من عصاها، مزق الظلام في الغرفة. الأب صرخ بينما بدأت الخطوط السوداء تنسحب من جسده من النافذة، سمعوا أصوات صراخ بعيدة، وكأن كل الظلال في القرية تتألم.

"إنها تعمل !" صاح رهيبور، لكن فرحته لم تدم طويلاً.

الأرض بدأت تهتز ومن بعيد، سمعوا صوت انفجار. ليلى نظرت من النافذة، ثم صرخت: "الغابة... إنها تحترق !"

وعد نظرت إلى والدها الذي كان يتنفس بصعوبة، عيناه الآن عادتا إلى طبيعتهما. ما الذي... ماذا حدث؟"

لا وقت للشرح !" قال رهيبور وهو يساعد الأب على النهوض. "يجب أن نخرج من هنا... كلهم قادمون"

خرجوا إلى الشارع، حيث كانت القرية تتحول إلى فوضى الناس يصرخون، بينما أعمدة من الدخان الأسود تتصاعد من حافة الغابة. لكن الأسوأ من ذلك كله كان ذلك الشكل الضخم الذي بدأ يظهر من بين الأشجار المحترقة.....

كان طوله ثلاثة أضعاف طول الإنسان، مكوناً من كل الظلال التي اختفت في مدينة الضباب، وعيناه الحمراوتان تحترقان كالجمر.

"الراعي... همست ليلى وهي ترتجف. "إنه قائد الراقدين... وهو هنا ليبيدنا جميعاً."

وعد أمسكت بيد والدها، ثم نظرت إلى رهيبور وابنتها. إذن هذه هي المعركة التي حذرتنا منها الأم... معركتنا الأخيرة."

في الأفق، بدأ الوحش يخطو نحو القرية، وكل خطوة كانت تهز الأرض. لكن وعد لم تعد خائفة. رفعت عصاها عالياً، والضوء بدأ يتجمع حولها مرة أخرى.

هذه المرة ... لن نهرب.

الفصل حادي عشر

معركة الضوء و الظلام

كان الوحش يقترب، خطواته الثقيلة تترك حفراً مشتعلة في الأرض. الدخان الأسود يتصاعد حوله، يحجب القمر والنجوم، حتى بدا وكأن الليل نفسه ينزلق نحو القرية.

وعد وقفت في المقدمة، عصاها المضيئة تشق الدخان مثل سفينة تشق أمواج البحر الهائج. إلى جانبها، وقف رهيبور وليلى كل منهما يمسك عصاه، أضواءهم الذهبية تشكل درعاً واهياً ضد الظلام الآتي.

"كيف نوقف شيئاً بهذا الحجم ؟" صرخ رهيبور فوق صوت الرياح العاتية.

"ليس بحجمه... بل بقلبه ردت ليلى عيناها الصغيرتان تتوهجان بضوء أزرق. انظروا هناك شيء في صدره!"

وبالفعل، في وسط ذلك الجسد المظلم، كان هناك توهج خافت كجمرة مدفونة في رماد.

الأب، الذي كان لا يزال ضعيفاً لكنه واع الآن، أمسك بذراع وعد. "إنها البذرة ... البذرة الأخيرة من نور العالم الآخر هم يقتاتون عليها، لكنها أيضاً نقطة ضعفهم !"

الوحش رفع ذراعه الهائلة، وكأنه يستعد لسحقهم جميعاً. وعد أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحتها بتركيز حاد.

"سأصل إليها... سأستعيد البذرة !"

قبل أن يتمكن الآخرون من إيقافها، اندفعت وعد نحو الوحش عصاها تشع كالنجم الصباحي الظلال حاولت اعتراض طريقها، لكن الضوء كان يحرقها مثل النار.

"وعد لا!" صرخ رهيبور، ثم أسرع خلفها، ليلى تتبعه.

الوحش زار بصوت يشبه انهيار جبل، ثم ضرب الأرض بقوة، مسبباً شقوقاً تندفع نحو وعد. قفزت جانباً، لكن إحداها فتحت تحت قدميها، كادت أن تسقط في الهاوية السوداء.

رهيبور وصل إليها في اللحظة الأخيرة، مسكاً بيدها.

"أنت مجنونة !"

"أعلم!" ابتسمت وعد وهي تتشبث به.

لكن فرحتهم لم تدم. ظل أسود انقض عليهم من الأعلى لف نفسه حول رهيبور وسحبه بعيداً.

"رهيبور!"

ليلى وصلت راكضة، وعصاها تطلق ومضات من الضوء الأزرق نحو الوحش. "أمي، انتهزي الفرصة بينما هو منشغل!"

وعد لم تتردد. اقتربت من الوحش الذي كان يحاول سحق رهيبور، ثم قفزت بكل قوتها نحو صدره عصاها اخترقت السطح الأسود كسكين في زبدة، والضوء انفجر منها كالشمس.

صراخ الوحش كان مرعباً، كأن ألف روح تعاني في آن واحد. بدأ ينهار على نفسه الظلال تتطاير منه كأوراق محترقة. وعد رأت البذرة المضيئة، وأمسكت بها بكل قوتها.

" انتهى الأمر! "صرخت وهي تسحب البذرة منه.

انفجار ضوئي عمي الجميع للحظة. عندما استعادوا بصرهم، كان الوحش قد اختفى والظلال تتبدد كالحلم، عند الاستيقاظ في يد وعد، كانت البذرة تتوهج بلون ذهبي نقي.

رهيبور، الذي كان يتنفس بصعوبة زحف نحوها. "لقد... فعلتها ..."

لكن قبل أن يتمكنوا من الاحتفال، سمعوا صوت تصفيق بطيء. من بين أنقاض المنازل، خرج شخص كانوا يعتقدون أنه اختفى للأبد....

"الحارس ؟!"

لكنه لم يعد الحارس الذي يعرفونه عيناه كانتا سوداوين تماماً، وابتسامته كانت تجمد الدم في العروق.

"أحسنت، وعد. أحسنت حقاً ... لكن اللعبة لم تنته بعد."

رفع يده، والبذرة في يد وعد بدأت تهتز، كأنها تريد الانفلات.

"هذه ليست سوى الجولة الأولى... وهذه المرة، سألعب أنا أيضاً."

ثم اختفى كما ظهر تاركاً إياهم مع مئات الأسئلة.... وبذرة النور التي بدأت تخفت رويداً...

الفصل الثاني عشر

الخيانة

ساد صمت ثقيل بعد اختفاء الحارس وعد كانت تحمل البذرة الذهبية التي خفت توهجها الآن، وكأنها على وشك أن تنطفئ إلى الأبد.

"لماذا... كيف..." حاولت وعد أن تتكلم، لكن الكلمات تاهت في فمها.

رهيبور نهض بصعوبة، جسده كان لا يزال يؤلمه من هجوم الظلال." كان معهم منذ البداية... كان جاسوساً!"

ليلى اقتربت من البذرة، عيناها تعكسان الضوء الخافت. "إنها تموت... بدونها، الظلام سيعود أقوى من قبل."

الأب، الذي كان يشاهد كل شيء بصمت، تقدم بخطوات بطيئة. "هناك طريقة واحدة لإنقاذها ... لكنها خطيرة."

" أي طريقة ؟" التفتت وعد نحوه بلهفة.

"يجب أن تزرعيها في قلب الغابة... حيث تقع البوابة الأولى."

رهيبور هز رأسه. لكن البوابة مغلقة والأم هي الوحيدة التي تعرف موقعها بالضبط.

"ليس تماماً ... همست ليلى، ثم فتحت كفها الصغيرة.

في مركزه، كان هناك علامة غريبة تشبه ندبة قديمة. "أنا أعرف الطريق... لقد تركها في عندما اختفى."

وعد نظرت إلى العلامة، ثم إلى القرية المدمرة حولهم.

الناس بدأوا يخرجون من مخابئهم، وجوههم تحمل مزيجاً من الرعب والأمل.

"إذن لنذهب الآن... قبل أن يعود."

لكن الأب أمسك بذراعها. "وعد... المكان محفوف بالمخاطر. حتى في أحسن الأحوال، قد لا تعودين كما كنت."

وعد نظرت إلى رهيبور، ثم إلى ابنتها الصغيرة، وأخيراً إلى البذرة التي كانت تذبل في يدها.

"إذا كان هذا هو الثمن... فأنا مستعدة لدفعه."

الغابة في الليل كانت مختلفة تماماً. الأشجار بدت وكأنها تنحني لتشكل ممراً ضيقاً ، تقوده ليلى التي كانت ترفع يدها المضيئة كفانوس مع كل خطوة، كانت العلامة في كفها تتوهج أكثر، وكأنها تستجيب لقرب الهدف.

"هنا ..." توقفت ليلى فجأة أمام شجرة عملاقة، جذعها مغطى برموز منحوتة منذ زمن سحيق.

"هذه هي البوابة ؟" سأل رهيبور، وهو يلمس الرموز بحذر.

لكن قبل أن تجيب ليلى انفتح الجذع فجأة، مظهراً درجاً حلزونياً ينزل إلى الأعماق هواء بارد تدفق منه حاملاً معه رائحة التراب القديم والجديد.

وعد أخذت نفساً عميقاً. "حسناً ... من يريد أن يذهب أولاً؟"

نزلوا واحداً تلو الآخر، الدرج كان يئز تحت أقدامهم، وكأنه لم يستخدم منذ قرون في الأسفل، وجدوا أنفسهم في كهف شاسع جدرانه مغطاة بلوحات تصور معارك قديمة بين النور والظلام.

وفي المركز، كانت هناك حفرة صغيرة، محاطة بحجارة سوداء.

"هنا... مكان البذرة الأولى". قالت لیلی بصوت خافت.

وعد تقدمت، وركعت بجانب الحفرة. بيد مرتعشة وضعت البذرة الذهبية في التراب، ثم غطتها ببطء.

لحظة من الصمت....

ثم فجأة، انفجر نور عظيم من الحفرة، يملأ الكهف كله. الأرض اهتزت واللوحات على الجدران بدأت تتوهج بحياة جديدة.

لكن الفرحة لم تدم طويلاً.

من الظلام خلفهم سمعوا صوت ضحكة مألوفة.

"أحسنت... أحسنت حقاً."

الحارس خرج من الظلال، لكن شكله كان يتغير، يذوب ويعاد تشكيله كالشمع. عندما استقر أخيراً، لم يعد الحارس... بل أصبح نسخة طبق الأصل من وعد!

"الآن... البذرة ستغذي الظلام بدلاً من النور." قالت النسخة بابتسامة شريرة.

ليلى صرخت: "أمي انتبهي! إنه خادع الظلال!"

لكن التحذير جاء متأخراً. النسخة رفعت يدها، وظلال الكهف تحولت إلى سيوف مسنونة، تتجه صوب قلب وعد!

الفصل الثالث عشر

الإختيار الأخير

رفعت وعد يدها في اللحظة الأخيرة، عصاها الذهبية تصدر وميضا يصد أول هجوم للظل. لكن القوة الدفاعية استنزفتها جسديًا، وسقطت على ركبتيها بينما كان الخادع يضحك بضحك ميكانيكي مرعب.

"لا فائدة من المقاومة ... البذرة تتغذى على قوتك الآن!"

رهيبور قفز بينهما، عصاه تشكل حاجزا ضوئيا مؤقتًا. "ليلى كيف نوقفه ؟"

الطفلة الصغيرة كانت ترتجف عيناها مغمضتان بينما تلمس العلامة في كفها. فجأة صرخت: "إنه ليس حقيقيًا! إنه مجرد وهم... يجب أن نضيء الكهف بالكامل !"

الأب الذي ظل صامتا حتى الآن، تقدم بخطوة ثابتة. "ثم لنفعل ذلك... لكن الثمن باهظ" .

" أي ثمن ؟ "سالت وعد بينما كانت تحاول النهوض.

لكن قبل أن يجيب، انطلق الأب نحو الخادع بسرعة غير متوقعة، ممسكاً به بقوة." النور يحتاج إلى شرارة.... وكل شرارة تحتاج إلى وقود".

فهمت وعد في لحظة مرعبة ما يعنيه. "لا! انتظر!"

لكن الأب كان قد أخرج سكينًا صغيرًا من جيبه، وغرزه في صدره الخاص دماء ذهبية انفجرت من الجرح، تملأ الكهف بضوء ساطع كالشمس.

الخادع صرخ في عذاب جسده يبدأ في التفتت مثل ورقة محترقة." هذا ليس النهاية ... سيعود الظلام.... "...سيعود"

وبينما كان الضوء يبتلع كل شيء، ركضت وعد نحو أبيها الذي كان ينهار. "لماذا؟ لماذا فعلت هذا ؟"

الأب ابتسم ابتسامة حزينة بينما كان جسده يبدأ في التحول إلى ضوء". لأن هذه هي مهمة عائلتنا الحقيقية ... حراس البوابة ... منذ البداية."

ثم اختفى تاركا وراءه فقط بقعة من الضوء على الأرض.

الصمت ساد الكهف حتى البذرة في المركز توقفت عن التوهج، وكأنها تنعي.

رهيبور اقترب من وعد التي كانت ترتجف من البكاء. "لقد ضحى بنفسه... من أجلنا جميعًا."

لكن ليلى كانت تحدق في البذرة، عيناها واسعتان. "انظروا!"

من بقعة الضوء التي تركها الأب، بدأت ساق صغيرة تنمو، تحمل ورقة ذهبية واحدة.

"إنها... شجرة جديدة." همست وعد.

فجأة، الأرض بدأت تهتز بقوة. "الكهف ينهار!" صاح رهيبور وهو يمسك بيد ليلى.

هربوا عبر الممر بينما الحجارة تسقط حولهم. عندما وصلوا إلى السطح، وجدوا الغابة قد تغيرت تماما -الأشجار القديمة كانت تزهر باللون الذهبي، والهواء كان نقيا بشكل غريب.

لكن الفرح كان ممزوجا بالحزن وعد نظرت إلى السماء حيث بدأ الفجر يبزغ." لقد خسرناه... لكننا كسبنا فرصة جديدة."

ليلى أمسكت يدها. "سيكون معنا... في كل ورقة ذهبية في كل نسيم يعبر الغابة".

رهيبور وضع يده على كتف وعد. "والآن... ماذا سنفعل ؟"

وعد أخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت نحو الأفق حيث كانت القرية تبدأ في الاستيقاظ. "سنخبرهم الحقيقة... كل الحقيقة. ثم سنعدهم لما قد يأتي بعد ذلك."

وفي أعماق الغابة، حيث تقف الشجرة الصغيرة، كان ظل رجل يقف يحرسها في صمت... ثم يختفي مع أول أشعة الشمس...

الفصل الرابع عشر

بذور المستقبل

عامان مرا على تلك الليلة.

وعد تجلس على حافة النافذة نفسها حيث بدأت قصتها، لكن المشهد اليوم مختلف تماماً. الغابة الذهبية تمتد حتى الأفق، وأشجارها تنثر بريقاً خفيفاً في الهواء كالغبار السحري. ليلى تنمو بسرعة تفوق الطبيعية عيناها تحملان نفس الوميض الأزرق الذي كان في عيني جدتها.

"أمي انظري!" تُمسك ليلى بيدها وتشير إلى حديقة المنزل حيث تزهر زهرة ذهبية وحيدة وسط الأعشاب.

وعد تبتسم بينما تلمس الخاتم الغريب في إصبعها هدية زفافها من رهيبور قبل ستة أشهر. "إنها تذكرني بيوم التقينا."

بل تذكرنا بأن الظلام لم يختف تماماً." رهيبور يقترب منهما حاملاً سجلاً قديماً وجده في مكتبة القرية. "هذه الخرائط تظهر أن هناك خمس بوابات أخرى في العالم."

فتحوا الكتاب معاً. الصفحات تصدر صوتاً قديماً، والرسوم تظهر غابات وأنهاراً وجبالاً بعيدة، كلها تحمل علامات البوابات.

لكننا هذه المرة لسنا وحدنا. وعد تشير إلى ساحة القرية، حيث يتدرب الشباب على استخدام العصي المضيئة تحت إشراف الأم العجوز التي أصبحت مرشدة القرية.

ليلى تقلب الصفحة الأخيرة بلهفة. "هنا! بوابة الجبل الأبيض... إنها الأقرب إلينا!"

فجأة، الزهرة الذهبية في الحديقة تبدأ بالتوهج بإيقاع غريب، كأنها تُرسل إنذاراً رهيبور يلتقط عصاه التي تردد التوهج بنفس الإيقاع.

" إنها تبدأ من جديد." يقول بهمس.

وعد تقف وتمسك عصاها. إذن فلنبدأ رحلتنا الجديدة."

ليلى تقفز بحماس وتمسك عصاها الصغيرة. "هذه المرة سأحميكم أنا!"

يخرجون ثلاثتهم إلى الحديقة حيث تنتظرهم الأم العجوز ومجموعة من الحراس الجدد الريح تعزف لحنها القديم بين الأشجار، حاملة عبق الزهور الذهبية وأصداء التضحيات الماضية.

في الأفق البعيد، فوق قمم الجبال البيضاء، تلوح سحابة سوداء صغيرة... كأنها تنتظرها.

إلى لقاء جديد تحت ظل شجرة القصص

النهاية

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شعلة الإنتقام

المؤلف Eylul Erdem
2025/08/30 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة