✦ المقدّمة :

✦ المقدّمة :

17 0

✦ المـقـدّمـة :

في أرضٍ حيث تُقَدَّم القلوب قربانًا،

ويُعبد النور كإله،

وتُطمس الطفولة تحت قدسية الدم،

وُلدت "هي" من خطيئة…

لا تنتمي للعالم السفلي،

ولا للعلو النقي.

نشأت بين طقوسٍ قاسية، وعقائدَ لا ترحم.

صارت يدًا تُقدِّم، قبل أن تُصبح هي نفسها القربان.

فهل يولد الخلاص من رحم العقيدة؟

أم أنّ النجاة… تُنحر أيضًا؟

"قَصَاصُ رَجَمْ" ليست مجرد رواية،

بل صرخة…

من قلب مذبحٍ لا يرى فيه الناس الموت إلا عبادة.

قصاص رجم ليست لعشاق الأبطال المثاليين. بطلتنا ليست بشرية بالكامل، وتخطئ بلا خجل، ولا تكترث لصوابك أو لعينيك. إن كنت تريد ملاكًا بلا عيوب، ابتعد، فهذا ليس عالمك.

______________________________________________________________________________

حين تُذبح الطفولة على مذبح القدر، لا يبقى من

البراءة سوى رماد يتناثر في صمت الليالي القاتمة.

___________________

شابٌ هَزيلٌ يُتمُّ جَرَّهُ مِن قِبَلِ رِجالٍ ضِخامٍ، يَسحبونهُ

من قدميهِ كالبَهيمةِ، يَنُوحُ الشابُّ ويَبكي، ولماذا لا

يفعلُ؟ وقد تمَّ اختيارهُ كقُربانٍ لملاكِ النورِ، ملاكٍ يرى

في إراقةِ الدماءِ طهارةً لمقدَّسيهِ. كنتُ أرى جميعَ

مراحلِ الطُّقوسِ التي اكتملت بها تقديمُ القربانِ، من نحرٍ وتمثيلٍ بالجثثِ وشربِ دمائها، وما تلاهُ من

تصرُّفاتٍ لا يستوعبُها عقلٌ سويّ، لكن عقلي قد فعل بل تشربها كمبادئٍ وأسلوبِ حياةٍ، حياتي أنا. كنتُ

الصغيرة التي تُشاهد ما لا يقوى عليه بشريٌّ عاديٌّ كمسرحيةٍ للصغار تُعرض عليّ.

أتذكر أنني انفجرتُ ضحكًا عندما تبوَّل أحدُ القرابين على نفسه أثناء تقديمه، توجهت جميعُ الأنظار نحوي، تحدق في وجهي الصغير، جهلتُ مغزى تلك النظراتِ كوني  مجرد طفلةٍ، لكن بالفطرة لم أرتح لها. شدَّت على يدي العجوزُ ذات العيون البيضاء التي تخلو من الحياة ونهرتني.

(العجوز ذات العيون البيضاء): صمتًا يا صغيرةُ،

راقبي بتركيز.

_ هل أنتِ أمي؟

نقلت نظرها لي وكأنها تراني لحظاتٍ حتى عادت

عيونها الميتة نحوى المراسيم متجاهلة ما سُئلته. الآن أدرك سبب سؤالي، كنت طفلةً رغم كل ما عشته، إلا أن فطرتي تغلب عليها حيث ظنت أن تلك العجوز

أمها فقط لأنها ترافقها على الدوام. لم تكن تحميني أو تهتم بي، هي فقط تنهرني، تضربني، تنمي عقلي بفكر يلائم البيئة المحيطة بي. لم أكن أمانع، بل رأيت

أن ذلك هو الطبيعي. مع تكرار تلك الطقوس أمام عيني أصبت بفضولٍ كبير. خطر ببالي ماذا لو توليتُ أنا مسؤولية أحد القرابين؟ بالتأكيد سأكون الأفضل

في تقديمها. كنتُ أشعر بحس تنافسي عالٍ، ولم يطرأ ببالي مرةً أن تلك الأرواح لها حق في العيش. رأيت أنها وجدت لتُذبح، كانت بساطة الأمر كبساطة ذبح دجاجةٍ وحسب، وقد حدث.

أتذكر مرةً تمَّ فيها حصاد فوجٍ جديد من الأسرى، حيث وضعوهم في زريبةٍ عفنة تجمعهم كلهم عراةً كمواشي، لفت انتباهي حينها فتاةٌ صغيرة في مثل

سني، بشعرٍ بردقالي مموج وعيونٍ زرقاء، يكسو وجهها الرعب والرماد من أتربة تلك الأرضية التي بالكاد تجد فيها مكانًا لجلوسٍ مريح. راقبتها بتركيز،

أبهَرني وجهها الجميل. تبكي وتنادي أمها، لا أخفي عليكم أنني ما إن سمعتها تفعل ذلك حتى تسائلت... تسائلت ما إن كان لها أم بعيون بيضاء أيضًا. ارتبكت

عندما وقعت عيونها الدامعة عليَّ. بقيت أحدق بها حتى شعرت بيدٍ تلطم وجهي، كان (عبران) مساعد أمي في الإشراف على الصغار الذين يستفيدون منهم

بشكلٍ ما، مثل تنظيف الأماكن التي تتم بها الطقوس بعد انتهائها وأعمال أخرى، لكن ما إن تبلغ أعمار

الصغار سن الثالثة عشر حتى يقدمون قلوبهم في طقوسٍ معينة تُسمى (لب القداسة). كنت من ضمنهم وسُمينا بـ(ذرية النذر).

(عبران): ما الذي يلهيك عن عملك أيتها الساقطة

الصغيرة!

لصغري سني لم أعرف معنى تلك الكلمة فسألته بعفوية أطفال:

_ ماذا تعني ساقطة سيدي؟

نظر لي بتجهم حتى انحنى ورفعني من شعري قائلاً

بسخط:

(عبران): لا تكثري الثرثرة، فهمتِ؟!

لم أكن أعلم سبب غضبه المفاجئ أو لماذا شدَّ شعري، أنا فقط بقيت أنظر له بجمود لأن عقلي لم يستوعب. وجدت نفسي فجأة أمام أسلوبه العنيف، رماني أرضًا،

والأطفال الذين يشاركونني العمل يبكون بصمت خوفًا أن يطولهم الأذى، وأنا؟ فقط وقفت ونفضت

عني الغبار، رغم أن ملبسي متسخٌ دائمًا. اتخذ

المساعد طريقه بعيدًا عن فوجنا. تربعت أنا ألعَب بالعظام التي أكنزها دائمًا في حفرة صغيرة، وكأن شيئًا لم يحدث. اتخذت بعض العظام كدمى لي،

والباقي كانوا يتآكلون تحت التراب، فأصاب بالإحباط لأيامٍ حتى يأتي وقت القربان التالي. فأخذ عظامه المكسوة ببعض اللحم كونها جديدة، وادفنها مرةً

أخرى على أمل أن تعوضني عن التي خسرتها، لكن ما إن يمضي عليها وقتٌ حتى تتآكل هي أيضًا.

أثناء لعبي عكر صوت نواح الفتاة صفوى لعبي، مشيت بخطواتي نحو مدخل الزريبة وجلست أمامها،

يفصل بيننا حاجزٌ سحري لا يمكن للعين المجردة رؤيته، حيث يمنع الأسرى من الهروب. تخيل أن يتم حبسك للتضحية بك، يضعونك في مكان يجردونك فيه من إنسانيتك، وفوق كل ذلك ترى طريق الخلاص

أمامك خالٍ ولا وجود لشيء مادي ملموس يمنعك من الهرب، لكن، ولتحطيم نفسيتك تمامًا، لا تقدر على ذلك لأنه هناك شيء يفوق تكونيك البشري على استيعابه. جلست القرفصاء أمامها، أراها وتراني، أنا

أحدق بها بجمود، وهي تحدق بي وتبكي، ترجوني بنظراتها كي أساعدها، بينما رأسي الصغير يتساءل لماذا تبكي وهي سترى ملاك النور سوف تغمر روحها في نوره وقدسيته، طالما أتت إلى هنا فقد ودلت

لذلك... إذا لماذا البكاء؟

_ شعرك جميل.

أملت رأسي جانبًا مبتسمة، بينما حدة بكائها تزيد، قالت بنبرة باكية نائحة:

(الفتاة ذات الشعر البردقالي): أريد أمي.

_ هل أمك عيونها بيضاء مثل أمي؟

(الفتاة ذات الشعر البردقالي) : وقد زين الاستغراب محياها إضافة إلى بكائها: أمي عيونها زرقاء، أرجوكِ

ساعديني، أريد أمي... أمي!!

صاحت تنادي أمها، بينما أنا على حالي أفكر هل أمها ستحميها؟ لكن أمي، تلك العجوز، لا تفعل. نفضت الأفكار عن رأسي ومددت يدي لها، أمسكت بعضمة كتف ملوثة بالتراب:

_تريدين أن أشارككِ لعبتي؟

وعلى عكس ما توقعت، فزعت وأصبح نحيبها عاليًا، رافقها عويل من معها يبكون، غير متقبلين مصيرهم المحتوم، بينما أنا أحدق بسكون ويدي لا تزال

ممدودة أريد من الفتاة أن تقبل دميتي الجميلة.

مرت بي الأيام وأنا أتملص من مهامي وأجلس رفقة الفتاة ذات الشعر البردقالي المموج، هي تبكي وأنا أنظر بصمت، كنت أرى صحتها الجسدية والنفسية

تتدهور، اختفى بريق عيونها الزرقاء، شعرها فقد بهائه، جسدها نحيل وعيونها حمراء من البكاء. القربان يجب أن يكون بحالة جيدة، وأنا لا أستطيع رؤيتها هكذا على الحافة. كنت أسرق كسرة خبز

وأعطيها لها خلسةً عندما يشرف علينا مساعد أمي (عبران) وتأمره بتنظيف الزرائب. بالطبع هو فقط يلقي أوامره ونحن نتولى كل المهام وحدنا وسط عنفه ومسباته. فطن بي مرة وأنا أقدم كسرة الخبز

للفتاة، وابرَحني ضربًا، بل إنه حبسني معها في ذات الزريبة لمدة ثلاثة أيام. رغم المكان الضيق والرائحة، إلا أنني كنت سعيدة حيث ابتسم وأنا أجلس مع

(رَوْنَج)، هذا كان اسمها، حيث قالت لي إن أباها من سماها بهذا الاسم لأنه أحب لون خصيلاتها

في قلب كل ظلمة، تكمن قصة تنتظر من يرويها... هذه قصتي، فهل ستكُون شجاعا و ترافقني للنّهاية؟.

- الكاتبة

مايورا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قَصَاصُ رَجَمْ

المؤلف Mayura Lavender
2025/09/02 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة