«نوري السحري»

«نوري السحري»

29 0

عُدتُ إلى المنزل في آخر النهار متعبة ومحملة بالخيبات والصراعات التي بأت بالفشل -كالعادة- فَألقيتُ بنفسي على السرير تاركة سراح دموعي الأسيره، فَنظر ليّ النوم متحسر لحالي فَتملكني كَمحاولة لتخفيف آلامي، وعند حلول اليوم التالي عُدتُ إلى نفس الجحر ولم يتغير به أو بي شيء فَمازال حالي كما هو والجحر كئيب كما هو، ولكن هذه المرة قد لاحظت وجود مصباح صغير يزين جحري الكئيب بقاعدتهُ السوداء كَالليل ويزخرفه بعض التمويجات الزرقاء التي تبعث للناظر إليها الكآبة، ممزوجة بالبنفسجي الذي بدوره يمنع الناظر من أن يكشف ما بخاطره، أقتربت منهُ ببطء ثم طالعته مستعجبة فَمنذُ متى وهو هنا؟، وفي تلك اللحظة تذكرت ليلة أمس عندما عُدت من الخارج!، ولكن من أين أتى ومن أحضره ليّ؟، وبعد مرور ثوانٍ معدودة تجاهلته وعدت لأكمل عملي على أضائته البيضاء الدافئة وبعد أن أنهيت ما أقوم بهِ، عاودت النظر إليه وابتسمت لهُ بهدوء قائلة: " أتعلم أيها المصباح وعلى الرغم من إنكَ مضيء باللون الأبيض العادي إلا أنكَ بعثت في نفسي الصفاء والهدوء، وعلى الرغم أيضًا من لونك الأسود الذي يهئ للناظر إليه بالكأبه إلا أنهُ أثار في نفسي بعض من القوة وقد شعرتُ بأنني ولدتُ من جديد، أما زخرفتك الزرقاء فقد بثت في نفسي الراحة والسكينة وبالتأكيد لن أنسى زخرفتك البنفسجية المتناسقة مع باقي الوانك التي تذكرني بطموحي وأحلامي الوهمية قبل أن أصبح راشدة! " وفور إنتهاء كلماتي أضاء المصباح بالبرتقالي خجلًا، فَصرختُ مبتعدة عنهُ، فرجع لضوءه الأبيض وكأنهُ يطلب مني الهدوء وعدم الفزع!، أقتربت منهُ بتردد بينما كنت أتفحصهُ بتمعن ثم جلست أمامهُ متعجبة قائلة في تسأل ممزوج بالذعر: " كيف فعلت هذا؟، أأنت مصباح سحري أم ماذا؟...فَلتجبنيِّ! " صفعتُ رأسي بخفة قائلة: " ولكن ماذا أنتظر؟، لا تكوني حمقاء يا نفسي فَبالتأكيد لن يجاوبني المصباح أليس لديكِ ذرة منطق! " تنهدتُ بحيرة وظللت أحملق به دون استيعاب ومر اليوم وأنا مازلتُ تحت تأثير الصدمة وسيطرة  المفاجأة!، وفي اليوم الذي يليه ويشبهُ بتفاصيله-عدا أنهُ كان أكثر مللًا- ، دخلت إلى غرفتي متوجهتًا إلى شريك همومي وبينما كنت متقوقعة عليه والحزن جليسنا فإذا بالمصباح ينير بالأزرق وكَـإنه حزين على حالي، عدلتُ من جلستي ثم نظرت لهُ بذهول فكيف علم بمشاعري؟، كيف له من وسط آلاف البشر الذي رأوني وأنخدعوا بوجهي المبتسم بأن يعلم بحزني!،جلست أمامهُ وحملقت بهِ من جديد ولكن هذه المرة استسلمتُ وسردتُ عليهِ فشل اليوم وخفقاته بينما كنت أبكي وأنفعل-وكأنني أحدث شخصًا حقيقيًا-، إنتهيتُ من شكوتي لأدرك كثرة كلامي فَنظرتُ لذلك المسكين باستحياء مُستعين بقليل من التوتر فَبالتأكيد قد سئم منيّ ذلك المسكين ويريد....، وقبل إن أنهي كلماتي وجدتهُ أنار  بالضوء الأخضر الذي يطرد التوتر لكي يبهج النفس، فَمسحتُ دموعي وقهقهت على محاولاته الظريفة لكي يرضيني ويخفف حزني ثم قلت لهُ ببعض من السعادة: " كيف عرفت أيها المصباح بما يجول في خاطري؟، أتكلم بجدية من أين أتيت؟، هل أنت هدية من السماء؟، هل جئت لتعوضني وتنير ليّ عتمتي؟، أم جئت لتسمعني دون أي كلل أو ملل؟ " وكالعادة لم يصلني الرد من المصباح وأكتفى بأن يضيء بالبرتقالي مرة أخرى، مرت الأيام على هذا الوضع العجيب، أعود بعد يوم متعب إلى المنزل ثم أقص على المصباح ما حدث-وعجبًا لهذا النور الذي يتحملني أنا وثرثرتي دون مقابل!-، وكلما سردت عليهِ شيء بغيض يغضبني أنار بالأحمر من أفعال من حولي ثم يعود للون الأرجواني -مع مراعاة الفرق بينهُ وبين البنفسجي-، وإن سردت عليه ما يحزنني أنار بالأزرق، ثم بالأخضر، ومهما أقسمت لكم إن هذا المصباح خير ونيس ومستمع فلن تصدقوا. «وصدقًا ليس من الشرط أن يكون الرزق مال أو بنون، بل يمكن أن يكون أحيانًا على هيئة نور».

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

«نوري السحري»

المؤلف Mariam SaYed
2024/06/18 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة