١|| لا يموت.

١|| لا يموت.

15 0

بدأ حياته أول مرة حين مات.

-

"العتمة تملأ المكان، لا يكاد يُرى ما بالأرجاء، بصورة ضبابية غير واضحة، ترى سلاسل فضية مثبتة بالحائط، أكل الصدأ بعض أطرافها، وأبقى على البعض الآخر. يدين هزيلتين لن ترى منهما سوى قبضتيهما، تقيدهما الأصفاد وتشد عليهما بقسوة، مثل الأسد وفريسته الميْتة. هدوء الجو يجعلك تسمع صوت أنفاس أحدهم بوضوح، والتي تخبرنا بكل يقين وبلا شك أن التعب يتغذى على رئتيه. لا يمكنك رؤيته، لكن يمكنك أن تعرف أنه هنا، تمامًا كما يعرف الجميع هذا.

صراخه مسموع، أنينه مسموع، بكاؤه، أنفاسه، صوت الأصفاد والسلاسل ، فقط لأنه بتلك الغرفة التي لا تتجاوز مساحتها المترين، أصبح المبنى كله ملعونٍا.  لا أحد يريد أن يسمع الحقيقة، لا أحد يهتم بتفاصيل القصة، لا أحد يحقق لا أحد يدقق، الكل إما ظالمًا أو مظلومًا."

شاب بدأ للتو حياته، عمره لم يتجاوز السادسة عشر، بزي عسكري رسمي أسود اللون بربطه عنق بيضاء، امتلك طولًا فارعًا، شعره القصير المائل للشقار، عينين وساعتين بلون بني بين القاتم والفاتح، كيفما تنظر لها يبدو لونها، أمتلك تقاسيم وجه متناسقة، وندبة جوار حاجبه غطّاها شعره دائمًا.

-" ما الذي تنظر له ليو؟" التفت بعينيه لصاحب الصوت، وأخرج يده من جيبه يخرج حبة سكاكر ويرميها بفمه دون أن يرد، كان يمعن النظر في النشرة المعلقة على لوحة الأخبار بعمق وتركيز شديد.

-"سمعت بالمبنى الملعون؟" أردف ليو وهو ينظر للفتى بجواره بينما يكتف يديه بتركيز أكثر.

-"الكل يعرف الشائعات عنه، لكن لم يفكر أحد بدخوله من قبل، كل من حاولوا لم يتجاوزوا الباب وخرجوا بسبب أصوات الصراخ هناك." أجاب الفتى وهو يربت على كتف ليو كي يقطع تركيزه عديم القيمة بنظره، لكن ليو لم يغير نظرة الجدية بملامحه، ولم يشغله كون الأمر شائعة، هو يريد أن يعرف السبب، وربما الكلام بالمنشور استفز جانبًا منه.

-"سأقدم طلبا للكشافة كي انضم لهم في رحلة استكشاف المبنى." تنهد صاحبه ولم يعلق، هو تعود تصرفات ليو الطائشة، والتي لا يعد لها حسابًا، بينما انزل ليو يده في جيبه، والأخرى لوح بها لصاحبه ومشى.

الأكاديمية العسكرية المركزية للتجنيد، تضم الأكاديمية مئتي مبنى، إذ تحتل مساحة مدينة كاملة، ملايين الغرف والتدريبات الخاصة والمكثفة نظرًا لأن إمبراطورية لاغوس كانت وما تزال الأقوى عسكريًا، فلا أحد يفكر في الاقتراب من لاغوس، لا أحد يحب أن يجازف بالحياة ويختار الموت.

خمس قارات في الكوكب، تتشابه مساحتهم دون اختلاف يدعو للنزاع، كونت كل قارة منهم إمبراطورية عظمى، ترأسها عائلة حاكمة واحدة منذ الأزل، والإمبراطور الفاسد تُعدم عائلته ويبقى هو ووريث الحكم حتى يمضي عقده أو يسلم رايته.

تلتقي الإمبراطوريات الخمس في نقطة مشترك، ولا يملك أحد الحق للدخول لها سوى حاكم الدنيا وإمبراطور كل قارة. تلك القوانين الصارم التي سنها حاكم الدنيا وطبقها، كانت منجاة للعالم على مر ملايين السنين، حمت الكوكب من الأرواح الشائبة، من مخلوقات الأرض الضالة، من هالة الظلام، من الصراعات والحروب.  لكن هذا الوضع اختفى من وقت ليس ببعيد، حين اختفى حاكم الدنيا وأعلن الحاسوب المركزي وفاته.

لم يأخذ الأمر وقتا حتى تشابكت الإمبراطوريات الخمس في صراع لا يبدو عليه أنه يريد الانتهاء، من سيكون حاكم الدنيا التالي؟ كيف يجب اختياره؟ الكل تواجد على هذا الكوكب وهو موجود، لم يره أحد قط، لم يسمعه أحد قط، كل شيء كان يُدار مع الحاسوب المركزي.

أخذت هذه الحروب تتعقد وتشتد حتى اتحدث الإمبراطوريات الأربع وعلى رأسهم لاغوس ضد الأخيرة، اتفقوا على أنها السبب بوفاة حاكم الدنيا وعاقبوها، أبادوا شعبها، ودمروا أرضها، ولم يبق أحد من العائلة الحاكمة على قيد الحياة، آخر أمل لذرات التراب والهواء بتلك الأرض اختفى ولم له وجود.

توقف ليو أمام باب النادي متربصا الفرصة للدخول، كل ما يجول بعقله أن هذا اختبار من الجيش ليقيس مدى قوة تحمله، وكيف سيؤدون تحت الضغط، بالأخص أنه واضح للجميع أن المبنى بلا حراسة، اقترب منه كيفما تريد وادخله بقدر ما تريد، لن يمنعك أحد ولن تخالف أية قوانين.

مد يديه يطرق الباب عدة طرقات متتالية ثم هم بالدخول، وزع نظراته على الموجودين وابتسم ابتسامة عريضة رافعًا يده مؤديا التحية العسكرية.

-"ليورام من الكتيبة التأهيلية ألفين وتسعة،  أريد الانضمام للنادي سيدي." تحدث رافعا رأسه للأعلى ينتظر الرد بحماس وتوتر. بينما همهم الشخص الجالس خلف المكتب بهدوء وهو ينظر لبقية أعضاء النادي والذي يلغ عددهم سبعة أفراد.

-"لم تريد الانضمام؟" مرر صفحات الكتاب أمامه بتململ كأنه يقرأ وهو لا يقرأ. رفع نظره لليو وأغلق الكتاب متكتفا ينتظر رده.

-"أريد... حسنا، أريد استكشاف المبنى الملعون معكم." تحدث ليو وبلع ريقه، لا يعرف لم لكنه يشعر بالتوتر الآن أكثر.

-"قوتك السحرية وترتيبك على مستوى الكتيبة؟" استرسل الرئيس يسأل بهدوء ليردف له ليو مجاوبًا: "أقرأ الذاكرة سيدي، ترتيبي الخامس عشر."

-"تقرأ الذاكرة وترتيبك الخامس عشر؟ كيف تكون فاشلًا هكذا؟" نهض وحمل الكتاب بيده واقترب من ليو وضربه به على رأسه بخفة تكاد تكون موجعة، بينما يحاول البقية كتم ضحكاتهم.

-"آسف سيدي، سأحاول أن أكون أح..." قاطعه الرئيس وهو يترك الغرفة: "لا داعي، أنت معنا، سنذهب غدًا." وأخيرًا بإمكانه إنزال يده وتنفس الصعداء، يشعر بالانتصار، يشعر أنه يبلي حسنًا في حياته.

حياته المدرسية تريحه، نظرة الفخر بعيني والدته تريحه، وثقة والده به تريحه، حبه لوطنه يريحه، رغبته أن يكون انتحاريًا لأجل إمبراطوريته أيضًا أمر مريح له. لأنه ببساطة يشعر الآن أن كل الأمور بخير وأن الحياة تسير بالسلاسة المطلوبة، لا يحمل نقما أو حقدًا تجاه أحد، لأنه لا يتذكر أذية الآخرين له.

توجه لغرفة سكنه، ارتمى على سريره ورفع يده يشد خصل شعره مرارا وتكرارا ثم يتركها لتسقط على وجهه. متحمس هو جدا، يكاد الحماس يقتله بهذه اللحظة، يشعر أنه سيخوض مغامرة ستعجبه وتغير حياته.

"ليورام"

ماء، حبال، بندقية، سكين، ما الذي سأحتاج له أكثر؟ أغلقت حقيبتي بعدما عددت محتواياتها للمرة الألف، ارتديتها وهممت بالخروج. علينا أن نلتقي في تمام العاشرة. لا أصدق أنني في خلال نصف ساعة فقط سأكون داخل ذلك المبنى. أتساءل ما سيكون به، أنا متأكد أنه اختبار ليروا ولاءنا وسنحصل على نقاط بالتأكيد!

توقفت أخيرًا أمام المبنى، أكاد لا أشعر بقدمي من الحماسة! حاولت إخفاء ابتسامتي وحماسي وتقدم للشباب هناك ألوح لهم. وربما تلويحي لهم بحد ذاتهم جعل حماسي ملحوظًا.

دخلنا، المكان هادئ، كلما تقدمت كلما اختفى الضوء أكثر، شباك عناكب، صالات تدريب، وصالات تعذيب. توقفت أمام غرفة مفتوحة، كان لا يملؤها شيء أكثر من أدوات التعذيب، ربما أدوات أول مرة أراه. شعرت بالأسى لوهلة نسيت فيه أنني على وشك أن أصبح جنديًا.

-"يا قارئ الذاكرة، ألا يمكنك التلصص على أي شيء لأجلنا؟" تحدث أحد أعضاء النادي وسرعان ما ابتلعت ريقي بخوف، هل هم يعرفون؟ هل كان كل هذا لاستدراجي؟ لا يجب أن تفضحني ملامحي أكثر! علي أن أتصرف علي أن...

-"هل أنت معتوه؟ لو كان يجيد قراءة ذاكرة الأشياء لكنا ندعو لروحه أن ترقد في سلام الآن."

تدخل رئيس الكشافة ورد عليه، بذات اللحظة شعرت أن روحي ردت لي، بشكل غبي كادت أن تنتهي حياتي الآن.

-"لكن لماذا أيها الرئيس؟" سأل باستنكار جعلني أرغب بشكر الله ألف مرة الآن.

-" لأنهم يعدمون فور أن تتحدد قدرتهم، بسبب اختراق الخصوصية غير المرحب به، ولأن أسرار الدولة قد تصل للأشخاص العاديين بكل بساطة."ج

-"في كتاب القانون مكتوب أنه يتم سلبهم قدرتهم."

-"بل روحهم، تغير القانون قبل عشر سنوات، لم يغيروا النص القانوني في كتب الأكاديمية."

كان الحديث يدور أمامي، كل كلمة تقال ترفع لي الأدرينالين أكثر. إنه محق نحن يتم إعدامنا لأجل قدرة لا نختارها حتى، وأنا علي العيش بهذا السر ودفنه للأبد. لا يمكنني جعل أمي تنهار خلفي، لا يمكنني جعل أبي يعاني بسببي.

أشعر أن جسدي يخمل، أحاول تجنب لمس الأشياء أكثر من دقيقة لكن، جسدي لم يعد يحملني! استندت على الحائط وتركت قدماي لتسقط، أسندت رأسي على الحائط أكثر ونظرت لقدمي التي عجزت عن الشعور به.

نظرت أمامي لأعضاء النادي، لم يلاحظوني، علي أن أجعل أحدهم يلاحظني، لكن.. حتى صوتي لا يخرج.

هذا الجدار يشدني إليه، الأرض، والركام، يريدون جعلي أقرأهم. لكن أنا لا يجب علي أن أفعل، لا يجب علي أن أستخدم قوتي هذه أبدا.

رميت يدي أرضًا أحاول الاستناد عليها لكنني لمست بها شيئا طريا، لا أعرف ما هو لكني أعرف أن قدرتي نشطت الآن.

فتحت عيني بصدمة وشددت على ذلك الشيء في قبضتي، الآن يمكنني رؤية كل شيء بوضوح! نهضت بقوة لا أعرف من أين اكتسبتها وبدأت أطالع المكان حولي. عيون خضراء، الكثير من العيون الخضراء، إنها تنظر لي، كلا إنها تبكي، إنها تلعن يوم ولادتها. لا تنظر لي لكن لمن؟ لا أستطيع تمييز شيء من ذلك الشخص عدا عينيه الخضراوين، كانتا في كل مكان حولي. سمعت صوتا بعيدًا، كان صراخًا واضحًا. تبعته ولسبب ما أشعر بالخطر. توقفت أمام غرفة تبدو الأصغر بين نظيراتها، باب حديد له نافذة، ومن تلك النافذة أرى سلاسل فضية تحمل قبضتين صغيرتين، بجوارهما الكثير من السلاسل التي أكلها الصدأ، فتحت باب الغرفة وتوسعت عيناي أكثر.

تلك السلاسل تحمل صبيًا يكاد يكود بعمري! لا أرى ملامحه واضحة لكن عيناه تشع طول الوقت. تنحيت جانبًا إثر سماعي صوت خطوات، سويعات ودخل شخصان الغرفة، كلاهما بهيئة مخيفة، لكن أحدهما، أحدهما أكاد أجزم أنني لو وقفت أمامه ذات يوم سأموت خوفًا من مطالعتها فقط.

رجل فارع الطويل، قوي البنية، يتلحف بالسواد، لا ترى منه سوى عينيه التي تملؤهما الحدة والغضب، خصل شعره الفضية تتسلل من أسفل القبعة، وعلى خصره حزام عريض يحمل على أحد جانبيه سيفًا طويلًا، والجانب الأخر مسدس قاتم اللون لا تميز سواده من سواد ملابسه.

وبجواره تمامًا رجل بدين، تبدو الحدة والقوة في ملامحه وكذا كبر العمر، أحد عينيه الواسعتين مصاب بها لا ترى، والندوب متناثرة على وجهه، زيه عسكري رسمي، بالأسود والأبيض، وعلى صدره ترى الكثير من الشارات منها ما هو قديم ومنها ما يزال حديث الولاد، شعره خفيف حتى يكاد الصلع أن يكون ساكنًا رأسه.

كلا الرجلين أعرفهما جيدا، صورهما بكل مكان في أنحاء الجمهورية، البدين رودجر قدوة أبي وقائد القوات الأعلى، والنحيف هو منجل الإمبراطورية، على يديه مات ما يتخطى المليون شخصا. فقط صورته تجعل قشعريرة تجري بجسدي.

-"خذه إد." تحدث الرجل البدين، ليتقدم الشاب المخيفة، ويسحب الصبي بعنف من السلاسل، كان قاسيا لدرجة أنني سمعت صوت تمزق بلحمه، وأشك أن عظام يديه وقدميه بقي بهما شيء سليم.

لا أستطيع إطالة النظر بهذا، أشعر قلبي يتمزق، تبعتهما وهما يخرجان من الغرفة يمشيان جوار بعضهما، وإد ذاك يجر الصبي من ذراعه بلا رحمة. توقف الشاب المخيف أين شعرت بخمول جسدي قبل قليل ليتوقف معه الرجل العجوز وينظر للشاب باستغراب.

-"ما الأمر إد؟"

-"لا أسمع نبضه."

هل كانا يريدانه حيا؟! على الأقل ليعاملاه مثل البشر؟ أشعر بالغضب، أشعر برغبة في الصراخ وقتلهما، لكن ماذا يفيد؟ كله من الماضي، كلها ذكريات لعينة لا أعرف لم زارتني.

انحنى الشاب المخيفة للصبي بعد ان ترك ذراعه ليرتطم أرضا، أمسك كفه وخلال جزء من الثانية كان قد كسرها! هل يحاول إعادته للحياة هكذا؟ حقا؟ الصبي لا يستجيب، هل مات حقا؟ هل سيقهرون فؤاد أمه بجثة مدمرة كهذه؟

-"هل مات؟"

-"بالغالب، رودجر، عد بنا للماض..." متى؟  كان ميتا للتو؟ كيف أصبحت قبضتيه حول عنق ذاك الشاب؟ ألم تكسر كفه للتو؟ كيف؟ بالرغم من كل شيء. أشعر ببعض الاطمئنان، إنه مريح أنه ما زال حي...

-"لا يمكنك أن تلعب الحيل على إد أيها الصغير" كانت نبرته مخيفُة، شلت تفكيري كله، رأيته يمد يده لخنصره يشد سكينا صغيرا من جوار مسدسه و.. وقطع جميع أصابعه بحركة واحدة.

نظرت أسفل قدمي، أين وقع إحدى أصابعه، هل هذا ما كنت أرى ذكرياته؟

عيون خضراء، تلك النظرة لن أنساها، عيون خضراء ورغبة في القتل، عيون خضراء لحيوان مفترس، تلك العيون مخيفة أكثر من ذلك الشاب المخيف.

لا أشعر بجسدي، إنه دوار شديد، هل انتهت الذكرى؟ أغمضت عيني وأعدت فتحها، أنا بمكان، ما زلت متكئا على الجدار، أعضاء النادي ما يزالون لا يلاحظون. صحيح، ساعات الرعب هذه كلها لم تتجاوز ثانية من الوقت لديها.

فتحت قبضة يدي ونظرت لها، إنه إصبع، ذلك الإصبع. ما اللعنة حول هذا المبنى؟ كيف لم ينتبه أحد لذلك الصبي من قبل؟ ألم يسمعه أحد حقا؟ كيف لم يتدخل أحد من البالغين.. مهلًا، الرجلان كانا يرتديان زينا العسكري. والعجوز صاحب منصب مهم، كان يرتدي الكثير من الشارات. ماذا عن الشاب؟

نهضت وتوجهت لتلك الغرفة التي رأيتها بالذكريات، نظرت من النافذة والمشهد هو ذاته لم يتغير، باختلاف أنه لا أحد بالغرفة، تلك السلسلة الفضية بحالها تماما حين تم سحب الصبي منها. تقدمت منها وتفحصتها بنظري، لن ألمسها، لست مستعدا للمزيد من الذكريات الموحشة.

هذا دم؟ نظرت له مجددا، إنه رطب، حتى الإصبع بيدي ما يزال طريا، هل كان اليوم؟ أم ليلة أمس؟ كلا كلا كان هناك ضوء أصفر من الشمس، لكنه كان باهتا، فجر اليوم حدث هذا، قبل دخولنا بدقائق فقط!

هل مات في النهاية؟

-"ليورام، ماذا تفعل بمفردك؟" صوت الرئيس، وضعت يدي في جيبي سريعا، أخبئ به الإصبع الذي التقطته. نظرت له وابتسمت ببلاهة وخرجت سريعا، لا أريدهم أن يلاحظوا الدماء، هؤلاء الأشخاص في غاية الخطورة، سوف يؤذوننا لو عرفوا أننا نعرف.

أنا خائف، وأشعر بالندم لدخولي هنا، كل شيء هنا أكبر مني.

"الراوي"

كان يخبئ ارتجافة يده، لا يعرف كيف أتته الشجاعة أن يمسك ذلك الإصبع، لكنه لم يشعر بالخوف والقرف منه، شعر بالأسى، شعر أنه كان سيتألم لو كان مكانه، لم يرد أن يغض الطرف فحسب، لكنه لا يريد الموت. لا يريد أن يقهر قلب أمه عليه.

انسحب من المكان، وعاد لسكنه، يريد النوم، يريد أن يرى عائلته، يريد أن يحدثهم ويخبرهم عما رآه، يريد أن يخبرهم أنه خائف جدا.

أخرج الإصبع من يده ونظر له وابتلع ريقه، غلفه بمناديل وزرعه جوار زهرة على شرفته، لا يعرف أين يضعه، هو يريد مكانا لا يشك أحد فيه فحسب.

دخل دورة المياه، غسل وجهه بماء دافئ ونظف يديه مرارا وتكرارا من أثر تلك الدماء، أغلق الصنبور ونظر للمرآة، يشعر أن الدم برأسه يغلي، وأن رأسه ساخن جدا، جر قدميه للسرير واستلقى عليه، تكور أسفل الأغطية وضم جسده، هو خائف بشدة. جندي؟ إنها كذبة يقنع بها نفسه كي يبقى قويا. أغمض عينيه ونام، غفى ولم يشعر بحواسه، هو يحتاج للنوم الآن، أكثر من أي شيء آخر.

مرت الأيام، بطيئة قاتلة، يمر يوميا على زهرته الذابلة ويتفقد وجود الإصبع المبتور، يتمنى أن يكون حلمًا، أو أن يختفي فجأة دون أثر، يخاف أن تلتقطه الدوريات، أن يقع بمشكلة، والمشكلة أنه لن يقع فيها بمفرده، سيجر عائلته كلها معه.

نظم أنفاسه ورتب ملابسه، غسل وجهه مرارا وتكرارا يريد أن يستفيق ويركز، لا يجب أن يبدو متغيرًا، لا يجب أن يتغير. ارتدى قفازاته وضرب خديه بخفة ثم خرج من الغرفة. مشى حتى صفه ثم توقف، حشد كبير خارج الصف، همس مزعج لأذنيه، والجو العام لم يكن يريحه.

-"ماذا يحدث هنا؟"

-"هناك طالب جديد." رد عليه أحدهم ليعقد ليو حاجبيه مستغربا، ما الخطب لو كان هناك طالب جديد؟

-"ولم الكل مجتمع هنا؟"

-"آه، لا تعرف؟ إنه عبد مجند من أرغوس." صمت ليو، لم يعرف ما يجيب وكيف يتحدث، لكن الخوف أكله فجأة.

فتح لنفسه طريقا ودخل، يريد الجلوس، لا يشعر بقدميه. لكنه توقف مجددا وحدق في الصف

مطولا، لم يكن نظام المقاعد كالمعتاد، خمس مقاعد فقط، أربعة بأطراف الغرفة وواحد في المنتصف، ارتبك وابتلع ريقه، ولم يعرف أين قد يتوجب عليه الجلوس.

دقائق ودخل عليه عقيد صفهم، رجل أربعيني بجسد قوي البنية، ليس بالنحيف ولا السمين، بشعر كثيف كله سواد، وعيناه غلبت عليهما الحدة بلون بني داكن لا تعرفه دون ضوء، كان نظره الضعيف يجبره على وضع نظارات سميكة لا تناسب ملامح وجهه.

ضرب اللوح بيده مرتين ليسكت الطلاب، ثم فتح دفترًا بيده، عدل نظاراته والتفت للطلاب متحدثا:

-"من سأقول أسماءهم فقط سيدخلون، والبقية عليهم التوجه للإدارة لمعرفة صفوفهم الجديدة." أومأ له البعض والبعض منهم حدق ببعضه، بينما ليو كان خوفه يزداد أكثر فأكثر.

-"ماروس، إدوارد، ليورام، نيمار. والبقية تفضلوا بالخروج."

نظروا لبعضهم باندهاش، وكل واحد لديه داخل رأسه مليون علامة استفهام، من بين ثلاثين طالبا سيبقى في الصف أربعة فقط؟ ربما حاولوا تبرير الأمر بأنهم أخذوا أفضل أربعة طلاب للصف، والبقية سيتم توزيعهم، لكن لماذا؟

لاحظ معلمهم ارتباكهم والتساؤلات بعيونهم، تنهد وهو يعدل نظاراته، تكتف وأردف مكملا على كلامه: "بالتأكيد وصل لكم أن الطالب الجديد عبد من أرغوس، وحفاظًا عليكم لا يجب أن تختلطوا به، تعرفون أنهم شعب خانوا حاكم الدنيا وخرقوا القوانين، ونهايتهم المتوقعة هي العبودية، اخترنا أفضل أربعة منكم ليتمكنوا من مراقبته والقضاء عليه إن فكر ولو للحظة في التمرد. إن كان هذا يجيب على استفساراتكم فتفضلوا بالخروج، ولن أكرر كلامي مجددا."

وبالفعل، انسحب الجميع ولم يتبقى سوى الأربعة الذين تم اختيارهم. جلس كل واحد منهم على كرسي  وهم يتبادلون النظرات لبعضهم البعض.

"ليورام"

توقف المعلم على اللوح وضغط زرا على اللوح، ثوانٍ وكان ضوء أبيض جوار المعلم، ثم اختفى وظهر شخصان. الأول كان مدير الأكاديمية رودجر، والثاني كان...

لم أستطع الحفاظ على تعابير وجهي، لم أستطع أن أخبئ دهشتي، لم أستطع أن أمتنع عن التحديق به.

هذه العيون، بهذا اللون الأخضر تحديدا، وتلك النظرة بالأخص، كان متأكدا تمام التأكد أنه نفس الشخص من تلك الذكريات.

-"بما أنكم أخذتم هذه المهم الخطرة، كان علي أن آتي بنفسي وأشكركم، إمبراطورية لاغوس تثق بكم، وتعرف أنكم بقدرها."

كان يتحدث، لكنني كنت أحدق بالآخر، وهو بدوره كان يحدق في الفراغ، لم يظهر على تعابيره أي شيء. بنيته ضعيفة، قصير القامة، شعره بني بلون يميل للكراميل ينسدل على وجهه بعشوائية، ويده... مهلا، أصابعه كاملة! كيف يمكن أن يكون؟

-"لنتحدث بجدية أكبر، مهمتكم هي أن تقتلوا هذا العبد." استكمل رودجر كلامه وهو يربت على شعر الفتى بهدوء، كان يبتسم وهو يتحدث معنا، ونحن اكتفينا بالتحديق، لماذا لا يقتلونهم هم؟ لم علينا نحن أن نقتله؟ كيف يقولها أمامه هكذا؟ هو عبد لكنه إنسان أيضا!

خرج رودجر من الغرفة، لم يكن ينتظر منا ردا، بينما حمحم المعلم لننظر له وليقطع دهشتنا.

-"كما سمعتم، نحتاج أن نقتله لكننا نعجز عن ذلك، غالبا تعرفون أن أرغوس مشهورة بسحر العلاج، أحدهم طبق سحرا طويل المفعول والأمد على هذا العبد، وعليكم أن تجدوا نقطة ضعفه وتقتلوه، وبمجرد قتله سيتم تجنيدكم مباشرة ولن تكونوا بحاجة لاستكمال سنوات الدراسة العشر. يمكنكم الهجوم عليه بأي وقت وفي أي مكان، ولا تقلقوا هو لن يحاول صدكم أو رد الهجوم."

-"مفهوم". ردوا عليهم وأنا حاولت أن أستدركهم في الرد، ما زلت أستنكر الأمر وأرفضه، ما زلت لا أعرف ماذا أفعل وكيف أتصرف.

لماذا؟ ما الخطر الذي قد يشكله طفل كي ترغب إمبراطورية عظمى بقتله؟ ما مدى قوة هذا السحر كي يعجزوا أمامه؟

-"ليورام" جفلت لوهلة ونظرت للمعلم أحاول أن أخفي خوفي وقلقي عنه.

-"نعم."

-"أحذرك مسبقا من لمسه أو محاول قراءة ذكرياته."

-"مفهوم."

إنه ممنوع بطبيعة الحال، لم التحذير مجددا؟ كل ما يجري هنا غريب، وأنا أشعر أنني أريد العودة للبيت.

توجه الفتى للمقعد بمنتصف الغرفة وجلس، لم يتكلم، لم ينظر لأحد، حتى المعلم لم يخبرنا باسمه، وهو لا يبدو عليه الخوف، كيف لشخص يعرف أنه رأسه تحت الفأس ألا يخاف؟

خرج المعلم وتركنا، لا مزيد من الدروس، لا مزيد من أي شيء، فقط علينا قتله. نهض نيمار وتوقف أمامه أخرج سلاحه ووضعه على صدر الصبي، ومع ذلك لا هو لم يخف، كيف لا يخاف وأنا اشعر أن الطلقة ستمر من خلال قلبي بمجرد النظر. أرغب في التدخل لكن لا يجب علي أن أفعل، لا يمكنني فعل شيء يؤدي لموتي.

-"لماذا لا تضغط على الزناد؟" تحدث ماروس لينظر له نيمار بصمت قليلا ثم ينبس:"إنه مخيف."

-"أفرغ الستة في قلبه بشكل متتال، لن يكون لديه فرصة للنجاة." رد عليه ماروس ليضحك إدوارد بسخرية ويردف:" لنفعلها جميعًا، وننتهي من أمره سريعًا."

-"أنا لن اشارك، أعتقد أنهم جربوا هذا من قبل، أفضل المراقبة ودراسة الأمر في حال لم تنجحوا بهذا." رددت سريعًا، أنا أتهرب في الواقع، لا يمكنني قتل شخص ربما لم يصل لعمري حتى. لم يعجبهم ردي لكن لا يمكنهم إجباري.

نهض ثلاثتهم نيمار وروماس كل واحد منهما يضع مسدسه على قلبه من جهة، وإدوارد يضع طرف سيفه على عنقه ينوي اختراقه. الأمر يبدو وحشيّا، لا أريد أن أرى، لكن كيف هو لا يبدي أي ردة فعل؟ كيف لا يرمش حتى؟

-"واحد، اثنان، ث…" رفع الفتى يده أمسك مسدس نيمار مما جعل إدوارد يتوقف عن العد، هل سيدافع عن نفسه أخيرا؟ لكن.. هو فقط أزاح المسدس قليلًا لليمين وأنزل يده مجددا؟

-"قلبي في الجهة اليمنى." قال بهدوء وصمت صوته لم يكن خائفا، لم يكن يرتجف، هل يساعدهم؟ ما هذا؟ هل هو متأكد من أنه لن يموت؟ بدا الارتباك عليهم، الارتباك والغيظ، شعروا بأنه يسخر منهم.

لم يكملوا العد، بلحظة كان السيف يمر من عنقه، تناثرت دماؤه. لكنه لم يصدر صوتًا، ولم يتحرك من مكانه حتى، ذلك التصرف جعل نيمار وماروس يسرعون في الاطلاق عليه، ليس غضبًا، بل خوفًا منه.

-"انتهى" قالها إدوارد بسخرية حين سقط الفتى هامدًا على الأرض بلا حراك، بينما تنفس الاثنين الآخرين الصعداء.

تقدم إدوارد نحوه وسحب سيفه لكن..

-"ما هذا؟" ما هذا فعلا؟ النصل متآكل، نظرنا جميعا له لكن حتى أثر النصل غير موجود! كأن شيئا لم يمس عنقه قط. وهو؟ مجرد ثوان ونهض وجلس مكانه مجددًا!

"الراوي"

تراجع ماروس ونيمار بخوف بينما إدوارد اشتعلت فيه روح الانزعاج والحماسة، تقدم من ليو وسحب سيفه عنوة واتجه للفتى، وقبل أن يستوعب أحد كان قد قطع رأسه!

-"لا يمكن لمجرد عبد أن يتفوق علي." نبس بحنق بينما البقية ترتسم الصدمة على ملامحهم، بالأخص ليو، هو يفكر كيف سيعود الآن؟ رأسه في جهة وجسده في جهة. يشعر بالألم بداخله، بالذعر، بالخوف، لم على طفل أن يمر بهذا؟

ابتسم إدوارد بانتصار حين لاحظ أن الصبي لم ينهض مجددا بينما ارتسمت ملامح الارتياح على الاثنين الآخرين لكنه لم يدم! بدأ جسده يشع ضوءًا خافتًا أزرق اللون، شيئا فشيئا كان اللون يزداد ويشتد حتى حجب الرؤية لم يقارب الخمس ثوان ثم اختفى وظهر الصبي جالسًا على مقعده كأن شيئا لم يكن، كأن لم يمت.

بتلك اللحظة شعر الثلاثة بالعجز واستحالة المهمة، بينما الرابع شعر بالارتياح والفضول، منذ متى هناك سحر بوميض أزرق؟

-

توقعاتكم؟

إن ارتأيتم أي خطأ إملائي فيرجى الإشارة لي به. ♡

دمتم بخير.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الأزرق.

المؤلف إنسان𓂆.
2025/09/05 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة