إسمي... لا داعي لذكره، فما كان يومًا مبعث فخر لي.
أنا فتاة لا تُحسب من الفاتنات ولا من ذوات القبول. ملامحي مجرّد وجه دائري، فم صغير على هيئة قلب، أنف روماني بارز قليلًا، شعر أسود قصير كليلٍ مبتل، حاجبان رقيقان، وعينان لوزيتان سوداوان كأنهما انعكاس لحياتي المظلمة ورؤيتي لها. كانوا ينادونني أحيانًا بـ "العيون الحرشاء"، لم أفهم المعنى، ولم أرغب يومًا أن أفهم. لوني كان أسمر كسمر التراب بعد المطر.
ولدتُ يتيمة الأم، وماتت في لحظة خروجي إلى الحياة، فتخلى أبي عني كمن يتخفف من حملٍ ثقيل. تركني عند جدّي، وهناك ابتدأت حكايتي... أو على الأصح ما تمكنت ذاكرتي من الاحتفاظ به وما سمحوا لي أن أتذكره.
بيت الجد كان يعجّ بالوجوه والظلال:
أبي الغائب، الذي لم أعرفه إلا من خلال صور باهتة.
عمي الأعزب، الرافض للزواج رغم إلحاح جدي.
عمتي المطلقة، التي عادت لتعيش بين جدران البيت مع طفليها: عُمر و إيناس.
وجدّي وجدّتي اللذان تولّيا رعايتي.
كبرتُ إلى جوار إيناس، التي وُلدت معي في العام ذاته، وعُمر الذي يكبرنا بعام واحد. كانت إيناس نقيضي التام: فاتنة بجمالٍ يأسِر، بعيونٍ خضراء، وبشرة بيضاء، وفمٍ وردي صغير، حتى أن المقارنة بيننا كانت تؤلم دون أن تُقال. لم أحقد عليها يومًا، ربما لأن عُمر كان دائمًا إلى جانبي، يُداوي حزني بكلمة، ويُعوضني بابتسامة.
البيت كان أكبر مما تحتاجه عائلة، وكنّا نحن الأطفال نملأ أرجاءه ركضًا وضحكًا، لكن رغم سعته كان يخنقنا بأسراره. طلاق عمتي ظل لغزًا لا يُسأل عنه، ورفض عمي الزواج كان يثير الهمس. غير أن أكثر ما أثار فضولنا هي تلك الغرف المهجورة في أطراف البيت، وخاصة ما يُسمّى بـ "قُبّة الجد". كانوا يقولون إنها مسكن الأفاعي، وإنها في الأصل بيت جدي الأكبر. كنا نُمنع من الاقتراب منها، ومع ذلك ظلت تسكن خيالاتنا كما تسكن الحكايات المحرّمة.
لم يكن يشغلني وقتها سوى اللعب مع إيناس، وانتظار عودة عُمر من المدرسة. لم يُسمح لنا أنا وإيناس أن نذهب للمدرسة قط؛ جدي وعمي رفضا ذلك بلا نقاش. كل ما عرفته من حروف وكلمات كان بفضل عُمر، الذي علّمني ما يتعلمه. كان يشرح لي الدروس كأنها لعبة، فأحببت التعلم من أجله لا من أجل المدرسة. إيناس لم تُعر الأمر اهتمامًا، حتى أصابها الملل فانضمت إليّ لاحقًا. كنتُ أعيد لها ما لقنني عُمر، حتى يفسح لي وقتًا جديدًا معه حين يفرغ من واجباته المدرسية ومن الأعمال التي يُثقلونه بها: مراقبة العمال، سحب الماء من البئر، والمهام التي تُرهق صبيًا بعمره.
كنا نظن أننا نعيش حياة عادية، أو شبه عادية... لم أكن أعلم أن تلك الأيام هي أجمل ما سأحيا.
lumara