عزيزتى القارئة الجميلة، ولستُ عزيزًا لي أيُها القارئ. أعلم أن البداية أغضبتك، ولكنك لستُ إبن شقيقتي لأدعوك بعزيزًا لي … "ما أجمل القدر عندما يبعدك عن شيء لا يستحقك وأن يقربك من شيء كنت تتمنه" أنا سليم الهوارى خريج كُلية زراعة ولكني لم أعمل في مجال تَخرُجي، بل عملتُ في مصنع أحذية والدى الذي طالما عملتُ به منذ طفولتي، لأني أخاف أن أغمر تجربة جديده أو عمل جديد أو اي شيئًا جديد، أخافُ من المستقبل؛ من الماضي؛ من أي شيء. أستمر في الهروب؛ لأني مشمئز من هذا العالم، تهرب في كتاب أو فيلم أو أغنية أو حتى في النوم، ثم يصفعك الواقع أنكَ لازلتُ مكانك فاشــل. * ___________________* كان يجلس بمقربة والدته المُسنة الذي إنتصر علي ملامحها الشيب وظهور الشعر الأبيض بوضوح على رأسها ليردف لها بنبرة هادئة : " أمي أنا هروح الشغل مش محتاجة حاجة؟ " إتكأت والدته علي العصا ليظهر على وجهها الشحوب وعلي الرغمِ من ذَلك إلا أن إبتسمت لهُ إبتسامة صغيرة وقالت : " في رعاية الله متتأخرش يا بني " = لأ طبعًا يا أمي مش هتأخر أنتِ نسيتِ ولا ايه ! مش قولتلك إني هروح إنهارده أقابل أبو سماء … هَكذا تفوه سليم بِكلمات عَكست جميع مخاوفه، تؤسفه ملامح والدته المريضة وهو لا حول له ولا قوة لا يعرف ماذا يفعل لها؟ لتضع والدته يدها على وجنتيها ثم قالت بنبرة ضعيفة : " معلش يابني حكم السن بقا " إبتسم لها فكان يعلم أنها مصابة بمرض «الزهايمر» ليطبع قبلة رقيقه على يديها ثم قال بنبرة عاجزة : " ولا يهمك يا أمي خُدي بالك من نفسك " أكملا حديثهما كعادتهم كل يوم، ليتوجه سليم بعد ذلك إلي المرحاض لكي يَستحم وعندما إنتها من ذلك قام بإرتداء سُترته البُنية وبِنطاله الرُمادي ثم خرج متوكلًا على الله إلي العمل. وفي إحدى الشوارع الجانبيه المزدحمة بالسكان كان يوجد شاب ينتظر هُناك لدقائق عديدة أو لساعات حسنًا كان يقف لمدة طويلة جدًا وعندما رأي سليم أتٍ من بعيد وسوف يقوم بمعانقته إبتعد عنه الشاب فورًا ليقول بنبرة أظهرت غضبه الشديد : " مَـ بدري ياسي سليم مـا كنت تتأخر كمان يا راجل " إنتهي الشاب من كَلِماتهُ ثم تحرك بأسرع ما يملك تاركًا سليم يُطالعه بنظره صدمه كبيرة لا يفهم سبب غضب رحيم منه ليقول سليم بعدم فهم : " استني بس يا رحيم مش تسأل اتأخرت ليه؟ " توقف رحيم عن التحرك ليرجع بعض الخطوات إلى الخلف ثم إستدار برأسه نحو سليم الذي كانت تظهر علي ملامحهِ البرود ليقول له بنبرة سخرية : " اتأخرت ليه يا باشا " وإذ فجأةً قبل أن يُكمل رحيم حديثه قاطعه سليم وهو ينظر إلي شيئًا ما وهو يقول : " إيه اللي هناك ده ! " عَقد رحيم حاجبيه وهو يقول في إستغراب : إيه ! رد عليه سليم وهو يشير بعينيه إلي أخر الشارع : " إيه الخناقة اللى هناك دى؟ " رفع رحيم حاجبيه لأعلي قائلًا بعدم إهتمام : " وإحنا مالنا ياعم دول شوية عيال، خلينا في حالنا الله يصلح حالنا " قبل أن يعترض كرر سليم برجاء : " إستني بس هروح أشوف في إيه " بدأ رحيم التحدث بجدية قائلًا : " يا عم متروحش ليضربوك و … " وسوف يُكمل حديثه إلا وقد قطعه ذهاب سليم ضم سليم شفاتيه قائلًا بنبرة إستعطافيه ناكرة : " أي يا عم إهدأ كده على نفسك " جاءه الرد من رجلًا صاحب صوتًا غليظًا : إمشي من هنا يا بني هي ناقصة أتفال " أطفال " رد سليم متعجبًا : أتفال! " مش عيب تضرب عيل قد إبنك؟ " رفع الرجل حاجبيه ليردف بنبرة سخرية : " وأنت بسلامتك هتعلمني الصح من الغلط! " تنهد سليم بحنق ليجاوبه وهو مازال مُتمسك بثباته : " طيب سيب الولد " رمقه الرجل بحده قائلًا بنبرة تحذير : " يا عم أمشي بقا أنت طلعت لي من أنهي مُصيبة " جاوبه سليم بعدم فهم : " هو عمل لك إيه بس؟ " - " أخذ كتاب من المكتبة من غير مَـ يدفع فلوسه " نظر سليم بإستعجاب من هذا السبب البسيط ليقول بنبرة هادئة : " بس كده هو بكام " رد الرجل قائلًا وهو يرفع رأسه نحو سليم : بعشه جني " بعشرة جنيه " إستغرب سليم من طريقة حديث الرجل ليقول لهُ بنبرة ضحك : " بعشه! وضع سليم يده في بِنطاله ليخرج منه الأموال ثم قال : اتفضل العشرة بتاعتك أهي " إستغرب سليم ووقف أمام الولد ليقول في نفسهِ : " كل ده عشان خاطر كتاب بعشرة جنيه؟ " رد عليه الولد بغرابة وبلهجه أكثر غرابتًا منهُ : " لأنه ليس كتابًا عاديًا؛ ولكن هو جاهل لم يعرف قيمة هذا الكتاب " بدأ سليم في الضحك بصوتًا يَكاد أن يكون مسموعًا : " إنت بتتكلم كده ليه " الولد بدأ يتفوه بجدية : " خُذ هذا الكتاب سوف تحتاجهُ إنه مُهم صدقني " أردف سليم مسرعًا يريد أن ينهي معهُ الحوار : "لا ياعم مش عايز كُتب أنا مليش في الحاجات دي" _ أنت تتحدث عن الكتاب كأنهُ نوع من أنواع الخمور أو ما شابه خذه، هذا الكتاب ليس بكتابًا عاديًا. قال سليم بعدم فهم وبدأ في الضحك مرةً أخرى : " أمال إيه سحريًا " _ " تبًا لكَ أيُها الجاهل ألم تعرف ماهذا الكتاب؛ إنه عن أسطورة أرض مِيلاكو " رفع سليم حاجبيه لأعلي قائلًا بسخرية : " وأيه أرض ميلاوى دى! " _ " ميلاوى؟ أتعرف يا أحمق تبًا لكَ وتبًا للوقت الذي أضاعته بسبب تحدُثي مع أبله مثلك " لينظر لهُ الولد مرةً أخرى وهو يقول بنبرة هادئة يشوبها الترجي : " ستأخذ الكتاب أم أغادر؟ " = " لأ، وعلي إيه هات الكتاب " إمتعضت ملامح الطفل وأردف لهُ بثقل وغلاظة : " خذهُ … " قبل أن يغادر الولد قال لسليم بنبرة تحذير : " إحذر أن تقع في حُبها سَتموت إن جأت هُنا " = مين دي؟ لم يأخذ سليم الأمر على مُحمل الجِدية ليقول بنبرة سخرية وهو يحاول ان يُقلد الفتي : " أغرُب عن وجههي يا فتي يا لكَ من أحمق … " قال سليم في نفسهِ : " لما نشوف أرض ميلاوى دى بتتكلم عن أيه؟ " بدأ في قرأت الكتاب ومع قرأت صفحة تلو الأخرى إستوقفتهُ مدينة « بورسعيد » ليقول : " إيه ده! هي أرض ميلاكو كانت في بورسعيد " ثم أكمل قراءة وذاد إهتمامه بالكتاب عن قبل لأنهُ كان يُقيم بمدينة بورسعيد ( إقتباسات من الكتاب الذي كان يقرأهُ سليم ) أرض ميلاكو الأرض الضائعة، أرض الأماني، أرض المعجزات، أرض الملك الظالم، الزمن يمر للخلف لتُكتب هذه العبارة مرةً أخرى بشكل أثار ريبة سليم « الزمـن يمــر للخــلف » = إحنا في حصة لغة عربية ولا إيه؟ خسارة العشرة جنيه ذهب سِليم إلى صديقه وعندما رأه صديقه قال لهُ بنبرة غاضبة : " إيه كل ده بتعمل إيه الخناقة خلصت من زمان! " = بُص كده الكتاب ده رد عليه رحيم في إستعجاب : دى أسطورة أرض ميلاكو! = إنت تعرفها؟ صمت رحيم عن الرد قليلًا ثم أخذ يفكر بضع دقائق ليقول : " وحد ميعرفش كِتاب أسطورة أرض مِيلاكو دى الأرض الضائعة؛ أرض الأحلام؛ تقريباً كانت في محافظة بورسعيد، بس محدش وصل لها بيقولوا إن في شخص وصل لها بس مرجعش تاني، نزل عبر حفرة والحفرة دى إتردمت ومحدش يعرف مكانها، بيقولوا كمان إن الزمن فيها غير بتاعنا تصدق؟ إبتسم سِليم إبتسامة سخرية وهو يتحدث بحاجب مرفوع : " وحد يصدق الخرافات دي؟ " فرك رحيم في شعرهِ الأسود المسترسل ليضيف كَلماته وهو مُتشكك : " مش عارف، بس جدي دائمًا كان بيحكيلي عن قصة أرض مِيلاكو وكان بيقولي إنها أرض ملعونة، الزمن فيها بيرجع لورا" ضحك سِليم بسخرية كبيرة وهو يَمسح وجهه ثم قال بنبرة منخفضة بعض الشئ : " طيب يا حبيب أخوك ربنا يسترها عليك وعلى المهلبية اللى فِـ دماغك دى، انا هَرجع البيت عشان هروح أخطب بليل « وقبل أن يردف رحيم بكلمة واحده كان سِليم قد ذهب من أمامه، وأثناء عودة سليم إلي منزله قام بقرأة بعض من صفحات هذا الكتاب الغريب لم يكن غريب في الكتابة فقط ولكن كان غريب في الشكل أيضًا » ( إقتباسات من الكتاب المعـ ـلون كما أطلق عليه سليم ) " لإشاعة الحب تأثير زمني عميق علي أيامك " عقدٌ سِليم حاجبيه ليقول بنبرة ذهول : " يعني إيه الكلام ده " " أكتب تجنبًا للموتِ، أكتب تفديًا للنسيانِ، أكتب على أمل ضئيل لإتراك أثرًا، ظلًا، خربشة في رمالٍا مُتحركة، في غبار مُتناثر، في صحراء شاسعة أكتب لكي لا تَنسي و تُنسي " إردف سِليم بنفس النبرة وهو يقول بفمًا مفتوح : " أنا مش فاهم حاجه " "القلب يصدأ كالحديد فلا يئن ولا يحن لأي شخص" أغلق سِليم الكتاب مسرعًا قبل أن يفقد صوابه ليقول بقلق : " ايه الهبل ده بُص يا سليم خليك بعقلك يا حبيبي مش ناقصين نسوق الهبل على الشيطان أنا غلطان إني فتحت الكتاب الملـ ـعون ده " في صباح اليوم التالي ذهب سِليم لمقابلة أهل سماء حَبيبتهُ لكِ يحددوا مِعاد الخطوبة وهو في الطريق كانت سماء معه على الهاتف ليقول لها وهو يقود السياره : " ايه يا سماء فين المكان قولي كده تاني " أتاه صوت سماء المرتبك وهى تحاول أن تصف له شكل الطريق : " علي الناصية كده مش عارفه اشرحلك مكان البيت بالظبط، هو في شارع الجمهوريه أدخل من الشارع ده وأحود شمال وان شاءلله توصل " = " طيب طيب خليكي معايا " ترك سليم الهاتف من يده وضعه على وضع « الأسبيكر » وهو ما زال يقود السياره. وبعد مرور خمس دقائق أتاه صوت سماء مجددًا لتقول بنبرة قلقه : " ايه وصلت لفين؟ " نظر سليم يمينه ويساره ليقول بنبره خائفه بعض الشيء : " مش عارف والله بس اللى شايفه إني أنا دخلت في حتة مقطوعة أصبري هحاول ارجع بالعربيه" حاول سليم ارجاع السياره للخلف ليسير من طريق أخر ولكن لسوء حظه إنحشرب عجلات سيارته داخل حُفرة عميقة قليلًا، تنهد سليم بضيق ثم أمسك بهاتفه الذي كان بجانبه على الكرسي ليتحدث لسماء بنبرة غاضبه: " شكل الكاوتش بتاع العربية اتحشر في حفره " أجابته سماء : " أنت وشك وحش عليا على فكره " رد سليم بحنق شديد وبنبرة سخريه : " أنا بردو اللي وشي وحش؟ اقفلي أنا هنزل من العربيه اشوف حصل ايه " خرج سليم من السياره لينزل بركبتيه على الأرض وهو يحاول أن يخرج العجله المحشوره بكل جهدهِ ولكن دون جدوي وإذ فجأةً وهو يمد يديهِ الحفرة إبتلعت سليم واختفي في لمح البصر! وبعد مرور عدة ساعات فاق سِليم ليجد مجموعة من الأشخاص تقف أمامهِ ليقول أحدًا منهم : " أانت بخير؟ " والأخر يقول : " ماذا دَهاك؟ " ليقترب شخصًا منه ويتفحص عيونه بطريقة أثارت خوف سِليم للمرة الثانية ثم قال : " أعطوه بعض الماء " تحدث سِليم وهو يعتدل في وقفتهِ ينفض ثيابهِ بسخرية : " أنا كويس ابعدوا عني " رمقه الرجُل الغريب بدون تعابير وجهه مُحدده ليقول وهو يتحسس علي بِنطال سِليم : " من أين جئت هيئتك غريبة! " انطلقت ضحكات سِليم وهو يهز رأسه بإندهاش : " إيه ياعم مالك أنا بردو إللي شكلي غريب وإيه اللـ أنت لابسه ده؟ " صَمت الرجُل قليلًا ثم قال بجدية وهو يَنظر في عينه : " ماذا؟ " لوى سِليم فمهِ بسخرية وهو يُردد : " ماذا إيه بقولك إيه اللـ أنتَ لابسه ده أنتَ لابس جيبه؟ " إبتسم الرجُل الغريب وهو ينظر إلي سِليم ليقول بكُل فَخر : " جيبه! نعم أتقصد سروالى إنه غالى بعض الشيء ولكن رائع اليس كذلك؟ " ضَحك سِليم على حديث هذا الرجُل المُختل ليردف بسخرية : " رائع مين ياعم …!دي شبه جيبة غادة عبد الرازق " أغمض الرجُل عَينيهِ بعض الشئ لتظهر علامات الإندهاشه على وجههِ ويقول : " ماذا؟ غادة عبد الرازق ما هذا الإسم لم أسمع عنهُ من قبل " وأثناء حديث الرجُل الغَريب أمسك سِليم رأسهُ من شِدة الألم ثم قال بعدم فِهم : " هو أنا روحت فين وأنت مين؛ أنا إيه اللى جابني هنا " نَظر الرجُل لـ سِليم وهو لا يَفهم ماذا يقول ليردف لهُ بنبرةٍ هادئة : " تمهل يا رجُل لما العَجلة نحنُ في أرضِنا " رد عَليه سِليم بصوتًا قويًا : " أرضنا؟ " هز الرجُل كِتفيه ليقول : " نعم أانت بخير يا صَاح " زاد تَعجب سِليم فتحدث قائلًا : " أيوا يعني أرض مين دي " أومأ لهُ الرجُل مُستغربًا من حديثه ثم أخرج زفيرًا قويًا وقال : "ربااه، ماذا بكَ يا رجُل نحن في أرضِنا أرض مِيلاكو" فَتح سِليم فَمهِ على إتِساعُهما ليقول بصدمة كَبيرة: " أرض مِيلاكو! " يُتبع … وفي الأخر حابه أشكر اللى قرأها وطبعًا مستنيه رأيكم يترى سِليم راح فين؟ وليه الناس دي بتتكلم بالطريقة الغريبه دي؟ ده اللى هنعرفه البارت الجاي « سلاااام »