"كل جرح يُعلّمك سرًا، وكل دمعة تُذكّرك بأن البقاء
على قيد الحياة لا يعني النجاة من نفسك."
☾✦☽✦☾✦☽✦☾✦☽✦☾✦☽✦☾✦☽✦☾✦☽✦☾
قدماها غارقتان في الوحل ...
لا تستطيع الحركة ...
جسدها يغرق لكن لا تعلم الى اين ....
الهواء من حولها ثقيل كأنه يضغط على صدرها ....
"استيقظي للحقيقة لا شيء يسير كما هو مخطط له في هذا العالم الملعون ..."
صوت عميق همس بتلك الكلمات .... التي لا تعلم مصدرها تبدو كما لو انها صادرة من اعماق الارض التي تقفل عليها ....
"الواقع مليء بالألم والمعاناة ... لا تخشيهما، بل اشعري بهما، انظري إليهما، وتقبّليهما ..."
نبض قلبها بجنون .... وكأن أحدًا يضغط عليه بقبضة فولاذية .... الهواء شحيح كأن رئتها ترفضه ....
عرق بارد يزحف على عنقها مثل يد خفية .....
حاولت الصراخ، لكن صوتها حبس في حنجرتها ....
جسدها يرتجف .... شيء ما يسحبها نحو الاسفل ....ظلام لا نهاية له ....
شهقت وهي تفتح عينيها بسرعة ، يداها تمسكان بالغطاء بقوة كما لو كانت تحاول التشبث بشيء يمنعها من السقوط .... تتنفس بسرعة وعرق بارد يتصبب من جبينها ...
جلست في سريرها، تحاول استيعاب ما حدث، لكن خفقان قلبها بجنون منعها من ذلك ، وكأن الكابوس لا يزال يطاردها حتى بعد استيقاظها. وضعت يدها على صدرها، محاولة تهدئة نفسها. هذا ليس مجرد حلم عابر، إنه يتكرر كل ليلة، يحمل معها شعورًا غريبًا بالضيق... كأنه رسالة تحاول أن تفهمها ....
تنهدت بتعب من الافكار الكثيرة التي راودتها ثم اقتربت من النافذة ...ألقت نظرة على السماء التي تلاشت غيومها ببطء، وكأنها تحاول التسلل من الانفلاق ... تمامًا كما تتمنى هي الفرار من واقعها....
(ملاحظة :الانفلاق ورد في القرآن الكريم
"فالق الإصباح"، وهو تعبير قوي جدًا عن شقّ الظلام بظهور الفجر. )
أغمضت عينيها للحظات ...محاولة تذكير نفسها بأنها لا تزال هنا... لا تزال تحارب من أجل عائلة لا تعرف حتى إن كانت تستحق ذلك ... شعرت بدفء الشمس على وجهها بينما نسيم الفجر المنعش يلامس بشرتها البيضاء ....
فتحت عيناها ببطئ ليستقبلها انعكاس ملامحها على زجاج النافذة ....
فتاة في السابعة عشرة من عمرها، ذات عيون خضراء ساحرة تحمل في بريقها شيئًا من الحزن، وشعر أحمر طويل ينساب كلهب يلتهم الليل. نظرت إلى أطراف أصابعها التي تلامس شفتيها بحذر، قبل أن تنزل إلى أنيابها الحادة التي تبرز حين تبتسم، علامة فريدة تجعلها تبدو أقرب إلى وحش منها إلى إنسان. لم تكن بحاجة إلى مرآة لتعرف ذلك... لقد رأت انعكاس هذه الحقيقة في عيون الآخرين بما يكفي.
ابتسمت بسخرية خفيفة على نفسها . هذه الأنياب وحدها كافية لجعل الجميع يهاب منها . كأنها علامة تؤكد أنها لا تنتمي لهذا العالم ....
لكن ملامحها الغريبة لم تكن السبب الوحيد لنبذها. امالت رأسها قليلا و حدقت بجسدها النحيل الذي يشبه الهيكل العظمي و تزينه كدمات زرقاء وبنفسجية، آثار العنف المستمر الذي اعتاد والدها أن يمارسه عليها بلا سبب. لم يكن هناك مكان على جسدها لم يختبر الألم ....
اخذت نفسا عميقا ثم أبعدت نظرها عن انعكاسها. فلا فائدة من التفكير في شيء لن يتغير....
ارتدت ملابسها بسرعة، ثم خرجت من غرفتها، لتستقبلها رائحة الكحول الكثيفة التي غطت المنزل كضباب خانق. مشت بخطوات خفيفة عبر الرواق الذي يحمل آثار الإهمال و الضياع ، متجنبة النظر إلى الأشياء التي تكرهها...
توقفت امام غرفة والدتها وقلبها يخفق بقوة. لم يكن هناك صوت. دفعت الباب قليلًا، فوقع نظرها على والدتها ممددة على السرير، غارقة في نوم عميق... بجانبها رجل اخر غريب لم تره من قبل ....
ضغطت على أسنانها، وأغلقت الباب بهدوء. لم تشعر بشيء، لا صدمة، لا غضب، ولا حتى حزن...
لكنها لم تشعر بأي شيء. وكأن قلبها بات صامتًا، متبلدًا، لا يجد جدوى من الشعور بعد الآن .... ربما لو كانت هذه هي المرة الأولى، كانت ستبكي. لكنها تعلم أن لا شيء سيتغير ... فقد تعلمت أن تتوقف عن الانتظار ....
أكملت طريقها الى المطبخ متجاهلة الافكار التي تراودها كان المكان مظلم لكن ضوء خافت ينبعث من شمعةٍ واحدة لفت انتباهها .....
لمحت والدها نائمًا على الأرض محاط بزجاجات الخمر الفارغة كان المشهد مثيرا لشفقة ....حدقت به للحظات، متأملة مظهره البائس. لم تعرف لماذا توقفت، ربما كانت تنتظر منه شيئًا... أي شيء.
تنهيدة، حركة، حتى نظرة، لكنها لم تجد سوى جسد بلا روح، شخص لم يكن يومًا أبًا لها.... كانت تتمنى أن يعانقها ولو لمرة واحدة، أن ينظر إليها بعينيّ والد ليس كرجل سكير لا يهتم إلا بالخمر والمال. لكنها تعرف أن ذلك لن يحدث....
اندفعت إيلا بخطوات حذرة نحو والدها، وجثت بجانبه وهي تراقبه بعينين ممتلئتين بالدموع. حاولت تهدئة أنفاسها المرتجفة، لكن يديها تحركتا دون وعي، تمتدّان نحو عنقه كما لو كانت تريد أن تغرس أظافرها فيه...
لكنها سرعان ما سحبت يديها، أفكارها تتشابك في دوامة من الفوضى.....
- اخترق هذا الصمت صوت والدها المتعب، صوته الجاف أشبه بصدى قادم من بئر عميق:
"من أنتِ؟!"
"أبي... إنها أنا، إيلا ... ابنتك "
رفعت إيلا رأسها، لتلتقي عيناها بعيني الرجل الذي كان يجلس أمامها، متكئًا على الأرض بإهمال، زجاجة نبيذ تتأرجح بين أصابعه. كان بليك، رجل في منتصف الأربعينات، يتمتع بملامح حادة وشعر أسود كثيف يلامس كتفيه، وعينين بنيتين داكنتين يكسوهما الشرود. رغم وسامته التي لم تخفها علامات التعب، إلا أن رائحته كانت تفوح بالخمر، مما جعله يبدو أقل هيبة وأكثر إثارة للاشمئزاز....
-ضحك بليك بسخرية وهو يترنح من أثر الخمر:
"ابنة؟! هل تتحدثين عن نفسكِ؟ لا تضحكيني، أنتِ مجرد بضاعة دفعت ثمنها منذ سنوات... لكن يبدو أن قيمتكِ تقل يومًا بعد يوم."
- تجمدت إيلا في مكانها، بنظرات متشابكة بين الصدمة والغضب، قلبها ينبض بقوة وكأن كل ذكرياتها مع والدها تمر أمام عينيها دفعة واحدة.
"أجل... أبي، إنها أنا."
رفع بليك حاجبيه ساخرًا، وحدق بها وكأنه يراها لأول مرة:
"لا زلتُ أتذكر اليوم الذي تم فيه عرضك في المزاد... كنتُ أظنكِ مجرد حيوان غريب، حتى صُدمت عندما سمعتك تتحدثين."
ارتجف صوت إيلا وهي تسأله، مزيج من الغضب والحيرة يتلاطم داخل صدرها:
"لقد عشت معك لسنوات... لماذا لم تعتبرني ابنتك يومًا؟!"
قهقه بليك، وكأن سؤالها كان مزحة:
"إبنتي؟! يا لكِ من ساذجة... هل تظنين أنني كنت بحاجة لابنة؟ كنت أحتاج لكلب مطيع فقط، لكن حتى في هذا فشلتِ."
ترددت إيلا للحظة، شعرت بالغصة في حلقها، ثم سألت ببطء:
"إذا لم يكن هدفك الحصول على ابنة... إذن لماذا اشتر....."
قاطعه بليك بضحكة صاخبة، ثم مسح دموع الضحك من عينيه وقال:
"ومن قال إنني كنتُ أريد ابنة؟! لو كنت أرغب في أطفال، لما كنت بحاجة إلى شرائهم. لكنكِ... كنتِ حالة خاصة، مشروعًا ممتعًا، وإن كان فاشلًا."
إيلا لاحظت شيئًا غريبًا؛ رغم سخريته، هناك لحظة قصيرة يخف فيها الغضب في نبرته، وكأن الخمر قد خفف من حدة طباعه، مما جعل الحديث معه أسهل، لكنه لا يزال يحمل شيءً من الغرور.
بليك، الذي كان يسخر منذ لحظات صمت فجأة، بدا وكأنه تذكر شيئًا مهمًا. تجمدت ابتسامته الساخرة، وأصبح صوته أكثر هدوءًا، لكنه حمل نبرة غرور خفية:
"هل تعتقدين أنني مجرد سكير؟ ورجل بلا هدف؟"
حدقت به إيلا باستغراب، عبوسها يزداد عمقًا، وداخلها شعور بالارتباك والخوف. تذكرت طفولتها، عندما استيقظت ذات ليلة على أصوات غريبة، ورأت والدها يهمس بكلمات لم تفهمها آنذاك. قلبها انقبض... هل كان ذلك جزءًا من مخططه؟ لم تستطع كبح تساؤلاتها:
"ما الذي كنتَ تخطط له طوال هذه السنوات؟"
ابتسم بليك بنظرة فخر باردة تلمع في عينيه. أمسك بزجاجة النبيذ، وقلبها بين أصابعه كما لو كان يملك العالم:
"مشروع أعظم منكِ ومني، أعظم من أي شيء تتخيلينه، صغيرتي الغبية... قريبًا، ستُفتح البوابات من جديد الى فيورانيا لنستعيد ما سلب منا."
نظرت إليه إيلا باشمئزاز، ثم زفرت بسخرية، شعورها بالاشمئزاز والغضب يتضخم مع كل كلمة:
"بحق الجحيم، هذا أسوأ مما توقعت... هل فعلاً صدقتَ هذا الهراء؟ أخبرني، متى تنوي أن تنمو و تكف عن تصديق الخرافات و قصص الأطفال؟"
تغيرت تعابير بليك، وحدق بها بنظرة لم تستطع فهمها، صوته أصبح هادئًا بشكل غير متوقع، يحمل شيئًا من الغموض والتهديد:
"ايلا... عزيزتي... أنتِ غبية جدًا، ولهذا لم تفهمي بعد سبب إبقائي لكِ كل هذه السنين رغم أنكِ عديمة الفائدة..."
قطعت ضحكات أنثوية صاخبة حديثه. كان الصوت مرتفعًا ومرحًا لدرجة أنه وصل إلى المطبخ، لكنه في أذني أيلا كان أشبه بضجيج مزعج...
زمجر بليك بانزعاج:
"ما هذا الصوت اللعين؟ يشبه نهيق الحمار!"
وضعت إيلا يدها على شفتيها لكتم ضحكتها، قبل أن تقول بمكر:
"ااحم... إنها أمي، لا بد أنها استيقظت."
- قلب بليك عينيه بملل:
"تلك العاهرة؟! عندما جئتُ إلى قرية أوبال لأول مرة، كانت راهبة في المعبد. لكنهم كانوا سيعدمونها، فقد خالفت القوانين المقدسة وأنجبت طفلين من علاقة غير شرعية. لولاي، لما كانت على قيد الحياة الآن."
- حدقت إيلا فيه بدهشة:
"لدي إخوة؟!"
- أومأ بليك برأسه بغير مبالاة:
"كان لديكِ أخوان. أحدهما يكبركِ بست سنوات، والآخر بثلاث. او شيء كهذا لقد نسيت مر على ذلك عدة سنوات "
- توقفت إيلا عند كلمة "كان" وهي تحاول ابتلاع ريقها بصعوبة و الخوف يعتري قلبها :
"ماذا تقصد؟ أين ذهبا؟"
-شرب بليك رشفة أخرى من النبيذ، وقال ببرود:
"تمت التضحية بهما من أجل هدفنا المقدس لكنهما كانا بلا فائدة .... في كلتا الحالتين، كانت والدتك ستقتلهم بنفسها."
- نهضت إيلا بسرعة، قلبها ينبض بعنف:
"أنت... أنت قتلت طفلين؟! أي وحش يستطيع فعل ذلك؟!"
- نظر إليها بليك ببرود، رفع حاجبه وسألها بنبرة مخيفة:
"وحش؟ هل تتحدثين عني... أم عن نفسكِ؟"
- قبل أن تفهم ما يقصده، أمسك بشعرها فجأة، وجذبها بقوة لتجثو على ركبتيها أمامه ثم همس في أذنها بصوت هادئ لكنه أشبه برصاصة تخترق طبلة اذنها :
"ايلا، مدي يدكِ."
- ابتلعت ريقها بصعوبة، جسدها بدأ يرتجف ولا تستطيع السيطرة على نفسها :
"أبي... آسفة، لم أقصد الإساءة إليك."
- رغم اعتذارها الا ان ازدادت إحكامًا، وصوته صار أكثر هدوءًا، مما جعل الخوف يزحف إلى عظامها:
"إيلا، لا تجبريني على فعل شيء قد يجعلكِ تتوسلين لتُدفني حيّة."
استسلمت ايلا، ومدّت يدها المرتجفة. لم يكن عليها أن تستفزه ، فقد كانت تعرف جيدًا ما سيحدث. أخذ بليك إحدى زجاجات النبيذ المهملة، وكسرها بيده. امسك بحواف الزجاج الحادة التي لمعت تحت ضوء الشمعة الخافت ...
بدأ بتمريرها ببطء على جلدها ، وكأنه يتلذذ بما يفعل.... ثم، دون تحذير، غرز الزجاجة بوحشية في يدها. صرخت إيلا من الألم، لكن صوته كان أقوى من صوتها:
"هذا درس لكِ... كي لا تكرري وقاحتكِ معي مجددًا."
واصل بليك تعذيبها دون أن يُلتفت لصرخاتها المتألمة أو لدمها المتناثر .... بعد صراخها المتواصل لم تعد تشعر بيدها. الألم كان نابضًا، لكن عقلها بدأ يفقد قدرته على التركيز. تنفّست بصعوبة، جسدها يرتجف، وشيء بارد بدأ يزحف في أطرافها.
ثم شعرت بشيء آخر. وجودٌ خفي، شعور غريب كأن هناك من يراقبها. لم يكن إحساسها خاطئًا. قبل أن تتمكن من التفكير أكثر، رأت ظل طويل امتدّ على الجدار أمامها، ثم تبعته خطوات هادئة واثقة.
بليك، الذي كان مستمتعًا بتعذيبها، توقف للحظة وزفر بانزعاج شديد. ألقى الزجاجة بعيدًا والتفت دون اهتمام.
"يا إلهي، ما الذي أتى بهذه العاهرة الى هنا"
ثم صدح في الغرفة صوت أنثوي، مرح لكنه يقطر خبثًا لشقراء ذات ملامح جميلة، لكن ما كان يميزها حقًا هو عيناها الزرقاوان الحادتان، المشبعتان بالكراهية. كان جسدها ممشوقًا ومتناسقًا ... تُبرز خطواتها قوامها الجذاب، لكنها لم تكن تحمل سوى برودة قاسية ونظرات مليئة بالاحتقار ....
"بليك، عزيزي... هل كنت تستمتع بوقتك دوني؟ هذا ليس عدلًا."
التفت بليك يبحث عن زجاجة خمر اخرى ليشربها فعلى ما يبدو فهو لا يريد حتى النظر اليها :
"إيفا اخرجي من هنا دع...."
قاطع كلامه سحب ايفا لايلا من شعرها وصفعها بقوة.....
- عكس تلك الصفعة كان صوتها هادئ ولكن مشحون بالكراهية :
"أتعرفين لماذا لم أقتلك عندما جلبك بليك إلى هنا؟ لماذا أبقيتكِ رغم أنني أستطيع التخلص منكِ متى شئت؟"
- حدقت أيلا بها بعيون تشتعل غضبًا :
"لأنكِ تستمتعين بتعذيبي؟ او تشعرين بالغيرة ، أليس كذلك؟ لأنه لا ينظر إليكِ حتى عندما تتجردين أمامه ... "
- ضحكت ايفا بسخرية، لكن عينيها تلمعان بشيء يشبه الألم المكتوم :
"تظنين نفسكِ ذكية ها ؟ أنا من أجمل نساء القرية الجميع يتمنى ان انظر له ولو لثانية على عكسك أنتِ مجرد مسخ يظن نفسه بشريًا. أنتِ لستِ حتى شيئًا حقيقيًا، مجرد بقايا شيء لم يكن ينبغي له الوجود."
- تجمدت أيلا للحظة، و كلماتها علقت في حلقها :
"بقايا؟ ماذا تعنين بذلك ؟"
- امسكت إيفا بذقن إيلا بقوة لتجبرها على النظر في عينيها الزرقاوين الباردتين :
"أنظري اتظنين نفسكِ ضحية؟ انت مخطئة العاهرة التي انجبتك هي الضحية لانها حملت بمسخ مثلك .... ليتكِ تعلمين كم تمنيتُ أن أقتلكِ يوم رأيتكِ لأول مرة لكنني لم أفعل بسببه والآن أنتِ تكبرين... وستصبحين وحشًا تمامًا ك...."
- قاطعهما بليك، بلهجة ساخرة وهو يمسح بقعة دم صغيرة على يده:
"يبدو انكما نسيتما وجودي و إيفا، أيتها السافلة، لما تقاطعين جلسة التأديب خاصتي؟"
- نظرت إليه إيفا بانزعاج، وعيناها تضيقان بحدة:
"أيها الوغد، إن كنت تريد معاقبتها، فافعل ذلك في الخارج. لا تلوث منزلي بدمها القذر! كدت أفقد زبوني بسببكما!"
- ارتفع حاجب بليك بسخرية، ثم رمقها بنظرة باردة:
"أوه، نعلم جيدًا أن زبائنك لا ينقصون، بل إن طابورهم يمتد على طول القرية. لذا، يا عاهرة، عودي إلى فراشك وأكملي عملك، ولا تتدخلي بي."
- بدلًا من أن تثور، تقدمت إيفا نحوه بخطوات ناعمة، وعينيها تلمعان بمكر. اقتربت منه حتى كادت شفتيها تلامس أذنه وهمست بصوت ناعم:
"عزيزي الى متى ستبقى ترفضني ، لما لا تنضم إلينا؟ دعنا نستمتع معًا..."
- لكن قبل أن تكمل جملتها، دفعها بليك بقوة حتى سقطت أرضًا، ثم نظر إليها بتقزز واضح:
"ابتعدي عني، أيتها القذرة! هل تصدقين مسريحة زواجنا ؟! .. أخبرتك ألف مرة أنني لن أخضع لكِ ..."
أطلقت إيفا ضحكة قصيرة وهي تُعيد خصلات شعرها الأشقر خلف أذنها، ثم وقفت متجاهلة الألم في ركبتها. لكنها لم تغادر قبل أن توجه نظرة غاضبة إلى إيلا، ثم رفعت يدها وصفعتها بقوة مرة اخرى دون سبب واضح، مما جعل أيلا تتراجع خطوة للوراء.
- ثم اقتربت ايفا منها بينما بليك يراقبهما بهدوء وهمست بصوت ناعم مليء بالسخرية:
"أتعرفين، إيلا؟ لطالما شعرت أن هناك خطبًا ما بكِ... عيناكِ، مظهركِ، حتى الدماء التي تنزفينها تبدو مختلفة."
- ثم ابتسمت بخبث وأضافت :
"لكن الآن... أعتقد أنني وجدت الإجابة. إيثان صديقك من الغابة، صحيح؟ إنه يشبهك ، أليس كذلك؟"
- توسعت عينا إيلا، لكن إيفا فقط ضحكت وأردفت:
"لا تقلقي، لم أخبر أحدًا ... بعد لنبرم اتفاق لو اردتي لكن اغربي عن وجهي حتى يخمد غضبي. لا أريد رؤية ملامحك البائسة! "
ثم استدارت مغادرة، تاركة إيلا متجمدة مكانها، وعبارة واحدة تطرق عقلها "كيف عرفت؟!"
وضعت إيلا يدها المجروحة على خدها المحترق من شدة الصفعة، عضّت على شفتيها بقهر، ثم همست بخضوع :
"أنا آسفة، أمي... لن أزعجكِ مجددًا."
خرجت إيلا من المنزل متجهة بخطوات ثقيلة نحو الغابة، وأنفاسها متقطعة. لم تكن دموعها تعبيرًا عن الحزن، بل عن غضب مكبوت ينهش أعماقها. الحقيقة التي اكتشفتها لم تكن مجرد صدمة تُسبب الانهيار. كانت مثل شرارة سقطت في بركة من الغضب، تراقصت، ثم بدأت بالانتشار ببطء .
شعرت بدمها يغلي، يطالبها بالانتقام، يُلحّ عليها بصوت لا ينتمي للبشر. أغمضت عينيها، لكن الصوت لم يتوقف ... كابوسها لم يكن حلمًا عابرًا، بل انعكاسًا لحقيقتها التي تحاول الهروب منها. ذلك الجرح النازف في يدها لم يكن مؤلمًا كما توقعت...
بل كان دافئًا، مألوفًا بطريقة غريبة. مرّت أناملها على الدم المتخثر، نظرت إليه بتمعن، ثم انحنت قليلًا، تراقب انعكاسها في بركة صغيرة على الأرض. عيناها كانتا تلمعان... لم يكن ذلك انعكاس القمر، بل انعكاس شيء آخر، شيء كامن بداخلها، شيء يطالب بالخروج. ...
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم نظرت إلى قطرات الدم تتساقط ببطء على الأرض، لونها الأحمر القاني بدا أكثر جاذبية مما ينبغي. مررت أصابعها فوق الجرح، تتلمّس ملمس الدم الدافئ، شعور مألوف، كأنها وُلدت وهي تعرفه. لم تكن هذه المرة الأولى التي ترى فيها الدماء... لكنها لا تريد أن تكون الأخيرة ..... لامست شفتيها دون وعي. فكرة غريبة راودتها، لكنها دفعتها بعيدًا...
أغمضت عينيها، فاجتاحتها صور... لم تكن تعرف إن كانت ذكريات أم مجرد أوهام. أصوات مشوشة، صرخات، بقع دم تلطخ الجدران. أطراف مشوهة؟ أم أنها تتخيل؟
قبل أن تسيطر عليها أفكارها اكثر ، شعرت بيد دافئة تُلامس كتفها. لم تحتاج إلى النظر لتعرف أنه إيثان. كان حضوره مألوفًا بقدر ظلامها، انه جزءُ منها كما كانت هي جزءٌ منه التفتت ببطء، والتقت عيناهما بصمت. لم يسأل، لم يُعلّق، لم يُظهر أي صدمة أو نفور... فقط كان هناك، كما كان دائمًا.
ابتسمت إيلا بخفة، شعور غريب بالراحة يتسلل إليها. كان هو الوحيد الذي لا ينظر إليها باشمئزاز، الوحيد الذي لم يرَ فيها كائنًا شاذًا أو وحشًا يجب التخلص منه. كانت تعرف أنه مثلها، يحمل داخله ذات العطش، ذات النزعة المظلمة. ابتسمت إيلا بخفة، وأخيرًا، شعرت أنها ليست وحيدة تمامًا في هذا العالم الموحش.
كانت الشمس في تتسلل عبر الأغصان العالية، ترسم ظلالًا متراقصة على الأرض المكسوة بالأوراق ....
وقف إيثان أمام إيلا، عينيه بلون السماء الصافية تتأملانها بنظرة غامضة، وكأنهما تبحثان عن شيء لا تستطيع رؤيته. شعره الأبيض ينساب على جبينه كالشلال، وأنيابه التي تظهر بين حين وآخر تحت ابتسامته الباردة جعلتها تتساءل عن السر الذي يخفيه.
لم يكن الأمر جديدًا عليها، لكنها شعرت للمرة الأولى وكأنها ترى شخصًا آخر خلف تلك الابتسامة الباردة. شخصًا لم تكتشفه بعد.
أمال إيثان رأسه بحذر وهو يراقبها عن كثب. كان لديه دائمًا قدرة غريبة على قراءة أفكار الطرف الآخر، لكن إيلا كانت الحالة التي لا يستطيع فهمها بالكامل.
- تحدث بصوت هادئ، وكأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطبها:
"إيلا، ألا تعتقدين أنّك تبالغين؟ تلك الدموع ليست حقيقية، يمكنني أن أرى ذلك بوضوح..."
- مسحت إيلا عينيها بحركة سريعة، ثم ابتسمت ابتسامة ضعيفة، محاولة إخفاء توترها:
"إيثان، أنا... فقط أحاول ألا أفقد عقلي."
- كان إيثان يراقبها بتشكك، لكنه لم يرفع حاجبيه كعادته. كان يعرف تمامًا أنها تخفي عنه شيئًا ما، لكنه اختار أن يسكت الآن :
"لستُ هنا لأسألك عن مشاعرك، لكن عليكِ أن تتوقفي عن هذا الانهيار. انت لم تعودي تلك الفتاة الضعيفة التي قابلتها أول مرة."
- نظرت إيلا إليه بهدوء وهي تمسح خديها ببطء:
"أنت لا تفهم. كلما اقتربت من هؤلاء، كلما أصبح العطش لدمائهم أكبر."
- تراجعت خطوة إلى الوراء وكأنها تحاول الهروب من حديثها. رد إيثان وهو يخطو نحوها:
"إذًا اقتليهم، الأمر بسيط. لماذا تترددين؟"
- هزت إيلا رأسها بأسى، لكن عينيها كانت مليئة بالتحدي:
"لأنني لا أستطيع... إذا قتلتهما الآن، لن أحصل على كل ما أحتاجه.(توقفت لحظة وكأنها تتردد في الحديث أكثر. )أحتاج إلى معلومات أكثر حول ما يحدث في أوبال. سأخرج من هنا يومًا."
- ابتسم إيثان ابتسامة باردة، لكنها حملت في طياتها شيئًا من السخرية:
"معلومات؟ نحن بحاجة إلى قتلهم فقط، لكنكِ تختارين المسار الأصعب دائمًا."
- أجابت إيلا بنبرة محبطة:
"إنه أصعب، نعم. لكنني أؤمن أنني أستطيع القيام بذلك. أريد البقاء هنا لفترة أطول."
- توقف إيثان أمامها مباشرة، وأخذ نفسًا عميقًا بينما كان يشد شعره بيده، وكأنه يحاول كبح غضبه :
"وأنتِ دائمًا هنا في خطر ، تتقلبين بين الألم واليأس في كل لحظة (ثم نظر الى يدها التي تنزف بنظرة خاطفة ) جسمك مليء بالكدمات الا يكفيه ذلك "
- نظرت إليه إيلا بنظرة متمعنة قبل أن تبتسم بسخرية لتغير الموضوع ، ثم قالت:
"وأنت، ما الذي تفعله هنا؟"
- رد إيثان بهدوء، بينما كانت زاوية فمه تتحرك نحو ابتسامة خفيفة تكاد لا ترى :
"أنا هنا من اجلك لن اتركك تواجهين مصيرك وحدك ."
- ثم انتقل إلى موضوع آخر فجأة، كمن يريد تفادي النقاش العميق:
"بالمناسبة، حصلتُ على كتاب جديد يتحدث عن عالم "فيورانيا"... ذاك الذي يهذي به والدكِ عندما يكون ثملًا."
- رفعت إيلا حاجبًا، متفاجئة بعض الشيء:
"ألم نقرأ كل ما يتعلق به ؟"
- أمال إيثان رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة خافتة :
"لم يكن من السهل العثور عليه. إنه في الجزء المحظور."
- رمقته إيلا بنظرة مشككة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها:
"إيثان... لا تقل لي أنك اشتريته؟"
- نظر إليها نظرة جانبية، وكأنه شعر بالإهانة من مجرد فكرة:
"هل أنتِ جادة؟ منذ متى أشتري الأشياء؟ أنتِ تعلمين أنني اعيش على السرقة "
- تنهدت إيلا، ثم وضعت يدها على رأسه ومررت أصابعها في خصلاته برفق رغم فرق الطول الساحق بينهما الا ان ايثان اعتاد على حركتها هذه فقد اصبح ينحني ليسمح لها بفعل ما تريده ، وهي تعلم انه لا يمانع ذلك رغم ملامحه البادرة لذا ابتسمت بخفة:
"هذا هو فتاي."
- نظر إليها إيثان ببرود، لكن في عينيه وميض من السعادة :
"إيلا، لماذا تعاملينني كالطفل؟ نحن في نفس العمر."
- ابتسمت إيلا وهي تميل رأسها قليلًا:
"يجدر بك أن تركع لي، فأنت الوحيد الذي يحظى برفاهيّة تدليله."
- نظر إليها إيثان بصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت لكنه يحمل الكثير من الاخلاص :
"الركوع لا يكفي... أنتِ منقذتي، بعد أن رحل جدي، لم يتبقَّ لي شيء سواك في هذا العالم اللعين."
توقفت إيلا عن العبث بشعره، ثم نظرت إليه بعينيها الخضراء بجدية:
"إيثان، أنت لستَ وحيدًا. أنا هنا معك... وأعدك، سنخرج من هذه القرية البائسة معا."
مدّ إيثان الكتاب المسروق نحوها دون أن ينظر إليها مباشرة:
"خُذيه. قد تجدين فيه شيئًا مفيدًا."
أخذت إيلا الكتاب منه، ثم انحنت وقبّلت خده بهدوء قبل أن تهمس:
"اهتمّ بنفسك، ولا تدع أحدًا يراك بشعرك الابيض ... خصوصًا بليك."
لم يُظهر إيثان أي ردة فعل واضحة، لكنه رفع يده ببطء، ولمس خده حيث لامسته شفتيها، قبل أن يخفض يده مجددًا بلا كلمة واحدة .... فرغم برودة تصرفاته و ملامحه الحادة تظل ايلا تعامله بطريقة مختلفة تجعل قلبه يريد الصراخ من السعادة ....
- ابتسم إيثان ثم امسك يد ايلا وهمس في اذنها :
"ايلا لا تنسي لن يكون هناك وقت طويل حتى نواجههم. ولكن في الوقت الحالي، لا بد أن نتأكد من أننا مستعدون."
في تلك اللحظة، قطع صوت صراخ بعيد الهدوء الذي ، حيث كان ينادي باسم "إيلا"، وقد بدأ الصوت يقترب.
التفتت إيلا و إيثان في نفس اللحظة، واتسعت عيناها لرؤية بليك وبعض الرجال الغريبين من حوله. ومع كل خطوة كانوا يقتربون فيها، ازداد الضغط على قلبها.
- همست إلى إيثان:
"إيثان، يجب أن تهرب... نحن في خطر."
- لكن إيثان الذي لا يخالف طلباتها قد تغير بشكل مفاجئ، إذ كانت عيناه مشتعلة بالغضب. أمسك بيدها بشكل حازم، وكأنه قد قرر شيئًا لا رجعة فيه:
"لن يمسكو بك بسهولة. إذا كانوا يريدون حربًا، فليكن. "
ومع تلك الكلمات، تحرك نحو بليك وكأنه كان جاهزًا للقتال. في تلك اللحظة، كأن الأرض قد اهتزت تحت أقدامهم
بينما بدأ إيثان يتصرف بعنف تجاه بليك، كانت إيلا تقف خلفه، عيونها تتسابق بين الخوف والتحدي
"إيثان، لا!" صرخت ، لكنها تعرفه جيدًا لا شيء يمكن أن يوقفه عندما يتخذ قراره.
وفي اللحظة التي اقترب فيها إيثان من بليك، سحب الأخير مسدسًا وأطلق نحو إيثان. اخترقت الرصاصة الهواء. فجاة اصبحت كل التفاصيل تتباطأ بشكل غريب؛ حتى صوت الهواء كان يُسمع بوضوح، قبل أن يُسمع دوي الرصاصة التي اخترقت جسد إيثان وتناثرت دماءه في الهواء . ....
لم تتمكن إيلا من تصديق ما يحدث. شعرت أن الزمن توقف، وأن الرصاصة كانت جزءًا من كابوس غير حقيقي. ركضت نحو إيثان بينما قلبها ينبض بسرعة، وفكرها يرفض قبول الحقيقة.
"إيثان!" صرخت في الأسى، بينما كان ينهار أمام عينيها.
لكن فجأة، همس إيثان لها بصوت لا يسمعه احد سواها :
"لا تقلقي، لن أنتهي هكذا." ثم أغمي عليه....
انزلت إيلا رأسها تحاول تهدئة نفسها وإبعاد الأفكار التي تجول في بالها تشعر بحرارة غريبة تنتشر في عروقها، كأن نيرانًا تشتعل تحت جلدها. قلبها ينبض بجنون، وغريزة بدائية بدأت تسيطر عليها. لم تعد تفكر، لم تعد ترى سوى الدماء...
لكن صوت حركة سريعة قطع تفكيرها احد الرجال امسك بإيثان لياخذ بعيدا عنها.... في تلك لحظة وكأن نيرانا انفجرت داخلها، رفعت رأسها بسرعة، نظرتها اشتعلت بحمرة قاتمة كالجمر المتقد.
الرجل الذي كان يحمل إيثان تجمد في مكانه. لم يكن ما رآه مجرد نظرة غاضبة، بل كانت عيون وحش على وشك التهام فريسته. ارتعشت يداه وأفلت إيثان دون تفكير. تراجع خطوة إلى الخلف وهو يرمش بعينين مذعورتين... لكن بعد رمشته الثالثة، لم تعد إيلا أمامه.
قبل أن يفهم ما حدث، وجدها معلقة عليه كالظل ، لم تكن يداها فقط من تغرزان في جسده، بل كل جزء منها كان يطالب بالمزيد. الشعور بالعظام التي تتحطم تحت أناملها، مذاق الدم الحار الذي تسلل إلى فمها، صرخات الرجل التي تلاشت ببطء... لم يكن ذلك مخيفًا، بل كان طبيعيًا... كأنها خُلقت لذلك.
فجأة تذكر المسدس في يده. رفعه نحوها بصعوبة ، لكن قبل أن يضغط على الزناد، رفعت إيلا رأسها بسرعة، لتخرج أنيابها و مخالبها من جسده في اللحظة ذاتها لتتزين بلون الدماء الاحمر القاتم ....ثم سقط الرجل جثة هامدة.
بليك، الذي كان يراقب المشهد، حدّق فيها بدهشة. لم يكن هذا الوجه وجه طفلته الضعيفة. لم تكن تلك العيون المليئة بالدموع. ما رآه أمامه لم يكن حتى بشريًا. ومع ذلك... شعر بشيء لم يتوقعه. الفخر. لقد صنع وحشًا، والوحش كان ينظر إليه مباشرة ...
ألقت إيلا ما بيدها وركضت نحو إيثان. دون تفكير، ضمته إليها بقوة وهمست في أذنه، نبرتها مهزوزة لكنها غاضبة:
"إيثان... لقد وعدتني أن تبقى معي... إن متَّ، سألعنك طوال حياتي."
لكن لحظتها معه لم تدم طويلًا. قبضة قاسية أمسكت بشعرها فجأة ورفعتها بعنف، حتى التقت عيناها بعيني بليك.
- بابتسامة خبيثة وسعيدة، همس بليك:
"إيلا، إيلا... من كان يظن أنك تخفين كل هذه الهمجية في داخلك؟ لوهلة، كنتُ أعتقد أنني أشاهد وحشًا أمامي، لا ابنتي المسكينة."
- حدقت فيه إيلا بغضب، صوتها مشحون بالكراهية:
"أيها الوغد الحقير! سأقتلك وأرمي جثتك للكلاب!"
- انفجر بليك ضاحكًا:
" هل أصبحتِ تهددينني الآن؟ مثير! .... لكن أخبريني منذ متى وأنت تملكين هذه العيون الحمراء؟ ولما اخفيتي صديقك عني "
- رجل آخر، كان يراقب من بعيد، قال بخوف مقاطعا حديثهما :
"بليك، علينا المغادرة، سنتأخر عن الموعد. سأحمل جثة هذا الفتى وأنت اهتم بهذه الفتاة... أنا لن أقترب منها، لا أريد الموت."
- بليك ابتسم بسخرية:
"لا تقلق، سأهتم بها. فهي حيواني الأليف الذي ربيته."
إيلا حاولت التحرر، غرست مخالبها في يده وهو يمسك بشعرها:
"أيها اللقيط! افلتني! سأقت..."
لكنها لم تُكمل. ضربة قوية على رأسها أطفأت غضبها فجأة، و اخر ما تتذكر رائحة اللافندر الفاسد التي حفرت في ذاكرتها ....
❈ ❈ ❈
ظلام يلتف حولها بهدوء... وببطء... كما لو أنه يحتضنها، أو يخنقها، لم تعد تميز شيء ....
ثم... صوت يبدو مألوف ...
– "هل تحبينني، إيلا؟"
سؤال دافئ، أنثوي، مُتعب قليلًا...و يد ناعمة تمشط شعرها الرمادي بلطف، رائحة الخبز المحروق في الخلف... وضوء شمعة ضعيف.
– "أمي..."
لا جواب....
– "إيلا، لا تخرجي، مهما سمعتِ، ابقي هنا، أفهمتِ؟"
الباب يُغلق فجأة. خطوات ثقيلة في الخارج.... ثم صراخ. لا تعرف مَن صرخ... هي؟ أم أمها؟
– "أمي لا تذهبي... لا أريد أن أكون طعامًا لهم..."
فمها لم يتحرك، لكن الصوت كان منها، صغيرًا ومكسورًا .....
ظلام مرة اخرى ... لكن هذه المرة فستان ممزق على الأرض، دم على الجدران، قطة تنظر من الزاوية وتختفي.
– "لا تبكي، الجميلات لا يبكين..."
صدى الكلمة ظل يدور في رأسها، حتى بعد أن توقف كل شيء.
ظل رجل. رائحة نقود، وأصابع باردة تجرها من يدها الصغيرة..
– "لقد كانت صفقة جيدة... لم أظن أن عينيها بهذا الجمال."
ثم الظلام يبتلعها مجددًا.
– "إيلا... استيقظي... إيلا..."
الصوت كان قريبًا... مألوفًا جدًا...
فتحت إيلا عينيها ببطء، رأسها ينبض بألم حاد. الضوء الخافت يتسلل عبر الستائر الشفافة، والهواء الساخن يلامس وجهها. كانت في خيمة غريبة، محاطة بألوان زاهية، وسائد ناعمة، وسقف مزين بأقمشة تتدرج من الأزرق إلى الأحمر. بدا المكان هادئًا بشكل مريب.
حاولت النهوض، لكن يديها وقدميها كانتا مقيدتين بإحكام. شعرت بوخز الخوف يتسلل إلى صدرها. لم تستوعب أين هي... حتى ومضة من الذاكرة ضربت عقلها " إيثان "
شهقت، ثم صرخت بأعلى صوتها، تحاول التحرر بجنون:
"إيثان! إيثان أين أنت؟!!"
دخل رجل متلحف بثوب أرجواني، وعمامة تغطي وجهه. خطواته كانت بطيئة، واثقة، وكأن الوقت ملكه ....يبدو مألوفًا بطريقة ما . وقف عند اقدامها ، صامتًا، يراقبها بعينين لم تظهر ملامحهما بعد.
- تمتمت ايلا بنبرة متعبة ومشتتة :
"من... من أنت؟"
لم يجب. فقط نزع العمامة ببطء، كاشفًا عن وجهه. كانت ابتسامته أهدأ من اللازم... وكأنها عرفت هذا الوجه أكثر مما يجب.
"مرحبًا مجددًا، إبنتي العزيزة ظننت أن أسبوعًا من النوم كافٍ لتستعيدي ذاكرتك."
- اتسعت عيناها، والصدمة في صوتها:
"بليك ؟؟!"
- اقترب بخطوة واحدة، ثم قال دون أن ينظر إليها:
"غريب، أليس كذلك؟ أن تستيقظي من نوم طويل... في مكان غريب... مقيدة... وتجديني أول وجه ترينه؟"
- نظرت إليه بدهشة، ثم همست بصوت مبحوح:
"هاه؟ أسبوع؟! مستحيل... ماذا فعلت بي؟!"
-جلس بليك بجانبها، متسليًا بنظرتها المرتبكة:
"لم أفعل شيئًا يذكر. فقط... ضربة صغيرة على رأسك مع مخدر صغير . لكن لم أتوقع أن تنامي أسبوعًا كاملًا."
- صوتها ارتجف وهي ترد:
"كنتَ دائمًا تتفنن في ضربي لكن هذه المرة .... تحاول قتلي، أليس كذلك؟"
- ضحك بليك بسخرية:
"لو كنت أريد قتلك، لفعلت ذلك منذ زمن بعيد. لكنكِ ورقتي الرابحة .... "
- صرخت إيلا مرة اخرى بعد ان تذكرت صديقها :
"أين إيثان؟! ماذا فعلت به؟!"
- همس بليك ، وملامحه تملأها اللامبالاة:
" اذن اسمه ايثان هو ليس ميتًا... لكنه إيثان يعرف الحقيقة... لو أخبركِ، لقتلتهِ بنفسك ."
-صَمَتَتْ إِيلَا لَحْظَةً كَأَنَّهَا تَتَتَبَّعُ صَدَى الكَلِمَاتِ فِي رَأْسِهَا... ثُمَّ ضحَكُت ضَحْكَةً قَصِيرَةً بينما تَلْعَقُ دَمًا عَلَى شَفَتِهَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ ثَانِيَةٍ :
"غريب... أَلَا تَظُنُّ أَنَّ هَذَا سَيُجْعِلُنِي أُحِبُّهُ أَكْثَرَ ؟"
اِقتربت نَحْوَهُ بِبُطْءٍ، وَفِي عَيْنَيْهَا بَرِيقٌ أَزْرَقُ لَمْ يَرَهُ قَبْلَ الْيَوْمِ:
''لِأَنَّهُ الوحيد مَنْ لَمْ يَخْفِ عَنِّي حَقِيقَةَ ... أَنَّنِي لَسْتُ الْخَطَيئة الْوَحِيدَة فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ."
اِنْتَصَبَ ظَهْرُ بِلِيكَ لِلْوَرَاءِ كَمَنْ لُدِغَ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِيَ رَدَّةُ الْفِعْلِ الَّتِي تَوَقَّعَهَ ...
- ثُمَّ فَجْأَةً ...تَغَيَّرَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهِ كَأَنَّ شَيْئًا مَا يَسْحَبُ كَلِمَاتِهِ مِنْ أَعْمَاقِه:
"كل هذه الثرثرة لا تغير حقيقة واحدة... سواء اخبرك إيثان الحقيقة أم لا، فأنت ذاهبة إلى حيث لا يستطيع أن يتبعك... إلى حيث لا يوجد إلا أنت و الظلام "
انحنى بليك وامسك ايلا من شعرها ثم همس بهدوء :
"هل تعرفين ما هو أسوأُ من الموت؟ أن تُبْقيكِ سيفار على حافة الموت إلى الأبد... وأنا سأكون هناك لأتأكد من ذلك."
- اتسعت عيناها الخضراء بصدمة فقد فهمت ان بليك يحاول رميها داخل تلك البوابة فصرخت ب الغضب:
"أنت مجنون! (تتنفس بعنف) أم أنك... (فجأة بصوت مكتوم) أحد هم أيضاً؟"
- توقف لثوانٍ، ثم نظر إليها نظرة باردة بينما يبتسم بابتسامةً كشفت عن أنياب لم تكن هناك من قبل:
"سيفار لا تغفر أخطاء الأمهات... خاصةً عندما يسرقن من أعماقها."
- همست إيلا بدهشة:
"أمي؟... ماذا تعرف عنها؟!"
لم يجب. فقط ابتسم، ومضى يجرها خلفه بينما شهقت بألم وهي تتعثر خلفه، كل خطوة تشعل النار في رأسها المتعب ....
الى ان وصلا إلى بوابة حجرية ضخمة، منقوشة برموز غريبة تتوهج بلون أرجواني باهت. كان الهواء حولها أثقل، كأن الأرض نفسها تتنفس لكن اغرب شيء حين لمس بليك البوابة بحنين، وكأنه يعرفها من قبل...
بينما همست الحجارة الدافئة باسمه بلغةٍ نسيتها الأرض منذ زمن السقوط وفي اللحظة التي التقت فيها أصابعه بالحجر، انكسرت ظلاله على الأرض، كاشفة عن ستة أذرعٍ لم تكن هناك من قبل . وكان يحيط بهم رجال ملثمون يقفون أمام البوابة، ثم تقدم أحدهم امسك يد ايلا بشفرة صغيرة وشقّ يدها ، دون تردد ....
شعرت بوخزة حادة في راحة يدها عندما انغرست الشفرة الباردة في جلدها، لكن شفتيها ظلت مزمومة بإصرار. لن تمنحه متعة رؤية ألمها. راقبت بصمت القطرات القرمزية وهي تسقط ببطء داخل الكأس، تمتزج بالسائل الداكن داخلها بينما قلبها ينبض بجنون . وفي تلك اللحظة، تعالت الهمهمات من حولها... لم تكن أصواتًا بشرية، بل همسات غريبة بدت كأنها تتسلل من صدع بين العوالم. الكلمات لم تُنطق، بل خُدشت في الهواء، مزلزلةً المكان، مخنوقةً، وكأنها تلتف حول أنفاسها لتسلبها القدرة على الشهيق.
بدأت البوابة تتشقق من الوسط ببطء، تصدر صوتًا كأنها تحتضر.
خلفها... لم يكن هناك ظلام، بل وهج أزرق قاتم، وضباب كثيف ينساب من الداخل، يحمل رائحة رماد وبخور.
رأت أطيافًا تتحرك في الضباب، وجدرانًا تشبه الكهوف لكنها ليست كذلك... وكأنها مدينة بُنيت من ذاكرة قديمة.
همس بليك في أذنها، بنبرة لا تحمل أي شفقة:
"مرحبا بك في سيفار. الأرض التي دفنها الزمن ونبذها العالم مثلك هذا هو قدرك حتى تكوني جزءًا منها. هناك... ستجدين ما فقدتهِ منذ ذلك اليوم... أو ربما ما خُدعتِ حتى تبحثي عنه ."
- همست إيلا، بالكاد تسمع صوتها :
"هذا... المكان... لماذا يبدو مألوفًا؟"
- ضحك بليك، صدى صوته ارتدّ في الفضاء:
"لأن روحك لم تغادره أبدًا، حتى إن نسيتِ. فالأماكن القديمة لا تنسى ساكنيها... فقط تنتظر اللحظة المناسبة لابتلاعهم من جديد."
قبل أن تلمس البوابة، انجذب دمها نحو الحجر كأنه مغناطيس... في تلك اللحظة، عرفت أن المكان يعرفها. ثم دفعها بليك من الخلف، مبتسمًا:
"أهلاً بكِ في بيتكِ الحقيقي"
وما إن تخطّت العتبة حتى انغلق الباب الحجري خلفها بصوت كالرعد، كأن العالم بأكمله أغلق عينيه عليها. لم يكن أمامها سوى عتمة كثيفة، تبتلع الضوء وتخنق الأنفاس. سقطت على الأرض، جسدها يرتطم بحجارة باردة، لكنها لم تجرؤ على إصدار صوت. حاولت أن تنهض، لكن قدميها غرستا في الطين، والهواء كان أثقل مما يجب، وكأنها تمشي في صدر كائن ضخم نائم.
لم تعد تسمع سوى صوت أنفاسها المتقطعة، وضربات قلبها المتسارعة .....
همسة زاحفة، مبللة بالسواد، تخدش الصمت وتنزلق داخل عقلها كدخان خانق:
"أغلِقي عينيكِ... افتحي فمكِ... سيفار لا يحب الصمت."
"اتركي قلبكِ خلفكِ... لا حاجة له هنا."
"لقد تأخرتِ يا ابنة الخطأ... كنا ننتظرك منذ السقوط الأول."
كل كلمة كانت كأنها تُحفر في عظامها، كأن ظلالًا تلتف حول عقلها، تُجرّدها من كل ما تعرفه.....يتبع
✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨
- رأيكم بالفصل الاول 🦋
- لاتنسوا ان تتركو تعليق ليشجعني على الاستمرار ❤
️
- واعتذر على الاخطاء الاملائية