تتشابك سيقانها في جديلة متناسقة، سيقان ورود الفريزيا، بلون الليفكو، تنثني في انحناءات رقيقة لتكوِّن طوقًا دائريا، قد صنعته أصابعها الصغيرة بحذر و رفق.
-أخيرا انتهيت!
اندسّ هو بين الأغصان كالثعلب ، ثم قفز فجأة أمامها حيث انطلقت منها صرخةً مزيفة من فمها.
-اخرج! أنت تفسد تاجي! صاحت وهي تحاول إبعاده بيدٍ ملوّثة بعصارة الزهور.
-تاج؟ هذا أشبه بعشّ عصفور مكسور!" قال جاثيًا أمامها محدقاً في عملها.
-ماذا تفعلين بهذا العدد من الورود؟ أتريدين أن تفتحي دكاناً؟
- أصنع تاجاً! ردت بفخر، وهي تضعه على رأسها.
بدا الطوق على شعرها الكستنائي كإطار لأيقونة قديمة؛ يلمع بلونه البنيّ الهادئ وسط خصلها المتناثرة بنعومة
انتصبت في جلستها قليلًا، وضحكت بوقار مصطنع كأنها ملكة تتوج نفسها، وقالت:
-كيف أبدو؟
أمال رأسه بتمثيلية، وكأنه يتأمل تحفة فنية:
تبدين... مثل بقرة وضعت رأسها في سلة ياسمين!
نظرت إليه بصمت بارد، لا غضب فيه ولا حزن، فقط ذلك التعبير الذي يسحب الدفء من الهواء، كأنها تقول: حقًا؟ هذا كل ما تراه. نظرتها كانت أهدأ من اللازم… وأقسى من المتوقع.
لكنه… لم يتمالك نفسه، انفجر ضاحكًا على ردّة فعلها، ليس سخرية، بل ذلك النوع من الضحك الذي تسببه البراءة حين تتجهم فجأة ثم أضاف وهو يعدِّل التاج على رأسها.
-في الحقيقة...، تبدين كأميرة. أميرة... مزعجة جداً!
رغم ذلك لم يتمكنا من الاستمتاع باللحظة، فقد قطع صوت المناداة أجواء البستان:
-قيس! حور! الغداء جاهز!
نهض هو أولًا، ممدّدًا يده لها، لم تتغير ملامحها حينها، التقت أول خيوط الشمس بوضوح مع ابتسامته الهادئة التي ورثها عن أمِّه، إنها تشبهها إلى حدٍّ يُربك من يراهما للمرّة الأولى. أما الأخرى، فكانت نسخةً مصغّرة من أبيها، العناد نفسه يظهر في حاجبيها المرفوعين، والجرأة ذاتها في خطواتها السريعة.
تحت ظلال شجرة الجاكرندا..
اقتربا من الطاولة التي كانت من الخشب القديم، ذات سطح متآكل بفعل الوقت، والمفارش مزخرفة بخيوط خفيفة خرج بعضها من الأطراف، كانت الصحون من خزف غير متشابه، كل واحد بلون، كأنها مجموعة جمعتها العائلة عبر سنوات طويلة، إبريق الشاي النحاسي في المنتصف كان يلمع رغم خدوشه، والخبز الساخن موضوع في سلة من القش القديم.
جلست بصمت، بينما جلس الآخر بجوارها وأخذت نظراته تتسلل نحو صحنها
- لا تفكر، هذا لي.
- لم أكن أفكر. فقط… أراقب جشعك.
ثم التقط كوب الشاي، نفخ فيه قليلاً، ورمقها بنظرة أخرى قبل أن يرتشف أول رشفة.
كفاكما عبثًا، صدقًا ألا تتعبان؟!
قالت من كانت لهم حضنًا وسكينة، وهي تصب النقيع في كوبيهما، ترمقهما بنظراتٍ تألف المشهد ولا تملّه.أما الفتى.. فاكتفى باختلاس نظرةٍ سريعة بنصف ابتسامة بينما أخذت هي قضمة من أكلها، تُظهِر و كأنها لم تسمع شيئًا..
هدأت الضحكات شيئًا فشيئًا، كأن الصباح اكتفى بما فيه من دفء رفعت الأم الصحون، وهمّ الأب بآخر رشفة من كوبه، و صوت المقاعد الخشبية وهي تُسحب تبلّغ عن انتهاء الجلسة
دقائق قليلة…
وصوت الأبواب يُغلق، وضجيج المدينة يُحيّيهم من خلف زجاج السيارة.
خيم الصمت في جحر الأمان.
ذلك النوع من الصمت الذي لا يثقله الحرج، بل يبدو كهدنة غير مُعلنة بين صوت الحياة خارج النافذة، وطمأنينة العائلة في الداخل.
كان الأب ممسكًا بالمقود، وعيناه تحدقان في الطريق بخفة رجل يحفظ الطرقات كما يحفظ ملامح أولاده.
إلى جانبه، جلست زوجته بهدوء. لم تكن تنظر لأي شيء تحديدًا، فقط كانت أصابعها تعبث بسوارها الفضي دون وعي.
ثم، وكأن فكرة خطرت لها فجأة، رفعت يدها برفق..
♪نقرتين بالإبهام، ثم سكتة قصيرة، ثلاث نقرات متتالية بالأصابع الأخرى♪
كان الإيقاع بسيطًا، طفوليًا، مثل ألعاب الطفولة التي لا تُمّحي من الذهن مهما كبرت.جذبت أنظار كل من كان يملئه الضجر ثم همست بصوت منخفض، لكنه واضح:
– "ياطيور الحنين قومي "
قطعت سنفونيتها الجميلة، و كأنها تنتظر من يأتي ليكمل مقطوعتها ولم تمضِ لحظات حتى لحقت بها الشقية، وكأنها كانت تنتظر هذه الإشارة طوال الطريق، فرددت من الخلف:
–" حلِّقي بي نحو الماضي"
ابتسم رب الأسرة، ولم يلتفت. فقط رفع حاجبه بخفة، وهو يتمتم ساخرًا دون أن يسمعه أحد:
– أوه.. رجعنا للوصلة الغنائية الصباحية
كأن الأغنية كانت شيئًا مقدسًا، تكرره العائلة كلما ضاق عليهم الوقت، أو طال الطريق.
واصلت الأم الغناء، وبصوتها تلك النغمة التي تشبه صوت الأسطوانات القديمة، بينما حور ترد على كل شطر، وصوتها يحمل خفة الأطفال حين يحاولون تقليد الكبار
وقيس؟
هو فقط ظل يستمع بصمت، نصف مبتسم، ونصف ضائع في مكان ما بين صوت والدته ونغمة أخته.
ثم أغمض عينيه للحظة، لم يكن نائمًا، بل فقط… أراد أن يحفظ هذا المشهد في ذاكرته، كما هو
لكن، ربما هذا المشهد قرر أن يفر هاربا من ذاكرة الزمن، أن يختبئ بعيدا عن وجدان ما أراد ذلك الصغير الإحتفاظ به في عمق الذاكرة.
فجأة..!
ارتطام مدوٍ و صرير فرامل مفاجئ، جاء متأخرا ليجعل الجميع يستوعب ما حدث، و في لمح البصر..
صراخ..
إرتطام..
و صمت..
______________________________________
ليفكو: الأبيض باليونانية | كستنائي: بني داكن | النقيع: الشاي | وصلة: مقطوعة
|| Ink9Silence ||`