[ بعد الهزيمة… عالمٌ آخر؟]

[ بعد الهزيمة… عالمٌ آخر؟]

25 0

‏--

‏شعور جاثم يُنهكه، ينهش صدره بلا رحمة.

‏

‏آدم فتح عينيه رغم ثقلهما، الهواء البارد يلسع جروحه كالسياط.

‏ حاول أن يتجاهل لهيب الألم، لكنه أدرك أنه لا يستطيع البقاء مستلقيًا إلى الأبد.

‏

‏جرّب الوقوف، إلا أن جسده خذله، وغاص في حضن الأرض مجددًا، أنفاسه متقطعة، كأن كل نفس يسرق جزءًا من حياته.

‏

‏رفع رأسه بصعوبة ونظر حوله.

‏الساحة خراب، الدماء تنزف من صمتها. وهو وحده الآن وسط هذا الميدان.

‏

‏لوهلة ظن أنه حلم عسير، لكن خشونة الأرض تحت كفيه همست له: إنه واقع مرير.

‏

‏بدأ يزحف، كل متر يشبه خوض معركة.

‏

‏همس عقله المرتبك:

‏

‏> "أين المخرج؟ أي طريق أسلكه؟"

‏

‏

‏

‏لكن إدراكه كان خافتًا، فسلك طريقًا خاطئًا حتى وجد نفسه في زاوية مهجورة، تختبئ في عمق هذا السوق الأسود.

‏زاوية تسكنها الأشباح والجثث، حتى الهواء بدا ميتًا.

‏

‏اتكأ إلى جذع شجرة قاسية... وهناك اجتاحه القنوط.

‏

>‏ "لمَ أزال أتنفس بعد كل هذا الألم؟ أين الموت ليحررني؟"

‏

‏

‏

‏توقف عن المقاومة، عيناه ثقيلة كأنها سلّمت أمرها…

‏

‏عندها انهار كل شيء.

‏

‏ضربات قلبه صارت كطبول حرب، رأسه يثقل كأنه يغرق.

‏وفجأة، قوة غامضة سحبته كأن الأرض خانته.

‏

‏هوى في فراغ أسود بلا قرار. لم يكن سقوطًا عاديًا؛ بدا وكأنه يُنتزع من العالم انتزاعًا.

‏

‏لم يستطع حتى الصراخ، فقط شعر بموجة مظلمة تضرب جسده قبل أن يُبتلع تمامًا.

‏

‏

‏---

‏

‏حين استيقظ، كان الألم قد تلاشى بشكل يثير الريبة.

‏وأجواء المكان كانت خانقة، كأنه في عالم آخر.

‏

‏ظلام دامس يغزو الأفق...

‏أما الصمت فلم يكن مريحًا؛ كان طاغية يهيمن على كل حس وحركة.

‏

‏همس لنفسه:

‏

‏> "أين أنا؟"

‏

‏

‏

‏عندما حاول الحركة، إحساس خانق شلّ جسده.

‏قيودٌ لامرئية تتغلغل في عظامه وتعرقل أنفاسه.

‏

‏فجأة… لسعات الثلج تتسلق رقبته كأن يدًا خفية تتلاعب به، أرسلت رعشة كأن خيطًا من الجليد شقّ عموده الفقري.

‏

‏صرّ على أسنانه وهو يحاول ألا يصرخ، أنفاسه ترتجف...

‏

‏ثم اخترق الصمت صوت رخيم ناعم، لكنه مشؤوم:

‏

‏> "أنتَ في قصري، شفَيتك بيديّ... فقط لأشاهدك تتعذب بينهما، ببطء.

‏ما رأيك بالموت البطيء؟"

‏

‏

‏

‏توقّف الزمن داخله. عيناه اتسعتا، الهلع يفضحه.

‏

‏قهقهت، كأن خوفه يسقي عقلها نشوة.

‏

‏عقله اشتعل بالخطط عند سماعها، فأدرك أنه لا يجب أن يفضح نفسه بالذعر.

‏حاول الحفاظ على رباطة جأشه.

‏

‏ثم مال رأسه نحوها بجرأة، رسم بسمة مترددة وقال بصوت متماسك قدر الإمكان:

‏

‏> "اجعلي موتي أبطأ ما تريدين... سأظل أبتسم حتى آخر نفس."

‏

‏تمتم بعدها مبحوحًا:

‏

‏> "شكرًا لشفائي... لكن لا أثق بكِ، فقد قيّدتِني وأخفتِني."

‏

‏

‏

‏انبعث ضوء بنفسجي فاتح من عينيها، أمسكت ربطة عنقه وتلاعبت بها بلطف غريب:

‏

‏> "لا حاجة لثقتك، يا ذا الدماء النادرة... عالجتك لأن دماءك لا يجب أن تُهدر سدى.

‏بل يجب أن أهدرها أنا."

‏

‏

‏

‏أخذ شهيقًا حادًا عند إمساكها ربطة عنقه، ثم قال بتهكم:

‏

‏> "أن تهدر على الأرض خير من أن تُهدر بين يدي لعينة مثلك!"

‏

‏

‏

‏ابتسمت عيناها، جنون واضح يلمع فيهما، واستمرت باللعب قائلة:

‏

‏> "لا تخف، ليس بين يدي... بل بين شفتي، لأنها ملكي."

‏

‏

‏

‏شدّ قبضته وهو يحاول عبثًا التحرر، لكن القيود السحرية أثبتته في مكانه كأسير.

‏نظر إليها ببرود واستخفاف:

‏

‏> "ملكك؟ تحلمين يا غبية."

‏

‏

‏

‏تبدّل وجهها إلى مزيج من الغضب والمرح، قبضت على رقبته من الخلف وشدّت بقوة.

‏

‏اضطربت نبضاته، وابتسمت وهي تشعر بها تحت أصابعها.

‏

‏قالت بحدة:

‏

‏> "أنت جريء أيها الإنسان. لكن لأخبرك..."

‏

‏

‏

‏مخلبها خدش رقبته بخط رفيع، قطرة دم انزلقت ببطء.

‏عيناها تلمعان بافتتان وهي تراقب انزلاقها:

‏

‏> "أي شيء يدخل قصري، يصبح لي."

‏

‏

‏

‏ثم انخفض صوتها إلى همس مغوٍ:

‏

‏> "أنتَ... مِـلكي."

‏

‏

‏

‏شحب وجهه، لكنه أخفى ذعره بابتسامة ساخرة:

‏

‏> "حسنا يا مصاصة الدماء...

‏يبدو أنني محظوظ لأكون لعبتكِ، أو بالأحرى وجبتكِ التالية، مولاتي."

‏

‏

‏دارت حوله بخطوات بطيئة، كعباها يضربان الأرض بإيقاع مشؤوم.

‏

‏> "ألستَ ذكيًا؟ لكن كيف بحق خالق الجحيم وصلتَ إلى هنا؟"

‏

‏

‏

‏عندما تذكّر ما حدث، عقد حاجبيه بانزعاج، ثم قال ببرود متمرد:

‏

‏> "لا شأن لكِ."

‏

‏

‏

‏وقفت خلفه وضحكت ضحكة هستيرية طويلة جعلت الهواء يثقل أكثر.

‏

‏رعشة قوية سرت في عروقه حين لفت ذراعها حول رقبته كأفعى وضغطت بقوة كادت تخنقه:

‏

‏> "من يملك زمام روحك يا عزيزي؟ أنا طبعًا.

‏يمكنني في ثانية أن أجفف جسدك كله من الدماء."

‏

‏

‏

‏للحظة ظن أنه سيموت، لكنه تماسك، وعاد التمرد يتقد في عينيه.

‏

‏> "ذراعك باردة جدًا... أكاد أختنق."

‏

‏

‏

‏خففت قبضتها قليلًا، مالت برأسها قرب أذنه وقالت بإغواء خفيف:

‏

‏> "أوه، لن أخنقك… فقط كن فتى مطيعًا. وقل لي: ماذا أحضرك إلى هنا؟"

‏

‏

‏

‏سعل محاولًا استعادة أنفاسه:

‏

‏> "أهذه أول مرة ترين فيها بشريًا؟ لا تقولي إنكِ بهذه الدرجة من الجهل!"

‏

‏

‏

‏تنهد وأكمل:

‏

‏> "طعنني أحدهم... ضعفت... ثم ابتلعتني حفرة غريبة."

‏

‏

‏

‏قهقهت بصوت عالٍ، وكلما حاولت كتم ضحكها انفجرت مجددًا:

‏

‏> "الحفرة؟! هاها! الفاصل بين المجرتين! ليس كل من يسقط فيه يخرج حيًّا."

‏

‏

‏

‏قال بدهشة:

‏

‏> "الفاصل بين... ماذا؟"

‏

‏

‏

‏لم تجبه. زفر بيأس وقال:

‏

‏> "لا يُهم... على الأقل، فُكي قيدي أشعر أنني مسجون."

‏

‏

‏

‏صمتت تفكر للحظة ثم، وبحركة بسيطة من إصبعها، انطلقت أنوار شاحبة كشفت المكان.

‏

‏قبو عميق يملؤه الرعب… والجماجم.

‏لكن تلك الجماجم لم تكن بشرية؛ أنيابها غريبة وأشكالها أفظع من أن تُفسَّر.

‏

‏التفت آدم إلى مصاصة الدماء، عيناه تتسعان دهشة ورهبة.

‏

‏فستانها القرمزي بدا كأنه منسوج من نيران الجحيم، قلادة سوداء تتدلى من عنقها، وشعرها الأسود ينثال كسيل من السمّ.

‏أما عيناها... جنون صافٍ يلمع فيه الشر.

‏

‏زمّت شفتيها بابتسامة خبيثة تستمتع بدهشته:

‏

‏> "أهذه أول مرة ترى بها مصاصة دماء؟ لا تقل أنك بهذه الدرجة من الجهل."

‏

‏

‏

‏نظر في عينيها بحدة، فبادلته النظرة وتضاحكت:

‏

‏> "عيناك تخطط للهرب... لا تعرف أنه لن يحدث ذلك إلا بإذني؟"

‏

‏

‏

‏ردّ بنبرة ساخرة:

‏

‏> "ومن يريد البقاء مع أمثالكِ؟"

‏

‏

‏

‏ثم همهم :

‏

‏> "أيًا كان... كيف أنال إذنك؟"

‏

‏

‏

‏قالت بحماس مشوب بالهوس، نبرة صوتها كأنها ترقص فوق الجرح:

‏

‏> "غميضة!"

‏

‏

‏

‏صمت المكان ، كأن جدران القبو تتجهز للعب.

‏اقتربت منه وانحنت، أمسكته من ذقنه ومخالبها تهدد بخدش جلده:

‏

‏> "إما أقتلك، أو أحررك... اللعبة تحدد."

‏

‏

‏

‏تلاشت ابتسامته وتحولت نظراته إلى جدية.

‏عيناها توهجتا بلون أحمر، مما جعل الأسئلة تدور في رأسه:

‏

‏> "أقبل اللعب معكِ... السؤال هنا، هل تلعبين بعدل؟"

‏

‏

‏

‏رفعت رأسه بيد، أخذت تدلك ذقنه بلطف مريب:

‏

‏> "عدل؟ لا أعرفه.

‏لكن أعرف الفضول الذي يتراقص في أفكارك... لمَ لا أقتلكَ الآن، أليس كذلك؟"

‏

‏

‏

‏قهقهت بنغمة قصيرة و مقطعة:

‏

‏> "أرأيت طفلًا يقتل لعبته المفضلة؟ طبعًا لا...

‏أنتَ لعبتي، ضحيتي... ملكي."

‏

‏

‏

‏قال بصوت متوتر يتصنع الشجاعة:

‏

‏> "كلام فارغ... هيا نبدأ غميضتكِ السخيفة."

‏

‏

‏

‏تركته، ابتعدت قليلًا وقالت ساخرة:

‏

‏> "أوه، ضحيتي متحمسة للخسارة ؟"

‏

‏

‏

‏فكّت قيده بحركة بسيطة من إصبعها، وأردفت:

‏

‏> "كما تشاء، أزلتُ قيودك السحرية... اختبئ."

‏

‏

‏

‏وكانت تلك آخر همساتها قبل أن تتلاشى تاركة خلفها هالة خبيثة تنبض بالرعب.

‏

‏

‏---

‏

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضحيتي.

المؤلف Sukumary
2025/09/18 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة