رسالة من الملائكة تأتيها في طبق من ذهب.
حب ممنوع يداعب أطراف روحها.. بنعومة مؤلمة.
خياشيم المجد تلوح لها كمُنفّذ جانبي للبقاء.
لكن.. هل عليها أن تقبل ذلك مقابل مواجهة نفسها؟
تقبل؟ لا تقبل؟
تقبل؟ لا تقبل؟
تقبل؟ لا تقبل؟
تقبل.
تقبل؟
يبدو أنها مضطرة لذلك، لا خيار آخر.
لأنه في تلك اللحظة، ابتسمت لها والدتها بشكل غريب؛ ابتسامة أوسع من المحيط الهادئ، وأوسع من أكبر شطيرة نقانق تخيلتها هي يومًا.
عرفت، أنها أدخلت نفسها، دون رغبتها، في مشاكل سوداوية هي في غنى عنها.
ضاق تنفسها، ودار المكان من حولها. ركضت بترنح بينما تدفع بجسدها ضد الجدران.. يمينًا.. يسارًا. تدخل الحمام وتصفع الباب خلفها.
لقد كان ملاذها الوحيد حيث يمكنها البكاء كما تريد، دون أن يزعجها أحد.
لكنها لم تبكِ.
أخذت تضرب الجدار السيراميكي الأزرق، وتصرخ بصوت مكتوم، تلهث، وتعود لضربه. تحاول جاهدة إخراج دموعها، لعلها تستريح، لكنها لا تنزل.
لابد أنها مذعورة جدًا.
"هذا حلم.. أنا أحلم. أنا.. تبًا! أنا لا أحلم!". لم تستطع الكذب على نفسها كما تفعل عادة. هي تريد الحقيقة، تريد معرفة أيًا كان ما سيوقف هذه المهزلة الآن وحالًا.. ويبعد سيلدي.
كان الخوف هذه المرة أكبر من أي خوف شعرت هي به في حياتها من قبل. ليس خوفًا من الاحتمالات كما كان دائمًا، بل خوف من شيء حقيقي ينتظرها في الخارج ليهدد حياتها.
لكن أفكارها تبعثرت كغبار النجوم عندما سمعَت طرقًا منتظمًا على الباب.. "عزيزتي... افتحي الباب".
كان صوتًا أنثويًا، لكنه لم يكن صوت أمها. ليس صوت إحدى شقيقاتها، وليس صوت أي أحد من الأشخاص القلة التي تعرفهم في حياتها.
كان صوتًا هادئًا أكثر من اللازم، صوتًا مكسورًا؛ وكأنها بدأت تسمع الحقيقة من مصدر آخر.
عَلِقَ لعابها في حلقها، ولم تعد قادرة على بلعه. تراجعت لا إراديًا نحو الخلف، وارتطمت بخفة بالغسالة. ذلك وحده كان كفيلًا بجعلها تنتفض بذعر.
"عزيزتي؟ عزيزتي.. أنا أنتظر". عاد الصوت يتحدث من جديد، لكنه فقد ذرة من هدوئه السابق، تبعته ثلاث طرقات منتظمة على الباب، ثم أخرى على مقبض الباب.. أعلى.
"سـ.. سأخرج!". أجابت كادري بحروف مبلوعة، مرتجفة وغير واضحة. بقيت تحدق في صمت نحو الباب، لكن الصوت هدأ بعد ذلك.
أخرجت هي زفيرًا قويًا، وكأنها كانت تكبح أنفاسها طوال الوقت. كانت تشعر بأطرافها ترتجف، بالكاد تشعر بالواقع من حولها، وجلدها يتصبغ بالعرق البارد.
بصعوبة، توجهت هي نحو الباب، فتحته ببطء شديد، وأطلّت بحذر نحو الخارج. لا أحد. زفرت بقوة وكأنها تخطت حفرة بركانية كبيرة للتو.
"سأكون بخير.. ربما عقلي يهوّل الأمور بسبب خوفي فقط". هي همست لنفسها، تحاول أخذ شهيق وزفير عميقين لتنظيم معدل تنفسها المرتجف الذي بات مشتتًا كالموج الهائج.
أخذت خطوة خارج الحمام، ثم هرولت بسرعة نحو المطبخ. دخلته، أخذت تدور حوله بذعر بحثًا عن سيلدي. عليه أن يوضح لها الأمور!
لم يكن في أي مكان في المطبخ. إلى أين ذهب؟
كل ما تبقى كان صمت المطبخ.. صمت يختزن شيئًا أكبر، شيئًا يراقبها بصبر قاتل.
شعرت بشيء يتحرك عند زاوية عينيها، قلبها قفز، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلًا ومشحونًا بالخطر. التفتت نحو الباب بسرعة.
"ها أنتِ ذي..". توسعت عينيها حين رأته هناك، كان سيلدي يقف عند الباب، ممسكًا بسكينه الذي تلمس حافته الأرض بكسل. أخذ يقترب منها بسرعة وبنظرات جدية. "لم تمنحيني فرصة لإخباركِ بذلك سابقًا، لكن يجب ألـ.."
"لا!". تراجعت كادري، نظرت هي إليه بذعر، وبدأت عينيها تدمع. "مالذي يحدث هنا؟ أنا.." تقطعت كلماتها بشهقات بكائها المكتومة. "لا.. لا أفهم شيئًا.. أه.. سيلدي..".
تنظر إليه وكأنها تتوسل بعينيها أن ينقذها، ربما لأنه يفهم ما يجري هنا أفضل منها. تمسح دموعها بصمت بينما ترتجف شفتيها وهي تحاول ألا تبكي.
رفع سيلدي حاجبه بانزعاج، وعاد يقترب منها. "توقفي عن البكاء الآن. يجب أن تساعديـ..". انقطعت كلماته وتوسعت عينيه قليلًا عندما لاحظ تعثرها الطفيف، وكأنها على وشك أن تسقط.
انحنت وهي تلهث، تتشبث بقبضتها في صدرها. تنفسها سريع وسطحي، إحساس بالخطر يهدد داخلها. تشعر وكأنها ستفقد السيطرة في أي لحظة.. وكأنها ستصاب بالجنون في أي لحظة. وكأنها.. ستموت في أي لحظة!
قلبها يختنق، ينبض كأنه يريد الهروب من صدرها. تنفسها أصبح ثقيلًا، كل شهيق كأنه آخر شهيق، والهواء يهرب من رئتيها. يداها ترتجفان، وقدماها تكاد تثقلان، وكأن الأرض ترفض حملها.
ذهنها يشتعل، أفكار سوداء تتسابق، كل واحدة تصرخ بـ"ماذا لو؟"، كل شيء حولها يصبح تهديدًا. برودة غريبة تتسلل إلى جسدها، والدوار يقترب، لكنها تحاول التمسك بالواقع، تتشبث بصوتها الداخلي: "أنا بخير... أنا بخير...".
كانت تخوض نوبة هلع.
فوق ذلك، فجأة شعرت بأصوات صرخات من حولها، أوامر غاضبة، لعنات مجهولة. تشعر بخطوات قوية تضرب الأرض هنا وهناك، وهواء ثقيل محمّل برائحة الشمع المحترق تؤلم أنفها.
ترى من حولها ظلالًا بيضاء تتراكض؛ كأشباح عاشت من قرون مضت. رأسها ثقيل وكأن صخرة ضخمة انحطت عليه، وصدرها يضغط بقوة.. وشعور قوي بالانفصال عن الواقع زاد رعبها.
"مهلًا.. مهلًا. يا فتاة". اقترب منها سيلدي وربت على ساقها بخفة. "لا بأس.. اجلسي".
هزت رأسها بالرفض، تدمع عينيها، لكنها رغم ذلك انخفضت وجلست على ركبتيها، ثم خفضت جذعها في وضعية السجود، تحتضن نفسها بينما تلهث بسرعة، وتصدر أنينات منخفضة.
"اهدئي. تنفسي معي.. شهيق.. زفير. هيا". نظر إليها بحاجب مرفوع قلقًا، بينما يربت على ظهرها بيده البلاستيكة الصغيرة. "لن تموتي، ولستِ في خطر. هذا مجرد شعور عابر، اتفقنا؟ أخبري نفسكِ بذلك"
توقف، ثم همس: "أنا أيضًا شعرتُ بهذا مرات عديدة من قبل. أنا بخير الآن، أترين؟". جلس أرضًا قربها، نقل سكينه نحو يده اليمنى، وأخذ يربت على ظهرها بيسراه. "ششش".
بقيا هكذا لبعض الوقت. ثم.. تدريجيًا، بدأ شيء ما بالهدوء. تنفسها عاد ينتظم، قلبها يخف، ويداها تسترخي ببطء. أخذ خوفها الشديد يخف ويخف.
"ها أنتِ ذا.. فتاة جيدة". قالها بنعومة غريبة بينما ارتفعت ابتسامة لعوبة على شفتيه، وأبعد يده عنها. "هل تشعرين بتحسن؟ نوبة الهلع تزول عادة بعد وقت قصير".
"نعم". هي تمتمت. رفعت جذعها ونظرت إليه بقلق، تتنفس باضطراب خفيف، وتشعر بإرهاق شديد، وكأن جسدها لا يزال يستعيد توازنه. "أظنني بخير.. تقريبًا".
هو وقف، ونقل سكينه إلى يده اليسرى. "تعالي معي إلى السطح إذن، سأخبركِ بكل شيء هناك". نظر حوله بحذر، وكأنه لا يريد أن يسمعه أحد، ثم همس بجدية: "اسألي والدتكِ عن الإذن قبل ذلك، وتظاهري بأنكِ لا تعرفين شيئًا"
"لكن..". ارتفع حاجبها بارتباك وهي تنهض، ولا يزال صوتها مرتعبًا ومرتجفًا. "سيكون من الصعب أن أتظاهر بأنني لست خائفة بينما أكاد أتفتت ذعرًا". فعبس سيلدي بقلة صبر طفيفة. "ستحتاجين للتأقلم مع هذا لبعض الوقت على أي لحال، لذا حاولي".
"هاه؟!". هي صاحت بصدمة، فوسع سيلدي عينيه وهو يضع اصبعه على شفتيه "صه!" وينظر نحو الباب. "هيا، انطلقي!"
بتردد واضح كالشمس، هي نظرت للحظة إليه وكأنها تأمل أنه سيقول شيئًا يغير الخطة، ثم مشت نحو الباب وأطلّت منه نحو غرفة الجلوس، حيث ما يفترض أن يكون أمها.
هي فكرت أنه يجب عليها إنهاء ذلك بسرعة، لا تردد إضافي، فقط حركة سريعة، سؤال، وعودة. بخطوات كبيرة، مشت نحو غرفة الجلوس، ووقفت أمام والدتها التي كانت منشغلة بهاتفها.
"أـ أمي، هل يمكنني.. هل يمكنني الذهاب إلى السطح؟"
في اللحظة التي رفعت فيها والدتها عينيها نحوها، التقطت كادري أنفاسها وتشنج جسدها، فأرغمت سريعًا ابتسامة متكلفة. "هاه؟ هل يمكنني؟"
"أخبرتكِ من قبل، لا أهتم. إذهبي إلى حيث تريدين" أجابت ما يفترض أن تكون أمها. ورغم أن كادري باتت مدركة أن هذه ربما ليست والدتها، لكن كلماتها آلمتها، وكأنها لا تهتم لأمرها.
"شكرًا!". هي تظاهرت بالسعادة والامتنان، بصعوبة بالغة، مع قبلة طائرة نحو أمها، ثم ركضت نحو المطبخ حيث سيلدي.
عندما دخلت، رأته يتمشى ببطء جيئة وذهابًا بينما يحدق في ساعة جيبه، وشعره الأبيض يتأرجح مع خطواته. عند استشعار دخولها، التفت نحوها بحركة سريعة. "هو وافَق، صحيح؟"
"هو؟". رفعت كادري حاجبها في حيرة بينما تقترب، لكنها لم تنتظر بين الكلمة والتالية "المهم، نعم، لقد حصلنا على موافقة" قالت وهي تفرك ركبتيها، فما يزال شعور الإرهاق يجعل ساقيها ترتجفان.
انخفضت نظرات سيلدي نحو بنطالها الأبيض ذو الخطوط الزرقاء العمودية، ثم نحو عينيها وهو يمشي بخطوات كبيرة -رغم ساقيه الصغيرتين- نحو مخرج المطبخ.
"مـ.. مهلًا! دعني أحملك على الأقل، سيكون ذلك أكثر أمانًا". هي قالت سريعًا بينما تتبعه نحو مخرج الشقة، لكنه أجاب بحزم: "لستُ بحاجة لكِ لحملي. مجرد درجات سخيفة لا يمكنها أن تردعني كما تعلمين"
"لكن ماذا لو رآك أحد في السلم؟ هذه شقة في الطابق الثاني في بناية سكينة، وربما نصادف أحد الجيران!" احتجت كادري بانزعاج وهي تتبعه، لكنها توقفت فجأة عندما توقف هو أمامها. "ما الأمر؟" همست بارتباك.
التفت هو نحوها بعبوس، وزوايا أذنيه حمراء قليلًا. "مقبض الباب مرتفع ولا يوجد كرسي قريب، كما أننا لا نملك الوقت لسحب كرسي إلى هنا. كذلـ.." فقطاعته كادري وهي تضحك بخفوت "حسنًا. فهمت، فهمت. سأفتحه لك!"
نظرت هي إليه بزوايا عينيها، شيء من الخبث بدا واضحًا في نظراتها وهي تفتح الباب. ثم.. حملته فجأة دون أن تتسنى له فرصة للمقاومة، واندفعت خارج الشقة.
"هيي! أنتِ حقًا تمزحين!" هو صاح بغضب، وهي انفجرت بالضحك بينما تغلق الباب. لكن..
تشنج كلاهما عندما رأيا ضوءًا.. كعينين حمراوتين تلمعان أسفل السلم.
وصوت زمجرة حيوان مفترس تلوح في الأفق، تبتعتها رائحة برية، قوية وخشنة أرسلت رعشة على طول عمود كادري الفقري.
يتبع~
Dontin