لعبة الموت
"الموت يعبث بكَ، لتقع في فخٍ مجهول الهوية"
_____________________
"لقد تجرأتَ ووضعتَ قدميك القذرتين داخل أرضي بكامل إرادتكَ، إذًا يا عزيزي دعني أخبرك سرًّا صغيرًا لا تعلمه: لن تغادر هذه الأرض على قيد الحياة مجددًا، فالأموات لا يغادرون المقابر بعد موتهم!
نهاية محتومة قد كُتبت حين وضعتَ قدميك داخل المجهول دون ذرة خوف تهتز داخلك؛ فلا مجال للتراجع الآن من منتصف الطريق.
الوقت كالسيف: إذا لم تقطعه قطعك، ووقتِ ثمين لن أهدره على بعض الحمقى.
الجحيم كلمةٌ صغيرةٌ من ستة أحرف لا تعني شيئًا إذا اختلف ترتيبها المنظم بطريقةٍ جذابة، فكل حرفٍ منها متصلٌ بالآخر بأربطة متينة لا تستطيع تفريقها.
تلك الأحرف الصغيرة هي جحيمٌ يلهو أمامك قبل أن ينهيك في رمشة عين... احذر جيدًا فأنت محاصرٌ بأشخاص مجهولي الهوية ولكنهم مخيفون."
•••
"الوقت يسير نحو المجهول دون أن ينتظر موافقتك الغبية."
منتصف الليل؛ أجواء مليئةً بحالةٍ خاصة تجد الجميع يرتدون ثيابًا غريبةً ومخيفة، يسيرون لأجل الحصول على بعض الحلوى في ليلة الهالووين المميزة.
بعض الأطفال يسيرون نحو المنازل لجمع الحلوى اللذيذة، في لأجواءٍ معبقةٍ برائحةٍ رائعة، بينما البالغون يتجهون بكل مرحٍ إلى أحد الحفلات المقامة في أحد البارات المشهورة في مدينة نيويورك.
دقائقٌ تليها أخرى تمر بمرور نَفَس هواء لطيف يُنعش جسدَكَ بكل استمتاع ليُنعش خلاياك؛ سماءٌ معبقةٌ بالسحاب تسير يمينًا بلهوٍ في هالةٍ رائعة، بينما القمر يتروى بخجل خلف أحد السُحُب، ينتظر أن تمضي تلك الليلة دون أضرار جسيمة.
لفحة هواء تحرك أوراق الأشجار بكل مشاكسة.
في مكانٍ بعيدٍ قليلًا عن هذه الأجواء، في طريقٍ مظلم لا توجد به بقعة ضوءٍ واحدة، تتحرك الرياح وهي تطلق همسًا يقشعر بدنه، أمام حديقةٍ صغيرةٍ مغلقةٍ بإحكامٍ كبير، نبصر أقدامًا تتسلل بكل خفةٍ إلى الداخل.
داخل تلك الحديقة، في بقعةٍ مظلمة، نجد بعض الفتيان يجلسون يلهثون بعنفٍ كبيرٍ، يحاولون التقاط أنفاسهم المسلوبة.
كل شخصٍ من هؤلاء المراهقين المكوَّن من ثلاثة فتيان وفتاةٍ يحاولون التقاط أنفاسهم اللاهثة.
نقترب أكثر من الفتاة التي بالكاد تبلغ التاسعةَ عشر عامًا؛ تجلس تلهث بعنفٍ تُصارع لالتقاط أنفاسها بحدةٍ كبيرة، تضع يديها على موضع قلبها النابض، فتجده يضرب على إيقاع طبول الحرب.
أزاحت خصلات شعرها السوداء القصيرة التي بالكاد تصل لعنقها لتبعد غرتها عن مقلتيها الرماديتين العبثتين؛ تنطلق منهما مكرًا لا تعلم كيف تمتلكها تلك الصغيرة!
تململت في جلستها، تحك ركبتَيها ناصعتي البياض من إزعاج الحشرات التي تزحف عليها .
وضعت يديها على قدميها التي تظهر بسخاء من سروالها الجينز القصير الأسود الممزق بخطوط عشوائية كبيرة؛ جسدها يهتز وهي تأخذ أنفاسها، تتطاير كنزتها السوداء التي تُظهر خصرها النحيف.
أدارت رأسها وهي تنتبه لحديث أصدقائها، وخصلاتها تتمايل خلفها بدلالٍ لا تعبأ بها وهي تترنح من نسمة الهواء المضطربة فتزيحها للخلف.
استمعت بإنصاتٍ إلى محور حديثهم وتلك الخطة التي يضعونها؛ صوّبت أنظارها إلى صديقها "ڤيڤان" تراقبه كيف يتحدث بكل ثقةٍ يمتلكها، تَبصره كيف ينزعج من أزاحة خصلاته الشقراء المتجعدة بضيقٍ جلي يتراقص أعلى وجهه الأبيض.
انتبهت إلى حديث صديقها الآخر "سانمار" وهو يعدل موضع نظراته الكبيرة تلك التي تقسم أنها تبتلع وجهه أسفلها؛ تكاد لا تعلم هل أعينه باللون الأزرق أم الأخضر تُنافس خضار الغابة وزراق المحيط.
"يا ويلي ما هذا العبث؟ ماذا يدور داخل عقلكِ الغبي هذا؟" أنصتت "أوچِسيكا" بكل انتباه، همست إلى ذاتها وهي تهز رأسها بحركات بطيئة.
_حسنًا يا رفاق، هذه هي الخطة سوف نذهب إلى مكتبة العم أنطونيو لأخذ ذلك الكتاب.
_ولكن چيك، لماذا سنذهب لإحضار هذا الكتاب تحديدًا؟ ولماذا في هذا الوقت المتأخر؟ أنا لا أفهم.
_سانمار يا غبي، كيف تريد أن تذهب إلى المقابر لتحضير الأموات دون إحضار مفتاح التحضير؟
صدح صوت "چيك" يتذمر من خوف صديقه "سانمار" الجبان؛ لا يعلم حقًا كيف يظل على قيد الحياة إلى الآن، فهو يخشى كل شيء على وجه الأرض! أخذ يسبه بعنفٍ ويتمتم بأنه لن يعكر صفوَه بثرثرةٍ غبية من فتىٍ أحمقٍ مثله.
تنفَّس بعنفٍ وهو يفتح مقلتيه الزرقاوين، يحدق بحدةٍ نحو "سانمار" الذي يهمس بترددٍ من أنظار رفاقه القاتلة.
_ولكن ماذا سيحدث إذا كانت تلك اللعبة قد تؤدي بحياتنا؟ استيقظوا يا رفاق، ماذا سنفعل حينما ينتقم منا هؤلاء الأموات؟
_أتركني، أتركني ڤيڤان، سوف أقتل فقط، لن أفعل شيئًا آخر، اللعنة يا أحمق، أتركني! لن تفلت من يديَّ.
صرخ وهو يصارع لتحرر من قبضة صديقه:
_ كيف تريد من الأموات أن ينتقموا منهم هم أموات إلا بعقل لديك؟ ماذا يوجد داخل هذا الرأس الكبير؟
هز رأسه بضيق من حديث صديقه الأبله:
_هيه، اتركني ڤيڤان الآن.
صمتَ يزفر بحنق وهو يحرك رأسه نحو "ڤيڤان" الذي يُمسك به ويتمتم بغموض:
_هيه يا فتى، هل أعجبتك ذراعاه ڤيڤان؟ دَعْني إن أعجباكِ إلى هذا الحد سأقطعها من أجلك إن أردت.
_ماذا؟ بماذا تثرثر أنتَ چيك؟ هل هناك خطبٌ ما بعقلك؟
أردف "ڤيڤان" وهو ينظر ببلاهةٍ حديثه الغبي هذا، بينما لم يصمت "چيك" بل أجابه بتذمرٍ وهو يُشير إلى ذراعيه القابع بين يديه.
_ماذا تقصد بـ "ماذا" ڤيڤان؟ هيا اترك يدي الآن، لقد هدأت؛ ألا ترى هذا؟ ثم إنني لا يوجد بي شيء.
تمتم من بين أسنانه بحدة وهو يتنفس بقوة:
_أقسم أنني سأفقد عقلي إن بقيت بصحبتكم أيها الأغبياء أنا الذي تركت المدرسة جميعها وصدقتكم
أبعد خصلاته للوراء بانزعاج وهو يرمقهم بنظرات مشتعلة وهو يشير لهم:
_حفنةٌ من الأغبياء بدايةً من هذا الجبان هناك وصولًا إِليك أيها الأبله ونهايةً بهذه الخبيثة أوچِسيكا.
_ماذا؟ لماذا تقول هذا الآن؟ أنا لم أفعل شيئًا إلى الآن وبقيت صامتة ولم أتفوه بحرف، وتضع اللوم عليَّ بهذه المشاجرة الغبية؛ هذا ليس عدلًا چيك، سأقوم بالإضراب لأسترد حقي المهدور.
_اللعنة، أنتم حقًا حفنةٌ من الحمق سأذهب إلى الجحيم، أقسم أنني سأصبح مختلًا ذهنيًا إن أبصرت وجوهكم العفنة تلك أمامي مجددًا حسنًا إلى اللقاء.
صرخ بها بصوتٍ مرتفعٍ وهو يسير راكضًا وكأنه يركض من وحشٍ مخيفٍ يتبعه بشهوةٍ، وخصلاته تتمايل معه بكل وقاحة.
وفي الخلف يحدقون إليه وهو يسير مبتعدًا بملامحٍ يعلوها البلاهة مثل "ڤيڤان"، والآخر يتراقص الصدمة فوق وجهه مثل "سانمار"، بينما "أوچِسيكا" تنظر في آثاره وتتمتم إلى ذاتها بخذلانٍ كبير كأنها فقدت صغيرها في الحرب، ومقلتاها يعبث بهما المكر.
_ماذا الآن؟ أنا لم أفعل شيئًا، هو الأحمق هنا، لكنه سيعود لأنه مختل حقًا.
"تسير الرياح في مواجهةٍ حاسمةٍ ضد عدوها، تُصارع بكل شجاعةٍ لا تمتلكها أنت."
•••
"لعبة مجهولة الهوية قد تقودك إلى نهاية السباق في وقتٍ قياسيٍ دون أن تعلم متى بدأ."
في الثالثة بعد منتصف الليل، أمامه طريق مظلم لا يوجد به نقطة نورٍ واحدة؛ تستمع إلى صوت الرياح تهمس إليك بفحيح يشبه فحيح الأفعى وهي تستعد لشن هجومٍ على عدوها القادم.
يسير الوقت بها بكل تمهلٍ وكأنه يخشى التقدم نحو الأمام لكي لا يواجه عدوه الخبيث.
صوت خطوات أقدامٍ يسير خلسةً نحو الأمام؛ أنفاسهم ثائرة تضرب الهواء البارد بكل غضب.
أعين مجهولة تحدق في الظلام بدقةٍ تتحركان مع نسمة الهواء كجسدٍ واحد لا يستطيع أحد فصلهم، تحركت خصلاتهم بشغب.
تستمع إلى صوت دقات قلوبهم تقرع على إيقاع موسيقى نادرة، تتراقص على قرع الطبل في إيقاعٍ خبيثٍ ينتشر ويحثك على التناغم معه دون إدراكٍ.
توقف صوت الأقدام عن السير ليحل صمت قاتلٍ اقتحم الأجواء دون ترددٍ؛ لا نَبصر شيئًا يقبع أمامنا، نستمع فقط إلى صوت أنفاس تكاد تغادر جسد صاحبها، يليها صوتٌ خشخشة ضعيف ناتج عن إزالة غطاءٍ حديدي من الأرض، يتبعه صوت الخطوات تهبط إلى الأسفل في ممرٍ تحت الأرض.
صوت الأقدام يقتحم هدوء المكان في الداخل، يتبعه ضوء خافت ينبعث من إضاءة الهاتف، بينما الأنفاس تُصارع عدوًا غير مرئيٍّ.
ضرب الهواء المعبق بالأتربة ضربةً صغيرةً، سعل على آثاره أحد هؤلاء الفتيان؛ توقفت أنفاسهم عن مواجهة أعدائهم، وهم يبصرون المخرج نحو غايتهم المجهولة.
أقرب أحدهم نحو الباب الصغير المتواجد فوقهم مباشرةً؛ نظر "چيك" إلى رفيقه الذي يساعده على إزاحة الباب للوراء لأجل المضي قدمًا إلى الداخل للحصول على ما يريدون ويرحلون.
داخل مكتبةٍ صغيرة الحجم لكنها مليئة بالكثير والكثير من الكتب المختلفة؛ جدران المكتب بلونٍ بني غامق يميل إلى الأسود قليلًا، يهبط من الأعلى ضوءٌ كبير معلق على سطح المكتبة يهبط بتمايل ليعطي شكلًا ساحرًا للمكان.
توجد كثير من الأرفف المحملة بمئات أو آلاف من الكتب الصغيرة والكبيرة حيث تجذبك نحوها لقراءتها فلا تبالي بشيءٍ آخر سوى الغرق داخل سطورها دون إرادتك.
تنفَّس "سانمار" بدهشةٍ أصابت جسده بعنف، تخطى أصدقائه بكثير وسار بخطوات شبه راكضة نحو ركنٍ ما، مقلتاَه تشعان ببريقٍ مملوءٍ بالحماس.
توقفت أقدامه نظر إلى كتابٍ صغير الحجم لونه أزرق، تتوزع عليه كواكب كثيرة ومدوَّن عليه بخطوط رفيعة جدًا: "اكتشف سر الفضاء".
شهق بصوتٍ أدى إلى انتباه الآخرين إليه، أخذ يتنفس بعنف ويبتلع لعابه بحماس شديد، قبل أن يصعد فوق درجٍ خشبي يتسلقه بسرعة فائقة ليأخذ ذلك الكتاب الذي ظل يبحث عنه لأشهرٍ كثيرة ولم يجده، وها هو يقبع أمام أنظاره على بعدٍ صغير من يده.
"هيا سانمار، هاتِ الكتاب الذي بحثت عنه منذ الأزل، أسرع قبل أن ينتبه هؤلاء الحمقى إليك."
توقف عن محادثة ذاته وهو يشعر باهتزاز الدرج أسفله؛ أدار رأسه للأسفل، أبصر "ڤيڤان" يصعد إليه ببلاهةٍ ويرسم أكثر بسمةٍ غبية قد يراها في حياته.
سبَّه همسًا وهو يُشير له أن يهبط مجددًا، لكن الآخر أساء الفهم واعتقد أنه يحثه على الصعود أكثر.
_ماذا تفعل هنا؟ اهبط للأسفل، لن يتحملنا الدرج نحن الاثنان، ما بك ڤيڤان؟ لمَ أصبحت غبيًا هكذا؟ أسرع في الهبوط قبل أن ينكسر الدرج ونسقط.
_ماذا؟ ألم تُشِر لي أن أصعد إليك؟ ثم ماذا تفعل هنا؟ هل الكتاب الذي نريده هنا؟
نبس "ڤيڤان" وهو يبعد رأس صديقه بيديه بلا مبالاة ليرى ما يوجد خلفه، عقد حاجبيه بعدم استيعاب.
_لا يوجد هنا شيء مثير للريبة، ظننتك انحرفت يا فتى لأتيَ وأشجعك أكثر أحمق! جعلتني أصعد كل هذا لأجل لا شيء.
تمتم بانزعاج كبير وهو يهز رأسه بضيقٍ جلي، رمقه قبل أن يهبط بنظرة خيبة أمل كنظرة أمٍ شاهدة فشل طفلها. هبط "ڤيڤان" يسير وهو يطلق صفيرًا عبثيًا من ثغره ويتجه نحو "چيك" و"أوچِسيكا" توقّف جورُهم وهو يدندن إحدى النغمات بصوت نشاذ مزعج.
بينما توقف "سانمار" وهو يُشاهد كل ما حدث أمامه وثغره يكاد يصل إلى أسفل قدميه، يُطالع بصدمةٍ كبيرة ويتمتم إلى ذاته: هل قال عني "منحرف"؟ أنا منحرف؟ مهلًا، لقد سبني أيضًا ذلك الأبله الغبي.
من يظن نفسه ليسبني أنا؟ وأنا لم أفعل له شيء.
بربك، سانمار لماذا صدقت هؤلاء الأغبياء؟ كنت وحيدًا منبوذًا أفضل بكثير من أن أظل بصحبتهم.
كنت سأكون الفتى الذكي المنبوذ أفضل من أن أنتشر غبائهم عليه وأخسر فرصي بالولوج للجامعة التي أريدها.
ياويلك سانمار، إذا حدث هذا سيسخر منك الجميع، وأبي لا، لا.
زفر وهو يهز رأسه بضيقٍ أدى إلى إزاحة خصلاته الكستنائية على وجهه ليبدو غايةً في الوسامة، وفي ذات الوقت هبط الدرج بعينيه الغائمة.
لم يهتم بإحضار الكتاب الذي كان يفقد عقله من أجله منذ قليل.
مشاعر كثيرة تضرب داخل رأسه الآن: مَن سيستمع؟ عقله يتصارع مع قلبه في مواجهةٍ غبية؛ عقله ينهر على صداقتهم بينما قلبه يصرخ بألمٍ أنه يكفي وحده بعد الآن، يريد أن يشعر بذاته وأن له فائدة لأحدٍ ما، أن يهتم به أحد، لا أن يظل وحيدًا بائسًا لا يعلم أحد بتواجده على الكوكب.
نفض رأسه الذي يضج بضجيجٍ مزعج لا يعلم من يسمع. عقلٌ يخبره أن يذهب ولا يُضيع فرصته الوحيدة في إثبات ذاته.
تنهد بمشاعرٍ مضطربة تضرب داخل جسده دون شفقةٍ في صراعه الداخلي.
توقف في ركنٍ بعيدٍ عن الأنظار لا يريد أن يراه أحد متضاربًا هكذا ليشفق عليه.
يُشعر بألمٍ كبيرٍ ينهش قلبه، بينما قلبه يصرخ مناديًا بكل قوته: "دَعْني أفعل ما أريد مرةً واحدةً، أريد أن يهتم بي أحد، ليس أن أجلس وحيدًا دون ملجأ."
معركةٌ كبيرة تدور داخله؛ هناك أصوات كثيرة تتحدث داخل رأسه: أحدهم ينهر على وجوده هنا والآخر يصرخ به أن يتوقف عن إزعاجه، يتمرد على قرارٍ أمر العقل بتنفيذه دون تردد، والآخر يوبخه طالبًا حقه في اتخاذ القرار؛ لا يهم إن كان هذا خاطئًا أم لا، لا يريد أن يصبح ضعيفًا بائسًا ينفذ ما يُطلب منه دون نقاش.
بين هذا وذاك يقف هو تائهًا في المنتصف لا يعلم ماذا يفعل.
أنتفض جسد "سانمار" يتمتم بلا وعي، وعيناه العاصفتان تشردان في ماضٍ أليم لا يزال يحييه؛ يتذكر كيف كان في الثانوية الداخلية يتعرض للمضايقات كثيرًا ولم يستطع أن يتخطاها.
يبصر تلك الحادثة تُعرض أمامه مجددًا؛ عقله لا يكف عن تذكيره كيف التفوا حوله وقاموا بضربه بعنفٍ في سائر جسده.
لم يكتفوا بهذا بل أحدهم كان يصور فيديو له وهم يسكبون عليه بعض الطلاء، والبعض الآخر قاموا بقص خصلاته.
تساقطت الدموع من مقلتيه بخزيٍ عليه، وهو يتمنى فقط أن يغادر هذه الحياة البشعة.
هز رأسه هستيريًا، وسائر جسده يهتز بعنف وكأنه صعقة كهربائية؛ يسب نفسه لأنه كان ضعيفًا ولا يزال هكذا. انحنى على الأرض يضم قدميه إلى صدره، يهز رأسه بلا وعي.
عيناه الحبيبتان لا تكفيان عن البكاء، وكيف يستطيع وهو يتراءى له كيف أن كثيرين تركوه؟ لم تؤثر توسلاته بهم بل زادتهم وحشية أكبر حين قاموا بخلع ثيابه بقوة وتجريده من ثيابه العلوية وجعله يسير بثيابه الداخلية فقط.
تعرَّض لإهانات كثيرة، وكل هذا لماذا؟ لأنه لم يريد أن يجعلهم يأخذوا إجاباته في الاختبار.
شهق بصوتٍ مرتفعٍ وهو يضرب على رأسه بقوةٍ، يردد بتقطعٍ وهو يحارب في معركةٍ قاسية مع عقله الخبيث:
_تُو... توقف... رجاءً لا؛ تذكرني بالماضي، أنا لا أريد شيء سوى أن أصبح ذو قيمة لدى أحدهم
وضع رأسه بين قدميه يخبئها وصوت بكائع يخترق صمت الأرفف:
_أن.. أن يحبني شخص لأنني سانمار، كفى، أرجوك أتركني أحيا بسلام دون أن تجعلني أتمنى الموت مع كل ثانية تمر.
صمتٌ تكمل بصوتٍ هامس يكاد يكون مسموعًا إليه؛ يُطالع شيئًا غير مرئي:
_أنا، أنا فقط أريد أن يكون لي أصدقاء، أريد حين أغادر الحياة أن يأتي أحد إلى جنازتي ويتذكرني.
هز رأسه بضعف ومقلتيه تذرف الدموع بلا توقف:
_ لا أريد أن أظل وحيدًا لا يعلم أحد بوجودي، فقط أتمنى لو كنت شجاعًا مثل چيك أو لا مباليًا مثل ڤيڤان.
ضرب موضع قلبه بيديه، وأخذ يضرب رأسه بالحائط بقوة، الألم يطغو عليه بقوة، ينشر دفاعته:
_ياليتني لم آتِ إلى هذه الحياة البشعة، أو كنت غادرةً مع أمي في ذلك الحادث لماذا هي تركتني؟
ضم رأسه بين مرفقيه يربت على جسده بلطف، شفتيه ترتجف بهلع:
_تركتني وحيدًا أريد فقط أن يضمّني أحد بكل حبٍ ويخبرني أنني مميز. أريدكِ يا أمي، أريد أن أراكِ مرة.
شهق بقوةٍ يزيل أمطار عينيه المحاربة حيث تحارب العاصفة بكل ما تملك:
_اشتقت إليكِ يا أمي، لا أحد يحبني مثلكِ، عودي لي رجاءً، أريدكِ أن تضمّيني للمرة الأخيرة.
رفع مقلتيه يسمح انهيار جسده للمرة التي لا يعلم عددها، وهو يهمس بخفوت وبنبرة متألمه:
_أردت أن أخبركِ أن لا أحد يحبني وأن أبي يكرهني لأنني جعلتكِ ترحلين بسببي أنا أعتذر، عودي أمي، اشتقت إليكِ.
صرخ بصوتٍ منخفض، خبأ رأسه بين قدميه، وصوت شقَقات ترتفع دون إدراكٍ منه؛ يحاول تنظيم أنفاس الهاربة، يستمع إلى صوت دقات قلبه التي تبطئ كثيرًا.
لا، لا، تَمتم وهو يعلم أنه سيسقط داخل دوامةٍ مظلمة الآن بفضل انهياره هذا، ولن يعلم أحد من رفاقه أنه فقد الوعي في هذا الركن البعيد عنه.
رفرف بأهدابه واستسلم للظلم، يسقط فاقدًا للوعي على الأرض الصلبة ورأسه ترتطم بقوة عنيفة.
••••
في ذات الوقت، في منتصف المكتبة نجد "چيك" لا يزال يبحث عن الكتاب المنشود.
دقائقٌ فقط قبل أن يصدح صوت "ڤيڤان" المتسائل بجديةٍ غبية:
_چيك، هل الكتاب لونه بني محروق تحت أشعة الشمس أم يشبه الباذنجان المقلي؟
_ماذا؟ بماذا تثرثر أنتَ ڤيڤان؟ كيف يكون لون الكتاب باذنجان مقلي؟ دقيقة، هل أنت جائع ڤيڤان؟
_ماذا؟ لا، لم أقل هذا الآن... أنا لست جائعًا.
أجاب "ڤيڤان" باستغرابٍ وهو يعقد حاجبه باندهاش، بينما "أوچِسيكا" تُشاهد ما يحدث أمامها بعدم استيعابٍ، ترفرف بأهدابها الكثيفة لتجد "چيك" يتفوه بشيء ما:
_لأنك عندما تصبح جائعًا تخلط الطعام في أي شيء كما حدث منذ قليل؛ أخبرتني أن الكتاب يشبه لون الباذنجان، كيف هذا؟ لا، هذا ولا ذاك.
زفر بحدة وهو يشعر بعقله سينفجر من حفنة الغباء التي تحاوطه:
_الكتاب لونه أسود بنصف نجمة من المنتصف حسنًا، الجميع يبحث عنه بصمت، أين ذهب سانمار الآن؟
_لا أعلم، سأذهب للبحث عنه لحين أن تنتهوا من إيجاد ذلك الكتاب الأحمق.
صاح "ڤيڤان" بعدم اكتراثٍ وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة، يسير بين المكتبة ببطء يذكرني بحيوان الكوالا.
_الكتاب هو الأحمق حقًا ڤيڤان، بل أنا الأحمق لأنني...
صمت وهو يجد "أوچِسيكا" تكمل عنه وهي تحرك يديها معه في ذات الوقت بسخريةٍ كبيرة:
_بل أنا الأحمق لأنني صدقت حفنةً من الأغبياء الحمقى حسنًا چيك، أنت حقًا كذلك ليس لأنكَ تُصدقنا.
توقفت تلتقط أنفاسها قبل أن تقترب منه ببطء وهي تعد على أصابعها حديثه:
_لا بل لأنك قلت قبل أن نأتي إلى هنا أنني مختل ذهنيًا إن رأيت وجوهكم مجددًا، ولان، اصمت وابحث عن هذا الكتاب العفن أيها المختل الأجرب دون أن تتفوه بشيء.
انتهت من حديثها، ترفرف بأهدابها ببراءةٍ كبيرة؛ أليس هي من كانت تسبه منذ دقائق فقط؟ بينما هو ينظر إليها بفمٍ يكاد يصل إلى قدميه بالفعل، يُطالعها بصدمةٍ كبيرة: ألا زالت تتذكر حديثه بل وقذفته في وجهه دون مراعاةٍ لمشاعره الرقيقة؟
_ما... ماذا أوچِسيكا؟ توقفي حسنًا وابحثي عن الكتاب الآن.
همس بصوتٍ منخفض كي لا تنقض عليه إن سمعته ويسبها داخل رأسه.
يحدث ذاته عندما وجدها ترمقه بنظراتٍ نارية تنطلق من مقلتيها، جاء ليتحدث فوجدها تشير إليه بذِبْحٍ وأنها ستفصل رقبته الثمينة إن تحدث بكلمةٍ واحدة.
ابتلع لعابه بصمت ومن وقتٍ لآخر يضع يديه حول رقبته بحذر إلى أن صاح مجددًا بسعادة بالغة:
_لقد وجدته يا رفاق، وجدت الكتاب الذي نريده، ڤيڤان، سانمار، أوچِسيكا، هيا انظروا: وجدته.
_حسنًا چيك اهدأ قليلًا، لا نريد أن نُزجَّ في السجن بسبب صياحك هذا الذي سيسمعه الجميع.
أردف "ڤيڤان" بانزعاجٍ وهو يضع يدًا على أذنيه والأخرى يُساند بها "سانمار" صاحت "أوچِسيكا" بفضول يتراقص داخل عينيها نحو القلادة التي تلتف حول عنق "چيك":
_چيك، ماذا سنفعل بهذا الكتاب والقلادة؟ وما أهمية الاثنين في اللعبة التي سنفعلها نحن؟
_الكتاب لقراءة بعض التعاويذ الخاصة على القبر المنشود، والقلادة اخترعها والدي لرؤية الأشباح.
صمت يشرح لهم الخطة بكل تروي:
_ سأضع القلادة فوق الكتاب وسنجلس جميعًا داخل دائرةٍ بيضاء ونردد بعض الكلمات ليفتحوا بوابةً للعالم الآخر.
ابتلع لعابه وهو رقب أنظارهم وافكارهم بدقة:
_ويأتي الشبح المراد ليحقق أمنيةً واحدةً لكل شخصٍ منَّا، القلادة تجعلنا نبصره أمامنا حتى إذا اختفى.
صمت قبل أن ينبس قائلًا بسعادة بالغة وحماس يتراقص بين عينيه'
_ وكل هذا سوف نسجله على الكاميرا لننشره ويصدق الجميع أننا فتيان شجعان.
_ألستَ خائفًا چيك؟ ألا تشعر بذرة خوفٍ واحدةٍ داخل جسدك؟ أنت تعلم أننا سنذهب إلى المقبرة.
توقف" سانمار"عن حديثه لوهلة برعب قبل أن يتمالك ذاته ويفصح عن ما يدور برأسه:
_ المقبر التي يتحدث عنها الجميع بحدوث أشياء غامضة بها ونحن سنذهب إليها ليلة الهالووين ونفعل هذا ألا تخشى حقًا من شيء؟
تحدث "سانمار" بصوتٍ منخفض يحاول إخفاء الألم البادي على صوته ووجهه، يتساءل ومقلتاَه تنظران إلى "چيك":
_لا سانمار، أنا لا أخشى شيء، أنا لا أؤمن بهذه الخرافات التي يتحدث عنها البعض، ولكن لا عيب في تجربة شيءٍ جديد بدل هذا الملل. ثم
عقد" چيك"حاجبيه بتفكير وغموض، يهز كتفيه بلا مبالاة:
_ ماذا سيحدث؟ لا شيء؛ إن حدث شيء غير طبيعي نهرب من المقبرة وينتهي الأمر.
همس"چيك" قائلًا إلى صديقه يشجعه على خوض مغامرة جديدة ولا ينتبه إلى شحوب وجه الآخر:
_ سانمار، هذه ترهات اختلقها بعض الناس ليمنعوا اللصوص من دخول المقبرة، مهلاً، ماذا حدث لك تبدو مريضًا؟ هل أنت بخير سانمار؟
رمقه "چيك" بقلقٍ في عينيه، يرى أنه لا يكاد يستطيع الوقوف بمفرده؛ مرر أنظار إلى "ڤيڤان" بتساؤل بينما أشار " ڤيڤان "بلاهةً وأزال الأتربة عن ثيابه:
_لقد وجدته فاقدًا للوعي في ركنٍ ما في المكتبة، سقط في غيبوبةٍ؛ لم يأخذ دواءه هذا الصباح لذا لا يستطيع أن يقف بمفرده.
لكمه" ڤيڤان" على زراعيه بخفة وهو يوبخه على فعلته الغبية
_أحمقٌ غبي لا يهتم بذاته جيدًا؛ سألقنك درسًا لن تنساه إن لم تأخذ أدويتك بوقتها أيها الباند الكسول.
_ولكنني لست باند كسول بل أنتَ، وتوقف... لماذا تتحدث وكأنك أمي الآن؟ لا تقلقوا يا رفاق، هذا يحدث كثيرًا.
_حسنًا سانمار، أنا أوافق ڤيڤان بهذا الشأن: يجب أن تأخذ أدويتك بوقتها، ولا تدعني أكرر حديثًا مجددًا نحن نهتم بك يا فتى، لا تهمل ذاتك هكذا.
صاح"چيك" بنبرة حانقة وهو يشير له بانزعاج:
_أنظر، جعلتني أوافق ڤيڤان في شيءٍ ولم يحدث هذا مطلقًا وهذا إن دل على شيءٍ يدل على أنك أحمق لتجعلني أنا وذاك الأبله نتفق.
_حسنًا يا رفاق سأفعل، ولكن توقفوا عن معاملتي كطفل... والآن، هل نذهب؟
_هيا إذًا يا رفاق إلى مغامرةٍ جديدة وممتعة، وإذا لم تكن ممتعة اقتلوا أنفسكم لأنكم أغبياء، ودعوني وشأني يا مغفلين.
صاح "چيك" وهو يخرج هاتفه ويلتقط لهم صورة عبثية مضحكة، يضحك على تذمرهم أنها بشعة.
_هيا اصعدوا إلى السيارة لننطلق.
_چيك، كيف أتيت بسيارة أبيك؟ هل يعلم أنك أخرجتها من المرآب؟
تفوهت "أوچِسيكا" باستغرابٍ بادي على وجهها الذي يغلف البراءة، تصعد السيارة وتجلس بالخلف جوار "سانمار" الذي انتبه لحديثها.
_لا، أبي لا يعلم أني أخذتها مطلقًا.
قالها "چيك" ببسمةٍ غبية رسمت على وجهه، يحرك مقلتيه بارتباكٍ إلى الأمام ويبتلع لعابه بتوترٍ جعلَه مثيرًا للريبة.
_وكيف أتيت بها؟ مهلاً، هل سرقت مفاتيح والدك؟
_لا سانمار، بل فعلت نسخةً من المفاتيح لي لأأخذ السيارة متى أشاء دون أن يعلم أبي شيئًا.
_أيها الحقير! لقد جعلتني أفقد النطق يا فتى، كيف لم أفكر في هذا مسبقًا؟ لقد تفوقت عليَّ وهذا ليس عدلًا.
ضم يديه يلتقيان في عناق العشاق، وهو يسبه بنبرة بغيظ:
_أنا أعترض وبشدة؛ لا يحق لك فعل هذا! أنا هو الوقح هنا، أنا من يفعل هذه الأشياء الوقحة؛ لا تأخذ دوري وإلا لقتنك درسًا.
تذمر "ڤيڤان" وهو ينظر إليه بضيق ولم يتركه وشأنه، بل قام بضربه في وجهه يستغل قوة يده لأنه لا يستطيع فعل شيء. صراخ "چيك" الذي يقود يطلق عليه اللعنات بصوتٍ مرتفعٍ لا يعبأ بتذمر الآخرين في الخلف:
_أيها الحقير، سوف أريك فقط عندما نصل سأقطع خصلاتك الغبية تلك من رأسك السميك لأرى إن كان هناك عقلٌ داخله أم لا، لكنني أعتقد أنه لا يوجد.
_أنتم حقًا مزعجون! توقف چيك عن الصراخ، وأنتَ ڤيڤان، اتركه هذا اللص وشأنه، وچيك، توقف عن التذمر؛ أذني لا تحتمل كل هذا الصراخ المزعج.
صمت الجميع عندما أنهت "أوچِسيكا" حديثها الحاد ليغفو السيارة صمتًا مخيفًا يتفق مع الأجواء الهادئة كأنها تأخذ هدنة صغيرة قبل أن تنطلق إلى أكبر معركةٍ مصيريةٍ تخوضها.
•••
تشق السيارة السوداء الطريق بسرعةٍ فائقة في طرقات "بروكلين" الشهيرة، تسير مثل سائح يستكشف مدينةً جديدةً يطالع كل ما بها بفضولٍ كبير، الرياح تُداعب أوراق الأشجار بكل مشاغبة، والسحاب يسير تائهًا في طرقات بلاده الحبيبة مثل الغريب ينطلق إلى الأمام ولا يريد العودة إلى الديار.
الليل يطلق أسلحته بتروي، يبصر أمامه عدوًّا يقترب من حدوده الثمينة.
توقفت السيارة بعنف لينطلق صوت مرتفع آثار احتكاك دواليبها بحدة؛ هبط الفتيان من السيارة ببطء وتردد، يبصرون أمامهم لافتة صغيرة موضوعة فوق البوابة الحديدية مكتوبٌ أعلىها بخطٍ ضخم: "مقبرة جرين وود".
لافتة يملؤها الغبار وشباك العنكبوت حوطتها بكل غرور كأنها اتخذتها منزلها الخاص.
تقدم "چيك" للأمام وتبعه الجميع؛ توقفوا أمام البوابة، يبصرون القبور خلفها.
زفر بحدة وهو يبتلع لعابه قبل أن يستدير للوراء إليهم وداخله يتردد: هل ما يفعل صحيح؟
هل هو حقًا مستعد للمخاطر من أجل بعض الهتافات الحمقاء؟ تدور في عقله تساؤلات كثيرة تنهش به بلا شفقة: هل أنت واثق مما تفعل، چيك؟ أنت مستعد حقًا لتخطو داخل المجهول دون ترددٍ يقبع بك؟ أعلم أنك لا تخشى شيء لكن ماذا سيحدث إن أصاب أصدقاؤك ضررًا؟ سوف تجن.
أنت لا تستطيع أن ترى أحدهم يتألم أمامك.
ولكن سيكون كل شيء بخير؛ لا شيء مخيف في الداخل، وإذا حدث شيء أنا مستعد لتضحية حياتي إن لزم الأمر كي لا يتأذى أحد من رفاقي.
"حسنًا، توقف رجاءً، كفى الآن.
سأخبرهم: هل هم مستعدون أم لا؟ إن تردد أحد أقسم أنني ألغي كل شيء ونرحل.
الآن، أفق يا چيك!" أصدقاؤه ينظرون إليه بغرابة.
أخذ ينهر ذاته لوقعه داخل صراعه المعتاد بين عقله وقلبه الجبان؛ كلاهما يتمردان عليه.
نفض رأسه بضيقٍ كبير من مشاعره المبعثرة واستدار إليهم قائلاً بحماسٍ اصطناعي يشبه القلق من القادم:
_مستعدون يا رفاق؟ هيا بنا للداخل. هيه، أنت بخير صحيح سانمار؟ تستطيع الاستمرار معنا أم تريد المغادرة؟
_لا چيك، أنا بخير، هيا بنا؛ هذه مغامرة صغيرة أريد أن أكون داخلها حتى لا يتحدث الجميع عن أنني جبان.
_ماذا؟ من هؤلاء الحقراء الذين يفعلون هذا؟ أخبرني مَن هم وسأجعلهم يعلمون أنك شجاع بل أشجع منهم جميعًا.
أردف "چيك" بغضبٍ كبير يتصاعد في رأسه، ومقلتاَه تنطلق منهما حمم بركانية تكاد تغرق المدينة بأكملها.
يتنفس بحدة، صدره يعلو ويهبط بضيق؛ يحدث ذاته أنه سيلقّنهم درسًا قاسيًا ليَكفّوا عن إزعاج أي شخص مجددًا.
هو يكره هؤلاء البشر حقًا؛ يبغضهم، يبغض كل من تسول له نفسه تدمير مشاعر شخصٍ آخر بلا ذنب.
_لا أحد، چيك، أقول هذا فقط لأنني... أوه لا يهم، انس الأمر چيك.
_أنت تكذب سانمار، وسأعلم الحقيقة إن لم تكن منك سأعلمها بمفردي وحينها سأضربك على كذبك الغبي.
هز "سانمار" رأسه بحسنٍ: "سأفعل لاحقًا."
وها هم يضعون أقدامهم داخل المقبرة بمشاعرٍ متضاربة تعبث بهم؛ كل شخصٍ يحمل داخله مشاعر غضب وحقد ينبعث من جسد "چيك" غضبٌ نحو من يزعجون صديقه.
تتلاشَ تدريجيًا فكرة الانسحاب من اللعبة.
في داخله يصدح صوتٌ يقول بكل غضبٍ يكفي لإحراق المدينة بأكملها: "لأجل صديقي أذهب إلى الجحيم إن تطالب الأمر، لن يستطيع أحد إزعاج أصدقائي وأنا على قيد الحياة."
بينما "سانمار" يصارع تلك الأصوات داخل رأسه في ذات الوقت، نجد "ڤيڤان" ظاهرًا لا يكترث بشيء بينما داخليًا يرتعد خوفًا من القادم؛ ليس جبانًا لكنه فقط يشعر بشعورٍ سيءٍ أصابه عندما وضع قدميه في الداخل.
داخله همسٌ يخبره بحدوث كارثة مفجعة تنتظره.
"ماذا بك ڤيڤان؟ لماذا ترتعد هكذا؟" هذه ليست أول مرة تخطو فيها قدماك المقابر؛ لقد فعلت هذا مرارًا وتكرارًا.
لا أعلم، هناك صخرة ضخمة جاثمة فوق صدري تضغط وكأنها تحذرني من شيءٍ مجهول قد يفعل بي الأفاعيل.
هل نهايتي تكمن بالداخل؟ أوه توقف "ڤيڤان" تلك الهواجس الغبية التي تثير خوفك.
تذكر أنك قوي لا تهاب شيئًا.
أخذ "ڤيڤان" يشجع ذاته بكل إصرار وهو ينظر إلى الأمام بمشاعره المبعثرة.
وعندما تنظر إلى "أوچِسيكا" نراها تنقشع بسمةٍ أعلى ثغرها؛ تُشاهد المقبرة بحماسٍ شديد يشبه حماس مُتعَب، تخبر ذاتها بكل حماسٍ أنها أخيرًا ستبصر مغامرةً رائعة ولن تستطيع شقيقتها إزعاجها بأن تقول إنها بلاهاء غبية لا تصلح لشيء.
"سأريها تلك البلهاء ماذا ستفعل؛ ستخوض مغامرة لن تستطيع شقيقتي فعلها أبدًا.
انتظري يا شقيقتي، انتظريني غدًا؛ سأريكِ مقطع الفيديو لي وأنا أجلس هنا متحمسة كثيرًا لرؤية الصدمة تلوّ وجهك العفن 'چيسكا أورون'."
أوه، تفعل ذلك لأجل إخراس شقيقتها تضع حياتها على المحك لأجل بعض الاهتمام من شقيقتها.
حقًا بلهاء، لا تعلم ماذا يخبئ القدر لها وللجميع.
بعد مرور نصف ساعة كاملة تحركت بها عقارب الساعة كحركة أوراقٍ بطيئة من مداعبة الريح لها؛ في هذه الأوقات رسم "چيك" الدائرة وجلس الجميع داخلها.
ها هو يضع الكتاب أمامه على الأرض وفوقه القلادة بعد أن نزعها من عنقه.
يتمتم هو بأشياءٍ غريبة ويقرأ من الكتاب، والجميع خلفه يرددون تلك الكلمات.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انبثق ضوءٌ كبير من القلادة الزرقاء التي تأخذ هيئة العين؛ أضاءت بضوءٍ أحمر يشبه الدماء بينما الكتاب تتساقط منه دماء كثيرة ولا أحد يعلم كيف.
توقفوا عن الهمس وهم يشعرون باهتزاز الأرض أسفلهم، اهتزازٌ كبيرٌ انتفضت أجسادهم على أثره.
بعدما توقفت الاهتزازات نهض الجميع في ذات الوقت وتراجعوا خارج الدائرة.
هذا أسوأ شيء قد ارتكبوه يومًا، أسوأ حنى من قدومهم إلى هنا.
همست "أوچِسيكا" بتوترٍ كبير ومقلتاها تدوران يمينًا ويسارًا في دوائر لا متناهية، شعرها يتطاير خلفها بذهول.
تشعر ببرودةٍ احتلت جسدها فجأةً دون سابق إنذار.
_أنا خائفة يا رفاق، أريد العودة إلى منزلي الدافئ. انظروا، لم يحدث شيء هنا إذًا هيا بنا نغادر.
_حسنًا أوچِسيكا، سنرحل جميعًا لقد قلت لكم من قبل أنها مجرد ترهات غبية، لا شيء يسموه شبحًا.
صمت"چيك" ثم تمتم بنبرة يملئه الأحباط والخذلان كان يريد مغامرة رائعاة ليصدم باكذيب البعض:
_ ونحن بخير أيمكنكِ أن تجلبي لي القلادة التي حركتها الرياح أوچِسيكا رجاءً لحين أن أجمع الكاميرا وأنظر ماذا التقطت بها.
هزة رأسها تذهب لتحضر تِلكَ القلادة وجسدها يرتعش، تسير هي نحو القلادة التي تتواجد بعيد عن مكان جلوسهم تتساءل كيف أتت إلى هُنا كيف حركتها الرياح هي ثقيل لكي تتطاير مثل ورقة شجر ضعيفة!.
_أوه أوچِسيكا لا تهرعي سيظنونكِ غبية، توقفي عن الهلع وكما قال چيك هذه ترهات غبية، ولكن المثير للريبة هُنا لماذا يطلق أحد أكاذيب على هذه مقبرة؟.
صمتت وهي تهز رأسها بضيق عميق ينبعث مِن اعماقها وخصُلاتها تتمايل معها في عبث رائع تسير بخطوات بطيئة إلى الأمام ومِن وقت إلى آخر تطلق اللعنة عن "چيك" و"سانمار"و"ڤيڤان" تسُب الجميع دون ترك أحد.
لأجل أن يأتوا بها إلى هُنا فى ليلة الهالوين وهي الحمقاء لتستمع إليهم وتركت منزلها الدافئ وكوب الكاكاو اللذيذة الخاص بها وغرفتها الجميل أوه أنا حقًا أغبي فتاة على هذا الكوكب اللعين لأنني أتيت.
ماذا أعتقد أنني سأسخر مِن "چيسكا" لأنها لم تستطيع فعل هذا التحدي الغبي هي تعلم أنها ترهات لهذا لم نبصر أحد فعله مِن قبل إلا أنا وهؤلاء الأغبياء رفاقي و….
تيبثت اقدامها محلها وهي تشهق بصوت مرتفع ترى أمامها أقدام شخص مخيفة وهي تنحي تمسك القلادة بين اناملها استقامت بتردد ترفع رأسها بينما مقلتيها تتحركان بهستيريه تُريد الصراخ والركض ولكنها لا تستطيع.
تتنفس بعنف وهي ترى يقترب بجسده العمالق والمليء بالفرو الاسود، وعينيه الحمراء كالدماء تثير القشعريرة داخلها.
ابتلعت لعابها بيأس وهي تنظر إلى خصلاته النارية المجعدة، والندوب تمليء زراعيه ووجه، تصارع للحارك ولكن لا تستطيع الحراك مطلقًا هل أصاب جسده بشلل؟
هزة رأسها برعبًا وهي تجد هذا الشيء الملتحف بالأسود يتقدم إليها، ضربة قلبها تنطلق في سباق لا متناهية تضرب بعنف.
هل يعلم أنهُ لن يدق مجددًا في هذا الجسد!، أخيرًا انطلقت صرخاتها بصوت مرتفع وهي تشعر بأظافر حادة تنغرز في صدرها كالخنجر مدببة تنهش جسدها دون شفقة.
سقطات على الأرض بعنف وهي تُجاهد لالتقاط أنفاسها المسلوبة لتجده ينحي أكثر يمسك برقبتها يضغط عليها بقوة يفصلها مِن محلها بعد صراع كبير قدتها هي لتفلت منه وتظل على قيد الحياة ولكن.
غادرت الحياة دون محاربة؛ تركَ الوحش المجهول رأسها يتدحرج إلى جسدها ليتوقف جوارها، والدماء تتساقط من رقبتها وصدرها حيث الشقّ، تشعر بألمٍ ينهش جسدها ولا تستطيع فعل شيء.
انتهت "أوچِسيكا" إلى الأبد؛ سقطَت دمعة شاردة من مقلتيها للمرة الأخيرة.
فتاةٌ لطيفة غادرت الحياة البشعة بكل بشاعة جاءت من أجل خوض مغامرةٍ رائعة بعض المتعة لتصبح هي وجبةً لذيذةٍ للأموات وبعض الحيوانات التي تلتهم جسدها بتلذذ.
يرى المجهول ما يحدث في جثة الفتاة ببسمةٍ مختلة قبل أن تختلف هيئة المرعب ليأخذ هيئة "أوچِسيكا"؛ يشبهها كثيرًا، وتلك البسمة تتزايد بقوة لتصبح ضحكاتٍ مخيفة، يضغط على قلبها القابع بين يديه قبل أن يتلاشى جسده في الهواء ليضحي رمادًا يمتزج بكل خفةٍ مع ذرة الهواء.
"لحظةٌ صغيرة قد تكون هي النقطة الفاصلة لتظل على قيد الحياة."
•••
بينما في ذات الوقت، في مكانٍ آخر نجد "ڤيڤان" يقف وحيدًا بجوار الدائرة بعدما ذهب "چيك" ليحضر الكاميرا وتركه "سانمار" ليجلس في السيارة ينتظرهم.
يتأفف بمللٍ كبير وهو ينظر إلى ساعة يده الفضية التي تشير إلى الثالثة والنصف؛ إنهم هنا منذ نصف ساعة ولكن مهلاً كيف؟ حين أتى إلى هنا كانت الثالثة والنصف أيضًا! كيف لم يمضِ الوقت؟ يشعر أنه هنا منذ ما يقرب ساعة كاملة؛ هناك شيءٌ خطأ، أجل.
همسٌ يخبر ذاته باستغرابٍ يلهو فوق وجهه.
رفع رأسه من النظر إلى الساعة، يشعر بأنفاسِ شخصٍ خلفه.
التفت للوراء بسرعة وزفر أنفاسه بهدوءٍ كبير؛ يجد "أوچِسيكا" هي من تقف خلفه، تذمر وهو يخبره بضيق:
_أنظري ها أنتِ أتيت، وذلك الأحمق چيك لم يأتِ بعد؛ ماذا يفعل كل هذا يأتي بالكاميرا فقط أم يحارب عند الحدود؟ ما بكِ أوچِسيكا؟ أنتِ بخير؟
الصمت هو من أجاب على تساؤلاته.
يبصرها تتقدم إليه ببسمةٍ مخيفة.
ابتلع لعابه بتردد وقطرة عرقٍ تسقط على جبينه دون أن يعلم كيف حدثت.
كل ما يبصره هو اقتراب "أوچِسيكا" الخطير منه وهي تمسك خنجرًا مدببًا بين يديها.
صرخ بهلع، يسقط داخل أحد القبور ليجد جسده يُسحب بقوةٍ كبيرة إلى الأسفل، ومئات الخناجر تقطع جسده.
صرخ بهلع وهو يُحارب للفرار من أسفل القبر الذي يغوص به.
الدماء فقط هي من تقذف للخارج، دماؤه ترتفع مثل نافورةٍ لتسقط داخل الدائرة بعشوائية، أدى ذلك إلى توهج الدائرة بضوءٍ أحمر ناري يليه صوت ضحكات الشخص المجهول.
يغير هيئة من هيئة"أوچِسيكا" وعد إلى هيئة المرعب ذو المقلتين الحمراوين وأسنانه السوداء المتساقطة منه دماءٌ من ارتشاف دماء "أوچِسيكا" وتناول قلبها.
رفع يديه المشوهتين، بنظرةٍ مبتسمةٍ مختلة تجاه مكان وجود "سانمار"، ثم اختفى في الهواء يتصاعد رماده الأسود للأعلى يمتزج مع الهواء ليصبح شيئًا واحدًا.
•••
أمام السيارة حيث يستند "سانمار" بجسدٍ عليها وهو يصارع لالتقاط أنفاسه بضعف، يهمس بصوتٍ ضعيف:
_الجميع محقون، أنا ضعيف، لا أستطيع حمل جسدي كيف يمكنني أن أكون شجاعًا؟ كأنني أطالب دوران الأرض بالعكس.
أخذ يسبه ذاته وهو يرطم رأسه بالسيارة خلفه بنهيار:
_غبي سانمار أنت حقًا غبي، تستحق كره والدك لك، تستحق كل ما هو سيء.
صمت، جلس على الأرض يبكي بعنف وهو يتمتم، رأسه تتحرك بهستيرية مؤلمة:
_ لم أعد أستطيع تحمل، أعلم أنني ضعيف، ولكن لدي قلبٌ يريد أن يخبرني أنه له أهمية.
رافع رأسه ينظر إلى السحب يسير بلا توقف وأمطار دموعه لا تتوقف عن التساقط:
_قلب يريد أن يشفّق عليه أحد ويحبّه أوه سانمار، أنت حقًا مثير للشفقة، أنت في حالة يرثى لها
ابتلع لعابه يهمس بنبرة منهزمة كمحارب فقد عائلته وكل ما يملك في الحرب:
_ أتمنى فقط أن أموت.
ضعفٍ كبيرٍ والألم يضرب قلبه دون رحمة، ودموعه تتسابق للسقوط على وجنتيه بلا شفقة.
شهقاته ترتفع بلا وعي في سكون الليل الحالك.
توقف عن الانهيار وهو يشعر بيدي شخصٍ توضع على رأسه برفق؛ رفع رأسه بترددٍ للأعلى ثانيةً فقط وارتفعت صوت صراخه يقتحم سكون الليل.
انتفضت الطيور على أثره وهم يحلقون في السماء بفزع ويطلقون أصواتًا تشبه البكاء.
يبصرون بأعينهم الصغيرة ما حدث في جسد الفتى الذي يحلق في الهواء وارتطم بعنف بالأرض ليعيد الكرة مرارًا وتكرارًا قبل أن يجعله يفقد حياته، ثم انحنَى وأخذ يعبث بجسده دون اهتمام، ثم أخذ ما يريد.
القلب الثمين وترك جثة "سانمار" تمتم بهمس قبل أن يختفي في الهواء اقتحم المكان فجأةً ورحل فجأةً.
••••
_من هذا الشخص الذي يظهر في الكاميرا خلفنا؟ لم لا يظهر وجهه؟ يرتدي رداءً أسود يخفي جسده ووجهه بالكامل.
زم شفته بشرود وهو يسير إلى الأمام ببطء تنهد بنعاس:
_ أوه لا يهم چيك، كل هذا بلا فائدة، سأعود للمنزل وأشاهد فيلمًا مخيفًا رائعًا أفضل بكثير من هذا العبث.
غمغم "چيك" وهو يحمل الكاميرا بين يديه يسير بها بلا مبالاةٍ، لا حتى بالضجيج الذي يضرب رأسه منذ دخوله المقبرة.
زفر بضيق وهو يشعر بألمٍ كبيرٍ ينبعث من قلبه الذي كلما دقّ يتألم كثيرًا. أدار رأسه بسرعة فائقة وهو يستمع إلى همس جواره:
_ماذا بك چيك؟ لا يوجد شيء هنا، ولكنني سمعت همسًا من خلفي يقول اهرب! مِن أين جاء هذا الصوت... وصوت مَن؟
تنفَّس ببطء كبيرٍ وهو يبلل شفتيه الجفتين من برودة الأجواء، يسير إلى مكان تواجدهم لعلّه يجدهم بانتظاره هناك.
توقفت قدماه عن السير بصدمة؛ أبصر رأس "أوچِسيكا" جواره، جسدها يلتهم بعض الحيوانات المفترسة التي لا يعلم كيف أتت إلى هنا.
ركض نحوها يبعدهم عنها وهو ينظر إليها بعدم تصديق.
هز رأسه بذهول، حبس أنفاسه؛ هل ما أمامه حقيقي حقًا؟ هل هذه جثة صديقته "أوچِسيكا"؟ لا، لا يمكن.
هل هذه خدعة؟ سيأتي الجميع ويقولون إنهم فعلوا بها مقلبًا.
هذه خدعة، رفيقتي لم تصبح جثةً لا.
نهض مغادرًا إلى السيارة؛ لا يصدق ما رأى منذ قليل.
يسير بخطواتٍ راكضة إلى السيارة ليتوقف فجأةً؛ يبصر جسد "سانمار" ممزقًا إلى أشلاء أمام السيارة.
فقد أنفاسه، لم يعد يعلم كيف يأخذه.
سقط على ركبتيه بصدمةٍ شلّت عقله كليًا، يهز بصوتٍ مسموعٍ وعيناه تنظران بلا وعي إلى الفراغ:
_خدعة كبيرة! ليس حقيقيًا! أصدقاؤك بخير، لن يتركوك؛ كل شيء بخير، چيك، كل شيء بخير!
صراخٌ قوي يصم الآذان؛ يضرب رأسه بالسيارة بعنفٍ لا يبالي بدماء المتساقط من جبهته وهو يتذكر مشهد جثث أصدقائه الثلاثة أمامه لا يغادر رأسه وكأنه فيلم يعرض على شاشة كبيرة دون توقف.
ضربةٌ تليها أخرى وأخرى سقط جسد "چيك" على الأرض ورأسه تصطدم بحجر ضخم من الخلف.
الدماء تتساقط من جبينه؛ قبع جسد الفتى الذي لم يكمل الحادي والعشرين بعد أسفله تقبع بركة دماء.
دماؤه الثمينة تسير ببطءٍ نحو أقدام الشخص المجهول الذي عادة ما يقول بطرف لسانه البارد:
_لقد أخطأت يا صغير حين وضعت قدميك داخل أرضي بكل وقاحة؛ فلا تحزن كثيرًا لأنك ستصبح وجبةً لذيذةٍ للأموات.
اقترب إلى الأمام بسرعةٍ مخيفة ثم أسود كل شيء.
يلي كلمة "النهاية" تُكتب بخطوطٍ ضخمة أعلى شاشة الحاسوب.
اقترابه أفزع الفتاة التي كانت تجلس تشاهد كل هذا؛ أغلقت الحاسوب بقوةٍ ونهضت بفزعٍ من على الأريكة الصغيرة، تبتلع لعابها بخوفٍ يتسلل إلى جسدها، أنفاسها تضرب الهواء بتضاربٍ.
_أنا غبية لأشاهد فيلمًا مخيفًا في ليلة الهالووين، أنا حقًا أكثر فتاة غبية وفضولية على وجه الأرض.
ضربة رأسها بيديها برفق، تعبث بخصلاتها المشعثة، وأنفاسها تجاهد لطقتها من معركة نهرها لذاتها:
_لأني أحضرت كارت الذاكرة من جوار مقبرة جرين وود لأكتشف ماذا به وأرضي فضولي الغبي... ولكن مهلاً؟
صمتت وتوقفت عن الهذيان بحديثٍ غير متناسق، عقدت حاجبيها بتساؤلٍ وحكت في خصلاتها البنية القصيرة المشعثة:
_لقد قتل ذلك المجهول الجميع في الفيلم، وأيضًا ليلة الهالووين داخل مقبرة جرين وود... وفي هذا الوقت.
ابتلعت لعابها الجاف بتروي وهي تحدق في جميع جهات الغرفة بتوتر وعينيها تكاد تخرج من وجهها:
_يا ويلك يا چيني يا ويلي! اللعنة، أنا خائفة بل أموت رعبًا. هل ما حدث حقيقي؟ كيف سأخلد إلى النوم الآن؟
توقفت عن الهذيان حين شعرت بأنفاس أحدٍ ما تضرب ظهرها.
حبست أنفاسها بهلع، وأدارت رأسها للخلف بتردد.
أطلقت شهقةً أخيرة وهي تبصر ذلك القاتل المجهول في الفيلم أمامها الآن.
صرخت وهي تشعر بجسدها يحلق في الهواء بعد أن حاولت الركض؛ اسقطها للأسفل حيث الكثير والكثير من الخناجر أسفلها التي لا تعلم من أين أتت لتسقط فوقها.
كل خنجرٍ منهم يقسم جسدها بقوة.
زهقت روحها وغادرت جسدها لتصعد إلى عالمٍ آخر بعد الكثير من الصراع في سبيل البقاء على قيد الحياة.
توقف هذا الوحش أمام النافذة، يبصر الخارج المظلم كظلام جسده، يهمس بكل تلذٍّ حقير يخرج من بين شفتيه الباردتين:
_أنا أدعي ويدي، لن أرحل دون أن أعاقبك وأرسلك إلى الجحيم، تلك اللعبة بدأتني أنا بدافع الفضول.
ضم قبضته وضرب حافة النافذة بكل قوته وضوء القمر يلمع في حديقته الدامية:
_وأنا من سيكتب النهاية بيدي هاتين، تجرأت ووضعت قدميك القذرة داخل أرضي إذًا لا بأس يا عزيزي.
ابتسم بسمة مختلة، ووجهه الشاحب يصفع من ذرات الهواء، تنهد يميل رأسه لليسار يتمتم بكلمات تذيب عظام الاموات وتسلب أنفاس الأحياء:
_وهذه لعبة ولن يستطيع أحد معاقبتي إن لهوت بك قليلًا قبل أن أقتلك.
ضحك بصوت مرتفع وهو يرفع زراعيه يستقبل الهواء في عناق قبل أن يختفي مع أول ضربة صاعقة من السماء:
_فكما تعلم... لا يستطيع أحد معاقبة الموتى.
"لعبة وضعتَ ذاتك بها دون ترددٍ لينتهي بك المطاف وجبةً شهيةً لبعض الأموات، لتصبح أنت ورفقك لعبةً بين يدي الأموات."
تمت بحمد الله
إلهام صبحي الدالي هلايا