صدي الحقيقة

صدي الحقيقة

16 0

لم أكن أظنّ أبدًا أنني سأموت على هذا العرش الملكي المترف، لكنني علمت منذ زمن بعيد أن نهايتي لن تأتي من ساحة حرب محتدمة، ولا من خنجر غادرٍ يطعنني خائن.

لقد علمت يقينًا أنها ستأتي من الصمت المُطبق.

ذلك الصمت الرهيب الذي لا يُسمع بالأذن، لكنّه يُحسّ ويُتغلغل في الروح كالبرد القارس في أعماق العظام.

صمتٌ يشبه الخطوة الأولى في ممرٍ مظلم وغامض، لا يعرفه حقّ المعرفة إلا من عاش في غياهب الظلّ طويلاً.

كنت جالسًا في قاعة العرش العظيمة كالعادة، أستمع إلى وزرائي يتجادلون في أمور لا يفقهونها إلا قليلاً، وأبتسم وكأنني أصدق ما يقولون.

العرش الفاخر تحتّي كان يئنّ بصوت خافت، لا من ثقل جسدي المتعب، بل من ثقل السنين التي مضت.

كل شيء حولي يتآكل وينهار شيئًا فشيئًا الجدران، والولاء، وحتى جوهر معنى الكلمات.

وفي ذلك اليوم، لم يكن في جدول الأعمال شيء غير عادي أو لافت للنظر.

لكنني شعرت بحركة خفيفة في الهواء، كأن نسمة باردة دخلت من فجوة لا تُرى بالعين، وكأن الضوء تغيرّ من غير أن تغيب الشمس عن الأفق.

ثم دخل.

لم يكن من الحرس المكلف بحماية القصر، ولم يكن اسمه مُدرجًا في سجلّ زوار ذلك اليوم.

دخل من ممرّ قديم ومنسي، لا يعرف مكانه إلا من حفظ تفاصيل القصر بأكملها من الخارج والداخل، وحتى من تحت الأرض المهملة.

كان فتى نحيلاً، شاحب الوجه، عيناه رماديتان لكنهما لم تكونا بائستين أو يائستين.

كانتا تلمعان كجمرة تحت الرماد، تختبئ فيهما نار خفية.

وقف في منتصف القاعة بشموخ، لا يتكلم، لا ينحني، لا يطلب شيئاً على الإطلاق.

لكن حضوره كان كافياً ليصمت الجميع في هيبة.

نظرت إليه مليًا، فشعرت بشيء لم أعرفه من قبل قط.

لم يكن خوفاً ولا غضباً، بل أشبه باعتراف داخلي .

كأنني أرى في عينيه نهايةً كنت أعرفها لكنني أتهرب منها وأرفض مواجهتها.

اقترب خطوة واحدة بهدوء وثبات، ثم قال بصوت هادئ:

"أنا لم آتِ لأطلب مالًا أو جاهًا... جئت لأُسمَع كيف تحكمون، و كيف تكونون أنتم بهذه الحالة من الرفاهية والرغد، بينما الشعب يتألم ويعاني من القسوة."

سكتُ.

وكان سكوتي أعلى صوتًا من كل خطب الوزراء الرنانة.

همس أحدهم في أذني بارتياب:

"مولاي، هذا مجرد ولد من العامة... ألا نطرده من هنا حالًا؟"

أجبته دون أن ألتفت إليه:

"دعوه... إنه لم يأتِ ليتسول طلباً للمال، بل جاء ليعلم كيف تدار الأمور و لكي يُسمع صوته المدوّي."

ثم نظرت إليه وقلت بلطف:

"ما اسمك يا فتى؟"

فأجاب دون تردد أو وجل:

"كيران."

اسم بسيط وعادي، لكنه خرج من فمه وكأنه إعلان لحرب ما وشيكة علي الوقوع.

كان واقفاً بثبات لا يتزعزع، لا يرمش له جفن، لا يتراجع قيد أنملة، كأن الأرض تحته ملكه وإن لم يعلن ذلك بشكل صريح.

الوزراء بدأوا يتململون في مقاعدهم، وقال أحدهم وهو يضرب الأرض بعصاه المذهبة:

"وماذا يعني أن يأتي ليُسمَع؟ هذه قاعة حكم، ليست ساحة خطاب ومزايدة!"

ردّ كيران دون أن يرفع صوته أو يزيده حدّة:

"المجالس التي لا تسمع أنين الشعب... تسقط دون أن يحتاج أحد إلى دفعها أو إسقاطها."

سكت الوزير، لكن عينيه كانتا تمتلأن بالغضب المكبوت.

أما أنا، فكنت أراقب دون أن أتدخل بأي شكل.

كنت أريد أن أعرف: أهذا الفتى مغرور بظنه أم أنه شيء آخر أكثر خطورة؟

ثم قال كيران، وهو ينظر إليّ مباشرة في عيني:

"لم آتِ لأقول ما أريد أو اتذلل لكم طمعًا بفتات... بل جئت لأقول ما فعلتموه بشعبكم المظلوم."

انفجر أحدهم ضاحكاً بصوت عالٍ ومستهزئ:

"لقد بنينا مملكة عظيمة يا بني، لا طبق عدس كما تأكله في بيتك المتواضع!"

لم يضحك كيران ولم يغضب، فقط قال بحكمة:

"المملكة التي تُبنى على الجوع والحرمان... تنهار بأول رغيف يُسرق من يد جائع."

سكت الجميع صمتًا مطبقًا.

شعرت بشيء يتحرك في صدري، كأن القلب تذكر أنه حي وينبض.

كان كيران واقفاً بثبات، كأن الأرض تحته لا تهتز أبدًا، والزمن حوله ينتظر أن ينطق بكلماته التالية.

الوزراء ينظرون إليه في حيرة واستغراب شديد، بعضهم يهمس في أذن صاحبه والبعض الآخر يختنق غضباً، لكن لا أحد يجرؤ على مقاطعته في حديثه.

قال أحدهم بصوت مرتفع وآمر:

"أترى نفسك أذكى منا؟ أتأتي لتقول إننا مخطئون في أحكامنا؟"

أجاب كيران بنزاهة:

"لم آتِ لأقول إنكم مخطئون... جئت لأذكركم بأنكم نسيتم استماع لوعة وألم أنين المتألمين من شعبكم."

ردّ وزير آخر وهو يضرب الطاولة بعنف وغضب:

"هؤلاء الناس لا يفقهون شيئاً في الحكم والسياسة! نحن نحكمهم لحمايتهم ورعاية مصالحهم!"

نظر إليه كيران وقال بهدوء وثقة:

"الذي يحمي دون أن يسمع صوت المستضعفين... يكسر من يحميهم دون أن يشعر أو يدري."

احمرّ وجه الوزير وكأن الكلمات ضربته في مقتل وأصابت قلبه.

أما أنا، فاستمررت في المراقبة بصمت تام.

ولأول مرة منذ جلوسي على العرش، شعرت أنني لا أملك القاعة بمفردي، بل أن القاعة تملكني وتحتويني.

ثم اقترب كيران خطوة أخرى، وقال لي مباشرة بصراحة:

"لم آتِ لأخذ مكانك يا مولاي... لكن جئتك فقط لأقول لك أن هذا المكان يحتاج إلى التغيير الجذري، قبل أن ينهار بنا جميعًا."

سألته بصوت حاولت الحفاظ على ثباته ورباطة جأشه:

"وترى نفسك ماذا؟ قائداً جديدًا؟ مصلحاً اجتماعيًا؟ أم مجرد فتى يحلم بالتغيير؟"

ابتسم وقال:

"أرى نفسي صوتاً للحقيقة... إذا سُمع، قد يغير أشياء كثيرة وكبيرة."

ثم أضاف وهو ينظر إلى الوزراء بنظرة فاحصة:

"أما إذا أُسكت قهراً... فسأصبح مثلكم، أتكلم مع نفسي، وأصدق صوتي وحدي، لكنني لا أغيّر شيئاً في الواقع."

ساد الصمت القاعة صمتًا يبعث على التفكير.

حتى الحراس على الأطراف بدأوا ينظرون إليه وكأنهم يسمعون الكلام الصادق لأول مرة.

كنت أنظر إليه وأرى شبح نفسي في صغري، لكن بوجه لم أعرفه قط من قبل.

كان في عينيه شيء لا يشبه الطموح ولا الغضب...

كان يشبه جوهر الحقيقة.

شعرت أن العرش تحتّي لم يعد ثابتاً وآمنًا، كأن الأرض تراجعت عن ولائها لي بفعل كلماته.

الوزراء حولي يتململون، يهمسون، ينظرون إليه بخوفٍ يخفي الاحتقار والاستصغار.

أما أنا، فكنت ساكناً ظاهريًا... لكن داخلي كان يعجّ بالضوضاء والتساؤلات العميقة.

قلت له وأنا أحاول استعادة نبرة الحكم القديمة:

"أتظن أنك أول من يدخل هذه القاعة ويتكلم بجرأة؟ كثيرون قبلك جاءوا وتحدثوا، ثم غادروا دون أن يذكرهم أحد من بعدهم."

ردّ كيران دون أن يرمش مستسلمًا:

"لا أريد أن يذكرني أحد بالاسم... أريد أن يسمعني أحد، حتى لو نسي اسمي تماما."

كلماته كانت تتوالى كطرقات على جدار في صدري، ظننت أنه لا يهدم أبدًا.

تذكرت نفسي شاباً مغامرًا، حين دخلت القصر أول مرة، حين ظننت أن الحكم هو القوة الجبروتية، وأن الصوت العالي هو الهيبة والوقار.

لكنني الآن، أمام هذا الفتى، شعرت أن الهيبة لا تأتي من الصراخ المتعجرف، بل من الصمت الذي يعرف متى يتكلم بالحق.

قال لي أحد الوزراء وهو يقترب بحذر:

"مولاي، هذا الفتى خطر مُحدق... يجب إخراجه قبل أن يصدقه الناس ويؤمنون بأفكاره."

نظرت إليه ثم إلى كيران وقلت:

"الخطر ليس فيمن يتكلم بصدق... الخطر فيمن يجبر الناس على الصمت ليسمع صوته وحده المستبد."

ثم سكتّ، وشعرت أنني تخلّيت عن جزء من سلطتي الراسخة، دون إجبار من أحد.

انفجر أحد الوزراء وهو يضرب الطاولة بقبضته الغاضبة:

"يكفي! هذا الفتى يتكلم وكأنه يمسك بزمام المملكة! أيها الحراس، أخرجوه الآن فورًا!"

تحرك الحراس بتردد وإبطاء، كأنهم لا يعرفون إن كانوا ينفذون أمراً ملكياً صارمًا أم يطردون فكرة لا تُطرد من العقول.

لم يقاوم كيران، لم يصرخ، فقط نظر إليهم ثم إلى الوزراء وقال بصوت هادئ وقوي اخترق القاعة بوضوح:

"سأمشي... لكن حين تعودون إلى مراياكم، وتجدون أنفسكم تتدهورون، تذكروا أنكم طردتم من كان يمكنه أن ينقذكم."

ثم التفت ومشى بخطوات ثابتة وواثقة، كأن الأرض تفسح له الطريق بإجلال.

سكتت القاعة صمتًا مهيبًا.

حتى الوزير الذي أمر بإخراجه جلس وكأنه فقد شيئاً لا يعرف اسمه أو قيمته.

في تلك اللحظة، شعرت أن شيئاً في داخلي انكسر وتهشم.

لم يكن كبريائي المعتاد، بل يقيني.

يقيني أنني ما زلت أملك زمام الأمور بيدي.

نظرت إلى العرش، فشعرت أنه لم يعد ملكي وحدي.

كأن كيران، بكلماته العميقة، سحب منه الهيبة، وتركه مجرد كرسي ثقيل ومستهلك.

وقفت من مكاني ببطء وإرهاق، وخرجت من القاعة دون كلمة واحدة.

دخلت غرفتي، أغلقت الباب بإحكام، وجلست أمام المرآة.

نظرت إلى وجهي، فوجدت رجلاً لا يعرف كيف يواجه الحقيقة المُرة.

رجلاً يخاف من فتى قال جملة واحدة، لكنها كانت كافية لفتح أبواب منسية كنت قد أغلقتها منذ سنوات طويلة.

خرج كيران من القاعة، لكن صوته بقي في رأسي يتردد.

كلمته الأخيرة كانت كطعنة لا تنزف دماً، لكنها تنزف يقيناً واستقرارًا.

جلست وحيداً في الغرفة، أبحث عن وجهي الذي أعرفه، فلم أجده كما عهدته.

رأيت رجلاً شاحباً، عيناه بلا بريق أو حيوية، وملامحه بلا هيبة أو وقار.

رأيت ملكاً، نعم، لكن ليس كما كنت أظن نفسي.

رأيت رجلاً يخاف من فتى قال جملة واحدة، لكنها كانت كافية لهدم جدار كنت أبنيعه بجهد منذ سنوات.

قلت لنفسي بصوت خافت ومتردد:

"أحقاً أصبحت خائفاً؟ خائفاً من فتى صغير؟ خائفاً من كلمة عابرة؟"

لكن الصوت في داخلي ردّ بلا رحمة ولا شفقة:

"لست تخافه... بل تخاف أن يكون على حق وصواب."

وقفت وأخذت أتمشى في الغرفة كأنني أهرب من أفكاري المؤرقة.

كل خطوة كانت ثقيلة، كأن الأرض ترفعني بصعوبة.

تذكرت أول يوم جلست فيه على العرش، حين قال لي أبي بفخر:

"الملك الذي لا يسمع شعبه، يحكم أناساً لا يتكلمون... وحين يسكت الناس، تموت المملكة وتندثر."

ضحكت وقتها، ظننتها حكمة عجوز خرف.

أما الآن؟ أصبحت لعنة تطاردني.

جلست في غرفتي والباب مغلق، كأنني أخشى أن يراني أحد على هذه الحالة المزرية.

العرش الذي ظننته حصناً منيعًا، أصبح عبئاً على صدري حتى وأنا بعيد عنه.

كيران لم يأخذ شيئاً بيده، لكنه سحب مني يقيناً ظننت أنه لا يمس أبدًا.

نظرت في المرآة، فرأيت وجهاً لا يشبه وجوه الملوك الأقوياء.

وجهاً فيه تعب عميق، وفيه خوف داخلي، وفيه سؤال لا أعرف كيف أجيب عليه بالإطلاق.

ثم (Then) فتحت صندوقاً قديماً، فيه أوراقي الأولى، أحلامي، رسائلي إلى نفسي في الماضي.

وجدت ورقة مكتوباً عليها بخط مرتجف:

"أريد أن أصبح ملكاً لكي أشعر الناس بالأمان والطمأنينة."

قرأت الجملة، ثم طويت الورقة، كأنني لا أستحقها ولا أليق بها.

كيران لم يطلب العرش، لكنه أخذ شيئاً منه بجدارة.

أخذ الصوت، الهيبة، الحضور القوي.

وأنا؟ بقيت على الكرسي، لكن بلا وزن أو قيمة حقيقية.

في تلك الليلة، لم أنم إطلاقًا.

كنت أسمع صوته في رأسي، وأرى عينيه في المرآة.

كنت أراجع كل قرار اتخذته، كل قانون وقعته، وأسأل نفسي:

"هل كنت أحكم بالعدل؟ أم كنت أكمم الأفواه قسراً؟"

وفي لحظة ضعف وإحساس بالعجز، تمنيت لو كنت أنا من قال تلك الكلمات.

تمنيت لو كنت أنا من دخل القاعة من ممر قديم، وقلت:

"لم آتِ لأطلب... جئت لأُسمَع."

لكني لم أفعل.

لأنني لم أملك الشجاعة الكافية.

ولأنني، رغم كل شيء، كنت أخاف الحقيقة الساطعة.

في الصباح، خرجت من غرفتي ولم أذهب إلى القاعة المعتادة.

جلست في الحديقة الخلفية، حيث لا يأتي أحد لإزعاجي.

جلست على حجر قديم متآكل، وقلت لنفسي:

"إذا عاد هذا الفتى... لن أمنعه... فأنا مريض بالشك والريبة في كل حال، والمرض سيتغلب عليّ في أي وقت قريب."

ثم سكتّ، وابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت حقيقية وصادقة.

لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أنني لا أحتاج إلى أن أكون ملكاً...

يكفيني أن أكون إنساناً يسمع بقلبه وعقله.

في السوق

لورا:

"يا بنات، أنا جالسة هنا منذ الصباح الباكر، وما زلت لم أرَ أحداً يضحك من قلبه المسرور... الجميع يضحك وكأنه يعتذر عن ضحكته."

كريما:

"وهل بقي لأحد قلب يضحك؟ أنا أصبحت أضحك لكي لا أبكي أمام ابنتي الصغيرة."

ميار:

"قال لي زوجي البارحة: يا ميار، إذا ارتفع سعر الحليب مرة أخرى، سنشرب ماءً ونقول يا رب. فقلت له: ليت الماء يكون نقياً وصالحًا للشرب على الأقل!"

لورا:

"ابنتي سألتني: ماما، ما شكل اللحمة؟ فقلت لها: مثل الصورة على العلبة، لكن بدون رائحة أو مذاق!"

كريما:

"أنت روحك مرحة، لكن جيبك خفيف أكثر... وأنا معك في الاثنين الخفة والمرح!"

ميار:

"لكن أقول لكم... هل سمعتم عن الولد الذي دخل القصر الملكي؟ أقصد كيران؟"

لورا:

"نعم يا أختي، ذلك الذي قال للملك: الذي لا يسمع الناس، يحكم نفسه في النهاية فقط."

كريما:

"إذا رأيته، سأقول له: يا بني، لسنا نريد ملكاً متسلطًا... نريد من يتذكر أننا ما زلنا نعيش، لا نقتل الوقت ببطء وقهر."

ميار:

"أتمنى أن يسمعنا أحد ونحن جالسات هكذا، بدون مكبر صوت، بدون منصة تخاطب... يسمعنا ونحن نعيش اليوم، لا نمرره فحسب."

خرج كيران من القاعة، والهواء حوله لم يعد كما كان عليه سابقًا.

كأن الجدران تنظر إليه، وكأن الأرض تحفظ خطواته بدقة.

لم يكن منتصراً، ولم يكن مهزوماً... كان صادقاً وجريئًا، وهذا وحده كافٍ لهز أركان المملكة.

وقف نيرون في نهاية الممر ينتظره، وعيناه تبحثان في وجهه عن إجابة شافية.

قال نيرون وهو يمد له كوب ماء:

"تبدو كمن خرج من معركة قاسية، لكن بدون سيف في يده."

رد كيران وهو يأخذ الكوب:

"لم أدخل لأقاتل بحد السيف... دخلت لأقول ما لم يجرؤ أحد على قوله من قبلي."

سكت نيرون لحظة، ثم قال:

"لكنك قلت الكثير... ومن سمعك ليسوا بأناس عاديين، بل هم الحكام بأنفسهم."

ابتسم كيران ابتسامة عابرة وقال:

"الحكام؟ هم من يتركون الناس تتألم وتقول الحمد لله في صبر."

ثم نظر إلى السماء وقال:

"لا أريد أن أكون صوتاً عالياً بالصراخ... أريد أن أكون صوتاً واضحاً بالحكمة."

تحركا معاً في الممر، خطواتهما بطيئة لكن ثابتة ومقصودة.

كان القصر خلفهما، والسوق أمامهما، كأنهما ينتقلان من عالم إلى آخر مختلف تمامًا.

قال نيرون وهو ينظر إلى بوابة السوق:

"هل ستنزل إلى الناس في الشارع؟"

رد كيران دون تردد:

"لم أخرج من عندهم لأتركهم وحدهم... سأعود لأسمعهم أكثر بعمق."

ثم أضاف وهو يضع يده على قلبه:

"من يريد أن يغير كل شيء، يجب أن يسمع الألم قبل أن يتكلم عن الحل والعلاج."

سكت نيرون، ثم قال:

" لكنك الآن لم تعد مجرد فتى... لقد أصبحت شيئاً سيتعلق به الناس بالأمل، أو سيخافونه بالريبة."

رد كيران وهو ينظر إلى السوق:

"لا أريدهم أن يتعلقوا بي... أريدهم أن يتعلقوا بفكرتهم عن أنفسهم وبقوتهم الداخلية."

ثم وقف عند أول درجات السوق وقال:

"هيا نسمعهم... قبل أن يعتادوا على الصمت مرة أخرى ويضيع صوتهم."

ثم دخل كيران إلى وسط السوق.

لم يكن يحمل سيفاً، ولا راية، ولا حتى نظرة تحدٍ مباشرة.

كان يمشي بخطوات هادئة، كأن الأرض تعرفه، وكأن الناس تشعر به قبل أن تراه بعيونها.

النساء على المصطبة سكتن فجأة، كأن الدعابة توقفت، وكأن الكلام توقف في حلوقهن.

لورا:

"يا بنات، أليس هذا الذي دخل القصر؟"

كريما:

"نعم يا أختي، هذا الذي قال للملك: الذي لا يسمع، يكسر من يحكمهم دون أن يدري أو يشعر."

ميار:

"كنت أظنه سيتكلم كثيراً وبصخب... لكنه يتكلم قليلاً، وكل كلمة تؤلم في الصميم."

وقف كيران أمامهن، لم يقل شيئاً، لكن عينيه كانتا تسمعان أكثر من أذنيه المرهفتين.

رقيّة:

"ما الذي جئت لتقوله لنا بالضبط؟"

نظر إليها كيران وقال بهدوء:

"جئت لأسمعكم... إذا كان الكلام الذي تقولونه يستحق الرد، فهناك أمل مشرق."

لورا:

"نقول الكثير، لكن لا أحد يرد... حتى الطماطم أصبحت تتجاهلنا من غلاء ثمنها!"

ضحكن، لكن الضحكة كانت موجوعة ومليئة بالأسى.

كيران:

"لم آتِ لأضحككم... جئت لأجعل أصواتكم تصل، دون أن يمنعها أحد مستبد."

كريما:

"ماذا تعني بكلامك هذا؟"

كيران:

"سأجعل من في الأعلى يسمعكم دون أن تقولوا من أنتم ولا هويتكم... يسمعكم وكأنكم أنتم من تحكمون وتديرون شؤون البلاد."

سكتن، لكن النظرات بينهن كانت تتكلم بلغة صامتة.

كأنهن لأول مرة يشعرن أن الكلام الذي يقلنه على المصطبة يمكن أن يغير شيئاً، ولو بسيطاً جداً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عرش مملكة كلمندرا

المؤلف Malak Ahmad
2025/10/20 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة