سارقة الشباب

سارقة الشباب

15 0

سارقة الشباب

"هل تعلم أن القدر يلهو معك دون أن تعلم؟ القدر وحظك العاثر، عندما يتحالفان معًا، يجب عليك أن تحذر جيدًا، فالقادم أسوأ بكثير احترس كثيرًا يا عزيزي قبل أن تجد ذاتك تسقط في حفرة الظلام المميتة فلا أحد يستطيع توقّع المستقبل وما سيحدث معًا خلال دقائق إنه القدر المجهول، المعبق بالمخاطر، ينتظرك بكل تلذذ."

•••

داخل جوف الطريق المظلم، نجد سيارة سوداء تسير مسرعة بكل خفة، حيثُ تندمج مع الرياح في تحدٍّ قوي لنعلم مَن منهما أشد سرعة من الآخر، بينما السماء تعانق الظلام القارس بكل خجل منتصف الليل، صوت الهواء القوي يُحدث معزوفة رائعة تشعرك بقشعريرة تسري في ثائر جسدك دون إنذار.

تسلّل صوت الأشجار وهو يتمايل بكل براعة، لكي يتحالف مع الظلام ليُحدث مزيجًا لا تستطيع أذناك الفرار منه السماء تعصف بقوة كبيرة، بصوت يُزلزل هدوء ميلانو، بينما داخل السيارة نجد شابًا يقود بكل براعة، لا يهتم بخوف شقيقته القابعة جواره.

مقلتاه السوداوان تحدقان بتركيز شديد إلى الأمام، يُطالع الطريق أمامه بكل تحدٍّ في سباق وهمي لا أحد يعلم نهايته يُشدّد من الإمساك بعجلة القيادة، وهو يُزيح بيده الأخرى خصلاته البنية عن مقلتيه نستمع إلى صوت دقات عقارب ساعته الفضية تُشير إلى الواحدة منتصف الليل.

رفع عينيه ينظر من مرآة السيارة  إلى صديقه المقرّب "سليمان"، وابن عمه في ذات الوقت، يغفو بكل سكينة في الخلف بجوار شقيقته "رغد" الغافية هي الأخرى، دون أن يعيره اهتمامًا أبعد نظره عندما شعر بيد شقيقته "سيدار" تلتف حول ذراعيه، تهمس بخوف جوار أذنه، تلتصق به:

_أسير، متى سنصل إلى المنزل؟ أنا خائفة كثيرًا.

نبست بصوتٍ رقيق يغزوه الهلع، وثغرها المطلي بأحمر شفاه وردي اللون يرتعش، تهمس لذاتها بكل توتر بالغ يكاد ينهش قلبها:

اهدئي "سيدار"، ماذا بكِ؟ لِمَ هذا الهلع؟ شقيقك بجوارك، وأيضًا صديقتك "رغد" و"سليمان" هنا أيضًا، الجميع حولك تملّكي ذاتكِ يا فتاة لكي لا تبدين فتاة ضعيفة حسنًا، أنا فتاة قوية، قوية كثيرًا، ولكنني أشعر بشعور سيء…

أنا أخشى الظلام، لا أحبّه، أكرهه كثيرًا، يبدو مخيفًا… يشبه حفرة سوداء تبتلع كل شيء جوارها، سوف تبتلعني… اللعنة! أوه، هيا "سيدار"، توقفي... الجميع حولك، لا تهلعي هكذا يا فتاة، اهدئي، هيا... واحد، اثنان، ثلاثة...

وصلت العد إلى عشرة لكي تهدأ قليلًا، فهي تهدأ هكذا منذ الصغر ترتعب من الليل، تظل حبيسة المنزل عندما ترحل الشمس ويأتي القمر بكل غرور، وكأن الليلة هو نجم الحفلة استيقظت من شرودها على صوت شقيقها "أسير" يهزها برفقة  وصوته يصل إلى أذنيها بهمس لكي لا يستيقظ أحد في الخلف:

_هبيه سيدار، أين ذهبْتِ؟ اهدئي قليلًا يا فتاتي الجميلة، قد تبقى القليل فقط لنصل إلى المنزل... هدّئي من روعكِ.

صمت، وهو يضع يده الحرة يعبث بخصلات شعرها الأشقر المنسدل خلفها بكل دلال، وهو يهتف ومقلتاه تتسلل من على الطريق للنظر إلى أعماق مقلتيها الفيروزيتين، التي تشبهان مقلتي والدتهما كثيرًا، وبشرتها الحنطية التي تُذكّره بوالده، حيثُ شقيقته السارقة قد أخذت لون خصلات ومقلتي والدتها بكل براعة، وهو لم يأخذ شيئًا سوى لون بشرتها البيضاء فقط، بينما أخذ من والده الكثير من طبعه، وكأنه نسخة أخرى من والده الحنون.

_عزيزتي "سيدار"، لا تتركي الأفكار البشعة تعبث بعقلك… أنا هنا جوارك، لن أترككِ مطلقًا أقسم لكِ، إن تطلّب الأمر أن أفقد حياتي مقابل إنقاذكِ، سوف أقدّم حياتي بكل سعادة من أجلكِ، عزيزتي الصغيرة.

صمت، يخرج تنهيدة قوية من ثغره، وهو يبعد أنظاره عنها ويتجه إلى الطريق أمامه، بينما يده تسللت نحو يدها يمسك بها بكل رقة، يخشى عليها مثل قطعة زجاج قد تنكسر إن لم يحذر خلخل إصبعه بين إصبعها، وهناك بسمة صغيرة رُسمت على وجهه المليء بالنمش حول وجنتيه، يقول بصدق نابع من شخصيته الحنونة على الجميع:

_لا زلت أتذكر عندما كنتِ قطعة صغيرة بين يدي، أخشى عليها من الجميع.

صمت، يضحك بصوت خافت، وهو يدير رأسه نحوها، وعيناه تلمعان مثل نجمتين تشعّان في أفق السماء:

_أوه، أتذكر جيدًا حين حملتُكِ أول مرة بين يدي، ولم أدع أحدًا يحملْكِ غيري… اهتممت بكِ بكل حب، لا أدري ماذا حدث لي في ذلك الوقت، لا أدري حقًا شعرت بخفقان قلبي بقوة، أن تحمل قطعة صغيرة بين يديك، كان وكأنني أحمل ألماسة نادرة الوجود، أخشى عليها من ذرة الهواء.

صمت يبتلع لعابه وهو يرسم يسمة رائعة تحتل وجهه بكل حيوية:

_ رؤيتكِ تنضجين أمامي هو أسعد شعور شعرتُ به في حياتي، حتى أجمل من حفل تخرّجي من كلية الطب.

_أنا أحبك أخي، أنا أحبك كثيرًا، أسير، أنتَ لست أخي فقط، بل أنت والدي… أنا لا أستطيع أن أعلم ماذا سيحدث لي عندما ترحل إلى نيويورك… لا تذهب، رجاءً أخي، لا تتركني وحدي، أنا لا شيء دونك، أخي.

همست وعيناها تلمعان من حبس دموعها بين جفونها، لا تريدها أن تسقط هي تعلم أنها ضعيفة، وكثيرًا، همست إلى ذاتها دون وعي وهي تغرق داخل بحر الظلمات خاصتها.

أنا لا أريد أن أكون أنانية وأمنعه من المغادرة وتحقيق حُلمه ليصبح طبيبًا ماهرًا هناك، أنا فقط لا أريد أن يبتعد عني أنا ضعيفة دونه، لا أحد يعلم ما يحدث معي، دون أن أتفوه بشيء... غيره هو، هو منبع أسراري وأماني… لا أريد أن يرحل أماني ويتركني أواجه صعوبات الحياة القاسية وحدي، دون ملجأ أذهب إليه.

_مرحبًا "سيدار"! من كوكب زحل إلى "سيدار"! يا فتاة، أين تذهبين؟ أكاد أشك أنكِ تشردين في أشياء شريرة تفعليها بي! هل تخططين للتخلص مني أم ماذا، "سيدار"؟! أوه، يا ويلي، ستقتليني، أو تحرقيني، أو... لا، سوف تضعيني داخل الثلاجة؟! اعترفي، ماذا ستفعلين بي، يا شريرة؟

_أسير، بما تثرثر أنت؟ أنا... أجل، أريدكَ ألا تذهب و...

توقفت عن الحديث عندما لم يدعها "أسير" تكمل، وقال وهو يضع يده الحُرة على عنقه بخوفٍ مصطنع:

_لقد وقعتي بذاتكِ! ستقتليني؟! ماذا فعلتُ لأستحق هذا؟! تقتلين شقيقكِ الحبيب وتقطّعين أعضائي لكي تحصلي على هاتف جديد؟! أوه، يا ويلي، سوف تُباع أعضائي الحبيبة وتُقطّع أطرافي! تلك الجزّارة صاحبة المقلتين البريئتين تنظر إليَّ بكل براءة، وداخل عقلها الخبيث تخطط لقتلي دون شفقة! خسارة.

هز رأسه بحزن مصطنع وهو يرمقها بخذلان:

_لقد أضعتُ وقتي وأنا أبتاع لكِ الكثير من هدايا الفتيات الغبية، وأتيت بذلك الدب المحشُو لكِ كل هذا لم يشفع لي، لا زلتِ تريدين قتلي؟ لا أصدق!

صمتَ، يبتلع لعابه، يذم ثغرة بضيق وهو يرمقها بنظرات تحيلوها لقاع الجحيم، بينما خُصلاته تتساقط بدلال معه، وهو يكمل بصوتٍ محشرج أجاد تمثيله ليقنعها:

_أوه، قلبي الصغير لا يتحمل بشاعة الحديث أضعت وقتي الثمين في تحميمكِ وأنتِ صغيرة، حتى أنني سرقت نقود "سُليمان" لكي أشتري لكِ الدمية الصغيرة الراقصة التي تريدينها، تذكّري هذا... أنسيتِ ما فعلتُه؟! ولا زلتِ تريدين بيع أعضائي؟!

توقف عن الحديث وهو يشرد قليلًا قبل أن يهتف بنبرة مرتفعة دون وعي، أدت إلى إيقاظ مَن بالخلف، وهو يقول ببلاهة، يطالع بنظرات شقيقته التي لا تستوعب ما يتفوه به:

_أوه، انتظري دقيقة... إذا كنتِ لن تتراجعي عن أفكاركِ المُخيفة تلك، حسنًا، قومي ببيع أعضائي، ولكن... شرط نتقاسم النقود بيننا! اتفقنا أم لا؟!

أردف بغباءٍ مُصطنع وهو يدير رأسه عن الطريق، وينظر إليها، لعلهُ يتبين ماذا يدور في رأسها الكبيرة على حديثه، ولكن لا شيء... يبصر الصدمة تتراقص على وجهها، يراها تغلق مقلتيها وتفتحهما مجددًا، لعلّها استمعت لشيءٍ خاطئ في حديث شقيقها الأكبر.

انتفضت على صوت صفعة تلقّاها "أسير"على مؤخره رأسه من "سُليمان" من الخلف، وهو يصيح بصوتٍ مرتفع يملأه الصدمة، يُشير إلى ذاته بعدم استيعاب:

_أيها الأحمق! أنت من سرق نقودي عندما كنا صغارًا، وجعلتني أتشاجر مع "ستيفن" القابع جوار منزلنا، وبسبب فعلتك عاقبتني الجدة بكيزة… بسببك، حُرمت من الذهاب إلى الرحلة المدرسية، والجميع سخروا مني بفضلك! أنت  أيها الغبي الأجرب لن أتركك يا أسير! أنت أحقر أحفاد عائلة "الدرملي"! أيها المحتال، لن أتركك الآن... انتظر فقط!

صمت يهز رأسه قبل أن يسخر منه بحديثه ووجهه متشنج:

_بالله  أخبرني كيف تُباع هي أعضاؤك، وتأخذ أنت النقود؟! هل ستكون على قيد الحياة وقتها؟ أم أنك تمتلك سبع أرواح مثل القطط؟!

_أتركني يا أحمق! سوف نفعل حادثًا! دعني، أيها الأبله الكبير! انزع يدك القبيحة من حول عنقي الجميل! أتركني، يا الله!

صرخ "أسير" بفزع، وهو يجاهد للتحكم بالسيارة قبل أن يفقد السيطرة عليها، لتصطدم بإحدى الأشجار بدلًا من الانحراف عن الطريق والسقوط داخل البحيرة العميقة.

صراخ وهلع الجميع يكاد يُصيبه بالصمم أخذ يتنفس بعنفٍ كبير، وهو يستند برأسه على عجلة القيادة أغلق مقلتيه لدقائق، قبل أن يعتدل ليطمئن على الجميع أدار رأسه بسرعةٍ فائقة نحو شقيقته، يراها تبكي بصمت، ومقلتاها مغلقتان، بينما وجهها اقتحمه اللون الأحمر بكل طغيان، وثغرها يرتعش، يكاد يبصر جسدها ينتفض بقوة من أسفل ثوبها الورديّ الحريري.

وضع يديه على كتفيها، يتفقدها بنبرةٍ يطغى عليها الهلع، وعيناه تطالعان كل إنشٍ بها لإيجاد أي مكروه أصابها أم لا:

_سيدار، عزيزتي، انظري إليَّ، هل أصابكِ شيء؟ أخبريني، سيدار، هيا أريني رأسكِ.

أخذ يتفقد جسدها بهلعٍ وألمٍ كبير ينهش قلبه زفر بطمأنينة عندما لم يجد بها شيئًا.

_أنا بخير، أخي، لا تقلق، لم يُصبني شيء... أنا بخير، اهداء، رجاءً.

نبست بصوتٍ محشرج من أختنقها بالبكاء، وهي ترفع نظرها إلى "أسير"، تُبصر القلق يتراقص داخل حديقته بكل وضوح أومأت برأسها إليه لكي يهدأ قليلًا، وخُصلاتها تهتز بدلال جرّاء فعلتها الضعيفة هي تعلم كيف يخشى "أسير" عليها من الهواء، يهلع إذا أصابها جرحٌ صغير.

استدار "أسير" و"سيدار" إلى الخلف، عندما تسلل إليهم صوت تأوهات أحدهم من الخلف نبس باستيعاب وهو يرفع أحد حاجبيه تلقائيًا بدهشة، وهو يتذكّر من يقبع معه بالخلف:

_أوبس! لقد غفلت أنكم هنا أيضًا! هل أنتما بخير، "سُليمان"، "رغد"؟ أخبراني إذا كان يؤلمكما شيء؟

تشدّق "أسير" وهو ينظر إلى كلٍّ من "رغد" و"سُليمان" زفر بسكينة عندما لم يجد بهما خدشًا صغيرًا أزاح أنظاره عنهما لكي لا يُطيل النظر إلى ابنة عمّه "رغد"، وتخجل منه.

أصبحت تبغضه كثيرًا، ولا يعلم لماذا لا تُطيق تواجده بالجوار، فعندما يجلس في ذات الغرفة، تفرّ هاربة وكأنها رأت وحشًا مخيفًا سينقضّ عليها ومنذ ذلك الوقت، وهو يتجاهلها لكي لا يضعها في موقفٍ مُحرج.

أبعد رأسه، يشرُد قليلًا، لعلهُ يجد سببًا نفورها منه هي لا تُطيق النظر إليَّ حتى... أخذ يُحدّث ذاته بضيق، جَليٌّ سرق ملامح الاسترخاء من على وجهه، وجلس في مكانه.

ماذا فعلتُ أنا لكي لا تتحمل النظر إليَّ؟! أنا لم أفعل شيئًا قد يُزعجها، أنا أحبُّها مثلما أحب "سيدار"، أُعاملها ذات المعاملة، أُدللها كثيرًا هي و"سيدار".

إذا ما الخطب؟ هل أنا شخصٌ سيئ لهذا لا تُطيق رؤية وجهي؟! أكاد أقسم أنها لو وجدتني غارقًا في دِمائي، لن تقترب لتغيثني، ستركض بعيدًا!

سقط داخل حُفرة ذكرياته المُظلمة، ولم يشعر بألم رأسه أو الدماء التي تتدفق من جانب رأسه، نتيجة اصطدام رأسه بمقود القيادة كل ما يشعر به هو ألمٌ عنيف يضرب داخل قلبه أخذ يتنفس بعمق، يستنشق الهواء، لعله ينظم أنفاسه الثائرة، دون أن ينتبه أحد له ويهلع عليه.

وبما أنه طبيب، يعلم سبب هذا الألم الذي يتفاقم على جسده بكل خبث أخرج من جيب بنطاله الأسود دواء الـ**** ليسكن تلك الآلام.

أمسك قارورة الماء الباردة من جواره، ووضع حبة الدواء داخل فمه، ثم ارتشف الماء دفعة واحدة أرجع رأسه إلى الخلف، يستند إلى المقعد، وأغلق مقلتيه، قبل أن يسقط داخل دوامة مظلمة لم يستطع الصمود في مواجهتها، ليجد ذاته يعلن انهزامه على يديها، ويغرق بها بإرادته.

قبل أن يتلاشى وعيه، استمع إلى صوت صراخ رفيقه و"سيدار":

"الظلام يحيط بك من جميع الاتجاهات... إلى أين ستهرب؟ لا يوجد أمامك مفر، سوى أن تواجهه بكل قوة، أو أن تفقد حياتك دون شفقة."

••••••

"أصوات كثيرة تضطرب داخل رأسك بكل خبث، وأنتَ تركض والخوف يتراقص على وجهك الجميل الشاحب، أراك وأستمتع بهلعك هذا، إنه لذيذ كثيرًا، وسيكون ألذ عندما تراني... انتظرني، أنا قريبة منك كثيرًا، انظر خلفك، ستجدني ألوّح لك، مرحبًا بك يا وجبتي اللذيذة داخل جحيمي."

دقائق مضت كمرور نسمة هواء شقية تُداعب وجهك بلطف، تغلغلت نحو مشاعرك تداعبها دون أن تشعر بها، محاولة فاشلة في إيقاظ تلك الجثة... "أسير" تأفف "سُليمان" بضيق وهو يرمقه بشر، قبل أن تتحول أنظاره إلى خبث تدريجيًا نحو "أسير".

ذهب إلى المقعد الخلفي يحضر قارورة الماء، أمسك بها بين يديه، وقف أمام "أسير" الفاقد للوعي لا يهتم بهمسات الفتيات خلفه قام بفتح القارورة وسكب الماء البارد على وجه "أسير" دفعة واحدة، أدت إلى انتفاض جسده، وصوت شهقاته غطّى على شهقات الفتيات ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "سُليمان" الذي صدح يردف بلامبالاة كبيرة:

_ها هي الجثة قد عادت للحياة مجددًا، وهاك لقد أخذت بثأري منك أيها الأخرق، لكي لا تزعجني وتسرق مالي مجددًا.

_سُليمان يا حقير، لن أدعك تفلت من بين يدي، ولن أدعك تفر!، دون أن تسمع صوت صراخي وهو يُطرب أذنيّ بكل استمتاع، ألا يكفيك ما حدث لسيارتي الجميلة؟! بفضلك تعطلت السيارة، ولن نستطيع إيجاد أخرى! سأقتلك يا أبله!

صاح "أسير" وهو يركض خلف "سُليمان" الذي يركض مثل بطريق مصاب بالجرب، وصوت صياحهما يرتفع كثيرًا.

_هييه، سيدار، هل شقيقك طبيب حقًا؟ لم أرَ في حياتي طبيبًا أبله هكذا!

تمتمت "رغد" بسخرية إلى "سيدار" الواقفة بجوارها وهي تُشير إلى "أسير" الذي أمسك بشقيقها الواقف فوق إحدى الأشجار، وهي حقًا لا تعلم كيف صعد إلى هناك؟

_حقًا يا رغد؟ وهل أخاكِ هو المحامي العاقل؟! انظري كيف يتمسك بجذع الشجرة مثل القرود! صدقيني، الاثنان أبلهان، لا هذا يليق به أن يكون طبيبًا جرّاحًا، ولا ذاك يصبح محاميًا!

لا أعلم كيف تم قبولهما  وتخرجهما من الجامعة! يا الله، انظري... هل هذان رجال المستقبل؟! ثم أنتِ، سبق ووقعتِ في عشق هذا الطبيب الأبله، يا عزيزتي!

تمتمت "سيدار" بصوت ضاحك، وخبث يغزو مقلتيها تُشاكس ابنة عمها وصديقتها.

_أجل، وقعتُ في حبه دون أن أعي لذاتي، ولكنه لا يهتم بهذا، هو لا يحبني، سيدار، يعاملني مثلكِ كأخت أخرى له، وليس كحبيبة تعشق الهواء الذي يتنفسه...قلبي يؤلمني كثيرًا يا سيدار... لماذا لا يراني؟ هل أنا بشعة؟ ألا أليق به وبقلبه؟!

همست بألم، ومقلتاها يملؤهما الحزن والخذلان:

_توقفي يا غبية عن التفوّه بالترهات! أنتِ جذابة ورائعة، أقسم لو كنتُ فتى لكنتُ وقعتُ في حبك دون أن أعي!

ثم لا تهتمي، أسير سيرى حبك بذاته، لا تقلقي عزيزتي، إذا كان مقدرًا لكِ أن يكون أسير حبيبكِ وزوجكِ، فوالله لن يستطيع أحد إيقاف هذا الحب وإذا لم يحبكِ.

تنهدت وهي ترفع أنظارها ترقب أنظار الأخرى المليئه بالحزن، صدح صوتها بنبرة هامسة يشع منها الأمل:

_سيرزقكِ الله شخصًا يعوّض قلبكِ عن كل الآلام التي شعر بها، وحينها ستشعرين أنكِ لم تعلمي معنى الحب إلا معه الله يُخبئ لنا كل ما هو جميل، عزيزتي... علينا الانتظار فقط

ثم انظري، هل حقًا تحبين الطبيب الجراح؟! انظري إليه، كيف يبدو أبله!

تفوّهت بمزاح وهي تُشير نحو شقيقها وابن عمّه اللذين يتصرفان مثل الأطفال الصغار، محاولةً التخفيف من ألم قلبها قليلًا.

_لا أصدق أنهم قد تجاوزوا التاسعة والعشرين من عمرهم! يركضان مثل الأطفال!. هيا يا صديقتي، لنجلس قليلًا ريثما ينتهي أسير من قتل سُليمان... أو سُليمان من قتل أسير.

_أجل، أنا متعبة كثيرًا، جسدي يؤلمني، وجائعة، وأشعر بالملل، والخوف، و...

صمتت وهي ترى "رغد" تُشير إليها، وترفع نظرها نحوها ببرود قاتل، ثم تكمل ما بدأته الأخرى:

_وهلع... والضيق من الليل، وتريدين النوم في غرفتكِ العزيزة، وثرثرة لا متناهية... أوه! انظري! ها قد انتهى القط والفأر من لعبة الغميضة الخاصة بهما!

أردفت بنبرة يَشوبها الضحك وهي تبصر "سُليمان" و"أسير" يقتربان منهما، ووجه شقيقها يشبه خريطة العالم التي عبث بها الأطفال بأحد أقلام التلوين! أخفت بسمتها لكي لا يغضب شقيقها، وهي تنكز "سيدار" في ذراعها لكي توقظها من غفوتها القصيرة.

هي تعلم كم أن "سيدار" تخشى الظلام كثيرًا، وذلك بفضل حادثة صغيرة حدثت في الماضي، حين قام شقيقها الصغير بوضعها داخل غرفة مظلمة وأغلق الباب من الخارج، دون أن يخبر أحدًا بمكانها، وذهب للعب لكي لا تزعجه.

أخذت تبكي دون انقطاع من الصباح حتى المساء، والجميع أصابه الهلع من عدم تواجدها في المنزل لم يعلم أحد أنها في غرفة المخزن، وبعد وقت طويل انقلب المنزل رأسًا على عقب، ووجدوها فاقدة للوعي هناك ومنذ ذلك الوقت وهي تكره الظلام، حتى الليل تكرهه، ولا تغادر المنزل عندما ترحل الشمس.

استفقت على صوت "أسير" يخبر الجميع أن يتفقدوا هواتفهم.

_من يتوافر لديه إشارة يهاتف أحدًا لينقلنا إلى المنزل، لا يوجد شيء في هاتفي... وأنتم؟ السيارة معطلة، ولا أعلم ما بها!

_ولا أنا أيضًا، هاتفي لا يلتقط إشارة.

أردف "سُليمان" وهو ينظر إلى رفيقه بقلق جلي، ومقلتيه تنبعث منهما مشاعر كثيرة...

هزّت الفتيات رؤوسهن بلا، لا يوجد لديهن إشارة أيضًا.

والخوف بدأ يتغلغل داخل أوردتهنّ بكل خبث الطريق مظلم ومخيف، وقد تحالفَت السماء مع الظلام، وهي تُطلق أصواتًا مُخيفة تُنذر باقتراب عاصفة قوية قادمة نحوهم.

مشاعر كثيرة تعبث بالجميع، كلٌّ منهم يشعر بشيء مختلف...

"أسير" تغزو مشاعر القلق جسده بكل حقارة، يعلم أن شقيقته ستنهار خلال دقائق فقط، وهو لا يستطيع فعل شيء من أجلها.

أما "رغد"، فتخشى أصوات الحيوانات والأماكن الخالية من البشر، تكبح أنفاسها لكي لا تُظهر رهبتها وضعفها، يكفيهم خوف "سيدار"، لا تريد أن تزيد الأمر سوءًا.

أما "سيدار"، فقد شحب وجهها كالأموات، تهز رأسها بمشاعر متضاربة، تتنفس بقوة، تصارع لالتقاط أنفاسها وكأنها تركض داخل ماراثون لا يتوقف...تشعر أن الظلام ينتشر، يأخذ جسدها مجددًا… أوه، لمَ الطريق يضيق عليّ الآن؟

انحنت، تضع يديها على ركبتيها، وخصُلات شعرها تتساقط على وجهها بعبث، الدوار يداهم رأسها، ومقلتاها زائغتان لا تبصران شيئًا كل شيء يتلاشى رويدًا رويدًا... قبل أن تستمع إلى صوت أخيها ينتشلها من دوامة الظلام:

_عزيزتي، أفيقي يا سيدار! لا تستسلمي للظلام، حسنًا؟ هيا، انظري إليّ! أنا هنا، انظري لي، هيا! سُليمان، أعطني الماء!

رغد، أريد الدواء! سيدار، أسرعي!

صراخ في وجه "سُليمان" و"رغد"، وهو يهز شقيقته ويضرب على وجهها برفق، يساعدها لتستفيق من حالة الإغماء التي أصابتها.

"الخوف يلعب على أعصابك بكل براعة، ليجعلك تفقد عقلك دون إرادتك."

•••••

"صوت طائر صغير يراقبك بترقُّب، ينتظر لحظتك الحاسمة لتفقد حياتك بكل غباء."

يمضي الوقت بسرعة البرق، فلا تدري متى غاب القمر خلف السحاب صوت دقّات ساعة يد "أسير" يُشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل نجد الرفاق يسيرون على أقدامهم نحو الأمام دون وجهة محددة، بعدما تحسّنت "سيدار" كثيرًا بفضل الدواء ساعة ونصف قضوها وهم يمشون بلا مأوى، حتى وجدوا ضالتهم... منزلًا صغيرًا بني اللون لا يبعد عنهم كثيرًا.

تراقصت السعادة على وجوههم وكأنهم وجدوا دورق ماء بعد أيام من السير في صحراء قاحلة توقّفوا أمام المنزل وهم يتنفسون بقوة، تستند "سيدار" على كتف شقيقها بألمٍ ينتشر في جسدها، بينما يضع "سُليمان" يديه حول خصر "رغد" ليساعدها على الوقوف باعتدال.

يعلم أنها بالكاد تشعر بقدميها بسبب السير بحذائها الأحمر ذي الكعب في طريقٍ شبه مدمّر... مؤلمٌ حقًا يرى حبيبات العرق تغزو جبهتها، فيُخرج محرمة ويمسح بها وجهها الأبيض المرهق ثم يُلقيها جانبًا يُبصر حجابها الأسود وقد انزاح إلى الوراء قليلًا، فيقوم بإعادته مجددًا، بينما هي تعدّل من وقفتها وثوبها الأسود الفضفاض المزخرف عند المعصم والخصر.

رفعت عينيها البنيتين نحو الأمام تُبصر "أسير" يدق باب المنزل، ولا يزيح مقلتيه عن "سيدار" التي تجاهد لتقف بمفردها.

_ أجل، مَن أنتم؟ وماذا تريدون في هذا الوقت؟

صدح صوت سيدة تترقّبهم بحذر وخُصلات شعرها الكثيف الذي يصل إلى منتصف ظهرها تتدلّى بدلال، وعوامل تقدّم السن تتراقص بوضوح على وجهها الأبيض وخدّيها الممتلئين بالكاد تصل إلى منتصف صدر "أسير"، قصيرة القامة، وجهها يحمل ملامح بشوشة.

_ أعتذر كثيرًا سيدتي لإزعاجكِ في هذا الوقت، ولكن تعطّلت سيارتي إثر حادث، ولم أجد أحدًا يُصلحها لا أعلم ماذا أصابها، ولا يوجد إرسال في هواتفنا لأتمكّن من الاتصال بعائلتي… وكما ترين، شقيقتي وابنة عمي معنا، لذلك لا يمكنني البقاء في السيارة حتى الصباح.

صمت قليلًا يبتلع لعابه، يُكمل وهو يراها تُطالعه بحزن حينًا وبشفقة على شقيقته حينًا آخر:

_ أعتذر على تطفلي، ولكن هل تسمحين لنا بالمبيت هنا الليلة فقط، حتى يحلّ الصباح وتنتهي العاصفة؟ وإذا أردتِ، سأدفع لكِ ثمن الإقامة، أو إن كنتِ لا تثقين بنا... نحن لسنا لصوصًا يا سيدتي، أنا طبيب جراح، وابن عمي محامٍ، وشقيقتي طالبة حقوق، وابنة عمي فنانة… وهذه هوياتنا إن أردتِ التأكد رجاءً، شقيقتي مريضة.

_ حسنًا، يمكنكم البقاء الليله هنا، ولكنني سأحتفظ بالهويات حتى الصباح، حسنًا؟ هيا إلى الداخل.

أنهت السيدة حديثها وهي تفسح لهم المجال للدخول تُشير إلى الردهة حيث الكثير من المقاعد المريحة غرفة سارقة لون السماء، تُشعرك بسكينة هادئة يوجد بها إطار صغير يحمل صورة شابة يافعة ذات خصلات سوداء كثيفة ومقلتين زرقاوين، نحيلة لكنها مثيرة، تُشبه السيدة التي تبلغ من العمر سبعين عامًا بشكل غريب أدار "أسير" أنظاره إلى الجهة الأخرى، رأى ساعة حائط قديمة تُشير إلى الثالثة والنصف غمغم لذاته بدهشة، عجبًا، كيف مر الوقت بهذه السرعة؟!

_ عذرًا سيدتي، ولكن من هذه الفتاة؟ إنها تُشبهكِ كثيرًا!

صاح "أسير" بدهشة، والجميع ينظرون إليه باستغراب فكما يعلمون، "أسير" ليس من النوع الفضولي، وتساؤله بدا غريبًا.

_ أُچيسكِ، أدعى أُچيسكِ، وهذه الفتاة بالطبع تُشبهني، إنها ابنتي الحبيبة "سيلاره"، هي ليست هنا، إنها خارج البلاد للدراسة...أوه كم أشتاق إليها!، يا لي من وقحة! ماذا تتناولون يا أعزائي؟

_ لا عليكِ سيدة أُچيسكِ، لا ترهقي نفسك، نحن بحاجة للنوم فقط.

قال "سليمان" ممتنًا، تلك السيدة تبدو طيبة القلب، سمحت لهم بالمبيت دون أن تعرفهم… من يفعل ذلك في هذا الزمان؟ لا أحد.

_ أوه، عزيزي اعذر وقاحتي! نسيت أنكم متعبون هذه هي غرفكم... الفتيان في غرفة، والفتيات في غرفة، أنا أعتذر، فمنزلي صغير، فيه ثلاث غرف فقط، واحدة لي ولزوجي الراحل، وأخرى لابنتي وابني الصغير... الذي فارق الحياة.

_ لا، لا تعتذري سيدتي، بل نحن من يجب أن يعتذر على الإزعاج... وحقًا منزلكِ رائع كثيرًا.

_ لا يا سيدار... أوه، سيدار؟ أجل، أنتِ هي... لا لم أنزعج يا بنيتي…لا أحد يستطيع أن أنسى أحبته… هيا، هذه غرف النوم... نومًا هنيئًا لكم، سأخلد للنوم أنا أيضًا.

همست قبل أن تسير إلى غرفتها بهدوء، وقطرات المطر تتساقط على أوراق الشجر بخفة  في الخارج…. ذهب الجميع إلى غرفهم حتى الصباح.

"الوقت يمضي بسرعة البرق، يسير إلى حتفك بسرعة كبيرة لا تستطيع إيقافها، وأنت فقط تقف وتشاهد مصيرك المحتوم يقترب منك بألم."

•••••

داخل غرفة الشباب، نجد غرفة صغيرة ذات لون أسود، يوجد بها فراش يتسع لشخص واحد فقط نُبصر خزانة بلون الأشجار البني، تحتوي على ثياب لفتى صغير لم يتعدَّ السادسة إذًا، هذه هي غرفة ابن السيدة أُچيسكِ الراحل.

همس "سُليمان" وهو يُبصر "أسير" يستعد ليغفو فوق الأريكة الصغيرة، ثم اقترب منه وقال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره يُطالعه بضيق وغضب:

_ألا زلت تريد ألا يعلم أحد بخصوص مرضك يا أسير؟ حقًا يا فتى، انظر إلى ذاتك، تبدو مثل عجوز يصارع للبقاء هل تُصدق أن لا أحد سيعلم بمرضك؟!

صمت، ثم أكمل بلهفة وهو يجلس بجواره ممسكًا بذراعه برفق:

_أسير، خذني معك يا صديقي، سأبقى بجانبك في فترة شفائك وأعتني بك….أخبرني مَن سيعتني بك هناك؟ هييه صديقي، إذا لم تأخذني معك، سأخبر العائلة بأنك ذاهب إلى نيويورك لإجراء عملية كبيرة، وأنك مصاب، وستذهب لعلاج نفسك بدلًا من العمل.

_توقف، سُليمان، لقد سبق ووعدتني أنك لن تُخبر أحدًا صدقني، سأكون بخير وحدي هناك، الطبيب سيعتني بي، لا تقلق…. أعلم أنك تقلق عليّ... هدّئ من روعك يا صديقي، لن أرحل وأتركك دون إزعاج.

أمسك يديه بين يديه ينظر له برجاء بحديقته الحالكة:

_ولكن عندي طلب صغير... إذا أصابني مكروه ولم أستطع محاربة مرضي، وفقدت حياتي، اعتنِ بأبي وأمي وشقيقتي... اعتنِ بالجميع، سُليمان... أنت ستعتني بالجميع عني، حسنًا؟ عدني، هيا.

_لا تتفوه بهذه الحماقات! ثم إنني سأعتني بالجميع، وأنت ستعتني بهم معي… أنا لا شيء دونك، أسير... حسنًا توقف…. حسنًا، أعدك.

_أشكرك كثيرًا يا أخي، أنا أعلم أنك ألقيت الماء عليّ أمام الفتيات كي لا يشك أحد أنني مريض، وافتعلت هذه اللعبة أمامهم، خصوصًا أمام شقيقتك رغد، لأنها ستعلم وتشك بكل شيء، هيا الآن، اذهب إلى النوم، واتركني أغفو قليلًا، أنا متعب كثيرًا من القيادة.

_حسنًا، وأنا أيضًا سأذهب للنوم... يا الله، أعن أسير على ما به، ولا تجعلني أفقد رفيقي... لا تختبرني به يا الله.

همس "سُليمان" لذاته قبل أن يغفو، والحزن يملأ قلبه على صديقه ورفيق دربه الوحيد.

•••••

صوت الرياح القوي يضرب المنزل بكل قوته، يعزف معزوفة الموت، رائحة الموت تملأ أرجاء المنزل تُصيبك بالغثيان، طائر صغير يطلق صوتًا يحذرك من القادم، يصرخ بكل قوة، يعلم ما سيحدث، يراقبك الموت بكل تريث للانقضاض عليك بتلذذ.

وجبة لذيذة تُقدَّم إليه على طبق من ذهب، الساعة تُحدث ضجيجًا قويًا في سكون المحيط بالمنزل، تدق بعنف، تخبرك باقتراب ساعة حدفك.

صوت دوران مقبض الباب يتبع صوت أقدام تسير في عتمة الظلام، يسير "أسير" وآثار النوم عالقة في مقلتيه، هناك طنين مزعج يضرب أذنيه بكل عبث يتقدم نحو الأمام وهو يفرك مقلتيه ليزيل آثار النعاس.

حبس أنفاسه وهو يُبصر السيدة "أُچيسكِ" تحمل شيئًا عجيبًا لا يستطيع أن يعلم ما هو، ترتدي عباءة سوداء تتطاير من خلفها بمشاكسة، وخصُلاتها البيضاء تطلق العنان للركض في سباق الرياح.

يسير خلفها بتريث كي لا تشعر به، حبس أنفاسه وهو يجدها تدلف إلى المقبرة القريبة من منزلها. شهق دون وعي وهو يُبصر جثة ابن عمه "سُليمان" قابعة على الأرض داخل دائرة بيضاء تنتشر حولها بعض الرسومات الغريبة، والسيدة "أُچيسكِ" تتمتم بشيءٍ ما وهي تجلس داخل الدائرة دقائق فقط، لم يستطع "أسير" إخراج صوته أو أن يُحرّك قدميه، وكأنه أُصيب بشلل، لا يقدر على الحراك.

أنفاسه تتسارع، وهو ينظر إلى جثة "سُليمان" تتحول إلى غبار أسود يتطاير داخل فم السيدة "أُچيسكِ"، التي أصبح جسدها يشع بضوء أبيض، وجهها وجسدها يكادان يختفيان من شدة الضوء، وشعرها يتطاير بقوة كبيرة وعيناه تذرفان الدموع دون توقف.

أخذ "أسير" قدرًا كبيرًا من الهواء إلى رئتيه، ومقلتيه تتسعان بصدمة وعدم استيعاب... السيدة "أُچيسكِ" الحنونة التي سمحت لهم بالبقاء في منزلها... قاتلة؟ بل ساحرة شريرة!

أخذت ضربات قلبه تتسارع، جرّ قدميه يركض للخلف مجددًا لينقذ ذاته وشقيقته و"رغد"، لعله ينقذ الجميع من براثن تلك القاتلة أنفاسه تضرب بعنف كبير، يركض، يسابق الموت في ماراثون الركض، يلهث بقوة... لماذا الطريق لا ينتهي؟

تيبّست قدماه في مكانهما، وبرقت عيناه بهلع وهو يُبصر جسد "رغد" أسود بالكامل، خصُلاتها مشعثة، عيناها جاحظتان وكأنها رأت نهايتها قبل أن تفارق الحياة.

_رغد، لا... لا، يا الله لا… رغد، استيقظي! يا الله، ماذا يحدث؟ أرجوكِ، استيقظي! رغد، لا ترحلي أنتِ الأخرى! يا ويلي، رغد! لا... اللعنة!

صرخ "أسير" بقوة وهو يجد جسد "رغد" يسقط أمامه شاحبًا، ثغرها أبيض، وجهها شاحب، جسدها بارد ينافس برودة القطب، أوردتها ظاهرة من ذراعيها، ثيابها ممزقة خلع سترته وقام بوضعها على جسد "رغد"، ومقلتيه ينبعث منهما نيران قاتلة، الحقد يتراقص داخل عينيه بكل براعة، ينفث نيرانًا من أنفه.

استدار بعنف وهو يستمع إلى صوتها يصدح بكل خبث خلفه، كور قبضته بغضب كبير، لا يهتم مَن تلك المرأة، ما يريده الآن هو الانتقام من أجل قتل صديقه وابنة عمه.

يطالعها، وصدره يعلو ويهبط، اقترب ووقف أمامها مباشرةً، يُطالع تلك السيدة التي تحوّلت إلى الفتاة في الإطار... كانت تخدعهم بكل حقارة... ولكن كيف؟!

_مَن أنتِ أيتها المخادعة؟ ولماذا فعلَتْ عائلتي لكِ؟ ها، أخبريني! لماذا قتلتِ سُليمان ورغد؟ مَن تكونين؟ وكيف أصبحتِ من عجوز حقيرة إلى فتاة شابة؟، أنتِ كنتِ تلك الفتاة، وخدعتِنا لنقع في مصيدتكِ، أيتها الحقيرة... سأقتلكِ!

_أوه، كفاك يا عزيزي، توقّف عن الثرثرة بالترهات الغبية... أنا هي الفاتنة سِيلاره…. لا يهم يا فتى، ذلك الشاب وتلك الغبية لا شيء أمام هذا الجمال الفاتن… ماذا فعلتُ أنا سوى أنني أخذتُ أرواحهم لأظل شابة فاتنة في العشرينات؟ أعترف، أنا أعجبتك كثيرًا، ها؟ رأيتُ ذلك في عينيك وأنت تُطالع صورتي في الإطار.

صمتت، تدور حوله وهي تمرر أناملها على صدره ارتفاعًا إلى وجنتيه، تُطالعه بخبث يتراقص داخل بريق مقلتيها الزرقاء، همست قائلة جوار أذنه:

_وأنت أيضًا تُعجبني كثيرًا... أنت جذاب، وأنا كذلك... ما رأيك أن تصبح خادمًا لي؟ أنا وأنت معًا في كل شيء سأعلمك كل شيء، لتصبح معي شابًا لا يشيب… ماذا قلت؟ أجبني...

_ابتعدي عني أيتها الحقيرة! سأقتلكِ وأخذ ثأر عائلتي منكِ! اللعنة عليكِ، أيتها العجوز الشمطاء! ابتعدي!

قالها "أسير" وهو يصرخ، ويداه تلتفان حول عنقها يخنقها بقوة... لكنها لا تبالي، تضحك ولا تعير اهتمامًا لكونها بين يديه قرّبت وجهها منه، ورددت بصوت مخيف عكس ما تفوهت به منذ قليل، بينما مقلتاها تعصفان بغضب، يشع منهما ضوء أسود نحو رأس "أسير":

_تريد قتلي؟ أضحكتني كثيرًا يا هذا! لم يُخلق بعد مَن يستطيع إيقاف سِيلاره... أنا قوة لا تُقهر، أنظر ماذا سيحدث معك الآن؟ أعتذر، ولكنك أنت مَن أراد هذا...

صمتت عندما سمعت صوت شهقات شخص ما، رفعت أنظارها، تُبصر "سيدار" تُطالع كل هذا وجسدها يرتجف بعنف.

شقّت بسمة ماكرة وجه "سِيلاره"، وقالت بعبث يتراقص في عينيها إلى "أسير":

_أوه، الفتاة الصغيرة... شقيقتك الحبيبة! أنت لن تعلم ما سيحدث بها الآن... وقفت أمامي، إذًا فلتتحمل عواقب فعلتك!

_اهربي، سيدار! اركضي بعيدًا! لا تلتفتِ للخلف! هيا، سيدار، اركضي عزيزتي... اركضي سيدار، اركضي!

صرخ "أسير" إلى "سيدار" المتجمدة مكانها، انتفضت بقوة إثر صراخ شقيقها الذي زلزل كيانها، هزّت رأسها نفيًا، وعيناها تنزفان دمًا، قلبها لا يتحمل، أنفاسها الخائنة تتحالف مع عدوّتها، أسرعت تركض إلى الأمام دون أن تنظر، وهي تصرخ بألم، شاهدة مقتل صديقتها وابن عمها وأخيها الآن... لماذا لا تزال على قيد الحياة لتحيا ألمًا جديدًا لا تستطيع إيقافه؟ ركضت بقوة لا تُبصر أمامها، تُصارع رهبتها وهلعها، تُصارع مشاعر مضطربة تنبثق داخل جسدها بعنف...

••••

وفي ذات الوقت، نجد الساحرة "سِيلاره" تتمتم بأشياء وهي ترفع يديها إلى الأمام، لنُبصر "أسير" يحلق في الهواء، يصارع الهبوط، يطلق لعنات عليها لا تنتهي بسمة خبيثة تغزو وجهها، تُنزله ليصبح أمامها مباشرة، لا يفصله عنها سوى بضع سنتيمترات.

تمتمت بجوار أذنيه بتعويذة خاصة بصوتها العذب:

_هيشم بشيم، شيوم شوك، شفتم دوم، برسم ابنة الساحرة چورم...

فور انتهائها، صدح صراخ "أسير" يملأ الغابة، وهو يجد جسده ينزف دمًا بغزارة، أنفاسه تُسرق منه دون وجه حق، رأسه يدور بقوة، أغمض عينيه للأبد قبل أن تقترب "سِيلاره" برأسها منه... لتلتهم روحه الثمينة داخل فمها.

••••

دقائق مرت كساعات، تركض بها "سيدار" دون وعي، أطلقت صرخة قوية أدت إلى فزع الحيوانات في الغابة، وهي تحبس أنفاسها تراها أمامها تسير بكل غرور نحوها، وعباءتها السوداء تتمايل خلفها، بينما شعرها يتراقص على معزوفة موسيقية أطلقتها السماء.

أجبرت "سيدار" قدميها على التراجع للخلف ببطء، والأخرى تقترب منها بذات البطء اصطدمت بشجرة تقبع خلفها، أدارت "سيدار" رأسها للخلف تبصر الشجرة تعيق طريقها، التفتت بسرعة البرق لتجدها أمامها مباشرة، تهمس بشيء... قبل أن نستمع إلى صراخ "سيدار"، يتبعه صوت الطيور تصيح بفزع، العاصفة ترعد بكل قوتها، والأمطار تتساقط بسرعة فائقة، وكأن الطقس تحالف مع القدر ليُحدِث إيقاع الموت المميز.

" إلى أين تستطيع الفرار يا عزيزي؟ لا ملجأ لكَ سواي. لا تعلم أن الخداع يسري في دمائي. أنا وأنت وحظك العاثر. لن تستطيع النجاة مني... أنا لعنة لا أحد يستطيع التخلص منها. أرتشف الدماء مثل الماء... أنا هي سارقة الشباب، يا عزيزي. احذر، ربما تكون أنت القادم في قائمة ضحاياي... تمّت بحمد الله

إلهام صبحى الدالي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سارقة الشباب

المؤلف إلهام صبحي الدالي
2025/10/20 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة