يد في الظلام1

يد في الظلام1

9 0

تلمست الجدار بيدها، أصابعها مرت على سطحٍ بارد، ثم لمست شيئاً مختلفاً… قطعة ورق صغيرة كانت ملصقة على الخشب.

سحبتها بسرعة، وحين قربتها من وجهها لمحت كلمات مكتوبة بخط مرتجف:

"المفتاح ليس لك… أعيديه قبل أن يُفتح الباب."

لكن قبل أن تتمكن من التفكير، عاد الضوء فجأة… ليس من الباب، بل من فتحة صغيرة في الأرضية، ينبعث منها وميض أبيض باهت، وكأنه يدعوها للنظر.

     

يدها كانت ما تزال تمسك بالورقة، أطرافها ترتجف، وكأن الحبر الباهت فيها يثقل أصابعها.

قرأت الجملة مرة ثانية، لكن هذه المرة أحست بثقلها يتسرب لداخلها:

"المفتاح ليس لك… أعيديه قبل أن يُفتح الباب."

رفعت عينيها ببطء نحو الزاوية المظلمة حيث كانت تلك العينان تراقبها من قبل.

الضوء الأحمر كان قد اختفى، لكن من بين الظلال… بدأ شيء يتحرك.

صوت احتكاك أظافر على الأرضية الخشبية، متقطع، متردد، لكنه يقترب.

ليان لم تتنفس، كأن الهواء صار سمّاً.

ثم، في ومضة خاطفة، ألقى القمر شعاعاً باهتاً من خلال النافذة العالية، كاشفاً لمحة من الشكل:

يد… لكنها ليست بشرية تماماً. أصابع طويلة جداً، معقوفة في نهايتها مخالب رفيعة، والجلد مشدود على العظام بلون رمادي باهت، تتخلله عروق داكنة.

حين لامست تلك الأصابع الضوء، تراجعت بسرعة إلى الظل، وصوت تنفس ثقيل خرج من العمق، وكأن الحركة أوجعته أو أغضبته.

لم تجرؤ ليان على الكلام، لكنها شعرت أن الشيء يعرف تماماً أنها رأت جزءاً منه.

ثم… همس.

هذه المرة كان الهمس واضحاً، بطيئاً، وموجهاً لها مباشرة:

"أعيديه… أو سأستعيده بنفسي."

المفتاح في يدها ارتجف فجأة، وكأن هناك قوة تحاول سحبه منها، لكنها ضغطت عليه بكل قوتها.

من خلف الباب، بدأ صوت طرق عنيف يهز الغرفة، وبدا وكأن الجدران نفسها تتصدع.

أما الشيء في الزاوية… فقد بدأ يزحف للأمام، ببطء، لكنه الآن لم يعد يختبئ من الضوء.

     الزحف اقترب أكثر، وصوت المخالب وهي تخدش الخشب صار أوضح… أبطأ… لكن ثابت، مثل ساعة موت تعدّ الثواني الأخيرة.

ليان شعرت أن قلبها يحاول الهرب من صدرها، والعرق البارد بدأ يزحف على عمودها الفقري.

المفتاح في يدها صار ساخناً فجأة، وكأنه يحترق من الداخل.

عيناها التصقتا بالزاوية… وهناك، بدأ الظلام يتراجع قليلاً، كاشفاً شكلاً منحني الظهر، أطرافه طويلة بشكل غير طبيعي، ورقبته ملتوية كأنها انكسرت في وقتٍ ما لكنها استمرت بالحياة.

من بين الشعر المبلل الذي غطى نصف وجهه، ظهرت عين واحدة… صفراء، واسعة، تحدق فيها دون أن ترمش.

"أعيديه…" جاء الصوت هذه المرة من فمه مباشرة، لكنه لم يفتح شفتيه.

الكلمات كأنها انطلقت داخل رأسها، باردة، ثقيلة، تخترق عظامها.

ليان تراجعت خطوة، لكن قدميها اصطدمتا بجدار، لا طريق خلفها.

ارتفع الضوء الأبيض من الفتحة الصغيرة في الأرضية فجأة، يغمر الغرفة بوميض خاطف، وفي تلك اللحظة…

قفز الشيء.

وزنه أسقطها على الأرض، رائحته نفاذة، خليط من رطوبة البحر والحديد الصدئ.

مخالبه ضغطت على معصمها، تحاول فتح أصابعها بالقوة، بينما صوته يملأ رأسها:

"إن لم تُعِدِيه… لن يكون لديك ما تخافين فقدانه… لأنكِ ستكونين المفقود."

حاولت الصراخ، لكن الهواء في رئتيها انقطع.

المفتاح بدأ يبرد من جديد، وأدركت أن قبضتها تضعف.

في زاوية عينها، لمحت الباب… لم يعد مغلقاً بالكامل، شق ضيق ينساب منه نفس الضوء الأحمر القديم.

وفي أعماقها، عرفت أن لو فُتح بالكامل… قد لا ترى ضوء النهار مرة أخرى.

وبينما قوتها تخونها، حدث شيء غريب…

الشيء توقف فجأة عن الضغط، رأسه مال نحو الباب، وكأنه يسمع نداءً آخر غير صوتها.

وبحركة سريعة، تراجع إلى الظلام… تاركاً ليان على الأرض، تلهث، والمفتاح ما زال في يدها.

     ليان ما زالت على الأرض، أنفاسها متقطعة، أصابعها مشدودة على المفتاح كأنه طوق نجاة.

الباب أمامها بدأ ينفتح ببطء، الضوء الأحمر يغمر الغرفة مثل سيل دموي.

لكن بدل أن يظهر الشيء مجدداً… ظهرت ظلال بشرية.

خطوات سريعة دخلت، ثقيلة، حذاء يضرب الخشب بإيقاع حاد.

رجل طويل يرتدي معطفاً أسود، ووراءه امرأة بشعر قصير وملامح حادة.

كلاهما كانا يضعان قفازات جلدية ونظراتهما تتحرك في كل زاوية، وكأنهما يبحثان عن شيء يعرفان أنه موجود.

الرجل جثا قربها، صوته هادئ لكنه فيه نبرة أمر:

"أعطيني المفتاح، حالاً."

ليان هزت رأسها، تراجعت وهي تضمه إلى صدرها:

"لا… هذا لي."

المرأة اقتربت، ركعت أمامها، وعيناها الباردتان تفرزان كل تفصيلة في وجه ليان:

"أنتِ لا تعرفين ما تحملينه. إذا بقي معكِ، لن تنجين هذه الليلة."

قبل أن تتمكن من الرد، سمعوا جميعاً صوتاً يأتي من الزاوية المظلمة…

صوت الزحف عاد، لكن هذه المرة أسرع، وأكثر حدة.

الرجل أخرج شيئاً من جيبه… بدا كأنه سكين غريب بلمعان أزرق.

همس للمرأة:

"لقد وجدناها… لكنه أيضاً وجدنا."

        الزحف اقترب حتى صار الصوت يملأ الغرفة، وكل ثانية كان يزداد حدة، كأن المخالب تخترق الخشب وتشق طريقها.

الرجل ثبت قدميه، رفع السكين الغريب الذي بدأ يلمع أكثر كلما اقترب الصوت، بينما المرأة مدت يدها نحو ليان محاولة سحبها للوقوف.

"انهضي!" أمرت المرأة، وصوتها حاد لكنه ثابت.

ليان كانت مرتبكة، رأسها يدور، لكنها نهضت أخيراً وهي تمسك بالمفتاح بقوة.

ثم، فجأة، خرج الشيء من الظلام.

لم يعد مختبئاً أو متردداً… هذه المرة، رأوه بوضوح أكثر: جسده طويل ومنحني، جلده مشدود على العظام، وفكه السفلي أطول قليلاً من الطبيعي، وأسنان رفيعة تلمع في الضوء الأحمر.

عينيه الصفراوان ثبتتا على المفتاح، وكأن العالم من حوله اختفى.

الرجل اندفع نحوه، والسكين تصدر صوت أزيز غريب حين اخترقت الهواء.

الشيء أصدر صرخة حادة، ليست بشرية، ليست حيوانية… خليط يلسع الأذن ويهز الجدار.

المرأة سحبت ليان إلى الباب، لكن الأخيرة توقفت فجأة، شعور غريب اجتاحها… كأن المفتاح في يدها ينبض، قلبه يخفق بنفس سرعة قلبها.

همست، دون أن تدري أنها قالتها بصوت مسموع:

"إنه لا يريد أن يؤذيني…"

المرأة نظرت إليها بحدة:

"أنتِ لا تفهمين… إذا لم يُعاد المفتاح الليلة، لن يكون هناك غد."

في تلك اللحظة، الشيء انقضّ على الرجل، والاثنان تدحرجا على الأرض وسط صوت صرير المخالب على الخشب ولمعان السكين في الظلام.

الرجل صرخ:

"اخرجي الآن!"

لكن ليان لم تتحرك… كانت عيناها معلقتين على الشيء، الذي رغم المعركة، كان يمد يده الطويلة نحوها… ليس ليقتلها، بل ليلمس المفتاح

      

      صرخات الرجل واحتكاك المخالب بالسكين كانا يمزقان أجواء الغرفة، لكن ليان لم تعد تسمع شيئًا بوضوح.

كل ما ركزت عليه كان تلك اليد الرمادية الطويلة، الممتدة نحوها، ثابتة رغم الفوضى، كأنها تعرف بالضبط ما تريد.

المفتاح في يدها لم يعد مجرد معدن بارد… كان ينبض، دافئًا، وكأن قلبه يخفق نداءً إليها.

في لحظة، سقط كل الخوف من عينيها، وحل مكانه شعور غريب… ثقة، أو ربما استسلام.

مدت يدها ببطء.

المرأة صرخت:

"لاااااا!"

لكن ليان لم تتوقف.

حين لامست أصابع الشيء المفتاح، شعرت ببرودة شديدة تغزو جسدها من رأسها حتى قدميها، ثم اندفعت إلى داخل عقلها صورٌ مشوشة:

بوابة حجرية ضخمة، بحر أسود، أصوات كأنها تخرج من قاع الأرض، ووجهها… وجهها نفسه، لكن بعيون ليست عينيها.

الشيء قبض على المفتاح، وابتسامته كشفت عن صفين من الأسنان الحادة.

الضوء الأحمر من الباب ازداد قوة حتى غمر الغرفة، وصوت طرقات ثقيلة بدأ يأتي من وراءه… لكن هذه المرة، كان الباب ينفتح من تلقاء نفسه.

الرجل دفع الشيء بكل قوته للخلف وهو يصرخ:

"لقد فعلتها! أنتِ لا تعلمين ماذا فعلتِ!"

المرأة أمسكت بذراع ليان بعنف، نظراتها ليست غضبًا فقط… بل خوف حقيقي:

"لقد اخترتِ جانبًا لا عودة منه."

وفجأة… انطفأ كل الضوء، وغرقت الغرفة في سواد كامل.

آخر ما شعرت به ليان قبل أن تُسحب في الظلام، هو يد باردة، نفس اليد التي أخذت المفتاح… تمسك بها بقوة، وتسحبها إلى مكان لم تره من قبل.

                       

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حِين يُفتَـحُ البَـاب

المؤلف la regina 👑🎀
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة