المقدمة

المقدمة

14 0

كيف يتحصّل الإنسان على قيمته وسط المجتمع؟

وهل يُمكن للناس أن يكونوا متساوين حقًا، كما تُردد الشعارات؟

في الخيال العام، في الكتب القانونية، في الخطب السياسية وفي مناهج التعليم، يُلقَّن الطفل منذ نعومة أظفاره أن "الناس سواسية كأسنان المشط"، وأن الكرامة لا تُشترى، وأن القيمة تنبع من الداخل، من الأخلاق، من الاجتهاد، من الصدق والعمل.

لكن، متى خرج ذلك الطفل إلى الشارع؟ متى دخل أول مرة إلى ساحة من ساحات الحياة، إلى فصله المدرسي، إلى ملعبٍ، إلى حيٍّ فقير أو حافلة مكتظة...

أدرك أن هذا الكلام مجرّد صدى بعيد، يُردد على الألسنة، لكنه لا يُطبَّق إلا نادرًا، وغالبًا ما يُنسى.

نظريا نعم، واقعيًا؟ لا، الناس لا يتساوون.

منذ اللحظة الأولى التي يراك فيها الآخرون، يبدأ ميزان التقييم الخفي بالعمل.

شكل وجهك، ملابسك، اسم عائلتك، مدى طلاقتك في الحديث، معدل ذكائك، وحتى تعبير عينيك...

كل شيء يُمحَّص، ويُحكَم عليه، ويُدرَج في لاوعي الجماعة لتحديد موقعك بينهم:

هل أنت واحدٌ من "المقبولين"؟

أم من "الهامشيين"؟

هل تُرى؟ أم تُمرّ من بينهم كأنك ظل لا أهمية له؟

وهنا، يكمن الجرح الذي لا يندمل...

ليس في أن يُحتقرك الآخرون فقط، بل في أن تدرك أن ذلك يحدث لأنك لا تملك أدوات "الظهور"، لأنك لا تصرخ بما في داخلك، لأنك لا تملك ثمن الاعتراف.

رغم أن الجوهر، ذاك الشيء غير المرئي الذي يسكن في أعماق الإنسان، قد يكون أنقى من مياه الجبال، وأصفى من الماس...

إلا أن هذا المجتمع لا يرى الجواهر إلا إن وُضِعت في علبةٍ فاخرة، ومُسحت بلمعة براقة، وحُملت على منصّة.

نعم... هذا العالم غير عادل.

لقد خُلق موزّعًا بين من يمتلكون كل شيء دون أن يطلبوه، وبين من يُجبرون على القتال من أجل أن يُمنحوا أقل القليل.

منذ ولادتهم، وكأنهم خُتموا بختم غير مرئي، يُحدد مصيرهم قبل أن ينطقوا أول كلمة.

الله عز و جل قد خلق جميع البشر، و جعلهم متساويين في كل شيء، إلا أن النفس البشرية هي التي خربت هذا المعنى.

تُمنح قيمة الإنسان على أحد شكلين:

إما أن تولد بها، وتُوَرّثها كما يُورَّث الاسم والدم والنفوذ،

أو أن تبنيها بأظافرك، خطوةً بعد خطوة، من الرماد، من الحطام، من الألم.

فلنأخذ مثلاً بسيطًا:

طفلٌ وُلِد لعائلةٍ ثرية، لها مكانة مرموقة.

منذ لحظة ولادته، يُحيط به الناس بمزيج من الدفء والاحترام.

لا لشيء فعله، بل فقط لأن إسمه مرتبط بتاريخ عائلة، لأن دماءه تحمل وزنًا وهميًا، لأن والده معروف، ولأن منزله ضخم.

هذا الطفل، حتى قبل أن يخطو أولى خطواته في الحياة، حصل على مفتاح لم يُمنَح لغيره: الاحترام المجاني، و النجاح المبكر.

في المقابل...

طفلٌ آخر يولد في حيّ فقير، في بيت لا تصل إليه الشمس بسهولة، يرتدي ثيابًا مستعملة، ويحمل اسمًا لا يعرفه أحد.

هل يُعامل بنفس الطريقة؟ لا.

منذ خطواته الأولى في الحياة، يُحمَّل بأثقال لم يخترها.

نظرات الناس تتغير.

الأبواب لا تُفتح بسهولة.

الخطأ يُحاسَب عليه أضعافًا مضاعفة.

وكأن العالم يُعاقبه لأنه لم يُولد في المكان الصحيح.

في أعين الناس، الفقر ليس فقط قلة مال...

بل نقص في القيمة، وصمة عار، سببٌ كافٍ للإهانة والتنمر.

فمن لا يملك اسماً لامعاً، أو مظهراً جذاباً، أو ثروة تُغري، يُعامَل كأن لا حق له في الوجود بكرامة.

ثمّ هناك نوعٌ آخر من الناس...

الذين يصنعون قيمتهم بأنفسهم، عبر العمل، عبر الإنجاز، عبر الإصرار.

لكن حتى هؤلاء، لا يُمنحون حق التقدير إلا بعد أن يثبتوا أنفسهم ألف مرة، ويصعدوا جبلًا من التضحيات.

لنضرب مثالاً آخر، و هذه المرة من ميدان حياتنا اليومية، ألا و هو....المدرسة.

في كل فصلٍ دراسي، هناك تصنيفات غير مكتوبة، لكنها تُطبّق بصرامة.

الفتيان الوسيمون، أولئك الذين يلعبون كرة القدم أو السلة، المشهورون أو أبناء الأغنياء، غالبًا ما يحظون بالإعجاب والتقرب.

هناك أيضًا النوع الثاني:

العاديون، الذين يُجيدون الحديث، لديهم حضور اجتماعي، أو متفوقون دراسيًا.

يُقبَلون لأنهم "نافعون"، أو على الأقل "ممتعون".

لكن ماذا عن النوع الثالث؟

المُنكسرون، المنعزلون، أولئك الذين يعيشون داخل رؤوسهم.

الأذكياء الذين لا يعرفون كيف يُظهرون ذكاءهم، أو الذين تثقلهم نظرات الإحتقار و التصنيف.

أو مثل حالتي: الهادئون، المتأملون، أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم، ولا يجرون خلف الأضواء.

نحن...

نُعتبر عبئًا.

نُحتَقَر.

نتعرض للتنمر الجسدي واللفظي، لا لذنبٍ اقترفناه، بل لأننا مختلفون عن باقي الطلاب.

لأننا لا نُجيد قواعد اللعبة الاجتماعية القاسية.

بل أحيانًا، يُهينك حتى من يُفترض به أن يحميك، كالمُعلّم، لأنه رأى فيك ضعفًا أو فقرًا.

أنا لم أخطئ.

لم أؤذِ أحدًا.

كل ما في الأمر، أنني وُلدت فقيرًا.

أرتدي ملابس قديمة.

أحب الصمت أكثر من الثرثرة.

أراقب أكثر مما أشارك.

فهل هذا سبب كافٍ للتعرض لمعاملة كهذه، كأنني غير مرئي؟ كأني عارٍ من كل حق؟ كأن مكاني الطبيعي هو الظل، لا النور؟

هل هذه هي قيمة الإنسان التي لطالما تم تدريسنا إياها؟

أن تُقاس بثيابه، بحذائه، باسم عائلته، بصوته العالي، أو صمته الطويل، أو مهاراته؟

وإن لم تكن تملك شيئًا من هذا، فهل هذا يعني أنك بلا قيمة؟

أم أن القيمة الحقيقية... شيء لا يراه أحد، لكنه يظل حيًا، متأججًا، في أعماق من لم يستسلم؟

هل سيأتي يوم تتحقق فيه جميع أمنياتي؟

هل سأحصل على الأصدقاء حقيقين؟ هل سأحظى بالشعبية؟ هل سأجد فتاة أحلامي و من يهتم بأمري؟

لا، أمنيتي الوحيدة هي...هل سيأتي يوم سنعيش أنا و عائلتي مرتاحي البال و بسلام؟

ربما...لن أحظى بكل هذا، لكنني لن أستسلم.

هل للإنسان الفاشل قيمة حقيقية؟

هذا ما سأحاول أن أفهمه في هذه الحياة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وصي الظلام Custodian Of Darkness

المؤلف Arkan Dilan
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة