في مقبرة في أطراف المدينة، و في زاوية بعيدة عن الأنظار. أمام شاهد قبر لم تجف تربته بعد. جثت ماي أمام قبر والدتها و لم تستطع تمالك نفسها من التوقف عن البكاء منذ الصباح. وضِعت يد بلطف على كتفها الأيسر لترفع رأسها بين شهقاتها نحو صديقتها الوحيدة و الشريكة الوحيدة لها في الجنازة _ أوني! ماذا سأفعل الآن ! لقد تركتني أمي ... انخفضت الأكبر بجانبها تضمها إليها مواسية رغم علمها أن الاصغر لن تتوقف عن النحيب فقط ببعض التربيت _ ... كنا سنسافر بعد أسبوع فقط! لماذا تركتني؟ لماذا!... ماتت هكذا! لم تسطتع ماي التوقف عن البكاء و لم تجد أوني ما تفعله كحل إلا إشعار الأصغر بوجودها. بعد وقت ليس بقصير أتاهما القائم على الجبانة لتنتبه له أوني، أبعدت ماي عنها و كوبت رأسها بين يديها تمسح دموعها قبل أن تمسح على رأسها الأحمر و قالت لها بلطف تخفي توترها: _ سأذهب للتحدث مع القائم على المكان لوقت قصير جداً، حسناً... سأعود سريعاً اومأت ماي بين شهقاتها لتتراجع الأكبر للخلف و تلتقط قبعتها و نظارتها الشمسية اللتان ترافقانها دائماً، خاصة في مثل هذا اليوم الصيفي الحار و توجهت نحو المعني. تابعت ماي إبتعاد الأكبر عنها و ذهابها للحارس و قد أدركت رغم عدم قدرتها على سماع ما يقولانه أنهما يتجادلان من توتر صديقتها حتى أخرجت الاخيرة محفظتها و قدمت بعض الأوراق النقدية للحارس الذي قال شيئا استفزها به قبل أن يغادر. عادت أوني و قد احمر وجه من الغيض و قالت بقلة حيلة لماي: _عزيزتي ماي، سيكون علينا الذهاب الآن _ ماذا !؟ لكن... لم نبقى لوقت طويل ! كما ... كما أن كات و ميلودي ... _ أعلم أعلم ... لكننا لا نستطيع البقاء أكثر . إن لم نرد التورط في مشكلة شرعية القبر عبست ملامح الأصغر تنظر لقبر أمها قبل أن تنفذ مرغمة _ أين علينا البقاء الان؟ . . . . . . . . . . _ هيا يمكنك الإعتراف! _ أنت تهذي لم أقل أي شيء _ لا تضغط عليه!... ماثيو خاصتنا خجول التفت ماثيو لمن بجانبه بملل قبل أن يقول مهدداً: _ هل تريد الاستلقاء بجانبه؟ أشار برأسه للمستلقي على السرير المقابل لهما _مالذي قلته؟!... أنت من كان متوتراً و خائفاً من أن يحدث لفيكتور سوء _ أنا كنتُ قلقاً من أن يصاب بإعاقة تمنعه من العمل و يصبح علي تحمل كامل الثقل وحدي _ليس و كأنك لا تستطيع استبدالي بمساعد آخر _ مضى على المساعد البديل أسبوعين و أفكر في طرده بالفعل _ماذا! لاري؟ ... إنه لطيف _ إنه مستفز، فما بالك بجعله يسرد علي جدولي كل صباح ! هذا وحده يفسد يومي كله من بدايته قال ماثيو يعقد ذراعيه لصدره، لم تزل ابتسامة فيكتور مونس المستلقي على السرير تلفه الضمادات و الجبائر، قال مواسياً لصديقه: _ أنت فقط حساس قليلاً. ستكون بخير. _لما لاتضع ماركوس كبديل؟... عليه تعلم بعض الأمور عاجلاً أو آجلاً على أي حال سأل جان الجالس جواره، زمّى ماثيو شفتيه منزعجاً و قال ينهض يتفقد ساعة معصمه: _ تذكرت بأن علي الذهاب لمكان ما بالفعل الآن ... التفت لفيكتور بينما يخرج من جيب سترته الداخلي هاتفه من نوع موتورولا مايكرو و قال يسأله قبل أن يغادر : _... هل ستكون بخير مع تلك الممرضة حقاً؟ _ أنا بخير تمام. إنها تعاملني بلطف _ لا أستطيع أن أتخيل هذا بهيئتها المربية تلك _ ألم تقل أن عليك الذهاب. فقط اذهب لعملك _سأذهب... سأعود لاحقاً ما إن خرج ماثيو و أغلق الباب خلفه حتى سمع جان يتحدث عنه سائلاً: _ هل ماثيو بخير حقاً؟... إنه يبدو مريباً أحياناً. حتى أن أمي لاحظت عدم زيارته لها كالمعتاد _ إنه بخير. إنه فقط العمل... تعلم لم يقف ماثيو كثيراً و غادر المشفى يقصد منزله بدل العودة للعمل. عندما وصل لحييه اخذ الطريق الموازي ليدخل لحدود املاكه دون الإعلان عن قدومه، أخذ الطريق الخلفي ليصل بسيارته حتى المرأب و يدخل من الصوبات و يصعد حتى شرفة غرفته. من غرفته، خرج لردهة جناحه و قصد الباب الثاني من الجهة اليسرى قاصداً غرفة كلبه لأخذه معه. قبل أن يدخل، فتح باب الجناح و دخل منه الدون برايت الذي تفاجئ من وجود ماثيو بالمكان _ سيد دي.كاين؟ عدت مبكراً... كيف حال فيكتور ؟ _ إنه بخير. أين ويليام _ إنه بمكتبه، هل أخبره بقدومك؟ _كلاّ، لا داعي بأن يعلم. أريد أخذ سنو و حسب _ إن شئت، أستطيع تجهيزه لك بينما تنتظر بالأسفل. إن لم تكن تريد مقابلة أحد... او يمكنك ايضا ان تغير ثيابك لاخرى اكثر راحة... ان لم تكن ستعود للعمل في وقت لاحق _ حسنا إذاً. سأعتمد عليك قالها و عاد لغرفته لتغيير ثيابه كما نصحه خادمه، ثم توجه لسيارته حيث وجد خادمه و كلبه ينتظرانه عند السيارة. _ الطقس اليوم مشمس جداً. و درجة الحرارة قد تتخطى سبع و ثلاثون، لتحصل لنفسك على شيء بارد في الطريق، و أحذر من أن تصاب أو سنو بضربة شمس. قدم له في النهاية قبعة شمسية فابتسم ماثيو بخفوت و قال يرجع شعره للخلف قبل أن يرتدي ما قدم له: _هل من توصيات أخرى ؟ أنت تصبح أكثر شبهاً بويليام مع مرور الوقت _ احذر من الطريق و لا تسرع بالقيادة كالمجانين رد عليه الآخر فوراً _ قيادتي طبيعية _طبيعية في ... ضم شفتيه قبل أن يقول كلمته الأخيرة. عقد ماثيو ذراعيه لصدره و قال متحدياً له: _ طبيعية في ماذا؟ أنهي جملتك _ ألا تريد الذهاب دون علم ويليام. غادر الآن رد عليه الدون و أسرع بالدخول. قلب ماثيو عينيه ممتعضاً و دخل سيارته مع كلبه و قادتها مبتعداً. لماذا الجميع يشك في قيادته؟ قرر التوجه لحديقة للكلاب ليتسنى له اللعب براحة مع كلبه، و قبل التوجه للمكان المطلوب توقف عند البقالة للحصول على بعض الوجبات الخفيفة. تجول لبعض الوقت بين المنتجات حتى توقف عند الرقائق المملحة المفضلة لديه. و بينما كان يلتقط ما يرغب به من نكهات سمع اسمه ليقف متفاجئاً يوجه نظره لمصدر الصوت "تمت الصفقة بين كلٍّ من مجموعة دي.كاين المتعددة و شركة لويز للإستيراد بعقد لمدة عام يسمح للطرفين للإستفادة من ..." بينما كانت مذيعة الراديو تسرد تفاصيل صفقته الأخيرة ظل هو واقف عند الكاشير يتابعها بينما يقوم العامل بحساب ماشتراه، سمع البائع يتحدث : _ إنهم محظوظون. أليس كذلك؟ _ أنت محق، عالمهم مختلف عنا. التفت إليهما ماثيو مستفهماً يتابع حديثهما. _ أجزم أن امرأته قلقة دائماً من أن ينظر لغيرها _ ألم تسمع عن دي.كاين من قبل، انه غير مرتبط... و لم يكن له اي فضائح مع نساء _ ماذا؟! أين يصرف أمواله؟ _ يقال أنه يحب الرجال _أوه يا رجل . لو استطعت الوصول إليه فقط _ مالذي تهذي به لديك صديقة _ أجل ... لكنني أتحدث عن المال... سا**** له بدون كلل، و أحصل على مال أضعاف الوقوف لثماني ساعات أبيع السلع الغذائية تابع ماثيو حديثهما بملل و قد اعتاد مثل هذه الأحاديث البذيئة عنه. _ عذراً ياسيد. ألن تدفع بعد ؟ أخرجه من تفكيره الرجل الواقف بجانبه. أضاف العامل معيداً السعر له: _ثمنها ثلاثون ياسيد. بدل ماثيو نظره لما أختاره و بين البائع مفكراً و قد شعر أنه من الخسارة إعطاء المال لمن تحدث معه للتو، فقال يعيد محفظته لجيبه: _ إلغي الطلب. لم أعد أريدها _عذراً؟! نظر إليه ماثيو بشكل مباشر. و قال مؤكداً: _لم أعد أريد الشراء من متجركم _و لكنك قد ... توقف في منتصف حديثه عندما وقعت عينيه على صورة ماثيوس باحدى للجرائد بالقرب من طاول الدفع. و عندما أعاد نظره لمن يقابله أدرك أنه ذات الشخص _... أ-أنا ... ل-لم أكن أعرف أنه أنت و ... _ لا تبكي على ما اقترفته يداك ... قال جملته و غادر المتجر مقرراً أن يذهب لغيره. _... أكره حياتي ... دمدم منزعجاً عند دخوله لسيارته الثمينة القديمة من نوع شيفورليه كامارو الجيل الثاني حيث استقبله كلبه لاهثاً _... لنذهب لمكان آخر ياصديقي. مايبيعه هؤلاء قذر . . . _ هل ... أنتِ متأكدة من هذا ... منزل دي.كاين؟! استنكرت ماي تلتقط كوب الشراب الساخن من صديقتها الأكبر. جلست أوني في الكرسي المقابل لها تضع كوبها على الطاولة بينهما و قالت مؤكدة: _ إنه أفضل مكان أمن أعرفه... كما أنكِ لن تظل كثيراً هناك _ لكن أوني... المنزل كله رجال ! كيف سأدخل لهناك أساساً _ لا تقلقي بشأن هذا. لدي فكرة لهذا. المهم أن تثقي بي... حسناً _ بالتأكيد أنا أثق بكِ ... أنتِ الوحيدة معي.
Our_hope126