الفصل الأول/ هاوية الحُب.
----------------------------
كنتُ أقرأ كتاب بعنوان (لا تقع في هاوية الحب فسقوطك لا قيام بعده) ،لطالما قرأتُ الكتب التي تتحدث عن إستخدام العقل والإبتعاد عن آراء القلب الساذجة.
لكن دوماً كل آرائي تختلف عن آراء أمي حتي أذواقي في الملابس.
فمثلاً أنا أحب اللون الأسود وأغلب ملابسي بهذا اللون كما أنني لا أحب الألوان الزاهية مثل: (الأصفر، الزهري ،الاحمر الفاقع ،الأخضر ،...).
بل الألوان الهادئة مثل: (الأحمر القاتم ،الزيتوني ،النَبيتي ،البُني ،وبالطبع أساسهم الأسود).
ما المشكلة في هذا؟
لا أعلم أنا أيضاً كما أنت لاتعلم.
كما أن رأيي بعدم الزواج يجعلها تتشاجر معي بالأيام.
دخلت أمي غرفتي فجأة قائلة:
-كيف حالك يا (سراب).
قلتُ لها بإنشغال في قراءة الكتاب:
-بخير يا أمي ماذا عنكِ؟
قالت لي وهي تجعل الحديث يسير في طريق لا أحبه:
-انا بخير ،أريد أن أتحدث معك بخصوص أمر مهم في حياتك.
نظرتُ لها بنصف عين بينما أركز علي الكتاب:
-ما هو الأمر؟
قالت أمي:
-بصراحة.. سيأتي اليوم عريس لخُطبتك وأنا أراه مناسـ ....
قاطعتها بغضب مكتوم وأنا أجزُّ علي أسناني:
-قلتُ لكِ يا أمي لا اريد الزواج.
ردت عليَّ قائلة بغضب:
-لا تنسي نفسك يا (سراب) أنتِ في نصف العشرون من عمرك ومن كانوا يأتون في شهر لخُطبتك أصبح نصف عددهم يأتون في عام.
قلتُ لها بعدم إهتمام:
-سأظل أرفض الجميع حتي أموت.
قالت لي قولاً طعنني:
-ستموتين وحيدة كما تعيشين وحيدة ليس لديكِ إبن يرعاكِ ولا رچلٌ يحميكي بعد موتي، ستموتين مكانك وأنتِ لم تفعلي أي إنجاز في حياتك سوي قراءة الكتب التي يؤلفها أغبياء مثلك ،ياليتكِ لم تأتِ ويا ليتني لم ألدك أنتي فتاة ملعونة.
كتمتُ دموعي وقلتُ لها بصمت كئيب:
-أرفضيه كما تفعلي دوماً سأنام بقية اليوم أتمني أللا يزعج أحد نومي تصبحين علي خير يا أمي.
ردت عليّ رداً قاسياً:
-أتمني أن تنامي ولا تستيقظي مرة اخري فأنا لا أراكي أساساً في حياتي.
وصفعت الباب بشدة جعلت قلبي ينتفض وبدأتُ أشهق ودموعي تهبط بغزارة، يا أمي أحقاً تتمنين أن أموت ..أتريني لعنة في حياتك ..أم أنكِ لا تريني من الأساس كما تقولي؟!
لم أنم كما قلتُ لها بل أمسكت هاتفي المحمول وأخذتُ أبحث عن أقرب موعد لتذكرة إلي تركيا فالشركة التي أعمل بها في عاصمة موطني لديها فروع أخري كبيرة في إسطنبول وقد عرضوا عليّ أن اسافر للفرع الآخر لأنه يحتاج إلي موظفون يمتلكون كفائتي وأنا طلبتُ منهم إمهالي فرصة للتفكير.
لا أعلم ماذا أفعل في أمي هل أتركها وحيدة ام أخذها معي ..إتخذت قراري أن أتركها وأسأل عنها من وقت لآخر فأنا لستُ شيئاً بالنسبة لها كما تقول دوماً فلا أعتقد أنها تهتم بوجودي من عدمه.
تحدثتُ مع مديري وأنا أطلب منه بنقل ورقي إلي الفرع الآخر في إسطنبول وبعد بحث طويل وجدتُ أن هنالك طائرة ستذهب مساء غداً إلي إسطنبول الساعة الحادية عشر مساءً وهناك مقعد واحد فقط فارغ ،حجزتُ التذكرة سريعاً قبل أن يأخذها غيري ،هذا موعد ممتاز حقاً سأذهب صباح الغد لأخذ ورقي من الشركة وأعود للمنزل لتحضير حقيبة السفر وسأقول لأمي قبل أن أذهب للمطار مباشرة حتي لا تتشاجر معي وتجد أن الوقت لا يسمح بالخلافات.
أخذتُ أعبث بهاتفي وأتصفح أحد برامج التواصل الإجتماعي ووجدت فتاة تنشر منشور علي هذا البرنامج تقول فيه : أحب أمي كثيراً فهي مصدر إلهامي للعمل والإبداع والنجاح الدائم ،هي دوماً من تشجعني علي كل شئ ...أحبك يا أمي ، وأحب أبي كثيراً فهو صديقي الذي لطالمتُ أحكي له عن طموحاتي وهو يساعدني علي تحقيقها هو اليد المعاونة لي وعندما أقع هو أول من يساعدنا علي الصمود للوقوف مجدداً...أحبك با أبي.
بكيتُ كثيراً ... فأنا تعيسة الحظ.
أبي قد مات قبل ولادتي بشهر في حادث مروري وأمي تكرهني لأنها تراني وجه الشؤم علي أبي وأنه مات بسبب (النحس) الذي سببته له ولها.
ياليتني لم أولد كما قالت أمي.
في اليوم التالي إتجهت صباحاً إلي مكتبي وأخذتُ أُلملم أوراقي المهمة وأدوات عملي وأخذتُ ورق نقلي من المدير وبعدها إتجهت إلي بعض الأماكن لشراء ملابس جديدة وأدوات بسيطة من وطني للتذكار فإن أردتُ العودة من تركيا إلي وطني مرة أخري سأستغرق عام كامل في تركيا ثم أعود مرة أخري إلي شركتي هنا كما كُتِبَ في العقد.
عُدتُ إلي المنزل بعد أربع ساعات وأنا خارجه وبدأت بتحضير حقيبتي سريعاً وأخذت صورة لأمي التي لطالما أحببتها وهي لم تُحبني أخدت الصورة حتي أتذكرها و أُشاركها تفاصيل يومي كما تمنيتُ أن أفعل دوماً معاها.
دخلت أمي غرفتي وهي تقول بغضب:
-إلي أين أنتِ ذاهبة يا فتاة؟
قلتُ بهدوء:
-سأسافر بعد ثلاث ساعات إلي إسطنبول للعمل في فرع شركتي الآخر فهو يحتاج إلي موظفين وأنا من ضمن المُختارين.
قالت أمي بغضب:
-وتتركيني؟
قلتُ بنفس نبرة الهدوء:
-أنتِ لا تريني يا أمي كما قُلتي أنا كالأموات في حياتك.
قالت أمي ودموعها تنساب:
-لطالما حاولتُ أن أحبك ولكن أفعالك تمنعني عن ذلك دوماً لا تنصتين إليّ أنتِ فتاة سيئة.
وخرجت وهي تصفع البابا كما إعتادت أن تفعل ولم أجفل مما فعلته فأنا أصبحت بلا شعور.
(أنتِ فتاة سيئة)...
قبل خمسة عشر عاماً .....
فتاة تُدعي (سراب) تبلغ من العمر عشر سنوات بيضاء البشرة وعيناها بُنيتان تُخفيان في أعماقها آلام لا يشعر أحدٌ سواها ....من علم بأحزانها أنكر أنها بهذا السن ،كما يقولون (آلامها أكبر منها).
-ما إسمك يا جميلة؟
قالتها إحدي الفتيات..
ردَ عليها سراب بخجل:
-إسمي ..إسمي (سراب) وأنتِ.
قالت لها الفتاة بطفولة مشرقة:
-أنا ناي ،إسمك جميل يا (سراب) هل بإمكاننا أن نصبح أصدقاء.
ردت عليها (سراب) بِوجه مُشرِق لأول مرة منذ جائت علي أرض الحياة:
-بالطبع يا (ناي) فأنا لا أملِك أي أصدقاء.
قالت (ناي) بسعادة:
-إذاً هيا لنلعب.
أخذت سراب وناي يلعبان في وقت الإستراحة حتي إنتهي ودق جرس الحصة..
(سراب) كانت في العام الثاني لها في المدرسة وكانت فتاة إنطوائية حزينة تُشارك أحزانها وحدها.
فتاة لا تلعب ولا تضحك ولا تُدلل ولا تقوم بحفلة عيد ميلاد ولا تذهب للنزهة في أي مكان بل هي من المدرسة إلي المنزل فحسب.
وعندما قابلت (ناي) أول يوم لعامها الثاني الإبتدائي في المدرسة إختلفت كثيراً...
أصبحت تلهو..
تضحك..
تُشارك الطعام..
تتنافس معها علي المراكز الأولي في الفصل..
كانت (ناي) خير صديقة.. أو كان هذا ما إعتقدته (سراب).
آخِر يوم دراسي في الصف السادس الإبتدائي:
سراب ...ليست نفس الفتاة ...حزينة ...فقد حدث ما لم تتوقعه.
في أول يوم في الصف السادس الإبتدائي إنتظرت (سراب) صديقتها (ناي) بالمكان الذي يتقابلان فيه دوماً للذهاب إلي المدرسة سوياً ،تأخرت (ناي) كثيراً وإضطرت (سراب) الذهاب للمدرسة وحدها وفي طريق عودتها قررت أن تذهب لبيت صديقتها للإطمئنان عليها.
وصلت (سراب) المدرسة وإتجهت إلي فصلها سريعاً وعندما دخلت ذُهِلت مما رأته...
كانت (ناي) تجلس بجوار فتاة ويُشاؤكان أقلامهم للكتابة في الدفتر... فعلت (ناي) ما إعتادت أن تفعله مع صديقتها مع فتاة أخري؟
نظرت (سراب) نظرة لوم إلي صديقتها وذهبت إليها تقول:
-إنتظرتُكِ كثيراً يا (ناي) ولم تأتِ لماذا لم تُقابليني؟
قالت لها (ناي) ببرود لم تعتاده منها (سراب):
-ذهبت مع (رؤي) صديقتي للمدرسة.
صُدمت (سراب) مما قالته لها صديقتها وقالت بتعجب:
-لا أفهم شئ هل إستبدلتيني حقاً.
ردت عليها (رؤي) تُغيظها:
-أوه هل أنتِ (سراب) ،لقد حكت لي صديقتي المُقربة (ناي) عنكِ ،قالت لي أنكِ فتاة معقدة وأمك تكرهك وأبيكي مات بحادث قبل ولادتك ،كما قالت أنكِ كئيبة جداً وتُشعريها بالملل ، أُصدقك الآن يا (ناي) إنها فتاة ساذجة حقاً.
تجمعت الدموع في عيون (سراب)وقالت:
-لـِ ..لماذا يا ..يا صديقتي فعلـ ..فعلتي بي هكذا ،خذلني الجميع وإستبدلتهم بكِ ،وجدتُكِ شمس تُضيئ حياتي لأجدك اليوم تُطفئيني، أكرهك أكثر من حياتي يا لعنة حياتي.
ضحك كلاهما علي (سراب) وجائت من خلفها المعلمة تقول بغضب:
-(سراب) أنتِ خارجة الحصة لمخالفتك قواعد الإلتزام في الفصل.
- ولكن..
-هيا يا فتاة أُخرجي من الفصل أريدك أن تقفي خارج الفصل حتي أُنهي الحصة مفهوم؟!
قالت (سراب) بإنكسار:
-مفهوم يا معلمتي.
تبكي بإنكسار ..
تقطع عهداً بل ألف عهد اللا تُصدق بني البشر ..
لن تُصدق حُبهم لها..
ولن تُصدق صداقتهم لها..
في طريق العودة وجدت (سراب) صديقتها القديمة (ناي) و(رؤي) يضحكان معاً مُتعمدتان إغاظتها ولكنها لم تعد تهتم إنتهي الأمر.
عادت (سراب) للمنزل منكسرة ..حزينة ..علي وجهها علامات بُكاء شديد ،قالت أمها لها:
-ما بكِ يا (سراب)؟!
إرتمت (سراب) في أحضان أمها تبكي بشدة لتُبعدها أمها قائلة بحنقٍ:
-ما بكِ يا (سراب)؟!
قالت سراب وشهقاتها الباكية تعلو اكثر فأكثر:
-تخلّت عني صديقتي لم يعُد لي أحدُ الآن أصبحت وحيدة بلا اصدقاء كما كُنت.
ردت أمها رداً لا يليق بأم:
-أنتِ لا تعلمين كيف تختاري أصدقائك لطالما كنتِ فاشلة في كل شئ ،في تكوين الأصدقاء ،وفي الإعتناء بواجباتك ،أو حتي كنتِ فاشلة في محاولتك لإكتساب قلبي ،أنتِ فتاة سيئة ...سيئة جداً.
ضربات قلب سريعة ....
سريعة جداً ....
لا نفس ....
ولا هواء ....
بل هلاك ....
فحسب ....
وقعت (سراب) أرضاً وهي صريعة مستسلمة لِما سيحدث لها.
غابت الصغيرة في دوامة إستمرت شهران كاملين لا يعلم أحد متي تستيقظ منها، كانت تهرب من الواقع لا تُريد العودة له مرة أخري.
تتذكر سراب ما حدث لها لتهبط دمعة تلقائية من عيونها وتهبط علي جفونها لتُلاحقها المزيد من قطرات الدموع.
هل يشعر بها أحد؟! -لا.
هل وقف بجانبها أحد؟! -لا.
هل تقبّل أحد مشاعرها؟! -لا.
هل يُحبها أحد؟! -لا تظن!
((سراب))
جففت دموعي بكف يدي وعدتُ لتجهيز حقيبتي وبعد المزيد من الجهد والتعب أغلقتُها ووضعتها أمام باب غرفتي وفتحت مقبضه لأجد أمي ملقاه علي الأرض صريعة.
صرخت وأنا أقول:
-أمي ...أمي ...يا أمي أرجوكِ إستفيقي.
وبعد ذلك إتجهت لإحضار كوب من المياه وبدأت اضع القليل منه علي وجه أمي وأنا أكفكف بالمياه علي وجهها بعدها إستيقظت..
-ماذا حدث؟
قلتُ لها وأنا أخرج زفيراً:
-لا شئ يا أمي أنتِ بخير أليس كذلك؟!
قالت أمي وقد عادت إلي كلامها الجاف معي:
-نعم أنا بخير هيا أتركيني حتي لا تتأخري علي طياراتك.
-ولكن..
قالت لي مقاطعة:
-لا تناقشيني كثيراً إرحلي عن وجهي أنا أكره وجودك من الأساس وإن مُت فأوصي أللا تحضري جنازتي.
صمت..
صمت كعادتي وأنا أري طعنات كلماتها تُقطع قلبي لأشلاء، ليلملم نفسه من جديد ويحاول التعافي ولكن ...ما يُكسر لا يمكن تصليحه.
أخذت حقيبة سفري وإحتضنت أمي بينما هي واقفة وتضع كلتا يداها جانبيها ولا تشاركني شعور الإفتقاد و...الحب.
تركتها وأنا أكتم دموعي وشهقاتي حتي رعشت كلتا يداي بشدة.
وضعت الحقائب في حقيبة السيارة وجلست علي مقعدي وفي لحظة تحرك السيارة من أمام بيتي صدرت مني شهقة عدمت صوتي، شهقة خروجي من المنزل كأنها تُخرج معها الكتمان والصمت والحزن والغضب والظلم والقهر ...واااااه من قهري وكسر قلبي.
في منتصف طريقي تركت سيارتي تمتلئ بالبنزين بينما ذهبت أنا للمحل المجاور لها وإشتريت الكثير من المقرمشات الخفيفة واخذتُ من المقهي الذي يجاورها قهوة ساخنة ،كنت أريد أي شئ ساخن لإسترجع صوتي.
كم أنا اكره الحياة الظالمة تلك..