١

١

20 0

إن لم تكن تعلم أين تذهب فكل الطرق تفي بالغرض. يبدو أنني ضللت طريقي قبل أن أسلكه، ضللته حين سجنني ضوء سيارة نقل في زنزانة لمدة عامين أثنين جليس الفراش لا أذكر أي شيء يخص حياتي بتلك الفترة. حاولت عدة مرات استرجاع أي حدث سبق تلك الحادثة، وبكل مرة حاولت كنت أضل طريقي أكثر فأكثر، فاستسلمت للحاضر وتركت الماضي وشعرت أني أبدأ جزء آخر من قصة لا أعلم بدايتها. أهذا ما يسموه بالاستسلام؟ أم أن هذه المعركة الفردية قد خسرتها بالفعل وكل تلك المحاولات المتكررة ليست لها فائدة. راقبت بنايتي السكنية بنفس الوقت الذي أشعلت به سيجارة إلكترونية فقد مُنعت عن التدخين نظرًا للضرر القوي الذي تعرض له جسدي. كل خطوة كنت أسلكها إلى منزلي كانت أبعد من التي قبلها، ويبدو أني نسيت كيف أشعر بالألفة. حملت الحقائب وألقيت التحية على الجيران وتمكنت من تمييز أغلبيتهم وشعرت بأمتنان شديد لوجودهم، وقد أنساني ذلك جزء كبير من الأيام الشاقة التي قضيتها طريح الفراش سجين أكبر كوابيسي غير قادر على الاستيقاظ. بادلتهم بعض الأحاديث القصيرة ورافقتني أمي وكانت تسندني على كتفها الأيمن رغم صعوبتها على المشي فقد كانت تحمل حقيية ملابسي بيدها الفارغة. حاولت سحب نفسي برفق من وسط الحشد الذي حاوطني فقد بدأت أشعر بالصداع الذي بدأ بأكل الجزء السليم من رأسي ونجحت بالسير عدة خطوات بعيدًا عنهم وحملت مفتاح منزلي وكدت على وشك صعود أول درجات السُلم المتآكل ولكن أوقفتني قطة سوداء جعلتني أنتفض كالأبله من شدة هلعي. وضعت باطن يدي على صدري وتنفست بسرعة كبيرة وشعرت بالذنب لأن هلعي منها أشعرها بالخوف الشديد الذي جعلها تنكمش على نفسها بإحدى زوايا المبنى. ربتت على رأسها لتهدئتها وحملت مفتاحي الذي سقط من يدي إثر ما حدث، من ثم فتحت باب منزلي الذي تشاركته مع أمي منذ الصغر وكنا دائمًا معًا أنا وهي فقط منذ وفاة والدي. نظرت لنفسي بالمرآة ولم أتعرف على مظهري فهذا الشعر القصير الذي بالكاد يلمس أذني يشعرني بالغرابة. لطالما كان شعري طويلاً ولم أفكر بقصة أبدًا ولكن الأطباء لم يكن لديهم أي خيار آخر سوى قصه كُله لإجراء العمليات الجراحية التي أبقتني على قيد الحياة إلى الآن والتي كانت أيضًا متفرقة على ستة أشهر. أطفأت السيجارة واتجهت لغرفتي وأطلت الانتظار أمام بابها فلا أعلم كيف سأتقبل كم المشاعر الفائضة التي ستُقابلني الآن فأجلت هذا اللقاء الحارق للاحقًا. "الجميع سعداء لقدومك ويتمنوا لك السلامة" التفتت على صوت الحقائب التي ارتطمت بالأرض وتبعها صوت إغلاق باب المنزل. "لقد أعددت لنا الطعام دقائق وسيكون على المائدة" لوهلة شعرت أن ذلك الفراغ الكبير والمصنوع من العدم قد أختفى وشعرت أيضًا أن كل شيء على ما يرام وكأن تلك الحادثة المُريعة لم تحدث من الأصل وربما أنا من اختلق هذا الشعور للتكيف مع الوضع الحالي. ربما تلك الحادثة كانت مُفجعة لحد كبير وربما كنت فاشلاً في نسيان كل شيء سواها. انتابني التعب والضجر. لا يمكنني تخطي ما حدث. كيف تحولت حياتي بهذا الشكل، وكيف أمشي بصعوبة بالكاد أسير بسبب الضمور العضلي بساقي اليسرى، فقدت ليونة جسدي وطاقتي على الحركة بطلاقة بشكل كامل وفور استيقاظي من الغيبوبة كان هذا الخبر الأول الذي اتلقاه فلم أملك الوقت لتقبله لأني فُجعت بخبرًا آخر وهو أني لا أذكر أي جزء من حياتي خلال العامين السابقين. بدوت مُثيرًا للشفقة، وكرهت شعوري بالضعف وأردت الاختفاء ولم اتحمل نظرة شفقة واحدة تجاهي فكل شفقة تلقيتها أكدت لي أن المستقبل بالنسبة لي شيء معدوم. التقطت مفاتيحي وغادرت بلا وجهة وبلا هدف فقد شعرت بالاختناق وربما رفضت فكرة البدء من نفس النقطة التي هجرتها. كنت أسير مُستندًا على عُكاز معدني صُرف لي بالمجان نظرًا لإعاقتي، أسير بالشوارع المحيطة لمنزلي وقد تغيرت كثيرًا عن السابق على حسب ما أذكر. أوشكت الشمس على الغروب، فالنهار يكون قصيرًا جدًا بفصل الخريف، ومن المفترض ألا يزعجني ذلك كثيرًا لأني شخص يعشق الأجواء الليلية، ولكن لسبب ما أختفاء النهار بهذه السرعة أشعرني بالكآبة وربما غرسها داخلي بشكل أعمق. لم يتوقف هاتفي المحمول عن الإهتزاز بالفعل لاحظت أمي اختفائي، فأرسلت لها رسالة نصية لتهدئتها وأغلقت هاتفي من بعدها أردت إفراغ رأسي وأردت ألا ينتفخ رأسها بعبثي. رأيت القطة التي رأيتها مُسبقًا تتناول طعامها بإحدى الأزقة غير مبالية لمن حولها وخِفت أن أربت على رأسها فتهرب مني مجددًا لذا تركتها لحالها وابتعدت أكثر عن منزلي وإن ضللت طريقي فقد ضمنت لنفسي تذكرة الرجوع خلالها. كنت أطوف الشوارع المألوف منها والغريب إلى أن شعرت بالتعب وجلست على إحدى الكراسي الفارغة بمنتزه شِبه مهجور من الناس، والسبب في ذلك هو بدء موسم الدراسة وانشغال الناس ولم أكره هذه الفكرة فقد ملكت المكان لنفسي لبرهة.  تفحصت المنتزه من حولي واستوقفتني شجرة محنية تزرف أوراقها الأخيرة وسط صوت رياح خفيفة أخذت بنتف الأوراق بشكل أسرع إلا من ورقة صغيرة تشبثت بفرع الشجرة بقوة ولم أفهم أكانت الشجرة من تُعافر للحفاظ على آخر قطعة تُجسد هويتها أم أن الورقة من كانت تحارب للبقاء في موطنها الأصلي لكي لا تفنى؟ كل تلك القصص أختلقها عقلي لتناسي الشيء الأهم وهو فقداني لحياتي ولمستقبل كنت أعافر للوصول له ولآمال وطموحات قد أفسدها حظي العثر.  لم أكن الشخص الذي يجلس ويتأمل مظاهر الطبيعة أثناء تغيير الفصول ولا أذكر أني كنت شخصًا عاطفي سريع التأثر ولكن لسبب ما كل ذلك تغير حيث استيقظت من سُباتي وبِتّ أرى كل شيء بطريقة مُختلفة فقد أيقنت أن تلك الشجرة ستُزهر من جديد بحلول الربيع وسأظل أنا عالق بدوامة الخريف أتشبث بقشة ضعيفة وسط ريح عاصفة ترفض السكون. تداركت نفسي وكيف قادني عقلي لأماكن مظلمة لم أُدرك وجودها بداخلي فهربت وسارعت بالرحيل وإن تمكنت من الركض لركضت من هذا المكان الذي حلت به الكآبة فجأة. أخذ عكازي يضرب في الأرض الأسفلتيه سريعًا فكنت أسير ملاصقًا للمباني السكنية وتجنبت السير بالطرق السريعة لتفادي السيارات.  حل الليل بالفعل وأنا هائم في طريق لا يقودني إلى المنزل، وبلمح البصر التقى جسدي بسطح صلب وبارد ولم أُدرك ما حدث لي وقد كنت مُجمد بمكاني غير قادر على إبداء رد فعل مناسب سوى تآوهي المُتألم إثر السقطة. "أنا حقًا آسفة لم أقصد…  يال حماقتي ..د..دعني أساعدك" رفعت بصرى ببطء ولم أرى سوى ثلاثة صناديق ضخمة ولم أرى الشخص المُتحدث من خلفهم ولكنه كان صوت أنثوي رفيع وصاخب. "المعذرة كنت أحمل تلك الصناديق الضخمة وكنت على عجلة من أمري وارتطمت بك...سامحني على هذا الخطأ الغير مقصود و..و..أعتذر لك من جديد أُكن لك الأسف الشديد.. " سقطت الصناديق أرضًا واستطعت رؤية وجه الفتاة من خلفهم وخاصة شعرها الأشقر المصبوغ بدرجة غريبة وغير مألوفة من اللون الأشقر، وملابسها التي لم تمت لفصل الخريف بصلة فقد ارتدت ألوان فاقعة أشبه بأقلام التحديد. "دعني… د..عني أساعدك" كانت تتحدث بسرعة رهيية وبدى عليها التوتر والخوف، وبالحقيقة لم أملك الطاقة الكافية للومها حتى لذا اكتفيت بهز رأسي بنعم ويبدو أنها لمحت عكازي مُلقًا بجانبي وأدركت عجزي عن الوقوف. مدت لي ذراعها وتشبثت به من ثم ناولتني عكازي وتأسفت لي من جديد.  "هل أنت بخير" خاطبتني وأخذت تتفقد وجهي وأظنها كانت تبحث عن أي إصابات ظاهرة. "أنا بخير شكرًا لكِ" أردت أن أرحل بعيدًا وأردت أن أدفن وجهي كالنعام وقد أشفقت على نفسي وكان يجب أن أركض إن وتذكرت من جديد فقداني لتلك المهارة، ولكن تلك الفتاة ترفض أن تدعني وشأني فكانت ترمقني بنظرات غير مفهومة وكأنها في حيرة من أمرها لإخباري بشيء. "لا أظن أنك على ما يرام وبالحقيقة أشعر بندم شديد وأود أن أُقلك إلى منزلك فأنا برفقة زميلي بالعمل ونملك سيارة لذا دعنا نُقلك إلى المنزل" صمتت لبُرهة من الوقت وأشحت بنظري لأجد زميلها الذي تحدثت عنه وكان طويل القامة وقوي البنية فنزل من السيارة وحمل صناديقها التي أسقطتها مُسبقًا وأدخلهم بحقيبة السيارة الخلفية. أشحت بنظري من إلى الفتاة وشعرت بالملل من إلحاهها الشديد وإصرارها على المساعدة. فأجبتها بحنق. "لا داعي فمنزلي ليس ببعيد" أزاحت الفتاة بصرها إلى زميلها الذي كان يضرب بوق سيارته ليُجبرها على الإسراع من ثم أشاحت بنظرها لي من جديد. "رائع سنُقلك بطريقنا إذًا..أفسح مكانًا يا چو بالمقعد الخلفي من السيارة سنأخذه في طريقنا" لا أنكر شدة سخطي وغضبي وشعوري بالريبة تجاهما، وبنفس الوقت لا يوجد شيء لأخسره ليس وكأنهما سيصنعا ثمنًا جيدًا إن باعا جسدي لدى تجار الأعضاء فهذا الجسد بالكاد يعمل وأظن أنهما أدركا هذه الحقيقة. ركبت بالمقعد الخلفي وأدخلت نفسي بصعوبة وكانت السيارة مُعبئة برائحة معطر ممزوجة برائحة كُتب جديدة. "أُدعي نانسي وهذا زميلي چو" قدمت نانسي نفسها من ثم أشارت لزميلها الذي أومأ بثِقل وكان على وشك ركلى وركلها من السيارة إن سمحت له الفرصة. "كيان" قدمت نفسي باختصار ولم أجد العديد من الأشياء التي أعرفها عن نفسي لأقدمها فبالكاد أعرف أين أسكن. وصفت لهما الطريق وأنزلاني أمام المبنى السكني الخاص بي فشكرتهما وسحبت عكازي للرحيل. "فُرصة سعيدة يا كيان، وتصبح على خير..  آسفة من جديد" لوحت لنانسي وشاهدتها تبتعد ولم أمنع نفسي عن الابتسام رغم أنها كادت أن تفتك برأسي ولم أكن مستعدًا لغيبوبة جديدة. وها أنا من جديد أمام منزلي الذي لا يُشعرني بأي شيء سوى الغرابة وكل ما هو بعيد عن الأُلفة. أدخلت المفاتيح بقلب الباب وحركت يدي برفق ولم أكن مستعد للمواجهة التي ستحدث الآن عاجلاً أم آجلاً. أول شيء قابلني كانت طاولة الطعام ومختلف الأطباق المُغلفة لكي لا تفقد حرارتها، وكوبان من الماء، وحقيبة الدواء الخاصة بي ومن ثم أمي التي غطت بنوم عميق وهي مُستندة على سطح الطاولة وكان وجهها مدفون داخل ذراعيها فلم استطع رؤيتها بوضوح. حين ضربت قدمي لكي أتحرك رفعت رأسها لتقابلني ودعكت عينيها لتراني جيدًا وارتسمت ملامح الخيبة والخذلان على وجهها وحين دققت أنا النظر بعينيها وجدتها مُحمرة وأظن أنه بسبب بكائها .. بسببي أنا. حاولت تجميع عبارة واحدة تختصر العاصفة التي بداخلي وكيف أني لم أتحمل المكوث داخل غُرفتي التي ستُذكرني بالفترة التى كنت بها شخص طبيعي لا شخص عاجز ومثير للشفقة، لكنها لم تترك لي الفرصة وسحبت نفسها إلى غرفتها وأغلقت الباب وكاد أن ينكسر من شِدة صفعه. نهاية الفصل ( ١) علشان تتابعوا تحديثات الرواية ممكن تعملوا فولو لحسابي في انستا Rawan343wp .

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خريـف

المؤلف Rawan ali ahmed
2024/06/20 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة