قبل أن تبدأ بالقراءة، أعتذر لك عمّا ستتخيله وممّا ستقرأ، لذا لا تدخل إلا وأنت مستعد.
جئت مجدداً ؟!!.
لقد حذرتك تحمل!!.
قديمًا...
في زمن سحيق، كانت هناك سبع ممالك كبرى متناحرة تحكم العالم:
1. مملكة الرمال
2. مملكة الثلوج
3. مملكة العماليق
4. مملكة الظلال
5. مملكة أرض الشمس
6. مملكة التنانين
كانت هذه الممالك في صراع مدمر دائم، ولكن حلت كارثة على العالم أجبرت الجميع على التوحد تحت لواء واحد لمواجهة تلك الكارثة التي تهدد البشرية.
كانت هناك بوابة تفصل بين عالم البشر وممالكهم المتفرقة، وبين العالم السفلي الذي توحد فيه الجان والعفاريت والشياطين بكل مخلوقاته تحت راية وقائد واحد،
إنه ملك الشياطين ... "لوسيفير" ... !!
تحطمت البوابة على يد امرأة واحدة، ساحرة كانت السبب في خروج ملك الشياطين وجيشه، ولكن مع ذلك لم يخرج جيش العالم السفلي كاملاً، ولم يخرج ملك الشياطين بكل قوته بسبب تجسده في جسد تلك الساحرة، فلم يخرج بجسده الحقيقي.
كانت تلك الفرصة التي توحدت فيها كل ممالك البشر لمواجهة خطر فناء البشرية على يد ملك الشياطين وجنوده. واستطاعوا، بعد عناء كبير وتكبّدوا خسائر فادحة في جيوشهم الموحدة، القضاء على من خرج تقريبًا، رغم أن الجيش والملك لم يخرجا بكل قوتهما. كانت تلك ضريبة الانتصار.
بعض من من خرج منهم — جيوش الشياطين — هرب وعاد إلى العالم السفلي، ومنهم من لقي حتفه، ومنهم من اختبأ في أعماق البحار والجبال والكهوف.
أغلق الملوك السبعة البوابة وقسموها إلى سبع بوابات، في كل مملكة بوابة، لزيادة الأمان والحراسة، ولضمان ألا تُفتح البوابة بالكامل إلا بفتح كل البوابات معًا.
ولكنهم لم يستطيعوا العثور على جثة الساحرة التي كسرت البوابة وتجسّد فيها ملك الشياطين. بحثوا في كل مكان، ولم يجدوا شيئًا، فسلموا لاحتمال أنها ماتت وتبخّر جسدها لأنه لم يستطع تحمل قوة ملك الشياطين.
اتفق الملوك السبعة للبشرية — ملك الرمال، ملك الثلوج، ملك العمالقة، ملك الظلال، ملك أرض الشمس، وملك التنانين — على معاهدة سلام بينهم لضمان بقاء البوابة وسلام البشرية.
استمر هذا الوضع لألفي عام، إلى أن بدأت الحروب مجددًا بينهم، مهددة ومنذرة بتحطم البوابة وعودة كارثة ملك الشياطين من جديد.
بعد ألفي عام...
( ١ )
على مشارف غروب الشمس، حيث حملت الرياح معها أوراق الأشجار الجافة المتساقطة، كانت زافيرا تسير بخطوات هادئة، ممسكةً بيدها اليمنى سلةً مصنوعة من غصون الأشجار، تحوي بعض حاجيات المنزل الأساسية، وفي يدها الأخرى تمسك بيد ابنها الصغير ملاك، الذي كان يسير بجانبها عائدًا من السوق.
كان منزلهما يقع داخل الغابة، التي تبعد مسافة ليست بالقليلة عن سوق مملكة الرمال. وبعد فترة من المشي وسط الأشجار الكثيفة، قال وليم بصوت متعب: — أمي... ساقاي تؤلماني.
ابتسمت زافيرا بلطف، وفي عينيها دفء حنون: — اصبر يا عزيزي، لقد اقتربنا. وأيضًا، لا يوجد رجل يشتكي من تعبه، أليس كذلك يا صغيري اللطيف؟
أفلت يدها واندفع جاريًا أمامها، ثم توقف فجأة، استدار نحوها، ورفع ذراعيه الهزيلتين مستعرضًا "عضلاته" الصغيرة، بينما تعلو وجهه بسمة بريئة: — نعم! أنا قوي جدًا!!
ضحكت زافيرا من تصرفه العفوي، ثم أسرعت نحوه، وحملته فوق كتفيها، قائلةً ممازحة: — نعم، أنت الأقوى في العالم يا زهرَتي الصغيرة، ولكن... ماذا ستفعل إن هاجم أحدهم والدتك الآن؟ هل ستحمي أمك؟
قال بحماس، وهو يلكم الهواء بقبضته الصغيرة، لا يزال على كتفيها: — نعم! سأبرحه ضربًا! هكذا! وهكذا!
ضحكت زافيرا بسعادة، وبدأت بالجري حاملةً إياه على كتفها، فامتزج صوت الرياح بضحكاتهما البريئة... لكن هذه اللحظة الجميلة قُطِعَت فجأة. كان صوت ركض ولهث قوي جداً كأنّ أحدهم يهرب من شيء ما، أنزلت زافيرا ملاك من على كتفيها وانتصب جسدها وشدت كل عضلة في جسدها وكانت كل خلية تسكنها جاهزة للاشتباك مع العدو في أي لحظة.
صمت رهيب يسكن أجواء الغابة لا يقطعة إلا أزيز الرياح وصوت ذالك الشخص أو الشيء الذي يأتي وينقطع:
— ساعدوني!! ساعدوني!! النجدة!! فليساعدني أحد!!
كان الصوت هذه المره قريباً جداً وكان ممتزجا بالخوف والهلع الشديد وصراخ يصاحبه بكاء ميزت زافيرا أن الصوت لفتاه صغيره ولاكنها آثرت البقاء مكانها وعدم ترك صغيرها فلا أحد يأتي لهذه الغابة أبدا لأسباب عدة وأهمها أنها هي من تسكنها.
ومع اقتراب الصوت أكثر فأكثر زاد تلفتها حول محيطها كل خليه في جسدها تعمل كراصد لأي نوع من الحركه أو الهجمات.
صوت انكسار الأوراق ودهس الغصون يقترب أكثر فأكثر وصوت الفتاه يعلو: ساعدوني فليساعدني أحد!!
وملاك لاينفك عن سؤال والدته: امي ماذا يحدث!! ماهذا الصوت ؟
النجدة!!
امي ماهذا الصوت ؟!!
النجدة!!
امي!!
صوت تحطم الأغصان.
بكاء شديد: ارجوكم فلتساعدوني!!
ملاك يصرخ في هلع: أمي أجيبني!!
صوت الرياح يعلو
تتلفت حولها بشكل هستيري … وفجأه بدء يتبدل بياض عيني زافيرا إلى الأسود وبؤبؤها الأحمر من دون أن يراها ملاك ولاكن توقفت وعادت لطبيعتها بظهور فتاة ذات شعر فضي وعيون زرقاء صافية كالبحر، بحله غالية وملابس مدرسية فخمة تنتمي لرواد المدارس الملكية وكان يبدو أن تلك الفتاه ليست من هنا أبدا يبدو أنها من سكان العاصمة.
كانت تركض باتجاههما، أنفاسها متلاحقة، وصرخاتها تتردد في أرجاء الغابة: — النجدة!! النجدة!! فليساعدني أحد!!
ويبدو وكأنها تهرب من شخص ما، أو شيء ما.
لاحظتها زافيرا على الفور، وتأكدت منها، أعطت السلة التي معها لابنها وأسرعت نحو الفتاة، وأمسكت بكتفيها محاوِلةً تهدئتها. لكنها كانت ترتجف بشدة، أنفاسها متقطعة، وجسدها النحيل ينتفض من شدة الذعر.
سألتها زافيرا بقلق: — ماذا هناك؟! هل يلاحقك أحد؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟
كررت زافيرا أسئلتها، لكن الفتاة لم تجب، كانت لا تزال تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقطرات العرق تتجمع على جبينها.
كانت الفتاة في عمر ملاك تقريبًا، لكن ملابسها الأنيقة، ومظهرها الباذخ، يدلان على أنها من سكان العاصمة أرياد. وهذا ما أثار فضول زافيرا، إذ لم يكن أحد يجرؤ على دخول هذه الغابة، وخصوصًا عند حلول المساء، حيث تزداد خطورة الحيوانات المفترسة — هذا على حد مايقال ويشاع بين الناس — ولاكن الغابة خطره لأنها تقطنها هي وعائلتها.
وأخيرًا، وبعد لحظات، تمتمت الفتاة بصوت مرتجف: — سيذبحونني... سيقتلونني!!
اتسعت عينا زافيرا بدهشة، من ولماذا وماذا يريدون من هذه الفتاه ؟ ولماذا يريد أن يتورط احدهم بمشكله مع النبلاء ؟
ازدادت رغبت زافيرا في معرفة ما حدث، فسألتها بسرعة: — من؟ من الذين يريدون قتلك؟ ولماذا؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟
أجابت الفتاة، جسدها لا يزال يرتجف بصوت متقطع وأعينها مثبته في الأرض في هلع: — أشــ .. أشخاص بعباءات سوداء، … وقبعات عليها دائرة تتوسطها .. عين ذهبية...
بمجرد أن سمعت زافيرا هذا الوصف، تغيرت ملامحها بالكامل، تجمدت في مكانها، وشعرت ببرودة تسري في أوصالها. تسارعت ضربات قلبها، وبدأ التوتر يتسلل إلى ملامحها.
في هذه اللحظة، اقترب ملاك منهما، ينظر إلى الفتاة بفضول، ثم سأل أمه: — أمي... ماذا هناك؟ ومن هذه الفتاة؟ أهي من كانت تصرخ ؟
التفتت إليه زافيرا بسرعة، محاوِلة إخفاء اضطرابها، وأجابت بصوت هادئ: — لا شيء يا عزيزي، لقد تاهت عن أهلها، وهربت من إحدى الحيوانات المفترسة.
ثم نظرت إلى الفتاة وسألتها بلطف: — يا صغيرتي، ما اسمكِ؟
أجابت الفتاة بصوت خافت: — نور...
انحنت زافيرا قليلًا، ناظرةً في عينيها مباشرة، وسألتها بجدية بصوت خافت حتى لايسمعهما ملاك: — يا نور، حاولي التركيز، تذكري جيدًا... هل كان هناك وشوم سوداء على ذراعهم الأيمن، أو على أعينهم؟
هزت نور رأسها بالنفي، ثم قالت بتردد: — لا أدري... كانت تلك العباءات تخفي أجسادهم بالكامل، والقبعات غطّت وجوههم، لم أرَ أي ملامح لهم.
تزايدت دقات قلب زافيرا، ازداد الفضول والخوف في صوتها: — كيف عرفتِ أنهم يريدون ذبحك؟ وكيف عثروا عليك؟ وكيف تمكنتِ من الهرب؟
تغيرت ملامح نور، وكأن صدمة ما عادت تتجلى في ذهنها، ثم قالت بصوت ضعيف، متردد: — كنت مع أمي في السوق، كانت تبتاع بعض حاجيات المنزل، وبينما كانت تتجادل مع التاجر، لمحت عصفورًا ملونًا وجميلًا وكان من نوع نادر قرأت حوله من قبل، كان يقف على سطح أحد المنازل القريبة.
توقفت قليلًا، كأنها تستجمع قواها، ثم تابعت: — طار العصفور بعيدًا، فتبعته دون أن أشعر، كنت أركض وراءه حتى ابتعدت عن السوق، لم يعد هناك أي أشخاص أو منازل حولي. ثم...
بلعت ريقها، وأردفت: — هبط العصفور على كتف أحد هؤلاء الأشخاص... خفت، لكني لم أتحرك. وقف أحدهم أمامي، ثم أخرج من كمه الأيسر كيسًا جلديًا صغيرًا، فتحه أمام وجهي، وبمجرد أن استنشقت ما بداخله... شعرت بنعاس شديد، وأغمضت عينيّ.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت: — عندما استيقظت، كنت داخل عربة، وكانوا يتحدثون فيما بينهم، لم أفهم كل شيء، لكن سمعتهم يذكرون "البوابات"، و"الجبل"، و"الشيطان"... كان حديثهم غريبًا، لكن الشيء الوحيد الذي فهمته أنهم ينوون تقديمي قربانًا لهذا الشيطان، لفتح "البوابة الثانية".
زافيرا فزعة في داخلها: البوابه الثانيه!! متى؟ كيف ومتى تمكنو فتح الاولى ؟
اتسعت عينا نور، وتابعت بصوت يختنق: — عندها، لم أتحرك، ظللت أستمع وأتظاهر بأنني نائمة. بعد فترة، أوقفوا العربة، ونزلوا جميعًا لتناول الطعام. استغليت الفرصة، فتسللت وهربت. لم يلاحظوا اختفائي في البداية، لكن سرعان ما اكتشفوا ذلك، فبدأوا بملاحقتي.
— استمررت بالجري، حتى وصلت إلى مشارف الغابة، فدخلت سريعًا للاختباء. لا أعرف لماذا... لكنهم توقفوا عند حدود الغابة، لم يتبعوني إلى الداخل، وبهذا تمكنت من الفرار... حتى وجدتكِ يا سيدتي.
رفعت نور رأسها لتنظر إلى زافيرا، لكنها وجدتها جامدةً في مكانها، تحدّق في الأفق بلا رمشة، جسدها يرتعش، والهمسات تخرج من بين شفتيها المرتجفتين: —... وصلوا... وجدوني...
نظرت إليها نور بقلق، ثم سألت: — سيدتي... هل تعرفين هؤلاء الأشخاص؟
تحركت شفتا زافيرا بصوت خافت، عيناها لا تزالان معلّقتين بالأفق: — وصلوا... كهنة جبل الشيطان...!
* * *
هبت رياح شديدة بجانبهم، هزت أشجار الغابة، حاملة معها إنذار الموت المحتّم لزافيرا. سرت قشعريرة في جميع أنحاء جسدها، وأدركت أن ساعة الصفر قد حانت.
زافيرا بفزع: – "اخترقوا دائرة الحماية! علينا الهرب حالًا!"
أمسكت بملاك ونور، متوجهة نحو المنزل. شهيق وزفير متواصل، تسارع أنفاسها، والوقت يضيق. كانت تركض بأقصى سرعة ممكنة بين الأشجار، محاولة استخدامها كتمويه وستار، بينما تزداد ضربات قلبها هلعًا لنجدة أطفالها الذين ينتظرون في المنزل: زين وسلمى.
ملاك: – "أمي، ماذا يحدث؟ لماذا نركض هكذا؟ هل هناك حيوان يقترب منا؟"
زافيرا، بأنفاس متسارعة: – "ليته كان حيوانًا... أو حتى تنينًا! كان ذلك سيكون أهون علينا من هذه المصيبة."
نور: – "سيدتي، هل هؤلاء هم الأشخاص الذين يلاحقونني؟"
زافيرا: – "تمنيتُ كذبك علي منذ قليل، وتمنيتُ لو أنكِ تتوهمين... لكن لا أحد يملك القوة الكافية والقدرة على كسر الدائرة غيرهمـــ..."
قاطعتها كرة نارية خرجت من بين الأشجار باتجاههم. أحسّت زافيرا بحرارتها، فالتفتت نحوها، وتغير لون عينها اليسرى إلى سواد حالك ، بينما تحول بؤبؤها إلى الأحمر القاني، مع شقوق سوداء متفحمة تحيط بتلك العين. كانت نظرة واحدة كافية لاختفاء الهجوم تمامًا.
زافيرا، متمتمة مع نفسها: – "وصلوا بهذه السرعة...! كوكب، أين أنتَ عندما أحتاجك بجانبي؟ تبا..."
تحركت ظلال بين الأشجار، تحاول الإيقاع بزافيرا عبر هجمات وكرات نارية ، إضافة إلى بعض التعاويذ السفلية، لكن أيًا منها لم يمسها بخدش. مجرد النظر إليها بعينها فقط كان كافيًا لجعل الهجمات تتلاشى وكأنها لم تكن.
ملاك: – "أمي! ماذا هناك؟ أرجوكِ، أجيبي!"
لكن زافيرا لم ترد، فقط تمتمت: – "... كوكب..."
صوت أجش من بين الأشجار: – "لم أتوقع وجودك هنا يا زافيرا... تلك الفتاة كانت مفيدة حقًا، قرار اختطافها كان صائبًا."
– "لماذا تهربين مني؟ تعالي إليّ وسلمي نفسك أنتِ ونور، وفي المقابل، سأعفو عن حياة أطفالك."
زافيرا، بسخرية: – "ههههههه! هل تشتاق إلى عينك، يا ضرار؟ ألم تملّ الهزائم؟ أتريد أن تخسر الأخرى، أيها الفاشل؟ تعلم أنك ورجالك لن تصمدوا لحظة أمامي، من الأفضل لك التراجع والعودة إلى إلــٰــهك الكهل..... صحيح، هل لا يزال ذلك العجوز حيًا؟"
ضرار، بغضب: – "حمقاء! هل تشكّين بموته؟ لو كان كذلك، لنحرتُ عنقك منذ وقت طويل، في الماضي لم تكن لديكِ ذرة مشاعر، ولم يكن لديكِ نقطة ضعف. أما الآن... لديكِ عائلتك، وأصبحتِ لينة... ألم نعلّمكِ أن الحرب خدعة، وأن أول من يخسر هو من يضع الإنسانية والمشاعر في عين الاعتبار؟"
– "أقسم لكِ، سأُنهي أمرك هذه المرة، وسأعود بدمائك."
زافيرا: – "ألا يزال إلــٰــهك المزعوم يحلم بالخروج؟"
ضرار، بثقة: – "سيخرج! سأعود بدمائك وتلك الفتاة، ولن يتبقى الكثير حتى يتحقق ذلك."
زافيرا، بابتسامة ساخرة: – "ومن أين لكَ بهذه الثقة بالنيل مني؟ سأنثر اليوم أشلاءك وأشلاء رجالك لتصبحوا طعامًا للحيوانات."
ضرار، ضاحكًا: – "ليس هذه المرة... لديكِ نقطة ضعف الآن، عائلتك... أو بالأحرى، أطفالك."
أدركت زافيرا سوء موقفها، وراحت تلهث وهي تركض بأقصى سرعتها، تحاول الوصول إلى المنزل قبل فوات الأوان.
توالت الهجمات، لكن دون فائدة تُذكر. استمرت زافيرا في الهرب، تحمي الطفلين، وبعد طول انتظار، ظهر المنزل في الأفق.
نور: – "أين؟ لا أرى شيئًا، كلها أشجار!"
زافيرا: – "أمامك مباشرة!"
خطت نور بضع خطوات، وسرت رعشة في جميع أنحاء جسدها. شعرت بأنها عبرت من شيء غير مرئي. فتحت عينيها، فوجدت أمامها كوخًا خشبيًا صغيرًا، وإسطبلًا بالكاد يتسع لحصانين، وعربة خشبية قديمة تُستخدم للتنقل.
أنزلت زافيرا ملاك ونور، وقالت لهم بحدة: – "أسرعوا! لن يصمد هذا الحاجز طويلًا."
بدأت أصوات الانفجارات تعلو من الخارج، وبدأ الحاجز يتداعى شيئًا فشيئًا.
حملت زافيرا سلمى، ذات العامين، وزين، الرضيع، ثم التفتت إلى الأطفال، قائلة: – "سأنقل نور وزين إلى المدينة الآن، لن يتمكنا من الهرب بمفردهما. أما أنت، يا وليم، فسأنقلك بباقي قوتي إلى خارج الغابة. عليكَ الهرب إلى المدينة فورًا والاختباء هناك. أما أنتِ يا نور، فحاولي الوصول إلى أحد يعيدكِ إلى منزلك."
وضعت رأسها برأس نور، وهمست: – "أرجوكِ، اعتني بزين جيدًا..."
ثم أمسكت وليم من كتفه وقالت: – "يا رجلي القوي، احمِ أختكِ الصغيرة واعتنِ بها جيدًا. اعثر على نور فور تأكدك من الهروب، وحاول البحث عن شخص يدعى "مِلكال". أخبره أنك ابن زافيرا، وسيتكفل برعايتكم جميعًا."
ملاك، بانفعال: – "أمي، لماذا سنهرب وحدنا؟ تعالي معنا! سأحميكِ، أعدكِ بذلك! سأخرج الآن وأقاتل هؤلاء الرجال!"
تعالى صوت بكاء زين وسلمى، واختلطت دموع الفراق بين زافيرا وأطفالها. نظرت إليهم نظرة أخيرة، ثم احتضنتهم بقوة، قائلة: – "آسفة... لن أصمد أكثر من ذلك... ملاك، احمِ إخوتك وحافظ عليهم، هذه وصيتي لك، يا زهرتي..."
وضعت راحة يدها على ذقن سلمى، قائلة: – "اكبرِي، وتزوجي... لكن لا تنسي إخوتك، واعتني بهم جيدًا."
ثم مرّرت يدها على شعر زين الرضيع، وهمست: – "زين... كن سندًا لأخيك، لا تتركه لحظة... كن ظله."
استمرت في احتضانهم وتوديعهم بره من الوقت ولاكنها بدأت تلاحظ تشققات في الحاجز ينبأ بإنياره القريب.
تركت أطفالها وبدأت بتقسيم نور تحمل زين لوحدهما وملاك وسلمى لوحدهما وبأدت برسم دوائر وطلاسم بأشكالٍ غريبة حولهم، وبدأت بتمتمة التعاويذ. اخترق سهم الحاجز وأصاب زافيرا في كتفها، لكن ذلك لم يمنعها من الاستمرار. بدأت شكلها الشيطاني يظهر بالكامل: بشرة سوداء بشقوق حمراء، قرنان في جبهتها، مخالب حادة، وعينان دمويتان تتوسط كل منهما نجمة ذهبية.
استعادت قوتها، وأنهت تعويذة الانتقال قبل انهيار الحاجز بالكامل. انفجر الشعاع، وتفرق الأطفال. وليم وسلمى هبطا خارج الغابة أولًا، بينما زين ونور انتقلا بعدها إلى العاصمة.
زافيرا، بصوتها الشيطاني: – "الإنذار الأخير... خذ كهنتك وعودوا إلى الجبل، وأعدكم أن تعيشوا بسلام بقية حياتكم."
ضرار، ضاحكًا: – "دمكِ، أيتها العاهرة... سأسكر به الليلة، أنا ورجالي!"!