بين يديك يزول الصراع

بين يديك يزول الصراع

34 0

دخل سالم البيت بوجه متشنج وعيناه تحملان غضبًا متوارثًا من لمسة خاطفة دامت لثوانٍ. لم يكن يعرف كيف يصف إحساسه المزيج بين الانزعاج والحرج. هرول نحو الحمام وأغلق الباب خلفه، فبدأ يأخذ شاورًا يغسل به جسده كما لو كان يمحو أثر لمسته غير المقصودة.

زمزم بإستغراب الباب قفل هكذا فجأة؟ صوته سمعتُه، لكنه لم يكن كالعادة يمر بالمطبخ. فضولها دفعها إلى الوقوف على عتبة الغرفة، لم تراه، لكنها سمعت صوت الماء والحمام.

بنبرة قلقة، خبطت على الباب:

ـ "ساِلِم…"

أجابها بابتسامة خفيفة رغم عبوسه:

ـ "أيوة…"

سألته بحذر:

ـ"أنت كويس؟"

ابتسم لها برقة، رغم ضيق قلبه:

ـ"أنا كويس، متقلقيش…'

ثم تذكر فجأة:

- "هاتِي بس طقم ليا… نسيت أخده.''

ردت بسرعة:

-"حاضر."

ذهبت وأحضرت له الطقم وأخبَّرته على الباب، فأخذها وشكرها بهدوء.

بينما كانت زمزم تجهز الأكل على السفرة، خرج سالم من الحمام، وجهه أكثر هدوءًا، وابتسامته تخفي ارتياحه للبيت النظيف والريحة الطيبة التي تعبق المكان. رأى زمزم خارجة من المطبخ، بلبس مختلف عن صباح اليوم، نظيفة ومرتبة، كل شيء فيها يعكس اهتمامها بنفسها.

ابتسم أكثر، تقديرًا لنظافتها وأناقتها، ولحرصها الدائم على أن تكون في أفضل صورة، سواء في البيت أو في مظهرها الشخصي. لم يرها يومًا مهملة في نفسها أو في لباسها، وهذا شعور يملأ قلبه دفئًا.

أسرع مالك بخطواته الصغيرة نحو أبيه وهو يهتف:

ـ "بابا!"

فالتقطه سالم بين ذراعيه بحنوٍّ، ورفعَه عاليًا ثم جلس به إلى المائدة. التفت إلى زمزم يسألها بصوتٍ هادئ:

ـ "فين مكه؟"

ابتسمت وقالت:

ـ "رضعت ونامت من شويه."

أومأ برأسه راضيًا، وبدأوا الغداء في جوٍّ عائلي دافئ.

بعد قليل جلس سالم إلى جوار ابنه وقال بحزمٍ لطيف:

ـ "يلا سملعي، حفظت إيه من القرآن النهارده؟"

تأهّب مالك في جلسته بأدب، وبدأ يسرد ما حفظه بصوتٍ رخيمٍ يلتزم التجويد، فتألقت ملامح الفخر على وجه أبيه. أنهى الصغير تلاوته بجدية، فابتسم سالم ومال إليه يقبّل جبينه:

ـ "ما شاء الله يا حبيبي، ربنا يبارك فيك ويحفظك أنت وأختك. كده أنت ختمت أول جزء في القرآن، وبالتجويد كمان ماشاء الله… تستاهل هدية. اطلبها وتكون عندك بكرا."

تلألأت عينا مالك فرحًا، فهتف بحماسة:

ـ "يعيش بابا يعيش!"

ثم عانقه بقوة.

اقتربت زمزم منهم تحمل كوبًا من الشاي، وقد بدت السعادة على وجهها لرؤية الرابط الجميل بين الأب وابنه. قدمت الكوب لسالم، شكرها بابتسامة، وجلست إلى جانبه تنتظر ما سيطلبه مالك.

رفع مالك أصابعه الصغيرتين بمكر طفولي وقال:

ـ "ينفع اطلب اتنين؟"

ابتسم سالم وزمزم معًا لبراءته، فرد سالم:

ـ "والله أحب أسمعهم الأول."

وقال برجاء:

ـ "عايز اسكوتر… وهَلعب بيه هنا في الشقة أو في الساحة بره. مش هلعب خالص خالص في الشارع."

ضحك سالم وقال:

ـ "إذا كان كده، ماشي. بس هيكون ليه مواعيد… مش طول اليوم تلعب بيه وتسيب حفظك ودروسك. يعني تخلص الأول الحفظ والمذاكرة وبعدين تلعب براحتك. اتفقنا؟"

أومأ مالك بحماس:

ـ "اتفقنا!"

ـ "طيب… وإيه كمان؟ إيه الطلب التاني؟"

ابتسم مالك بمكر أكبر وقال:

ـ "سندوتش شاورما."

انفجر سالم وزمزم ضاحكين، وأردفت زمزم بتأييد مرح:

ـ "أنا أوافق جدًا على الطلب التاني… وبقوة."

ثم مالت برقة على سالم، وقالت بدلعٍ يثير دفء قلبه:

ـ "أكيد يعني بابا مش هيجيب واحد بس… ولا إيه؟"

قهقه سالم وربت على يدها:

ـ "نفسي أفهم عشقكم للشاورما! حاضر… عيوني. غالي والطلب رخيص."

عاد مالك يقفز فرحًا وهو يهتف:

ـ "يعيش بابا يعيش!"

فشدّه سالم إلى حضنه، ثم جذب زمزم إليه أيضًا، وقبّل رأس كلٍّ منهما بحبٍّ يغمر البيت دفئًا.

وبعد حين، استيقظت مكة، فانضمّت إلى السهرة العائلية. ضحكوا ولعبوا، حتى نام مالك في حضن أبيه، وغفت مكة في حضن أمها. حملهما سالم برفق إلى سريريهما، ثم اقترب من زمزم، يطوقها بذراعيه وهمس:

ـ "يومك كان خفيف أكيد النهارده."

ابتسمت له في سكينة وقالت:

ـ "أيامي كلها خفيفة بوجودك."

اقترب منها أكثر، يرد بلغته الخاصة، لغة الحب، ليقضيا ليلة هادئة يغوصان فيها في عالم العاشقين.

في منتصف الليل، استيقظ سالم على صوت بكاء طفلته الصغيرة. فتح عينيه ببطء، ليجد زمزم غارقة في نومٍ عميق بين ذراعيه، لم تشعر بشيء من فرط الإرهاق والتعب. مدَّ يده يعدّل غطائها بحنان، ثم نهض بخفة، وحمل مكة بين ذراعيه. أخذ يتجول بها في أرجاء الشقة، يهدئها ويهمس لها، وظل على حاله حتى اقترب الفجر.

ما إن هدأت الصغيرة وغفت، حتى وضعها سالم في سريرها، ثم توجّه ليتوضأ ويأخذ حمامًا سريعًا، وتهيأ للنزول إلى المسجد لأداء صلاة الفجر.

بعد قليل، أفاقت زمزم، التفتت بجانبها فلم تجد سالم، نظرت إلى الساعة، فابتسمت وهي تهمس لنفسها:

ــ "أكيد نزل يصلي."

نهضت، أخذت حمامها، صلّت، وقرأت وردها، ثم استعانت بالله لتبدأ يومها. جمعت الملابس لتشغيل الغسالة، وبدأت في ترتيب البيت وتنظيفه. ولم يطل الوقت حتى علا صوت مكة بالبكاء، فأسرعت زمزم نحوها، حملتها بين يديها وأرضعتها بحنان، ثم أخذت تهدهدها وتحادثها كأنها تخاطب قلبها الصغير:

ــ "مش عايزة تنامي ليه يا قلبي؟ مش أكلتي خلاص؟ يلا نامي شوية، سيبي ماما تخلص شغل البيت بسرعة قبل ما تنزل."

دخل سالم في تلك اللحظة، فرأى زوجته تحمل طفلتهما وتحاول تنويمها. ابتسم وقال:

ــ "إيه ده؟ هي لحقت تصحى؟"

التفتت زمزم إليه، وقالت باستغراب:

ــ "هي كانت صحت ولا إيه؟"

هز رأسه مؤكدًا:

ــ "أيوة، صحت حوالي الساعة اتنين بالليل، ولسه نايمه قبل الفجر بشوية. وقت الأذان جهزت ونزلت أصلي."

قالت له بحنان:

ــ "طب ما صحيتنيش ليه؟"

أجابها بنبرة مليئة بالود:

ــ "شُوفتك تعبانة ومرهقة، قولت مفيش داعي أصحيكي. يعني لو سهرت بيها كام ساعة، ده واجب عليّا، عليها وعليكي."

ارتسمت ابتسامة رقيقة على ملامحها وهي تتأمل حنيته، ثم قالت:

ــ "طب ادخل نام شوية قبل ما تنزل."

اقترب منها وقال بهدوء:

ــ "طب تعالي نامي إنتي ومكة معايا."

هزت رأسها مبتسمة:

ــ "لأ، لسه هصبن وأخلص شغل الشقة قبل ما أنزل. آخر اليوم مببقاش قادرة أعمل حاجة."

تنهد سالم بحب، ثم مد ذراعيه نحو الصغيرة وهو يقول:

ــ "طب شوفي شغلك وهاتي مكة أنيمها أنا. بلاش تضغطي نفسك زيادة."

ابتسمت زمزم بتقدير قائلة:

ــ "لأ كفاية، إنت سهرت بيها ومنمتش كفاية."

نظر إليها سالم بعينين ثابتتين، ثم مد يده ليأخذ مكة من حضنها وقال بحزمٍ لطيف:

ــ "زمزم، خلاص… الموضوع منتهي."

ثم أضاف وهو يضم الصغيرة إلى صدره:

ــ "كنتي صليتي ولا لسه؟"

أجابت بابتسامة هادئة:

ــ "صليت الحمد لله، وقرأت وردي كمان. كانت مكة صحيت وأنا بقرأ."

ارتسمت بسمة فخر رقيقة على وجهه، ثم أومأ برأسه مطمئنًا. ابتعدت زمزم قليلًا لتنهمك في ترتيب البيت وإكمال عملها، بينما جلس سالم يحمل مكة، يضمها برفق إلى صدره. أخذ يملس على شعرها الصغير ويمسح بكفه على ظهرها برفقٍ حتى هدأت أنفاسها واطمأن قلبها الصغير، ثم أغمضت عينيها وغفت بين ذراعيه بسلام.

رجعت زمزم بخطوات متثاقلة من شدة التعب، ألقت بنفسها على الكنبة وهي تستسلم لأنفاس متقطعة بعد عناء الغسيل والنشر. عينيها تائهة للحظات، تبحث عن شيء يخفف وطأة الإرهاق، وفجأة تستقر النظرة أمامها على مشهد كفيل أن يذيب قلبها ويجعلها تنسى كل تعبها.

سالم ممدد بهدوء، يحتضن مكة الصغيرة بحنان وكأنها جزء من روحه، وذراعاه يطوقانها بحماية طبيعية لا تحتاج لشرح. أما الصغيرة، فقد وضعت يدها الناعمة على خد أبيها، ووجهها الممتلئ البريء مطمئن على صدره، ترتسم على شفتيها ابتسامة حالمة تُشبه المَلَك.

زمزم لم تستطع مقاومة الرغبة في تخليد اللحظة؛ مدت يدها تبحث عن هاتفها، التقطت صورة صامتة وكأنها توثق معجزة صغيرة منحها الله لها. اقتربت بخطوات بطيئة، يدها الأولى تغوص في شعر سالم الغزير، تُداعبه برفق، بينما الأخرى تمرّ على خد مكة الحاني، كأنها تبارك هذا الجمال.

انحنت بخفة، وزرعت قبلة على جبين سالم، ثم أخرى على وجنة مكة، وهمست بدعاءٍ صادق:

"يارب احفظهم ليا… يارب خليهم ليَّا نعمة لا تزول."

وفي أعماقها، علا صوت يقين لم تهتز نبراته:

"أنا مستعدة أخوض التجربة دي مليون مرة… عمري ما هندم على الجوازه ولا على الطريق اللي ربنا خلاني مشيت فيه. ربنا عمره ما بيكتب غير الخير… الخير كله كان في سالم. مش ممكن أكون سعيدة وراضية مع غيره. والله راضية… حتى تعبي راضية… قصاد اللحظة دي، قصاد شوفتكم قدامي كده."

هبطت زمزم درجات السُّلَّم بخطواتٍ ثابتة، ترتدي عباءةً منزلية أنيقة يغلب عليها الوقار والرِّقَّة، وقد أحكمت لفَّ طرحتها بطريقةٍ تزيد ملامحها هدوءًا وجمالًا. ما إن دخلت بيت العائلة حتى بادرت إلى المساعدة كعادتها، تبذل جهدها بصمتٍ ورحابة صدر، رغم ما يلفح سمعها من همسٍ خافت ولمزٍ مستتر واعتراضاتٍ تتكرّر كلما حضرت.

وفي المطبخ، كانت فرح منشغلة بترتيب بعض الأطباق، وحين رفعت بصرها وقعت عيناها على زمزم. لم تستطع أن تنكر في قرارة نفسها أنّها آية في الجمال، بل جميلة إلى حدٍّ يُربك الناظر. ملامحها رقيقة، وجسدها متناسق، وزادها الله فتنةً بصوتٍ ناعمٍ رقيقٍ كأنّه نسمةٌ باردة في صيفٍ لاهب.

غير أنّ فرح، وهي تحدّق بها، كانت تحمل اعتقادًا راسخًا بأنّ هذا الجمال هو ما سحر سالم وقيَّده بها. في ظنّها أنّ أناقتها ولباسها المرتَّب وصوتها العذب هي وحدها سبب انجذابه. وما كانت تدرك أنّ الأمر أعمق بكثير… أنّ سالم أحبّ جوهر زمزم قبل أن يعشق ظاهرها؛ أحبّ أدبها وخجلها، نظافتها واعتنائها بكل تفصيلة، أحبّ إحساسها المرهف به، واحتواءها له في غضبه، وقدرتها على امتصاص ثورته حتى يهدأ، وسندها الدائم له في كل وقتٍ يحتاج فيه إلى من يقف بجانبه.

فالجمال قد يفتن العين لحظة، لكن الروح وحدها هي التي تأسر القلب وتستبقيه.

أنهت زمزم إعداد الفطور بهدوءٍ وصبر، ثم صعدت إلى شقّتها توقظ سالم ومالك، ليهبطوا معًا في هيئةٍ عائلية آسرة؛ سالم يحمل مكة الصغيرة بين ذراعيه بحنان، ومالك يتشبّث بيد أمّه، بينما يد زمزم الأخرى مستقرة في كفّ سالم الكبير، وكأنهم لوحة مكتملة المعنى.

دخلوا إلى بيت العائلة، فحيّاهم سالم بتحية الصباح وألقى السلام، ثم جلسوا إلى المائدة يتناولون فطورهم في سكينةٍ وود. احتسى سالم كأس الشاي بهدوء، ثم نادى على زمزم بصوتٍ خافت. هرولت إليه حتى بلغت عتبة الباب، وقالت بابتسامة رقيقة:

– "عايزه حاجه قبل ما تنزل؟"

ابتسم لها وقال:

– "عايز سلامتك… أنا نازل."

سألته في اهتمام:

– "رايح الأرض؟"

أجابها وهو يتأهّب للخروج:

– "لأ، رايح المزرعة… أشوف الحسابات، وهتأخّر شويه."

قالت في دعاءٍ مخلص:

– "ربنا معاك ويقوّيك يا رب."

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صافية، ثم خطا نحوها يقترب، وهمّ أن يطبع قبلةً على جبينها. تراجعت في حياءٍ وهي تهمس:

– "سالم… حد يشوفنا."

رفع حاجبه في تحدٍّ لطيف، بينما هي تنظر إليه بعينين تفيض بالبراءة والرجاء. وفي لحظةٍ خاطفة، شدّها من خصرها، فاصطدم جسدها اللين بصدره القوي، وقبل أن تدرك ما يحدث كان قد احتواها بذراعيه، يضمّها إليه ويطبع قبلةً سريعة.

تورد وجهها خجلًا واحمرّت وجنتاها، بينما هو يضحك من حيائها ويقول بخفة:

– "يلا… سلام."

ثم تركها ومضى بخطواتٍ واثقة وهيبته تسبق حضوره، فيما ظلّت زمزم واقفة عند الباب، تتأمّله مبتسمةً من بعيد حتى غاب عن نظرها، ثم عادت إلى الداخل وقلبها يخفق دفئًا.

لكن تلك اللحظة لم تمرّ مرور الكرام؛ فقد كانت فرح تتابع المشهد من بعيد، تشتعل غيرةً وحقدًا، تكاد تموت غمًّا وهي ترى الحب والودّ الذي يجمعهما.

كانت زمزم تعمل بصمت، والكل يلقي عليها أثقاله؛ لا صوت لها ولا شكوى، كأنها خُلقت لتكون خادمة لراحة الجميع. النساء والبنات يتسابقن في تكليفها، كلٌّ منهن يترك وصيته، وهي تبتسم بإرهاق وتمضي تنجز ما يُطلب منها. لم يعُد أحد يلحظ أنها منذ الفجر لم تهدأ لحظة، تتنقّل بين بيتها وهذا البيت، يديها لا تتوقفان، وجسدها الصغير يتحمّل فوق طاقته.

خمس ساعات كاملة وهي منحنية الظهر، تقطع المطبخ جيئة وذهابًا، ترفع أثقالًا لا تُحتمل، قلبها يخفق بغير انتظام، لكنها لا تبالي.

دخل سالم البيت بوجهٍ مُشرق، يحمل في يده هدية صغيرة لمالك.

ما إن وقع نظر الصغير على أبيه حتى ركض نحوه فرحًا، صوته يصدح:

ـ "باباااا!"

فتح سالم ذراعيه، والتقطه بحنان، ضمّه إلى صدره، وطبع قبلة على وجنته الطفولية وهو يقول برقة:

ـ "مبروك يا بطل.. دي هديتك علشان شاطر."

انفرجت ملامح مالك فرحًا، وراح يُقبّل يد أبيه بشكر طفولي، فيما سالم يربت على رأسه ويُغدق عليه حنانًا. مدّ يده بعد ذلك ليحمل مكة، رفعها عاليًا وقبّلها على وجنتها الصغيرة، فقهقهت بضحكتها البريئة، ولاعبها بين يديه، وقلبه يغمره دفء الأسرة.

ثم دار ببصره يبحث عن زمزم، فلم يلمح لها أثرًا. ظنّ أنها في المطبخ كعادتها، منشغلة بإعداد شيء، فالتفت إلى مالك وقال بهدوء:

ـ "روح يا حبيبي قول لماما.. بابا جيه وعايزك."

زمزم كانت منشغلة في تنظيف حوض المطبخ، يدها لا تهدأ، وملامحها مطمئنة رغم التعب. ضحكت بخفة وهي ترد على مالك بصوته المليىء بالحماس والفرحة:

ــ "خلي بالك يا حبيبي… براحه، لتتزحلق."

وقف مالك عند الباب يلوّح بسكوتره الجديد، عينيه تتلألأ بالفرح:

ــ "بصي يا ماما… بابا جابلي الاسكوتر!"

التفتت إليه بابتسامة واسعة، وقالت وهي تمسح يديها:

ــ "شكله جميل أوي يا روحي… مبروك عليك."

اقترب بخطواتٍ صغيرة وأضاف بحماس:

ــ "وبابا قاللي أندّيلِك…هو عايزك."

أومأت زمزم وهي ما تزال منشغلة:

ــ "قوله حاضر… بس أخلص اللي في إيدي دقيقتين إن شاء الله."

هز مالك رأسه، وانطلق يعدو ليُخبر والده. دخل على سالم الذي كان يجلس في الصالة، مكة على فخذه، يلاعبها بحنوٍّ ويضحك لضحكاتها البريئة. أخبره مالك بما قالت أمه، فاكتفى سالم بابتسامة هادئة وهو يُواصل مداعبة طفلته، وكأنه مطمئن أن زمزم قريبة، في مرمى عينيه دائمًا.

لكن في المطبخ… كان الشر يتسلل بصمت.

فرح، واقفة إلى جوار الطاولة، عيناها تتابع المشهد بغيظٍ ينهش قلبها. غليانها الداخلي يزداد كلما رأت اهتمام سالم بزمزم، وحبّه الصريح لها. عضّت شفتها بغيظٍ وهي تتمتم في سرّها:

ــ "لازم تقع… لازم تتوجّع."

تأكدت أن الجميع منشغل، ثم بخفةٍ ماكرة امتدت يدها إلى زجاجة مسحوق التنظيف السائل، فتحت الغطاء قليلًا، وأمالتها من خلف رجلها، لتنسكب قطرات لزجة على أرضية المطبخ. خطوة خبيثة، لم يلحظها أحد.

زمزم، الغارقة في عملها، لم تنتبه. أخذت تتحرك بظهرها إلى الوراء، ممسكة بقطعة القماش لتلمّع الحوض. وما إن وطئت قدمها البقعة المبللة حتى انزلقت فجأة، جسدها الصغير هوى بقوة على الأرض، ظهرها ارتطم بالبلاط، وساقها انثنت في وضعٍ مؤلم.

صرخة مدوّية انطلقت من أعماقها، شقت سكون البيت كالسهم:

ــ "آآآااه!"

صرخة هزّت الجدران، وأيقظت القلوب.

سالم انتفض من مكانه كأن قلبه طُعن بسكين. ارتعش قلبه وانتفض جسده، ألقى مكة برفق في حضن إحدى الجالسات، ونهض يركض بجنون، صوته يعلو:

ــ "زمـــزم!"

عيونه تشتعل خوفًا، وقدماه تتسابقان مع دقّات قلبه، لا يرى أمامه إلا أن يصل إليها، أن يحتضنها، أن يطفئ الوجع الذي اخترق صرختها وأحرق روحه.

أما فرح، فابتلعت ريقها بخوفٍ متوارٍ، تحاول أن تُخفي لمعتها الخبيثة خلف ملامح القلق الزائف.

اندفع إلى المطبخ، ووجهه يشتعل قلقًا، عيناه مضطربتان، وقلبه يكاد يخرج من صدره.

وقف الجميع مذهولين، بينما زمزم ملقاة على الأرض، تتلوى من الألم، وصرخاتها تُمزّق أوصال البيت.

سالم لم يتردد لحظة، جثا بجوارها، يرفع رأسها برفق، عيناه تمتلئان دموعًا غاضبة وقلقًا مريرًا، وصوته يرتجف:

ــ "زمزم… ردي عليا، إنتي كويسة؟!"

كانت زمزم تتلظّى بألم ساقها، دموعها تهبط غزيرة، وصوتها المرتعش يلهب قلب سالم:

– رجلي يا ساِلِم… مش قادرة…

لم يتردّد لحظة، حملها سريعًا وأجلسها على الكرسي، رفع ساقها المرتجفة على فخذه العريض، وهي تصرخ وتئنّ، فيما الأعين المذهولة تتابع ذاك المشهد العجيب؛ رجلٌ شديد المهابة يضع نفسه تحت قدميها دون أن يعبأ بالناس.

قال سالم بصوت مرتعش، يخفي قلقه خلف الحزم:

– يلا يا زمزم، قومي نغير هدومك ونروح نكشف فورًا.

جاء صوت جدته من خلفه، قويًّا لا يعرف التردّد:

– هاتها عندي يا ولدي.

أجاب سالم بسرعة، محاولًا ألا يضيع الوقت:

– لأ يا جده، نروح عند الدكتور أحسن.

ردّت بحزمٍ قاطع، وعينها لا تحتمل النقاش:

– قولت هاتها. خليني أشوفها.

لم يجد سالم بدًّا من طاعتها، فحمل زمزم وهي لا تزال تبكي بحرقة، تشدّ على جلبابه كالغريق، كأنها تخشى أن يتركها. ازدادت دقّات قلبه وهو يرى دموعها، مدّ يده يمسحها برفق، شدّها إلى صدره، فدفنت وجهها في حضنه، تئنّ باسمه:

– سااِلِم…

توجّع قلبه من نبرتها، كأنها سهام تخترقه.

دخلت الجدة بخطوات ثابتة، جلست قبالتهما، رفعت العباءة عن ساق زمزم، نظرت إليها بعين خبيرة، ثم قالت بهدوء وصرامة:

– ما تقلقش… مش كسر. ده التواء بس. محتاجة تتشد، وهتبقى كويسة.

وبحركة حاسمة وسريعة، مدّت الجدة يديها بخبرةٍ عتيقة، أمسكت كعب زمزم بإحكام، فيما راحت كفّها الأخرى تدعم ظهر القدم كي تحمي الأوتار من أي تمزّق. ثم، وبحركةٍ واثقة سريعة لا تعرف التردّد، أدارت القدم في الاتجاه العكسي للالتواء، تدور بلطفٍ محسوب وسرعةٍ خاطفة، حتى عاد المفصل إلى موضعه الطبيعي كأنما أُعيد إلى مكانه الذي فُطر عليه.

علا صراخ زمزم يملأ المكان، وشدّت على سالم بكل قوتها، حتى كادت تمزّق ثوبه من قبضتها. أطبق ذراعيه حولها أكثر، وراح يهمس بصوت مرتجف، يختلط فيه الخوف بالحنان:

– اهدي يا زمزم… خلاص"

ابتسمت الجدة وهي تمسح يديها بعد أن أتمّت حركتها، ثم قالت بصوتٍ واثق:

– خلاص… حركي رجلك كده.

حاولت زمزم أن تحرّك قدمها بتوجّس، ثم ارتسمت على وجهها دهشة صافية، وقالت:

– ده… الوجع اللي فيها راح!

ابتسمت الجدة، وأجابت بهدوء:

– الحمد لله.

انحنى سالم برأسه هامسًا بحمدٍ عميق خرج من صدره المضطرب، فيما زمزم التفتت إليها شاكرة:

– ربنا يخليكي يا جدّه.متشكرة جدًا.

نهض سالم، يساعدها برفقٍ من جديد، وصعدا إلى شقتهما. وما إن جلست على السرير حتى تنهدت بتعب وقالت:

– هدخل أخد دش… حاسه إن جسمي مكسر وظهري مش قادرة.

قطّب سالم جبينه بقلق، وصوته يقطر خوفًا:

– وريني ظهرك، انتي كنتي وقعتي عليه؟.

هزّت رأسها بتردّد:

– معرفش… ده من الوقعة ولا من شغل اليوم. اليوم كان مرهق أوي.

شدّ على كلماته بحزم لا يقبل الرفض:

– تعالي وريني ظهرك.

رفع ثوبها ليتفاجأ بكدمة صغيرة، فانعقد وجهه ألمًا وهو يمرر يده عليها بحذر. اقشعر جسدها من لمسته، وأطلقت أنينًا خافتًا، فتنفّس بعمق وقال:

– فيه كدمة هنا… بس صغيرة. الحمد لله إنها جات عَلى أد كده. هدهنها مرهم كدمات.

رفعت عينيها إليه وقالت بتوسّل:

– استنى… أخد دش الأول.

هزّ رأسه موافقًا، فنهضت بوجع وأخذت ثيابها، دخلت الحمّام لتغسل عنها تعب اليوم. وحين خرجت، ما زال ينتظرها بقلق، شدّها برفق إلى السرير، وجلس بجوارها، يدهن ظهرها بحنانٍ بالغ، ثم قال وهو يمرر يده على ساقها:

– هادهن رجلك بالمرة.

نظرت إليه بعينين غارقتين في الحب، قلبها يغمره الدفء من حنيته وخوفه عليها. لكنه التفت إليها بصرامةٍ محبّة:

– خلاص كده… دلوقتي هترتاحي. متنزليش النهارده. كده كده أنا جايب شاورما، هنزل أجيبها واجيب مالك ومكة… وانتي خليكي هنا، ارتاحي.

خرج سالم وهو يوصيها بنبرة حازمة وحنونة:

– ما تتحركيش من السرير يا زمزم، ارتاحي… أنا مش هتأخر.

أغلق الباب وراءه، وبقيت زمزم وحيدة في الغرفة، تحتضن دفء اللحظة. استلقت على وسادتها، ودموع الامتنان تلمع في عينيها، لم تكن دموع ألم هذه المرّة، بل دموع دفءٍ يغمرها، كأن قلبها يُعاد تشكيله من جديد بين يدي سالم.

راحت تستعيد المشاهد متلاحقة في ذهنها: صرخته المرتبكة حين سقطت، ذراعيه القويتين وهما يرفعانها عن الأرض، صدره الذي احتمت به وهي تئنّ باسمه، ويده التي مسحت دموعها كأنها تمحو الوجع من أصلِه. ثم عينيه، وهما تحترقان قلقًا على كدمة صغيرة في ظهرها، كأنها جرح في قلبه.

ابتسمت وهي تهمس لنفسها:

"إزاي ممكن حد يخاف عليا بالشكل ده… ده مخافش من نظرات أهله ولا عمل لهم اعتبار مكنش شايف غير ألمي"

بينما كان ذهنها يسبح في هذه الخواطر، فُتح الباب برفق، ودخل سالم يحمل في يده أكياس الطعام، وعلى كتفه مكه تضحك ببراءة، فيما يمسك مالك بيده الأخرى. دخلوا جميعًا، والبيت امتلأ بحضورهم، فإذا بابتسامتها تتسع رغم ألمها، وهي ترى عائلتها الصغيرة تكتمل أمام عينيها.

جلس سالم على السفرة، وضع الأكياس أمامه، وبدأ يفرغ الطعام بنفسه. اقترب مالك متحمّسًا وهو يقول بصوت طفولي:

– بابا، افتح دي !

ضحك سالم وربّت على رأسه:

– لا يا بطل… سيبها المره دي . ماما تعبانة، ولازم كلنا نراعيها.

كان ينظر إلى زمزم بين حينٍ وآخر، يلمح ابتسامة خجولة ترتسم على شفتيها وهي تتابع اهتمامه. أما مكة، فقد جلست في حجرها، تلعب بخصلات ثوبها، وزمزم تضمها إلى صدرها بحنو.

مدّ سالم إليها صحنًا مرتبًا، ووضعه أمامها قائلاً بلهجة لا تقبل اعتراضًا:

– يلا يا زمزم… كُلي وانتي قاعدة مكانك. مش عايزك تتحركي خالص.

قالت في خفوتٍ ممتزج بالامتنان:

– ربنا يخليك ليا يا ساِلِم.

غمر الدفء المكان، وتعالت ضحكات الأطفال وهم يتناولون العشاء، بينما زمزم تتأمل المشهد بعينين دامعتين، قلبها يزداد يقينًا أن حب سالم صار لها حصنًا لا يلين.

بينما كانت زمزم جالسه، خطر في بالها فجأة ما تركته معلّقًا على الحبال. انتفضت بفكرة الغسيل الذي لم يُجمع بعد. قامت بتثاقل، ارتدت إسدالها، وخرجت بهدوء إلى الصالة.

لمحها سالم وهو يعدّل جلسته، فوقف بحدة قائلاً:

– لابسه ورايحه فين؟ مش أنا قولتلك ترتاحي وتنامي؟

التفتت إليه بابتسامة وديعة، وقالت بصوت خافت:

– الغسيل… اللي نشرته، هلمه بس.

خطا نحوها بخطوة حازمه:

– ارتاحي، وأنا ألمه.

هزّت رأسها نافية بإصرار:

– لأ، مينفعش… خليك مع مكة. أنا مش هقدر أشيلها من ضهري. لمّ الغسيل مش هياخد وقت.

نظر إليها سالم بعينين ممتلئتين قلقًا، ثم تنفّس بعمق كأنه يستسلم، وأجاب على مضض:

– طيب… زي ما تحبي.

مضت زمزم إلى الخارج تجمع الملابس قطعة قطعة، لكن ما إن وصلت إلى سبت الغسيل الممتلئ حتى شعرت بثقلٍ يرهق ظهرها. حاولت رفعه، فلم تستطع، فتنهدت بخفوت ونادت بصوتها الرقيق:

– ساِلِم…

ارتجف قلبه عند سماع نداءها، أسرع خارجًا إليها، فالتفتت نحوه بخجل وهمست:

– معلش… دخل السبت مش قادره من ظهري.

هزّ رأسه وهو يمد يده يحمله بسهولة، فيما نظراته لم تفارقها، خليط من خوفٍ وحنان، وشيء من العتاب الصامت.

مرّت الأيام في هدوءٍ، يتصاعد خلالها حنان سالم واحتواؤه لزمزم وولديه يومًا بعد يوم. وحين جاء اليوم المهم، يوم دِّرَاس المحصول، استيقظ البيت كله مع خيوط الفجر الأولى؛ الرجال يستعدّون للخروج إلى الأرض، والنساء ينشغلن بإعداد الطعام لهم.

رنّ المنبّه، فاستيقظت زمزم مسرعة، ومع الأذان أيقظت سالم برفق:

– ساِلِم، اصحى يلا.

فتح عينيه متثاقلًا، فابتسمت وقالت:

– يلا أجهّز وصلي قبل ما تمشي للأرض.

نهض سالم، توضأ وصلّى، فيما كانت زمزم تجهّز له عباءته. عاد، ارتداها، ثم ذهبت لتحضر له كوبًا من الشاي وسندويتشًا صغيرًا. مدّته به، فأخذ ينظر إليها وقال:

– لا، هفطر معاهم في الأرض.

أجابت وهي تمد له الكوب بإصرار:

– أنا عارفاك… أول ما تروح هتولع السجاير وتبدأ تحرق في صدرك من الصبح. نفسي تبطّلها بجد.

ابتسم سالم في وجهها ابتسامة تحمل بين طيّاتها خوفه من عتابها، وقال بهدوء:

– على فكره… أنا بطّلتها عن الأول كتير.

رفعت زمزم حاجبها، ونظرت إليه بسخريةٍ محببة، عيناها تلمعان بعتاب رقيق:

– والله كتر خيرك… من علبتين في اليوم علبتين إلا خمسه!

انفجر سالم ضاحكًا، وهو يأخذ منها كوب الشاي، وقال بخفة ظل:

– شوفتي بقى… دي التضحية بعينها!

مدّت يدها إلى صدره، تمرّ عليها بنعومة، وقالت برجاءٍ هامس:

ـ "بجد يا ساِلِم… لازم تقلل منها. علشان خاطري."

تزلزل قلبه من نبرتها ولمستها، وأجاب وهو ينظر في عينيها:

ـ "علشان خاطرك إنتِ… أعمل المستحيل. حاضر."

ابتسمت وقد امتلأت عيونها بالاطمئنان، ثم اقتربت منه في جرأةٍ عذبة، لتطبع قبلة على وجنته قرب شفتيه. ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، فشدّها إلى حضنه، ودفن رأسه في عنقها وشعرها.

جلس يفطر ويحتسي الشاي، فيما ارتدت هي عباءتها ولفّت طرحتها قالت زمزم:

ـ "اشتال مالك، وأنا اشتال مكه، علشان أنزلهم تحت يكملوا نومهم. مش هعرف أطلع الشقّة وهقلق عليهم لو هما لوحدهم."

هزّ رأسه موافقًا:

ـ "حاضر."

حمل مالك، وحملت هي مكة، ونزلا معًا. كان البيت قد بدأ يستيقظ، أصوات تتردّد في الأرجاء استعدادًا ليومٍ طويل.

دخل سالم الغرفة ووضع مالك على الفراش، بينما وضعت زمزم مكة إلى جواره، وأحاطتهما بالمخدّات لتحميهما. انحنى سالم يقبّل رأسها قائلًا:

ـ "يلا… مش عايزة حاجة؟"

أجابته بابتسامةٍ دافئة:

ـ "سلامتك."

ازدحم البيت بالحركة، والنساء يتنقلن بين القدور والملاعق والصواني، ورائحة الطعام تملأ الأرجاء. أما زمزم فكانت تتوزع بين يديها المهام؛ ترضع مكة الصغيرة، وتطعم مالك، ثم تعود مسرعة إلى المطبخ لتساعد في إعداد الطعام.

لكن مالك ظلّ يلحّ بعناد الطفولة، عينيه مغرورقتان بالدموع، وصوته يرتجف:

ـ "هو قالي هاخدك معايا!"

حاولت زمزم أن تضمه وتهدئ من روعه، تهدهده بحنان وتهمس:

ـ "خليك معايا يا حبيبي… بابا مشغول دلوقتي."

لكن إصراره ازداد، وبكاؤه تحوّل إلى حرقه تقطع قلبها. لم تجد أمامها إلا أن ترفع الهاتف وتتصل بسالم.

كان سالم غارقًا بين صخب آلات الدِّرَاسة وصوت الرجال في الأرض، حين لمح شاشة هاتفه تضيء باسمها. أسرع بابتعاد خطوات قليلة حتى يخفّ الضجيج، ثم أجاب بصوت متقطع من شدّة المجهود:

ـ "الو… السلام عليكم."

جاءها صوته كالماء البارد على قلبها، فردّت برقةٍ نافذة:

ـ "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… إزيك عامل إيه؟"

ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه رغم التعب، وقال:

ـ "بخير الحمد لله… وانتي؟ وايه الصوت ده؟ ده صوت مالك…؟"

زاد قلقه، وصوته يعلو:

ـ "مالك فيه حاجة؟ بيعيط كده ليه؟"

سارعت زمزم تطمئنه:

ـ "أطمن، الحمد لله هو كويس، مفيش حاجة… بس هو عايز ييجي لك. حاولت معاه كتير، بس مصمم."

تنهد سالم، كأن شيئًا ثقيلاً انزاح عن صدره، ثم ابتسم وقال:

ـ "ماشي خلاص… خليه ييجي مع عم جلال."

تنفست زمزم بارتياح، وأجابته:

ـ "ماشي حاضر… عايز حاجة؟"

هز رأسه رغم أنها لا تراه، وصوته يحنو:

ـ "سلامتك."

أغلقت الخط، والتفتت نحو مالك، مسحت دموعه بيدها وقبّلته على جبينه، ثم همست:

ـ "بابا قالي إنك هتروح بس تستنى عمو جلال ييجي الأول… ماشي؟"

انفرجت أسارير الصغير، وابتسم أخيرًا، ثم هرول ليتهيأ للذهاب.

عادت زمزم بخطوات مثقلة إلى المطبخ، تكمل العمل بين النساء، تمر ساعة كاملة من الانشغال حتى بدأ الطعام يجهز، وبدأت الصواني تُرصّ استعدادًا لإرسالها إلى الرجال في الأرض.

وحين حان وقت إخراج الطعام للرجال، علت أصوات النسوة يتنادين بالصواني الثقيلة. فجأة التفتت هدى إلى زمزم وقالت بحدّة وهي تدفع بإحدى الصواني نحوها:

ـ "يلا يا بنت العبابده، اشتالي و سرَّحي الأكل للأنفار!"

ارتبكت زمزم، ثم تمتمت في حياء:

ـ "بس… ساِلِم عمره ما خلاني أسرَّح، وأنا متأكدة مش هيحب كده."

تغيّر وجه هدى واحمرّت عيناها غضبًا، وهتفت بلهجة قاسية:

ـ "هتمشي كلامك عليّا ولا إيه؟ يا بنت العبابده… ده اللي ناقص كمان! مدي إيدك واشتالي."

ابتلعت زمزم ريقها، وقالت بصوت واهن:

ـ "أسفه يا طنط، مش قصدي أكسر كلامك ولا أزعلك… بس أنا مش هعمل حاجة تزعل جوزي مني."

اشتعل الغضب أكثر في عروق هدى، فاندفعت تمسك زمزم من ذراعها، وأظافرها تغرز في لحمها حتى شهقت زمزم من الألم، وصوتها يخرج متحشرجًا:

ـ "آااه!"

اقتربت هدى منها أكثر، عيناها تقدحان شررًا، وقالت وهي تشد قبضتها:

ـ "كلمتي اللي هتمشي… بقولك، دي واجبتنا احنا. لا هسرّح بنات العم ولا هسرّح بناتي، انتي اللي هتسرّحي الأكل!"

زمزم تتشبّث بذراعها لتخفف من الضغط، والدموع تلمع في عينيها، تهمس برجاء:

ـ "طب… سرّحيه مع أي غفير زي كل سنة… مش لازم أنا."

قهقهت هدى بسخرية، ثم هتفت:

ـ "انتي بتقولي ليا أعمل إيه ومعملش إيه كمان؟ والله عال! قسماً بالله… ما حد هيسرح الأكل ده غيرك."

وبحركة عنيفة، دفعتها إلى الخلف، فاصطدمت زمزم بحافة الطاولة المعدنية، ارتج جسدها كله، وعضّت على شفتها تكتم أنينها، بينما دموعها انسابت بصمت على وجنتيها.

وفي تلك اللحظة، كانت فرح وباقي النسوة يراقبن المشهد بقلوبٍ متشفّية، يلمع في عيونهن بريق الشماتة، وكأنهن وجدن لذة خفية في ألمها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسرى الثأر والهوى

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة