دخل آدم الغرفة مع ليان، وأغلق الباب خلفه بهدوء. كانت خطواتها متثاقلة، وعيناها متورّدتان بالحزن. اقترب منها بحنو، رفع يده يملس على خدّها الجميل، وقال بصوتٍ خفيض دافئ:
— مالِك يا ليلو؟
خفضت ليان عينيها، وفي نبرتها ارتجافة خفيفة:
— أنا حاسّة إني عملت لك مشاكل مع أهلك…
ابتسم آدم ابتسامة رقيقة، وصوته ملؤه ثبات واطمئنان:
— ولا مشاكل ولا حاجة… إنتي مراتي، أخبّيكي ليه عنهم؟ ماما بس… متأكّد إنها كانت هتعرفهم، بس مش على طول، لأن نينيا طبعها صعب، وخافت تجرحك بكلمة. لكن إنتي مراتي، وأقولها في عين أتخن تخين.
رفعت ليان رأسها نحوه، وفي صوتها تساؤل مفعم بالصدق:
— طب… ما قولتش ليه الحقيقة عن جوازنا؟
نظر إليها آدم بترقّب، متسائلًا:
— الحقيقة اللي هي؟
أجابته بنبرة خجولة صريحة:
— يعني إن بابا هو اللي طلب منك… مش إنت اللي اتقدمت. كده أعتقد نينتك مكنتش هتزعل، كانت هتقدّر.
أمسك آدم بيدها، يضغط عليها بحنان، وقال بهدوء يملؤه الحب:
— أنا مغلطتش في شيء. أنا فعلاً اختارتك… مش هتفرق قبل من بعد. ومش هقلل منك أبدًا قدام أي حد. وعلى فكرة… والدك الله يرحمه ما قللش منك، بس مش أي حد تفكيره هيجيبه لكده. دي حاجة خاصة بينا.
وأنا بالفعل كنت قايل لماما إني هعملك فرح، وأجيب شبكة… بس لما حالتك تتحسّن.
انفرجت شفتا ليان بابتسامة باكية، وعيناها تلمعان بدموع امتنان، ثم همست بصوتٍ يغمره الرضا:
— إنت أحسن عوض… ورزق ربنا اللي بعتُه لي.
اقترب منها أكثر، يضمها برفقٍ إلى صدره، بينما الغرفة امتلأت بدفءٍ يفوق صقيع الخارج وصراع العائلة، وكأن اللحظة خلقت لتشهد حبهما الصادق.
ابتسم آدم وهو يربّت على كتفها بحنو، ثم قال بجديةٍ لا تحتمل جدالًا:
— جهّزي يلا هدومك ومستلزماتك… علشان هتنقلي في الأوضة عندي.
تنتفض ليان من حضنه بغتةً، تبتعد خطوة، وعيناها متسعتان بدهشة وخجل:
— ليه؟!
اقترب منها آدم بخطوات ثابتة، أعادها برفق إلى صدره، وصوته هادئ لكنه حاسم:
— ليه؟ علشان مفيش أوض إضافية تانية. نينيا طول عمرها لما بتنزل كانت بتنام في الأوضة دي… وماجد هينام مع عاصم في أوضته. وبعدين نينيا ما بتحبش حد ينام جنبها. فـ آيه بالتالي هتنام مع ماما
و إنتي هتنامي في مكانك الطبيعي أصلًا… أوضة جوزك.
لم يمنحها فرصة للرد، أمسك يدها برفق لكن بحزم، وابتسم ابتسامة خفيفة:
— يلا ساعديني نلم حاجتك، مفيش وقت… هما محتاجين يرتاحوا ويناموا.
ارتبكت ليان بشدة، ملامحها تشتعل بحمرة الخجل، وصوتها اختنق بين الاعتراض الصامت والرضا الخجول. ومع ذلك، لم تستطع إلا أن تنصاع لثباته وحرصه، فبدأت تتحرك ببطء تلمّ بعض حاجاتها، ويداها ترتعشان من شدّة الارتباك.
آدم، بابتسامة خافتة وصوت مفعم بالدفء، شاركها في جمع ملابسها وأغراضها، يساعدها كأن الأمر طبيعي، بينما هي كلما اقتربت منه ازدادت خجلًا واضطرابًا.
وفي دقائق، كان قد حمل أغراضها بيده، ونقلها معه إلى غرفته… الغرفة التي صارت الآن حقًا "أوضتها"، ومكانها الطبيعي بجوار زوجها.
جلس آدم بجوار الدولاب، يزيح بعض ملابسه جانبًا ليصنع مساحة خاصة لها، ثم ناولها القطع بيده بابتسامة هادئة. وقفت ليان مرتبكة، ترتّب ثيابها بعناية وكأنها تخطّ حروف اسمها في قلب البيت. ساعدها آدم في جمع بعض المستلزمات الصغيرة، حتى انتهيا معًا.
تنفّس بارتياح، ثم التفت إليها قائلاً:
— يلا… تعالي نامي وارتاحي. اليوم كان مرهق من أوله، بس كويس النهارده جمعة… نعوض الصحيان بدري ده وننام براحتنا.
ثم ابتسم مازحًا:
— وسيبك من جو الروايات ده بقى… أنا مش هنام على الكنبة ولا الكلام ده، إنتي مراتي.
تجمّدت ليان في مكانها، قلبها يخفق بعنف من شدّة الحرج، لم تعرف كيف لها أن تنام بجواره هكذا. لكنها استجمعت شجاعتها، وسارت بخطوات خجولة إلى السرير.
رفع آدم حاجبه بدهشة لطيفة وهو يراها تتمدد بجواره:
— هتنامي بالأسدال؟
احمرّ وجهها، وأجابت بصوت خافت يقطر نعومة:
— طب… لف وشك لو سمحت.
ضحك آدم ضحكة دافئة، ثم قال وهو يرفع يده كأنه يحلف:
— أقسم بالله… جوزك جوزك. حاضر… يا ستّي، أهو.
أدار وجهه في طاعة هازلة، بينما أسرعت ليان تخلع الأسدال بخجل شديد، وانزلقت تحت الغطاء، تخبئ نفسها كطفلة تظن أنها تختبئ من العيون.
قالت بصوت مرتجف:
— خلاص.
التفت آدم ببطء، فرآها متكوّرة تحت الغطاء، فابتسم من براءتها واقترب. كانت قد لجأت إلى أقصى طرف السرير، تكاد تسقط من حافته. تمدد بجانبها وقال مازحًا:
— هتقعي كده… تعالي قربي.
همست معاندة:
— لا… مش هقع.
ضحك آدم، وهز رأسه متنهّدًا:
— إنتي بتتعبيني معاكي ليه؟
مد يده فجذبها من خصرها برفق، فشهقت بدهشة وهي تسقط في حضنه، يكتفها بين ذراعيه ويقول بصوت مطمئن:
— نامي بقى كده… ده مكانك.
بدأ يمرّر أصابعه على شعرها الناعم بحنو، حتى هدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا، وسكن جسدها المضطرب. نظر إليها طويلًا، يتأمل ملامحها النائمة ببراءة تامة، وهمس لنفسه بانبهارٍ صادق:
— أنا ما شفتش حد بالجمال والرقة دي… وزايد عليهم البراءة. أنا شكلي هتعب من كل ده… وخايف عليكي من نفسي.
تحرّكت ليان في نومها برفق طفولي، اقتربت أكثر، دفنت رأسها في عنقه ورفعت يدها تحتضنه دون وعي. ابتسم آدم ابتسامة دافئة، وشد عليها في حضنه، يشعر بليونة جسدها بين ذراعيه، ثم همس في داخله وهو يغلق عينيه:
— صبّرني يا رب… على حتّة النيتي اللي معايا دي.
استيقظ آدم على صوت طرقات خفيفة على الباب، فتنحنح بصوت متحشرج من أثر النوم، وعيناه لا تزال مغمضتين:
— أيوة؟
جاء صوت علا من الخارج، دافئًا محببًا:
— اصحى يا حبيبي، وصحي ليان علشان الفطار قبل صلاة الجمعة.
ردّ آدم بنعاس:
— حاضر…
فتح عينيه ببطء، ليجد نفسه أمام مشهد يأسر القلب ليان نائمة في حضنه ببراءة طفولية، شعرها منسدل على صدره وعلى الوسادة، ووجهها الصغير مطمئن في صدره. ابتسم ابتسامة مشوبة بالعجز وقال في نفسه:
— يا صبر أيوب… الواحد لما يصحى كل يوم على كده، هيعرف يكمل تعاملاته إزاي مع باقي الخلق؟
اقترب أكثر، مرّر أصابعه برفق على بشرتها الناعمة التي تذكّره بملمس الأطفال، ثم همس:
— ليلو… اصحي يا حبيبتي.
كشّرت ملامحها في اعتراض، ودفنت رأسها أعمق في عنقه، وأنفاسها الدافئة تلهب جلده. ابتسم آدم، وبدأ يرفع خصلات شعرها، يقبّل وجهها، ويمرّر ذقنه الخفيف على بشرتها، حتى اقشعرت من لمسته. رفعت يدها على وجهها، فتحت عينيها ببطء… وهناك انبهر آدم بجمال عينيها من قرب، وكأن السحر اكتمل حين قالت بنعومة صافية، ما زال يثقلها النوم:
— صباح الخير يا آدم.
أخذته الدهشة، وصوته خرج متهدجًا بالافتتان:
— صباح الجمال كله… هو أنا كنت مستحمل صوتك الطبيعي برِقّته علشان أسمع الرقة الزيادة دي؟ نيّتي، والله نيتي…
ضحكت ضحكة عفوية بدلال بريء، فهز رأسه مازحًا:
— أقسم بالله تكّة كمان… وتبقي مراتي بجد!
نظرت إليه بدهشة طفولية وقالت بعفوية:
— ما أنا مراتك بجد.
انفجر ضاحكًا على براءتها، ثم أشار بيده:
— قومي يلا، هفهمك بعدين.
نهضت من السرير، فالتفت إليها ماكرًا وهو يضحك:
— حلو بردو الهوت شورت ده…
وقفت في مكانها مصدومة، ثم صاحت:
— يا غشّاش!
أسرعت تمسك الأسدال لتغطي نفسها، بينما كان يضحك بحرارة، يقف ويشد منها قطعة القماش بخفة، وهي تقول برجاء:
— آدم… بطل بقى، خليني أخرج آخد شاور وأجهز.
اقترب منها، أشار إلى باب جانبي في الغرفة:
— فيه حمام هنا… مفيش داعي تخرجي. الحمام أهو.
أخذت ملابسها بخجل، ودخلت لتأخذ حمامها وتستعد. بعد قليل خرجت، وجهها مورّد من البخار، وشعرها تفوح منه رائحة جميلة، ترتدي ثيابها بأناقة بسيطة. كان آدم جالسًا على الكنبة، فوقف ليستعد هو الآخر.
قالت بحماس:
— استنى، أجهّزلك هدومك.
فتحت الدولاب، أخرجت له ملابسه بترتيب كأنها اعتادت هذا الدور منذ زمن. أخذها منها بابتسامة ممتنة:
— تسلم إيدك يا حبيبتي.
خرج آدم ممسكًا بيد ليان، تتأرجح خطواتهما في تناغم عذب كأنهما يكتبان على الأرض لحنًا خاصًا لا يسمعه سواهما. دخلا إلى غرفة الطعام، وكانت المائدة عامرة، فسلّما معًا:
– "صباح الخير."
ردّ الجميع التحية، بينما جذب آدم الكرسي برفق لتجلس ليان، ثم جلس إلى جوارها. كانت ملامحها يكسوها الحرج، غير أنّ في قلبها بريقًا لا يخفى.
تسللت نبرة مشوبة بالغيرة والحقد من آيه:
– "وانتي بقا في كلية إيه؟ وعندك كام سنة؟"
أجاب آدم بثبات لا يتزعزع، بالفخر:
– "عندها ٢٢ سنة. الظروف منعتها تدخل الكلية، بس إن شاء الله مع بداية السنة هتقدّم. ليان كانت متفوّقة جدًا ماشاءالله وجابت ٩٨٪ في الثانوية العامة، وهتدخل هندسة هنا."
ساد الذهول ملامح ليان، فقد انفرجت عيناها دهشة وفرحًا، كأن قلبها لم يعد يتسع للنعمة التي أفاضها عليها آدم بإعلانه الصريح.
تدخّل ماجد بعفوية، وعلى لسانه ابتسامة:
– "جمال وشطارة كمان."
يد آدم ارتطمت بالمائدة بقوة، وانفجر صوته حادًا:
– "عااصم! لآخر مرة بحذرك. أقسم بالله لو رفعت عينك تاني على مراتي أو حتى عقلك فكر فيها، هيكون فيه تصرّف تاني مش هيعجبك إطلاقًا."
أمسك يد ليان، ونهض مغادرًا المائدة، وقال بصرامة:
– "الحمد لله."
خرج إلى البلكونة وجلس، والشرر يتطاير من عينيه. جلست ليان إلى جواره، ثم أمالت رأسها نحوه محاولة التخفيف من حدّة الموقف، وقالت ممازحة:
– "على فكرة أنا جعانة، وإنت قومتني من عالسفرة."
التفت إليها، وقد انطفأ بعض من غضبه وحلّت مكانه نظرة حانية:
– "أنا آسف بجد، بس مقدرتش أستحمل."
ابتسمت بخفة، وأجابته بعفوية:
– "والله أنا شبعت من الفرحة من أول ما قولت إنك هتقدملّي في كلية الهندسة."
ثم اقتربت أكثر حتى أسندت رأسها على كتفه، وهمست بصوتٍ رقيق:
– "دي كانت أمنيتي وحلمي."
نظر إليها بولهٍ صادق، وقال وهو يطوّق يدها بين كفّيه:
– "كنت ناوي أعملها ليكي مفاجأة، بس البيت ده وناسه هدموا كل المفاجآت."
ضحكت بنعومة، وعيناها غارقتان في عينيه، ثم قالت:
– "إنت أحلى حاجة في حياتي. ربنا يحفظك ليا ويديمك سند ليا لآخر العمر."
شدّها إلى صدره محتويًا، وقال بصوت يفيض عشقًا:
– "وانتي أجمل قدر في حياتي، وأحلى رزق ربنا بعتهولي."
خرج آدم من البلكونة وهو يرفع يد ليان عن كتفه بحنان، وقال مبتسمًا رغم إرهاقه:
– "يلا يا ليلو، ألحق أتوضّى وأجهّز علشان أنزل صلاة الجمعة."
قامت معه كظلّه، تساعده في كل تفصيلة صغيرة، فتحت له الدولاب وأخرجت ملابسه بعناية، وكأنها تخشى أن يبهت لونها من لمستها. لبس آدم وهو يرمقها من حين لآخر بنظرات راضية، ثم قال وهو يعدّل ساعته:
– "تحبّي أجيبلك حاجة وأنا جاي؟"
ابتسمت بخجل وأجابته:
– "لا… سلامتك يا آدم، أهم حاجة ترجعلي بخير."
تركها بقلبٍ مطمئن وخرج للصلاة، بينما اتجهت ليان إلى المطبخ. هناك وجدت علا مشغولة تُحضّر بعض الخضار، فاقتربت بخجل وقالت:
– "هتعملي إيه يا ماما أكل؟ ممكن أساعدك؟"
رفعت علا رأسها، وأشارت إلى الكرسي بجانبها:
– "تعالي اقعدي يا حبيبتي… أنا عايزة أكلمك."
جلست ليان بخضوع وهدوء، وعيناها تتأملان وجه علا بحب. ابتسمت علا وقالت بصوتٍ مفعم بالصدق:
– "بصي يا ليان، أنا مش عايزاكي تفهميني غلط… النقطة دي لازم أوضحها. إنّي ما قلتش للحاجة سميرة إنك مرات آدم، مش عشان مش فخورة بيكي، بالعكس… يعلم ربنا أنا فرحانة بيكم إزاي، ومتشرفة إنك بقيتي جزء من عيلتنا. بس الحاجة سميرة رد فعلها شديد وصعب… وخوفت تجرحك بكلمة."
انخفضت عينا ليان بتواضع وهي تقول بنبرة حانية:
– "عارفة يا ماما… وآدم كمان فهمني وجهة نظرك. أنا عمري ما أزعل منك. إنتي عوضتيني حنان أمي
الله يرحمها. أنتم أغلى رزق ربنا رزقني بيه."
سكتت لحظة ثم أضافت بصوتٍ حالِم:
– "آدم… ربنا يحفظه. مش هتلاقي زوج بحنيّته ولا اهتمامه… ده جه ليا أب وأخ وصديق وزوج في نفس الوقت."
ارتسمت فرحة في وجه علا، وقالت باهتمام:
– "يعني حبّيتيه؟"
احمرّت وجنتا ليان وقالت بكسوفٍ طفولي:
– "معرفش إزاي ولا إمتى… بس فجأة مبقتش أتصوّر حياتي من غيره. عقلي وقلبي مفيهوش غير آدم."
دمعت عينا علا من شدّة تأثرها، وقالت وهي تبتسم:
– "ربنا يحفظكم لبعض يا بنتي، ويفرحنا بيكم. الحمد لله… أنا كنت خايفة أظلم آدم. بس دلوقتي متطمنة… الخير فعلًا فيما اختاره الله. ومعتقدش آدم كان ممكن يلاقي حد أحسن منك ولا قلبه يحب زي ما حبك."
تنفّست ليان بارتياح، وشعرت بسعادة تغمرها مع كلمات علا. وبعد دقائق، بدأت الاثنتان تُفكّران في إعداد الغداء، فاكتشفتا أنّ بعض الطلبات ناقصة. قالت علا بتفكير:
– "بصي يا ليان… لما آدم ييجي من الصلاة، انزلي معاه تجيبي الحاجات دي. كده نلحق نجهّز بدري."
تبتسم ليان وترد:
– "حاضر يا ماما."
عاد آدم من صلاة الجمعة برفقة عاصم وماجد، وما إن دخلوا حتى استوقفته علا قبل أن يغيّر آدم ثيابه، وقالت مبتسمة:
– "استنى يا حبيبي، ما تغيّرش دلوقتي… ليان جوه بتلبس، فيه طلبات ناقصة للمطبخ، هتنزلوا تجيبوها مع بعض."
ابتسم آدم بهدوء وقال:
– "حاضر."
وما هي إلا لحظات حتى خرجت ليان من غرفتها، كأنها لوحة من نور حيّة تتحرك. الإسكارف الأسود التفّ حول وجهها، فأضفى على بشرتها البيضاء إشراقًا كأنها البدر ليلة التمام، وأظهر عينيها أكثر عمقًا وسحرًا. القميص الأبيض البسيط مع السترة البنية زاداها رقة وأناقة، فيما انسياب التنورة السوداء منحها وقارًا وهيبة. جمالها لم يكن في ثيابها وحدها، بل في حضورها الهادئ الفاتن الذي يأسر القلوب.
وقف آدم مشدودًا من جمالها، عيناه عالقتان بها وكأن الزمن توقف لحظة. اقتربت منه بخطوات ناعمه وهمست:
– "يلا."
هز رأسه كالمسحور وقال بصوتٍ خافت:
– "يلا."
ثم أمسك بيدها في حزم واطمئنان.
لكن قبل أن يغادرا، انقطع المشهد بصوت "آية" وهي تخرج بعد أن أنهت زينتها:
– "آدم، استنى… أنا كمان عايزة أجيب حاجات."
رد آدم ببرود، عيناه ما زالتا متعلقتين بليان، ولم يلتفت لآية قيد أنملة:
– "ماشي… تمام."
نزلوا إلى الجراج، فتح آدم الباب المجاور لمقعده وأجلس ليان، ثم مال قليلًا يعدّل تنورتها لتدخل السيارة بأمان، وأغلق الباب عليها كأنها جوهرة يخشى عليها. ثم ركب هو مقعد القيادة، بينما جلست آية في الخلف.
أدار المحرك، وأمسك بيد ليان بلا تردد، كأنه يعلن ملكيتها له على الملأ. ارتبكت ليان قليلًا، غلبها الحياء، لكنها شدّت على يده في صمتٍ، فابتسم مطمئنًا. كانت الشمس قد تسللت من زجاج السيارة لتقع مباشرة على وجهها الناعم، فترك آدم يدها للحظة، أنزل مظلة السيارة ليحجب عنها وهج الشمس، ثم عاد وأمسك يدها من جديد.
حاولت آية أن تقتحم الصمت الهادئ بكلماتها، وقالت موجهة حديثها لآدم:
– "بصراحة يا آدم، شكلك حلو أوي في العباية… كنت متوقعة الفورمال هو اللي بيديك الهيبة، بس لا… العباية مديالك كاريزما زيادة."
اشتعل قلب ليان غيرة، لكنها تماسكت، التفتت نحوها بابتسامة رقيقة، وصوتها هادئ لكنه يحمل غيرة واضحة:
– "أنا جوزي حلو في كل حالاته، وكاريزما في أي شكل… بس اللي مش حلو خالص، ولا من آداب الدين، إنك تركزي كده فيه. يعني فيه غض بصر… ومينفعش تقولي رأيك في راجل نهائي. دي حاجة مش واو خالص… بالعكس بتقلّل منك جدًا."
ارتبكت آية لثوانٍ، ثم اشتعلت غيظًا وقالت بحدّة:
– "عجبك يا آدم اللي هي بتقوله ده؟"
أجاب بصوت ثابت، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن يلتفت:
– "أه… عاجبني. مراتي مغلطتش في حاجة."
غصّت آية من الرد، واشتعل الحقد في صدرها أكثر فأكثر، لكنها آثرت الصمت، بينما يدها تكاد ترتجف من الغضب. أمّا ليان، فازداد قلبها طمأنينة، وشعرت براحة لم تعهدها من قبل، وقد أدركت أن آدم لن يسمح لأحد أن يمسّ مكانتها عنده.
وصلوا إلى الماركت الكبير، حيث الأضواء اللامعة والرفوف الممتدّة على مدّ البصر. أوقف آدم سيارته في ساحة الانتظار، ثم نزل على عجل ليفتح الباب لليان، وأمسك يدها برفقٍ وهو يبتسم قائلاً:
آدم: "يلا يا ليان، ندخل ونشوف الطلبات… عايزين إيه؟"
ليان (وهي تخرج هاتفها): "ثواني… كتبت الليستة على الموبايل."
فتحت هاتفها وأرته القائمة، فأخذ يقرأها بتمعّن، ثم قال:
آدم: "تمام… خلينا نبدأ ببارتيشن الفاكهة والخضار، وبعد كده ندخل بارتيشن المطبخ، وآخر حاجة اللحوم عشان ما تفكّش وتبوظ."
التفت إلى آية، ابنة عمّه، التي رافقتهما:
آدم: "إنتِ محتاجة إيه؟"
آية (ببرود): "عايزة شوكولت وكام حاجة من الحلويات."
آدم (بهدوء): "تمام… كده كده دول مع قسم المطبخ."
ثم نظر إلى ليان وهو يشير نحو المصعد:
آدم: "يلا نطلع الأسانسير."
فجأة ارتسمت على وجه ليان ملامح الارتباك، وتراجعت خطوة وهي تهمس بخوفٍ جليّ:
ليان: "لا يا آدم… بالله عليك بلاش… مش بعرف آخد نفسي."
ابتسم لها آدم باعتقادٍ منه أنّه خوفٌ عادي، فاقترب منها وقال مطمئنًا:
آدم: "متقلقيش يا حبيبتي… أنا معاكي."
لكن آية لم تفوّت الفرصة لتلقي بتعليقها اللاذع، محاولةً استفزازها:
آية (باستهزاء): "إنتي واحدة كبيرة، مش عيلة… إيه الخوف السخيف ده؟ مش معقول هتخلّينا نطلع خمس أدوار على رجلينا عشان أوهامك."
تجمّد وجه آدم للحظة، ثم التفت إليها بحدّة لم يخفِها:
آدم (بعصبية): "آية… الزمي حدودك، وشوفي بتقولي إيه. مش هسمحلك بأي تقليل من مراتي. واعتبريها آخر تحذير."
ثم عاد إلى نبرته الحنونة وهو يضغط على يد ليان التي لا تزال بين يديه:
آدم: "شوفي يا ليلو… إنتِ عايزة إيه؟ أنا معاكي."
أطرقت رأسها بخجل، وعيناها تلمعان بالارتباك:
ليان (بهمس): "يلا… خلاص نركب الأسانسير… طول ما إنت جنبي أكيد هكون بخير."
اقتربا من المصعد، فتحه آدم، لكن قلب ليان كان يخفق بعنف، وكأنّ جدارًا من الرعب قد أغلق عليها صدرها. دخلت وهي تحاول إقناع نفسها أنّ وجوده سيحميها. أمسكت يده بقوة، وحين أُغلق الباب واهتز المصعد قليلًا، لم تحتمل، فألقت وجهها على صدره، تختبئ في ثنايا عباءته، تتشبث بقماشها كمن يغرق.
آدم (بقلق): "ليان… أنا جنبك، متخافيش."
لكن دقّات قلبها تزايدت، والعرق تصبّب من جبينها، وصوتها المخنوق خرج متقطعًا:
ليان (بصوت ضعيف متقطّع): "آ…دم… وقفه… مش… قادرة…"
ارتبك آدم حين رأى وجهها المحمّر وأنفاسها المتقطعة. ارتجفت يداه وهو يحاول تهدئتها:
آدم: "ليان… اهدي يا حبيبتي… خلاص… وقف… خدي نفسك… معايا، ركّزي معايا."
مرّر كفّه على وجهها المرتجف، يربّت على وجنتيها بلطف، حتى فُتح باب المصعد أخيرًا. خرج مسرعًا ممسكًا بها، وأجلسها على كرسي استراحة قريب. جلس بجانبها، يحيطها بذراعيه، يحاول أن يبعث الطمأنينة في قلبها المرهق.
وبعد أن بدأت أنفاسها تستقيم تدريجيًا، نظر إليها بعينين يملؤهما الذهول والقلق:
آدم: "إنتي ما قولتليش ليه عن حالتك؟ أنا كنت فاكر خوف طبيعي!"
ليان (بصوتٍ متهدّج): "أنا… عندي فوبيا من الأماكن المغلقة والمرتفعات."
آدم: "ليه مخبّية عليا؟"
ليان (بهمسٍ منكسر): "كنت معتقدة وجودك جنبي هيهون عليا شوية… بس مقدرتش… أول ما الباب اتقفل حسّيت إن نفسي اتقطع."
نظر إليها آدم طويلًا، يضمّ يدها بين يديه كمن يعاهدها أن لا يتركها يومًا، بينما هو من الداخل يغلي خوفًا عليها وحرصًا أن لا تتكرر تلك اللحظة أبدًا.
آدم التفت فجأة إلى آية وقال ببرودٍ ثابت:
آدم: "اركبي إنتِ يا آية واطلعينا على الدور الخامس… احنا في التالت، هنطلع الدورين دول على رجلينا أنا وليان."
أدارت آية عينيها باستخفافٍ واضح، كأنها تزدري خوف ليان، لكن آدم لم يُعرها انتباهًا، بل شدّ على يد ليان وقال لها بحنانٍ ساخر:
آدم: "يلا يا حبيبتي، نطلع السلم… الرياضة حلوة بردو."
ابتسمت ليان بخجلٍ ورضا، وبدأت تصعد معه. غير أنّ خطواتها كانت بطيئة واهنة، فما إن تجاوزت أول دور حتى هبط جسدها قليلًا وأسندت نفسها عليه قائلة بنبرة طفولية متذمّرة:
ليان: "لسه كتير؟ أنا تعبت أوي."
ضحك آدم بصوتٍ خافتٍ وهو يربّت على كتفها:
آدم: "لأ اجمدي كده… ده إحنا لسه في أول المشوار. والله قولتلك نيتي ومصدقتنيش."
ضحكت ليان بدلعٍ عفوي، ثم أمالت جسدها عليه بتلقائية وقالت برقة:
ليان: "أيوة يا سي آدم… اتدبست في واحدة نيتي وفرفورة. عندك مانع؟"
نظر إليها آدم بعينين يملؤهما الهيام، وأجاب بحرارة:
آدم: "دي أحلى تدبيسة والله. حد يبقى قدامه الجمال والرقة والدلع ده ويقول تدبيسة؟! دي تبقى عيبه لمؤاخذة."
ثم غمز لها مازحًا، فضحكت بخجلٍ أكبر. قال لها عندئذٍ بلهجة آمرة حانية:
آدم: "اتلمي بقى يا بت… برقتك دي! إحنا مش في البيت. يلا قدامي."
أكملوا الصعود حتى وصلوا إلى قسم الفاكهة حيث كانت آية بانتظارهم، عابسة الوجه وكأنها تزمجر ضيقًا. تجاهلها آدم، وبدأ مع ليان بجمع الفاكهة والخضار، ثم توجها إلى قسم المطبخ لشراء المكرونة، الصوصات، واللوازم الأخرى. وأخيرًا انتقلوا إلى اللحوم، ليكتمل التسوّق كله.
حين انتهوا، عادت ليان إلى السيارة وجلست تتنفس بعمق وهي تضع يدها على ساقيها، وقالت بصوتٍ واهن:
ليان: "أنا تعبت أوي… ورجليا مش حاسة بيها خالص."
ابتسم آدم مداعبًا وهو يشغّل السيارة:
آدم: "انتي محتاجة تمارين. من بكرا هتطلعي معايا أوضة الرياضة اللي فوق السطوح."
لكنّها التفتت إليه بعينين دامعتين، ونبرة صوتها المرهقة انسكبت في قلبه:
ليان: "أنا بجد… رجلي وجعاني أوي."
ذابت ملامحه حنانًا، وأمسك يدها بحنو:
آدم: "خلاص يا حبيبتي… آخر مرة. بعد كده ابعتيلي اللي عايزاه على الواتس وأنا أجيبهولك. يلا… حاولي تقلعي الشوز وريحّي رجلك شوية."
أنزلت رأسها بخجل، وبدأت تقلع الحذاء لتخفف عن قدميها.
وعندما اقتربوا من الوصول إلى البيت، اتصل آدم بعاصم ليطلب مساعدته في حمل الأكياس. وما إن وصلوا حتى كان عاصم في انتظارهم. فتح آدم شنطة السيارة، بينما توجّه ليساعد ليان في النزول.
كانت ليان تحاول ارتداء حذائها من جديد، فانحنى آدم دون تردّد، جاثيًا على ركبتيه أمامها، وأمسك قدمها برفقٍ ليُلبسها الحذاء. ارتبكت ليان بشدّة، وسحبت قدمها قائلة بإحراج:
ليان: "آدم… خلاص سيب، أنا هلبسه."
لكنّه أمسك بقدمها ثانيةً بثباتٍ وأعادها بين يديه، وقال مبتسمًا وهو يكمل:
آدم: "فيها إيه يعني؟ هو أنا بعمل كده لحد غريب؟! ده إنتي مراتي."
ثم عقد حاجبيه قليلًا وهو يلاحظ حركة ساقيها:
آدم (بحزمٍ غيور): "وبطّلي فرك… كل شوية رجلك بتبان، والجيب بيرتفع من حركتك الزيادة. بعد كده لازم تلبسي كولون تحته أو بنطلون."
بدت الغيرة في صوته واضحة، فأجابته بخجل:
ليان: "لابسة والله… بس لحد الركبة."
نظر إليها بحزمٍ بالغ، وقال بجدية:
آدم: "يبقى بعد كده لحد آخر الرجل. علشان لو حصل أي ظرف والجيب أو الدريس اترفع، ميبانش أي حاجة."
ثم شد على رباط الحذاء بإتقان، ورفع عينيه نحوها بعاطفةٍ متقدة، بينما قلب ليان يخفق بحبٍ وحياء لم تشعر بمثله من قبل.
دخلوا إلى الشقة بخطوات متثاقلة، يتقدّمهم عاصم وهو يحمل في يديه أكياسًا كثيرة، تتبعه آية بوجهٍ متجهّم.
قالت علا وهي ترفع حاجبيها:
ـ "اتأخرتوا ليه كده؟"
بادرت آية بتهكّم:
ـ "سي ليان بقى… بتخاف من الأسانسير، واضطرّينا نطلع وننزل على السلالم. وكل شوية تعبانه ومش قادرة تمشي."
هزّت رأسها بازدراء وأردفت:
ـ "دلوعه أوي! مش عارفه إزاي آدم فكر فيها!"
ضحك عاصم بمكر، وعلّق بنبرةٍ تحمل شيئًا من الاستفزاز:
ـ "ما اللي زي آدم ميشغلش باله ولا قلبه غير بسكوتة زي دي. هو حد يكون في حياته واحدة برقة ليان مرات أخويا ومُيعجبش بيها ولا يوقع في حبها؟ ده يبقى حمار! ده صوتها فيه حتة رقة تسيب أعصاب الواحد… ولا جمالها، ما شاء الله! يا رب حد في ربع رقتها وجمالها وأدبها… ومش هحتاج حاجة تاني."
قهقهت علا وقالت :
ـ "اتلم بقى قبل ما أخوك يطلع ويسمعك ويعلّقك!"
أجاب عاصم بخوف:
ـ "لا وعلى إيه… الطيب أحسن."
اشتعل الغضب في وجه آية، دخل آدم في تلك اللحظة، يحمل بعض الأكياس في يد، ويمسك بيد ليان في الأخرى.
قالت علا بحفاوة:
ـ "حمد لله على سلامتكم."
أجابا معًا بصوتٍ واحد:
ـ "الله يسلمك يا ماما."
ابتسمت ليان بخجل، وقالت برقةٍ معهودة:
ـ "هدخل أغير يا ماما… وأجيلك نعمل الأكل سوا."
استأذن آدم هو الآخر ليدخل غرفته ويبدّل ثيابه. وما إن دخل حتى وجدها تجلس على طرف السرير تحاول نزع حذائها، وجهها متألم وهي تقول:
ـ "آه…"
اقترب منها بسرعة، وقال بقلقٍ واضح:
ـ "فيه إيه؟"
أجابته وهي تبتسم بخفوت:
ـ "مفيش… الشوز ضيّق على صوابعي، ورجلي من كتر اللف وجعاني شوية."
قالها بحزمٍ شديد:
ـ "خلاص… متدخليش المطبخ. بلاش تتعبي نفسك."
هزّت رأسها معاندة، وقالت بحنان:
ـ "لا مش مستاهلة… مش هسيب ماما تعمل الأكل لوحدها. وبعدين وقفة المطبخ جميلة وممتعة بالنسبالي… مش بحس بأي تعب."
ثم أشارت له وهي تلتقط ثيابه:
ـ "الترينج اللي هتلبسه على الشيزلونج كنت طلّعتهولك وأنت في الصلاة."
ابتسم آدم وقال:
ـ "تمام… هاخد شاور وألبسه."
خلعت ثيابها الخارجية، وارتدت الإسدال قبل أن تخرج إلى المطبخ لتساعد عُلا في إعداد السفرة. كانت حريصة أن تظهر في أبهى صورة، خصوصًا أمام جدّة آدم التي بدا واضحًا أنّها لم تتقبّلها بعد زوجةً لحفيدها.
وبينما هي تغسل وتُحضّر، ابتلّ الإسدال بالماء، فقالت علا بحنان:
ـ "اقلعي يا بنتي الإسدال وخليكي على راحتك. متقلقيش، مفيش حد هيدخل. وبعدين الإسدال مبلول، هتخدي برد."
خلعته باستحياء، وبقيت ببادٍ قصير "كات" وليجن يصل إلى ركبتيها. تأمّلتها علا بإعجاب وقالت:
ـ "ما شاء الله يا بنتي… جسمك جميل ومظبوط. وأحلى حاجة إن اللبس الفضفاض مداري جمالك وصاينه من العيون الوحشة."
وبينما تتابعان إعداد الطعام، نادت الحاجة سميرة على علا، فتركتها وذهبت. بقيت ليان وحدها تتمتم بارتباك:
ـ "أعمل إيه دلوقتي؟ أخرج إزاي؟ الإسدال مبلول… وماما مش هنا. ومفيش معايا موبايل أتصل بآدم. أنادي عليه؟ ولا أعمل إيه؟ أوف… ماما اتأخرت ليه! عايزة أروح أخد شاور وألبس قبل ما نجهز السفرة. خلاص… هانادي على آدم."
اقتربت من باب المطبخ، ونادت بصوتها الرقيق الذي يحمل بطبيعته دلالًا وأنوثة:
ـ "آدم… آدم…"
كان آدم يجلس مع عاصم وماجد وآية يتابعون مباراة كرة القدم. لكن ما إن سمع صوتها حتى انتفض، كأن غيرة مفاجئة ضربت قلبه، وأغلق عينيه للحظة من شدّة ما شعر به. ثم نهض مسرعًا، واتجه بخطواتٍ سريعة نحو المطبخ.
Mai Mustafa