كان الضجيج عاليا مزعجا يمنعنى من السماع و الاستمتاع بالهدوء ، و لكن هناك أيضا هدوء مزعج يسكن عقلي الذي يشعر بالفراغ .
في هذه اللحظات الجميع كان يتكلم في صوت واحد ، إما يتناقشون أو يمزحون و هناك من يدندن و هناك من احتدم الخلاف بينهم ، برغم هذه الأصوات المزعجة إلا أن عقلي كان صامت لأول مرة ، و كأنه توقف عن التفكير و التواصل معي .
كانت نظراتي التائهة و تعابيري البلهاء تتحدث نيابة عني و عن عقلي .
في تلك اللحظة، شعرت وكأنني أنفصل عن الواقع. الأصوات المحيطة بي تتحرك في وتيرة عشوائية، تصطدم ببعضها البعض، وكأنها أمواجٌ تضرب شاطئًا صخريًا بلا توقف.
ولكن رغم ذلك، لم أكن هنا. كنت غائبًا في صمت عقلي، في مكانٍ لا يحتوي على شيء سوى فراغٍ شاسع. كان ذلك الفراغ يخيفني بقدر ما يريحني.أشعر بالحيرة
. كيف يمكن أن يكون عقلي صامتًا ؟ أين ذهبت كل تلك الأفكار التي كانت تسكنني؟ أين اختفت الأحاديث الداخلية التي لا تتوقف عادة؟ هل أنا وحدي الآن؟ أم أن هذا الصمت المؤقت هو لحظة استراحة قبل أن يعود الضجيج الداخلي مرة أخرى؟
أمعنت النظر في من حولي. وجوههم كانت مألوفة، لكنها بدت بعيدة، غريبة، و كأنني أراهم للمرة الأولى. لم أكن أستطيع التواصل معهم، حتى لو أردت ذلك.
كان عقلي مقيدًا ، غير قادر على تفسير ما يحدث أو المشاركة في الحوارات التي تدور من حولي.شعرت بضغطٍ غريب في صدري. كأن شيئًا يريد الانفجار داخلي. كأن هذا الصمت لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة.
في هذه اللحظة انتفضت مرة واحدة ، ووقفت لأقطع صمتي و الأصوات المحيطة بي .
....أنا استقيل ... صرخت بصوت عالي
ساد الصمت في المكان مرة واحدة ، و بدأت الأصوات تصرخ في عقلي ، هذا الصوت المتنامي المتصارع بدأ يصيح بداخلي ، الأفكار تنهال على و قلبي بدأ يشعر بالاختناق ، الأصوات المتضادة في رأسي تتعالى و تتصادم .
توجهت العيون كلها نحوي إنها تخنقني ، كانت العيون مفتوحة على مصرعيها شاخصة ، تناظرني بتمعن و كأنها تتساءل في صمت
" ماذا قلت ؟ ، ما الذي تقصده ؟ "
أنا استقيل ... هل قلت هذا حقا ، لقد كانت الكلمات التي تفوهت بها غريبة على ، و كأن شخص آخر هو من تحدث .
لكنني عاودتها مرة أخرى " أنا استقيل "
جمعت أوراقي ، وحملت حقيبتي ، و غادرت .
كان الأمر بسيط و غريب في نفس الوقت ، كنت مذهولا ، جسدي يتحرك بشكل تلقائي ، و ينطلق إلى الخارج بلا أي تردد.
صعدت إلى المصعد و ضغطت على رقم الطابق الارضي ، و لازال هذا السؤال يتكرر في داخلي " ماذا تفعل ؟ "
كان سؤالا فارغا بدون أية إجابة ، السائل و المجيب هو شخص واحد .
فتح باب المصعد ، و انطلقت ، ساقي لا استطيع التحكم بها ، إنها تسوقوني دون أي تردد ، أنا بلا حيلة أمام ما أفعله .
لازلت اتحرك باتجاه الباب ، من يعرفني يرفع يده لتحيتي ، أراهم نعم أراهم و لكن لا أرد على أحد و لا أحي أحد ، أنا أعرفهم ، أنا زميلهم و بعضهم أصدقائي ، لكن لا أبدي أية مشاعر أو تحرك تجاههم ، صوت بعضهم في أذني " ماذا حدث له ، لما لا يرد السلام ؟ "
لم ألتفت لازلت أسير في طريقي متجاهلا الجميع ، حتي هذا الرجل الذي يحمل الملفات ، يسير باتجاهي مشتتا يتأكد من ملفاته ، لم ابتعد عنه ، عقلي يصرخ " ابتعد ، ابتعد "
لكني لازلت في نفس الطريق ، ارتطمت به ، أسقط الملفات ووقع ، حتي أنا وقعت و لكني حملت حقيبتي و وقفت متجاهلا الرجل و أوراقه المتناثرة ، متجها في طريقي إلى الأمام ، فقط أسير بأتجاه الباب .
و ها هي يدي تدفع ذلك الباب العملاق لأخرج من هذا المكان .
الفصل الثاني
تدب الحركة في أطراف الشركة الجميع يعمل بسرعة و دون توقف ، يجلس كريم على كرسيه أمام الكمبيوتر ممسكا رأسه ، و كان هموم الدنيا قد تراكمت فوق رأسه ، يحاول التنفس ببطء ممسكا لوحة المفاتيح ليجد حل ، يجرب الأكواد و الطرق التي تعلمها ، لكن دون فائدة .
يحاول و يحاول .
يحدث نفسه " بالها من مصيبة أين أختفي الملف ، لقد عملت عليه لأشهر ، ما الذي يجب على فعله "
يتصفح شبكة التواصل لاستعادة الملف المحذوف و يجرب كل الطرق ، التي تنتهي في النهاية بالفشل .
لازال يحدث نفسه و هو يهز رجله بقوة من التوتر " ما هذا العبث ؟ ، كيف فعلت هذا ؟ ، لم أعد في حالتي الطبيعية "
يطالع يده ليحدثها " كيف فعلت بي هذا، لماذا حذفت هذا الملف المهم ؟ "
يمسك رأسه و يشد شعره و هو يجز علي أسنانه ، إنه على وشك البكاء .
يقطع الحديث الدائر بينه و بين نفسه صوت الهاتف ، يرن و يرن و يرن .
يرفع كريم السماعة مستقبلا مكالمة داخلية في الشركة ، إنه رقم المدير
كريم متمتما " يالها من مصيبة ، هل هذا وقتك ؟ "
السكرتيرة " أستاذ كريم "
كريم يرد و هو يتمتم و يتلجلج " أجل "
السكرتيرة " المدير يريدك أن تحضر الملف الخاص بالصفقة التي تعمل عليها و تحضر في الحال"
كريم يفجع " في الحال! ، أتقصدين الآن ؟ "
السكرتيرة و قد فزعت " أجل ، الآن يا أستاذ كريم "
أغلق الهاتف و بدأ يتصبب عرقا ، و أطرافه يسحب منها الدماء ، و لكن هذه الدماء لا تذهب إلى عقله لأنه توقف عن التفكير ، بل تذهب إلى قلبه بالتأكيد الذي يركض في مارثون .
" إنه تعيد نفس السؤال مرارا و تكرارا ، كأنه أصبح آلة تسجيل مكسورة " ماذا أفعل ؟ ، ماذا أفعل ؟ "
" لقد ضاع مستقبلي ، من سيرضي بي و أنا مهمل و أحمق "
تقف أماني أمامه تناديه : أستاذ كريم ، كريم ، كريم ؟!
يفزع فجأة منتخبها لها : أستاذة أماني هل هناك أي مشكلة .
أماني : يبدو أن المشكلة بك ، أنت لست في حاجة جيدة ، هل أنت مريض ؟
كريم : لا أنا ...أنا بخير ، فقط ( يبتلع ريقه و يفتح زرار القميص العلوي حتي يستطيع التنفس ، مزيحا الكرفتة ، متنفسا بصعوبة ) أنا فقط حلمت أمس حلم غريب ، مسيطر على تفكيري .
أماني : يبدو لونك شاحبا و تلتقط أنفاسك بصعوبة بالغة.
كريم : لا، لا أنا بخير .
أماني : إذا كنت تشعر بالمرض ، يمكنك المغادرة ، سأشرح للمدير حالتك الصحية .
كريم : لا ( يتنفس بصعوبة ) يجب على أن أسلم الملف الخاص بالمشروع الآن.
أماني : سأسلمه نيابة عنك .
كريم : و كيف هذا ؟
أماني: كيف ماذا ؟ سأسلم المشروع ، لقد اتفقنا على هذا عندما أرسلت لي الملف أمس .
كريم شعر كأنه تلقى صفعة غير متوقعة. "ماذا؟ أرسلت لك الملف؟"، رد بصوت متحشرج وهو يكاد لا يصدق ما يسمعه.
أماني نظرت إليه باستغراب، "نعم، بالطبع. لقد أرسلت لي الملف بالبريد الإلكتروني البارحة، وراجعته اليوم صباحاً. إنه جاهز للتسليم.
"كريم وقف مشدوهاً للحظة، ثم استدرك الموقف. "أرسلت لك الملف؟" كرر الكلام وهو يحاول تذكر اللحظة. ربما كان في حالة من الضغط والتوتر لدرجة أنه نسي تماماً أنه قام بإرسال النسخة إلى أماني.
أماني ضحكت بخفة، "أستاذ كريم، يبدو أنك مرهق للغاية. لقد أخبرتك مراراً أنني سأساعدك في هذا المشروع، وعندما طلبت منك أن ترسل لي الملف، فعلت ذلك مباشرة."
كريم مبتسما ابتسامة بلهاء مستعيدا حواسه مرة أخرى : أنا أتاسف على رد فعلي ، لقد اختفي الملف و ظننت أنني فقدت عملي .
أماني : حتى إذا فقدته فيوجد نسخة في الرسائل بيننا ، و أنت أخبرتني أنك تحتفظ لأكثر من نسخة معك ، لقد أخبرتني أن هناك فلاشة تحملها معك بها مشاريعك دائما .
يلامس كريم جيبه ليعثر على الفلاشة التي سرعان ما يضعها في الكمبيوتر ، ليري ملف المشروع كاملا أمامه .
تتعجب أماني من حالته ، فهو معروف بإتزانه ، و رصانته ، لكنه في هذا اليوم يبدو مشتتا غير مهندم على غير عادته ، مرتبك .
أماني : هل أنت متأكد أنك بخير ؟
يهز رأسه بالإيجاب بأنه بخير و لكنها مبالغ فيها ، ينظر إليها ليقرأ في ملامحها أنها تراه مضطربا .
كريم : أنا حقا بخير ، على الأقل حاليا ، كل ما أتذكره عن ليلة أمس هو حلم غريب .
أماني: حلم .. غريب ؟!
كريم: أجل لقد وجدت ظرفا متهالكا ، يحمل اسم أبي .