الفصل ٣٥٠٠ كلمة، لا تدع القراءة الفصل تلهيك عن واجباتك الدينية و الدنياوية 💜
الفصل العاشر
ظل بجوار الضوء
.
انتهى الدوام، تاركاً وراءه ممرات الجامعة فارغة وصامتة . ركب أنس سيارته المركونة في الجانب الآخر من الشارع، وأغلق الباب، عازلاً نفسه عن العالم الخارجي .
بدأت السماء الرمادية تمطر ، قطرات مطر خفيفة تنقر على الزجاج الأمامي بإيقاع مختلف،
أسند جبهته على برودة عجلة القيادة، وأغلق عينيه مستمتعا لتقتقة قطرات المطر المنهمرة بالغزارة . " "محاولة اليوم باءت بالفشل."
لم يكن في صوته الداخلي أي أثر للحزن أو الخيبة. كانت مجرد ملاحظة، تقييم بارد للنتائج.
رفع رأسه ببطء عن عجلة القيادة، وفتح عينيه القرمزيتين. حدق في قطرات المطر التي ترسم خطوطًا عمودية على الزجاج .
"ربما... يجب زيادة الجرعة، جرعة مضاعفة من الثقة ."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، لم تكن إلا امتدادًا لبرودة أفكاره.
امتدت يده بارادته الخاصة، أخرج هاتفه من جيبه، وفتح عينيه بنصف فتحة، شاشة الهاتف كانت الضوء الوحيد في عتمته. ضغط على اسمٍ كان محفوظا : "جدتي".
انتظر رنين الهاتف، حتى سمع صوتها الحنون و الدافئ!
"مرحباً يا حفيدي." جاء صوتها الهادئ، كالعادة .
"مرحباً جدتي، كيف حالكِ؟"
"بخير الحمد لله ، وأصبحت أفضل الآن بعد أن سمعت صوتك. هل كل شيء على ما يرام؟"
"نعم، كل شيء على ما يرام،"
" لكن كنت أريد أن أسألكِ... هل تقبلين ضيفاً ثقيلاً عندكِ؟"
"ضيف؟ بالطبع ، وهل معك أصدقاؤك؟ أحضرهم معك، سأعد لكم أفضل ما عندي."
ضحك أنس ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح حين رد بصوت هادئ "لا يا جدتي. متى كان لدي أصدقاء؟ الضيف... هو أنا. أريد أن آتي وأقيم عندكِ لبضعة أيام. لو كنتِ لا تمانعين بالطبع."
ساد صمت قلق على الطرف الآخر. "تعال يا بني، بيتي بيتك. لكن... لم يحدث شيء في المنزل، أليس كذلك؟"
"لا شيء مهم،" قال، وهو يراقب المطر يتكثف على الزجاج. "فقط... أشعر ببعض الضيق، وأريد رؤيتك."
"حسناً يا حفيدي. سأنتظرك."
"إلى اللقاء."
أنهى المكالمة، وبمجرد أن أعاد الهاتف إلى جيبه، تجمدت حركته. حين لمح عبر زجاج سيارته الذي غشته خيوط المطر، طيفًا في أقصى الموقف، متواريًا خلف سيارة في زاوية بالكاد يصلها النور.
لم يكن عليه ان يفكر كثيرا حتى تسربت ابتسامة بطيئة وواثقة إلى شفتيه المشدودتين، ابتسامة صيّاد وجد فريسته. همس بصوت خفيض تغلفه نبرة انتصار: " حان وقت الجرعة المضاعفة."
.
.
.
أغلق غطاء حاسوبه المحمول، وصوت السحّاب المعدني وهو يُطبق على الحقيبة كان اعلانا لنهاية يوم آخر، وقف للحظة و تردد صوت في داخل راسه " شكّلوا فرقًا... ثلاثة أشخاص، شخصان، أو حتى فرد واحد إن كان يرى في نفسه الكفاءة. المطلوب: برنامج صغير، تطبيق عملي لكل ما تعلمتموه خلال هذين الشهرين. أريد أن أرى بصماتكم الرقمية. "
اخرج تنهيدة طويلة بوجه يظهر مدى خيبته " و من قد يضمني اليه على اي حال؟"
تحرك من بين ممرات حتى انسلّ من باب الجامعة الزجاجي الثقيل، حاملاً معه بقايا دفء القاعات الدراسية إلى عالم خارجي البارد .
لكن العالم الذي استقبله لم يكن مجرد هواء بارد. كانت السماء قد مزّقت وشاحها الرمادي، وأطلقت سيلاً من القطرات باردة تجلد الأرصفة بعنف.
تجمدت ملامحه ، وتحولت من إرهاق هادئ إلى قلق حقيقي. همس لنفسه، وصوته ضاع في صوت المطر: "... اه.... لقد نسيت مظلتي! "
بيدٍ مرتجفة، أحكم وشاحه الصوفي حول عنقه، ورفع قناعه الطبي ليغطي أنفه وفمه، كأنه يشيّد آخر دفاعاته الهشة. "نزلة برد واحدة... وستكون القاضية." لم تكن مجرد كلمات، بل كانت حقيقة مرعبة تتربص به في ظل مناعته الضعيفة.
وفجأة، لم يعد المطر هو عدوه الوحيد. تمرد العالم من حوله. بدأت حواف رؤيته ترقص وتتموج، و أصبح الواقع لوحة ألوان مائية سالت ألوانها.
اهتز كيانه، وفقد جسده توازنه للحظة، فهوى إلى الأمام في حركة يائسة. امتدت يده سريعا ، لتتشبث بالعمود الفولاذي البارد لبوابة الجامعة، الذي أصبح مرساته الوحيدة في هذا البحر من الدوار. أسند جبهته المحمومة على برودة المعدن، وأطبق على جفنيه بقوة.
"ليس الآن..." تضرّع بصوت خافت، مناجياً العاصفة التي تزمجر في رأسه وتلك التي تضرب المدينة. "أرجوك... ليس الآن."
رمش عدة مرات، في محاولة عبثية ليمسح الضباب عن عينيه. مرّر يده على جبينه، فشعر بحرارة غير طبيعية تنبعث منه. "حمى.... ."
أغلق عينيه مرة أخرى، مستسلماً للحظة، بينما صوت ارتطام المطر العنيف بالأرض كان يقرع في أذنيه كطبول حرب. "يا إلهي... ارفع عني هذا البلاء."
"لؤي؟ هل أنت على ما يرام؟"
اخترق الصوت ضجيج المطر والمرض. صوت هادئ، ومألوف بشكل مقلق. رفع رأسه الذي أصبح أثقل من اللازم ببطء،. حين استقرت رؤيته الضبابية، رأى زوجاً من العيون البنية تحدق فيه بقلق.
"سامر...؟" خرج صوته أجشاً ومبحوحاً، بالكاد مسموعاً. "ما زلت... هنا؟"
اقترب سامر، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. "نسيت، حقيبتي ، فاضطررت للعودة. " تفحص لؤي بنظرة سريعة، وأضاف بنبرة لا تخلو من حنان : "حالك لا يسمح بانتظار الحافلة في هذا الجو. دعني أوصلك، سيارتي ليست بعيدة."
أدار لؤي بصره المتعب حوله. الشارع كان نهراً من الأضواء المشوهة والسيارات العالقة. الحافلة قد لا تأتي قبل زمن طويل، والبقاء هنا يعني الهزيمة التامة أمام المرض. لم يكن يملك ترف الاختيار. أومأ برأسه في استسلام. "إذا... لم تكن تمانع."
"بالطبع لا أمانع." اتسعت ابتسامة سامر وهو يقترب أكثر، يسند لؤي بذراعه، وفي حركة سلسة أخذ منه حقيبة الحاسوب الثقيلة. "هيا بنا. اضطررت لركنها خلف مبنى الكلية، فالشارع الرئيسي مغلق."
سارا معاً، أو بالأحرى، كان سامر يقود لؤي الذي أصبح يعتمد عليه بالكامل. كان لؤي يصارع ليثبت بصره على نقطة واحدة، لكن الدوار والتشويش كانا رفيقين ثقيليين له . حين كاد أن يسقط، تشبث بمعطف سامر بقوة، وأصابعه تغوص في القماش المبلل.
"انتبه يا صديقي ،" قال سامر بنبرة حانية، لكن قبضته على ذراع لؤي اشتدت. "كُدنا نسقط معاً."
حاول لؤي أن يتمتم باعتذار، لكن الكلمات تاهت منه. استمروا في السير، مبتعدين عن أضواء الشارع الرئيسي، حتى وقفا عند مدخل زقاق ضيق ومظلم يلتف خلف الجامعة. توقف سامر فجأة و ابتعد عن ذلك الجسد الهش.
رفع لؤي عينيه بصعوبة. أمامه لم تكن هناك سيارة، بل فم حالك من الظلام، يزفر رائحة الحجارة الرطبة والعفن. حتى مع رؤيته الضبابية، كان المشهد خاطئاً بالكامل.
"أين... أين نحن؟" سأل بصوت يرتجف، ليس من البرد هذه المرة، بل من خيط جليدي من الخوف بدأ ينسج طريقه حول قلبه.
لم يأت الجواب. كل ما كان هناك هو صمت سامر، والظلال التي تكثفت حولها اكثر.
،فجأة تشكلت صور امامه، مجموعة من الشبان تقف أمامه، صورهم الظلية مشوهة بسبب رؤيته الضبابية. شعر بقلبه يقرع ضلوعه بقلق. رفع رأسه، محاولاً التركيز، واستطاع أن يميز ذلك الوجه البارد الذي ينظر إليه بتفوق.
" اظن ان الوقت انتقام قد حان ."
"سامر؟" قال لؤي، وصوته ضعيف. " ماذا تقصد؟ ماذا حصل؟ من هؤلاء "
انفجر سامر بضحكة عالية، ضحكة حادة وقاسية . "لم يحصل شيء بعد. لكنه سيحصل الآن."
في حركة سريعة وعنيفة، رفع سامر قبضته ووجهها نحو وجه لؤي، نحو ذلك القناع الطبي الذي يخفي هشاشته. أغلق لؤي عينيه في رد فعل غريزي، ورفع ذراعيه النحيلتين كدرع واهٍ، مستعداً لاستقبال الألم الذي طالما عرف كيف يتحمله.
انتظر.
ثانية. ثانيتان.
لم يأتِ الألم.
غريب. فتح عينيه ببطء، وتسللت الدهشة إلى روحه المنهكة. وجد أن قبضة سامر متجمدة في الهواء، على بعد سنتيمترات قليلة من وجهه، محتجزة داخل قبضة يد أخرى. يد شاحبة وقوية، ظهرت من حيث لا يدري .
"أنت؟" صرخ سامر، وهو يحاول سحب يده من تلك القبضة الفولاذية. "ألم تغادر قبل قليل؟"
كان صاحب العيون القرمزية واقفاً هناك، جسده بين لؤي وسامر، والمطر يبلل شعره الفحمي ويلتصق بملابسه. لم يكن يلهث، لم يكن غاضباً. كان هادئاً بشكل مرعب.
"أستطيع أن أمثل أي دور أريده، في أي وقت، وبأي طريقة،" قال ، وعيناه القرمزيتان تحدقان في عيني سامر. "لقد مثّلت دور المغادر. ألم يعجبك أدائي؟"
تحرك أحد الشبان من الخلف، وقد رفع عصا خشبية في الهواء، عازماً على ضرب لؤي من الخلف. لكن أنس، دون أن يزيح نظره عن سامر، تحرك جانباً في حركة انسيابية خاطفة. مرت العصا في الهواء، محدثة صفيراً، وكادت أن تفقد الشاب توازنه. وفي نفس تلك الحركة، كان أنس قد سحب لؤي خلف ظهره، جاعلاً من جسده درعاً حياً.
أدرك الشبان أن الأمر لن يكون سهلاً. تحركوا جميعاً في حالة هجومية، مشكلين نصف دائرة حول أنس ولؤي. كانت لحظة مشحونة، الهدوء الذي يسبق الانفجار، والمطر هو الموسيقى التصويرية الوحيدة.
لكن قبل أن يتقدم أي منهم خطوة أخرى، انشق الهدوء الزقاق بصوت لم يتوقعوه.
صوت صفارات حادة تقترب بسرعة.
تجمد الجميع في مكانه. ظهرت أضواء زرقاء وحمراء وامضة من بعيد، ترقص على المباني المبللة، وتتجه نحوهم مباشرة. توقفت سيارة شرطة أمام الزقاق ، وصوت المطر يكاد يختفي أمام صوت مكبر الصوت الذي دوى في الشارع:
"توقفوا في أماكنكم فوراً! ارفعوا أيديكم حيث يمكنني رؤيتها!"
نظر سامر ورفاقه إلى بعضهم البعض برعب وارتباك. كيف؟ من أين أتت الشرطة بهذه السرعة؟
لكن لؤي كان ينظر إلى شيء آخر. كان ينظر إلى أنس، الذي لم يبدُ عليه أي أثر للمفاجأة وهو يواجه أضواء الشرطة الزرقاء والحمراء.
وفجأة، لم يعد هناك شيء ثابت.
بدأ الأدرينالين الذي أبقاه واقفاً يتلاشى، وحل محله إرهاق عميق، إرهاق العظام والروح. لم يعد عقله قادراً على معالجة ما يحدث. لماذا أراد سامر، صديق طفولته، أن يضربه؟ لماذا أتت الشرطة؟ الأفكار كانت تتصادم في رأسه كشظايا زجاج.
شعر بذلك الدوار يغمر رأسه مرة أخرى، لكن هذه المرة بقوة ساحقة. تموجت أضواء سيارة الشرطة أمامه، وتحولت إلى ألوان سائلة، وارتجفت الأرض تحت قدميه. فقد توازنه تماماً. في حركة غريزية أخيرة، امتدت يده وتمسكت بالشيء الوحيد القريب والقوي. تمسك بظهر معطف أنس.
التفت أنس إليه بسرعة . "لؤي، ماذا هناك؟"
رفع لؤي رأسه، وعيناه الزرقاوان كانتا ضبابيتين، تائهتين. حاول أن يتكلم، أن يجمع آخر ما تبقى من قوته ليقول شيئاً مهماً. "أرجوك..." همس بصوت متقطع، بالكاد مسموع وسط صوت المطر وصفارات الشرطة. "لا تقل... لأمي..."
لم يكمل جملته. ارتخت أصابعه التي كانت تتشبث بمعطف أنس. تهاوى جسده الهزيل، وانزلق على ظهره ، ثم انهار على الأرض المبلل .
ساد صمت مروع للحظة، صمت أثقل من صوت المطر.
حدق أنس في جسد لؤي الملقى على الأرض، والمطر يغسل وجهه الشاحب.
عقله، الذي كان يعمل بكفاءة قصوى قبل ثوانٍ، تجمد، توقف الزمن امامه لثواني حتى لاحظ حركة خلفه.
أسرع شرطيان نحوهما، بينما كان زملاؤهم يسيطرون على سامر ورفاقه المذهولين. انحنى أحدهما بجانب لؤي، وبدأ يربت على خده برفق. "أيها الشاب ، هل تسمعني؟"
لم تكن هناك استجابة. كان لؤي ساكناً تماماً، وجهه هادئ بشكل مخيف.
اقترب الشرطي الآخر من أنس، الذي كان لا يزال واقفاً كتمثال، يحدق في لؤي. "هل تأذى أثناء الشجار؟ هل ضربه أحد هؤلاء الأوغاد؟"
حرك أنس رأسه نفياً ببطء، وعيناه لم تفارقا لؤي. "لا... لم يضربه أحد."
في تلك الأثناء، وضع الشرطي الأول يده على جبهة لؤي ليتفقد حرارته. سحب يده بسرعة كمن لمس جمرة. "لا أظن أن هذا بسببهم. لكن حرارته... ، حرارته مرتفعة جداً! إنه يحترق!" نظر إلى زميله بعيون قلقة. "علينا نقله إلى المستشفى. فوراً!"
.
.
.
تسلم الورقة من بين أصابع الممرضة، تلك الوثيقة الصغيرة التي كُتبت عليها وصفة طبية بخط غير مقروء، أشبه بتخطيط قلب مريض.
"الرجاء البقاء معه حتى وصول والدته،" قالتها الممرضة بصوتٍ خاوٍ من أي شعور، صوتٌ اعتاد ترديد نفس الجمل في وجه مآسي متشابهة حتى أصبح مجرد صدى.
أومأ أنس برأسه إيماءة صامتة، حركة مقتضبة وحاسمة تعني إنهاءً الحوار.
ابتعد، تاركًا خلفه مكتب الاستقبال، ليتجه نحو عنبر المرضى؛ متاهة بيضاء تفوح منها رائحة المطهرات الحادة التي تحاول عبثًا تطهير الهواء . كانت الأسِرّة مصطفة ، تفصل بينها ستائر واهية لا تحجب إلا القليل من الخصوصية المرضى و مرافقيهم .
اقترب من السرير المقصود، حيث يرقد ذلك الجسد الهش في سباتٍ فرضته عليه حمّى متقدة كجمرة تحت الرماد.
كان السرير المقابل له فارغًا. وجد فيه فرصة، مسندًا جسده على طرفه ببطء، وجلس بيأخذ راحته، فهو كان مشغولا بالإضافة شهادته إلى الشرطة بعد ما حصل و لم يجلس منذ ساعتين تقريبا .
استقرت عيناه القرمزيتان على الورقة في يده. تلك الكلمات المكتوبة بحبر أزرق، قائمة بأسماء عقاقير يُفترض بها أن تعيد التوازن إلى جسد اختل ميزانه. همس صوته الداخلي ببرودٍ تحليلي: "مع كل هذه الأدوية، سيعيش ثلاثة أشهر فقط. مجرد تأجيل للمحتوم."
حينها ، عاد ذاك المشهد الي أمام ناظريه ، ليس كذكرى، بل كخللٍ في نظامه. لحظة انهيار لؤي أمامه في ذلك الزقاق ، كيف سقط بلا حول ولا قوة ، وكيف بقي هو واقفًا، ينظر إليه بعينين خاويتين، كمن يشاهد فيلمًا لا يعنيه. لم يشعر بشيء. لا قلق، لا خوف، لا حتى فضول. كان مجرد فراغ. وهذا الفراغ بالذات، بدأ يشعره بشيء غريب الآن... شيء يشبه الحيرة.
عاد إلى واقعه وألقى نظرة على الراقد أمامه، ثم ترك ورقة الوصفة الطبية بجانبه. "هل عدم قدرتي على الشعور مرضٌ حقًا؟" تساءل حواره الداخلي للمرة الأولى بنبرة مختلفة، نبرة تحمل ظلًا من الشك. "هل يجب أن أخضع للعلاج في مصحة بسبب هذا ؟"
انقطع سيل أفكاره حين اخترق اهتزاز حاد جيب معطفه، تبعه نغم إلكتروني حاد. انتفض واقفًا، لا من المفاجأة، بل كرد فعل غريزي لكتم هذا الضجيج الدي اخترق هدوء المكان . أجاب بصوت لم يكن سوى همسٍ خافت: "نعم، جدتي."
"لقد تأخر الوقت كثيرًا يا بني، أين أنت؟" جاء صوتها مشبعًا بقلق حقيقي.
"أعتذر جدتي،" أجاب، وعيناه مثبتتان على الجسد المسجى. "أمرٌ طارئ في الجامعة... استدعى تدخلي."
"وهل أنت بخير؟ هل أصابك مكروه؟ أنا قلقة جدًا."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة شبحية، لم تصل إلى عينيه. "أنا بخير، في أفضل أحوال. لكني مبلل بسبب المطر، هذا كل شيء."
"لن يهدأ لي بال حتى أراك. متى ستصل؟"
"ربما بعد نصف ساعة،" قال، وعيناه تتبعان جهة أخرى من العنبر. "آسف جدتي، هناك أمرٌ لا يمكنني تركه الآن." وفجأة، عادت تلك الذكرى أمامه، وجه سامر الملتوي بالكراهية. أغلق أنس عينيه ببطء. "لماذا أفكر بما حدث بهذا الشكل؟ لماذا يتردد المشهد في عقلي؟"
"أنس؟ هل ما زلت معي؟"
"عليّ أن أغلق الآن جدتي، أراكِ لاحقًا." أنهى المكالمة بضغطة زر.
اقترب من سرير لؤي. حدّق في وجهه من مسافة أقرب، وجهٌ شاحب غارق في عرق الحمى. مدّ يده ببطء، وبإصبعين باردين لامس عنقه عند شريانه السباتي. شعر بالحرارة اللاهبة المنبعثة من جلده، وتحتها، شعر بذلك النبض المنتظم، الثابت .
"لم يتحول إلى شيء بعد،" أكد لنفسه، لكن هذه المرة، لم يكن التقييم باردًا تمامًا. كان هناك شيء آخر، شيء غير محدد .
"المعذرة... أين أجد ابني؟ لؤي مراد ؟"
صوتٌ مهشوم بالهلع قطَع خيط أفكاره. رفع رأسه ليرى امرأة تقف عند مدخل العنبر، ترتجف يداها، وتائهة نظراتها .
"ها قد أتت منقذتك،" همس في أعماق ذاته، لكن السخرية هذه المرة كانت أقل حدة، وكأنها مجرد عادة. "لقد أبقينا خطة صديقك القديم طي الكتمان... في الوقت الحالي."
سار وانسل مبتعداً. لم يلتفت خلفه. بمجرد أن التقطت أذناه صوت خطواتها المتسارعة وهي تقترب من سرير ابنها، كان هو قد تلاشى في ذلك الممر الطويل، ليخرج من المشفى بأكلمه .
"تشبّث بالحياة... لا تمت الآن. أرى فيك مشروعا مثير للاهتمام . من يدري... لعلّك تكون أنت الشرارة التي ستوقد في روحي شعورًا حقيقيًا لأول مرة."
.
.
وضعت الصحن على الطاولة الخشبية، ورافق صوت ارتطامه الخافت تصاعد بخارٍ فاتر، يحمل رائحة طعامٍ منزلي الدافئ المليئ بالحب.
"لقد سرقت الراحة من عيني،" قالت جدته، وصوتها مزيج من عتابٍ حنون قبل أن تجلس مقابل حفيدها . "لماذا لم تتصل؟ مكالمة واحدة كانت لتطفئ نيران القلق التي أوقدتها في قلبي وفي قلب والدتك."
أمسك أنس بالملعقة الفضية، وبحركة يده البطيئة، حدق في انعكاسه المشوه على سطحها المعدني قبل أن يغرسها في الطعام. "لقد كان أمرًا طارئًا،" قال بصوت مستوٍ. "مسرحية سخيفة من بعض الأغبياء، لكنني وجدت نفسي في قلبها."
"لا تبرر هذا الغياب والدتك... اتصلت ثلاث مرات، وصوتها يكاد يتمزق من الهلع كانت خائفة عليك جدا "
عند تلك الكلمات ، "الهلع" و "خائفة" توقف كل شيء. تجمدت الملعقة في منتصف الطريق إلى فمه، ليتردد صداها في كهوف عقله الفارغة.
رفع رأسه ببطء، وتلاشت من عينيه بقايا هدوئه المصطنع، لتحل محلها تلك النظرة التي تعرفها جدته وتخشاها. فراغٌ صقيعي، نظرة تشريحية تجردك من كل دفاعاتك.
"جدتي،" قال بهدوء جليدي. "دعيني أسألكِ بوضوح. هل هي قلقة من أنني قد تأذيت ... أم أنها قلقة من أن إرث والدي بدأ بالظهور؟"
تصلبت ملامح الجدة، وارتجفت يدها التي كانت تستند على الطاولة. الكلمات تعثرت في حنجرتها قبل أن تخرج مشوهة: "ما... ما هذا الكلام؟ والدك........
ابتسم أنس، ابتسامة خفيفة وباردة لم تصل إلى عينيه. " انا اعرف يا جدتي ان حسام ليس والدي، و اعرف حقيقة والدي الحقيقي ، و انه كان مصابا بالاعتلال النفسي ." وضع الملعقة بجانب الصحن بهدوء قاطع. "وأنتِ تتحدثين إلى شخص يقرأ عن حالته في الكتب و المصادر موثوقة . أنا أعرف التشخيص جيدًا: 'اعتلال نفسي'. 'غياب التعاطف'. ' عدم القدرة على صنع روابط العاطفية و الأهم من كل هذا رغبة جامحة في رؤية الموت و القتل، فراغ مطلق . هذه ليست مجرد كلمات يا جدتي، إنها خريطتي الجينية. لكن الفرق بيني وبين والدي الان ، هو أنني أعرف قواعد اللعبة ....... "
"كُفَّ!" صرخت، ووقفت فجأة، صوت الكرسي وهو يحتك بالأرض بدا كصرخة مكتومة. "كُفَّ عن التفوه بهذا الهراء، !" كانت كلماتها يائسة، محاولة بائسة لدفن شبحٍ عاد من قبره.
أمال أنس رأسه، وعلى وجهه تعبير من الحيرة البريئة التي كانت أكثر إثارة للقلق من أي غضب. "وهل هذا ما يزعجك؟ التشخيص نفسه؟ أم حقيقة أنني أتقبله؟"
صمت للحظة، محدقًا في عينيها المذعورتين بهدوء يكاد يكون متعاطفًا. "لا تقلقي. أنا لا أنوي كسر القواعد. و لا أنوي الذهاب إلى مصحة أو السجن. هذا سيكون فوضويًا وغير فعال."
اقترب منها خطوة، وخفض صوته إلى همسٍ مخيف مثل حفيف أفعى "لقد وجدت الحل يا جدتي. حلٌ يرضي فضولي و قد يساعدني لكي أشعر لأول مرة ، ويحافظ على هدوئكم. لقد وجدت... نموذجي المثالي."
حدق في عينيها المذعورتين بهدوء ومنطق بارد كالثلج. "كيانٌ يحتضر بالفعل. شخصٌ يمكنني دراسة تفككه، مراقبة انطفاء وعيه، اختبار ردود أفعاله تجاه النهاية... كل ذلك دون أن أكون مسؤولاً عن وفاته. سأكون مجرد مراقب. عالم يدرس تجربة فريدة. وبهذا، أُشبع هذا الضجيج في رأسي، دون أن أرتكب أي خطيئة ، ودون أن أكون 'مريضًا' في نظركم لاني ربما ساشعر و اتعاطف لأول مره في حياتي . أليس هذا حلاً مثاليًا؟"
أنهى جملته، ثم عاد إلى كرسيه بهدوء. التقط ملعقته مرة أخرى، وعادت تلك الابتسامة الهادئة والبريئة لتستقر على ملامحه، كأن العاصفة قد مرت، وكأنه قدم للتو حلاً عبقرياً ومنطقياً لمشكلة كانت تؤرقهما معًا. نظر إلى جدته بتوقع، كأنه ينتظر منها أن تهنئه على حكمته وقدرته على السيطرة على حالته، لكنها بقيت متجمدة مثل تمثال جليدي، و عيونها زائغة تحدق بذلك الجالس، و يبتسم ببراءة.
"كل هذا الوقت قد قد كان يخدعنا بهذه ابتسامة، اذا قد ظهر، جين اعتلاله قد ظهر".
.
.
.
كانت العتمة تلتهم أركان غرفة المعيشة، سكونٌ مُطبق، ثقيل، لا يكسر الصمت غير صوت نقرات أصابعه على لوحة المفاتيح و الضوء الوحيد كان الوهجٍ أزرق الذي ينعكس ضوءه على وجهٍ غارقٍ في تركيزه، ويرسم على الجدران خلفه خيالاتٍ مشوهة تتلوى مع كل حركة.
ثم اخترق الصمت صريرٌ خافت، جرحٌ صغير في هدوء المكان. فتح الباب، ودخل شخص إلى المنزل ، ليجد نفسه غارقاً في الظلام غير المألوف. تجمدت خطوته، وتسلل قلق غريزي إلى صوته: "أمي؟"
تلمست يده الجدار باحثا ، حتى عثرت على زر الإضاءة.
ضغطة واحدة، وانفجار أبيض طرد الظلام بقسوة وكشف عن المشهد.
رفع الجالس رأسه ببطءٍ ، وتلاشت الشاشة الزرقاء من انعكاس عينيه. ارتسم على وجهه قناع مصقول من الهدوء.
"أهلاً بعودتك، خالي يامن . أعتذر عن هذا الاستقبال، فأنا من قاطني الظلال."
"أنس..." خرجت الكلمة من فم الخال مصحوبة بزفرة ارتياح. "لقد أفزعتني. متى وصلت؟ وأين سناء ويزن؟"
نهض أنس، وتحرك نحوه بخطوات هادئة لا تثير غباراً. الابتسامة لم تغادر وجهه، لكنها لم تصل إلى عينيه. "جئت بمفردي. سأنعم بضيافتكم لأيام... لا أظن أن في ذلك إزعاجاً، صحيح؟"
"ل... لا، بالطبع. المنزل منزلك. وأمي، أين هي؟"
"جدتي انسحبت إلى غرفتها لتستريح. دخلتها قبل قليل، أشك أنها قد غفت بعد."
"حسناً، سأذهب لأطمئن عليها. خذ راحتك."
أومأ أنس، وراقبه يختفي في الممر المؤدي إلى غرفة الجدة. وفي اللحظة التي غاب فيها عن الأنظار، ذاب قناع الهدوء عن وجهه، ليكشف عن برودٍ معدني. عاد إلى الأريكة أمام الشاشة المتوهجة، ليستمر في عمله .
"إذن، حتى أنت يا خالي،" همس في عقله، "ترى الشبح الذي يقف خلفي."
.
.
.
حين دخل الغرفة، وجد والدته كتمثالٍ جالسة على حافة سريرها. كانت منحنية على نفسها كأنها تحمي صدرها من طعنة قادمة من الذاكرة، ولم ترفع رأسها، بل سألت الفراغ أمامها بصوتٍ خافت: "هل نام؟"
"لا، ما زال مستيقظاً، يعمل على حاسوبه،" أجاب يامن وهو يغلق الباب خلفه بهدوءٍ حذر، كأنه يخشى أن يوقظ وحشاً نائماً في الغرفة المجاورة. اقترب وجلس بجانبها، وصوته يحمل ثقل قلقها. "ما الذي حدث؟ لما هو هنا ؟ هل هناك خطب ما في منزلهم؟"
عندها فقط، رفعت رأسها. كانت عيناها بئراً من الحزن والخوف الذي لا قرار له. "تحدثت مع سناء. جدران ذلك المنزل ترتجف من صراخ حسام منذ أيام. يريد أن يقتلع وجود أنس... ليس فقط من منزله، بل من حياتهم، من ذاكرتهم، يريد ارساله إلى مصحة ."
وضع يده على كتفها برفق. "هل جنّ حسام؟ ألم يقسم بأنه سيعتني به كأنه من صلبه؟"
أومأت الجدة، وارتجفت شفتها. "ألم ترَ كيف أصبح؟ تلك النظرات... ذلك البرود. كلما كبر، أصبح نسخة طبق الأصل من والده. جيناته الوراثية تتجسد من جديد أمام أعيننا. هذا ما يخيف حسام... براي انه ليس مخطئا في قراره فهو خطر علينا جميعا ."
"لكن يا أمي، هذه جينات، مجرد ملامح. من الطبيعي أن يشبه والده الحقيقي."
نظرت إليه بحدة، وكأن كلماته طعنتها في أعمق مخاوفها. "حتى أنت! هل تسمع نفسك يا يامن؟ 'جينات'... 'يشبه والده'... أنت تؤكد كوابيسي بكلماتك! هذه ليست مجرد ملامح، إنها بصمة التي تركها والده في دمه! والله وحده يعلم أي ثمار مرة تنوي تلك البذرة أن تطرحها."
"اهدئي يا أمي. سناء ربته أفضل تربية. لن يفعل شيئاً سيئاً و لن يكون مثل والده. "
انفجرت ضحكة مريرة، خالية من أي بهجة، من حنجرة الجدة. ضحكة بدت كالبكاء. "لو سمعت الفلسفة التي نسجها على مائدة العشاء قبل قليل... لما تجرأت على نطق كلمة 'بخير'."
انحنى يامن نحوها، والقلق ينهش ملامحه. "ماذا قال؟"
أخذت الجدة نفسًا مهتزًا . "تحدث عن تشخيص حاتله ببرودٍ لا يصدق. تحدث عن... عن إيجاده حلاً لمشكلته." توقفت، وابتلعت ريقها بصعوبة. "قال إنه وجد... نموذجه المثالي. "
حدق فيها يامن، ولم يفهم. "نموذجه المثالي؟ ماذا يعني هذا؟"
"شخصٌ ما، يا يامن!" قالت بصوتٍ محموم، وهي تمسك بذراعه بقوة. "شخصٌ ما سيموت ليكون حقل تجاربه! ليجيب على سؤاله السخيف إن كان سيشعر بشيء أم لا، و يشبع فضوله ! لقد اعترف لي... اعترف بأنه يعرف أنه معتلٌ نفسي مثل أبيه، لكنه وجد طريقة ليمارس هوسه دون أن يرتكب خطيئة !"
تراجع يامن للخلف، والصدمة ترتسم على وج هه.
أكملت الجدة، والدموع تنهمر الآن على وجنتيها المجعدتين. "إنه يعرف الحقيقة كاملة. يعرف عن والده ، ويعرف ما هو. والخوف الأكبر... أنه لا يرى في ذلك مشكلة. بل يراه تحديًا علميًا. ابن أختك لم يعد طفلاً، لقد استيقظ الوحش الذي بداخله... وأخشى أن يكون الأوان قد فات."
.
الفصل ٣٥٠٠ كلمة، ارجو انه لم يكن مملا، الأمر غير واضحة بعض الشيء، لكن ما زلنا في البداية، ارجو ان تصبروا فقط جتي يتضح كل شيء.
هل لديكم فضول معرفة ماضي والد انس؟ و برأيكم ماذا سيحصل مع لؤي بسبب أنس؟
لن يكون عندنا فصل في أسبوع القادم، حيث سأحاول ترتيب بعض افكار لأجل احداث القادمة.