الفصل الثالث

الفصل الثالث

28 0

تيار الحب.... الفصل الثالث

بقلم الكاتبة / رباب حسين

شعور بالغربة قد اجتاح صدره، لا يعلم من هؤلاء، نعم يبدو مثلهم، نفس الهيئة الخارجية وإن كان يتمتع هو بقدرات مختلفة عنهم. هناك شيء يتحرك بداخله يدفعه للبقاء بهذا المكان، شغف التعليم أم فضول؟! لا يدري، ولكن هناك بقعة داخل صدره تشعر بالسعادة بإنه في هذا المكان. نعم، فقد هالته الإجتماعية كملك متوج، ولكن يكفيه أنه يسير بين عامة الناس دون قيود، دون حدود، فقط هو.

بدأ يتعلم لغة الناس من حوله، ينخرط بينهم، يتعلم بشغف. هناك اختلافات واضحة وهذا ما دفعه للتعلم أكثر.

بعد وقت، جلست فلك أمام نوح وهو في وضع الشحن، نظرت إلى البطارية وقد اكتمل شحنها منذ ساعتين، ترغب بأن تقوم بفصل الشاحن عنه حتى تتحدث معه ولكن هناك شعور بداخله متعجب مما يقوله، كانت تتوقع أن ينخرط نوح معها أكثر بالمستقبل ولكن ما آثار دهشتها هو إنخراطه السريع. كعالمة تدرس وتحلل كل شيء بالنظريات؛ حاولت أن تبحث عن سبب الإختلاف الشديد بينه وبين الآليين المطورين عنه، هي لم تعمل بتطوير آلي أولي مثل نوح من قبل، لذا فكرت أن سبب الصنع هو جوهر هذا الإختلاف كما قال نوح. ظلت تنظر إليه، ترغب بالتحدث معه وكأنها وجدت صديق جديد يفهمها جيدًا، يعلم ما تشعر به، يهتم، ولكن حسها العلمي ينبأها بخطر التعلق. لذا قررت أن تتعامل معه بحس عملي فقط.

نزعت فلك الكهرباء عنه فنظر لها نوح على الفور وقال: إنتي وعدتيني لما يخلص الشحن هتتكلمي معايا.

فلك: موعدتش.

نوح: وافقتي.

فلك: طيب، ما أنا شيلتك من على الشاحن، ممكن نرجع للشغل بقى.

نظرت فلك إلى الحاسوب وبدأت بالعمل عليه، نظر لها نوح قليلًا ثم قال: لسه زعلانة من باباكي؟

أجابت فلك دون أن تنظر إليه: لا.

نوح: إنتي مش بتبصيلي ليه؟

فلك: معلش بعمل حاجة.

نوح: بتحدثي إيه تاني؟ ليه حطيتي الشرط ده؟

فلك: حطتلك شرط جديد عشان تبطل تدور ورايا بالشكل ده.

نوح: ممكن اسمعك، تقدري تحكي اللي إنتي عايزاه وأنا هسمع لو متضايقة إني بحاول أفهمك من نفسي.

فلك: مش متضايقة، بس حاسة بحاجة مش مريحة.

اقتربت منه ونظرت إليه عن قرب وقالت: إنت عندك غرض تاني هو اللي مخليك عايز تعرف اللي جوايا بالشكل ده؟!

نوح: غرض إيه؟

فلك: أنا اللي بسأل وعليك تجاوب.

نظر لها نوح وصمت فقالت فلك: مش المفروض إنك تدور على إجابات، المفروض تقول السبب على طول، إنت مختلف ليه كده؟!

نوح: ضربات قلبك مضطربة، إنتي خايفة مني، لو جاوبت أي إجابة منطقية أو غير منطقية خوفك هيقلل قدرتك على التحليل وفي النهاية ممكن تخافي مني أكتر، مش عايزك تخافي مني.

تنهدت فلك وقالت: لما بتتزنق بتجاوب إجابة منطقية بس مختلفة عن المفروض يجاوبها أي آلي غيرك.

نوح: هو لو أنا مختلف تخافي مني؟! مش كل الإختلافات مضرة.

فلك: بس إنت مختلف بطريقة مش منطقية، حاسة إن عندك قدرة على تخطي شروط معينة، يعني مثلًا لما جيه بابا من شوية أنا إديتك أمر بأنك متتكلمش، ليه اتكلمت؟

نوح: كنتي محتاجة مساعدة، كلام والدك كان جارح وده هيأثر على نفسيتك أكتر وديه حاجة مضرة ليكي كبشرية.

فلك: هل فيه شرط عندك يقولك إنك تحمي صحتي النفسية؟

نوح: نفسيتك ومشاعرك هي موضع الدراسة اللي بتقومي بيها ويعتبر الطلب الوحيد والصريح اللي طلبتيه مني لحد دلوقتي، عشان كده ده أول قاعدة عندي ولازم أحافظ عليها حتى لو ضد الشروط الأساسية.

فلك: ده إختراق أنا مسمحتش بيه.

صمت نوح وقال: تقدري تعيدي برمجتي من الأول، ده هيبقى أسهل من وضع شروط جديدة للتعامل معايا، طالما كلامي مش مريحك أو مضايقك ومخوفك بالشكل ده.

عقدت فلك حاجبيها وقالت: هو أنا ليه حاسة إنك مقموص؟!

نوح: مش فاهم.

فلك: زعلان.

نوح: معنديش الأوبشن ده.

فلك: دلوقتي بتكلمني رسمي؟!

نوح: زي ما حضرتك طلبتي.

فلك: تمام، تفتكر لو حد قدامك حاول ينتحر هتمنعه؟

نوح: لو مطلبش مش همنعه.

فلك بدهشة: يعني هتسيبه يموت؟!

نوح: وفقًا للقاعدة الجديدة "ممنوع اتدخل في شئون المستخدم غير لو هو سمح بده" تمنعني من التدخل.

نظرت له فلك بضيق وقالت: إنت بتعاقبني مثلًا؟

نوح: لا.... مقموص.

ضحكت فلك وقالت: طيب وبعدين، ما ده مش شغل؟

نوح: إيه اللي عملته ضايقك؟ إنتي زعلانة عشان لوحدك، إن باباكي بيفضل يكون عنده ولد أحسن منك، ويمكن شايف إنك مصدر للمشاكل عشان كده بيأمرك تتجوزي واحد إنتي مش عايزاه، وتقريبًا كل مشكلتك إنك حاسة إن مفيش حد حاسس بيكي.

فلك: وبعدين؟

نوح: أمركم عجيب! أنا بدأت أخد الدور ده، بس واضح إنك أصلًا مش عايزة كده.

فلك: يمكن عايزاه من شخص طبيعي مش روبوت.

نوح: طيب ليه عايزاني أحس بمشاعرك لو هتعامليني في الأخر على إني آلة؟ ممكن تشتري كلب أو قطة أفيد مني.

فلك: لا إنت فعلًا مقموص...

قاطعها نوح: اه، واعتقد إن البطارية بدأت تخلص، تقدري تشغلي الكهربا تاني ولما تحبي تتكلمي معايا كلميني.

فلك: لسه بدري على البطارية.

نوح: فيه تشويش في دماغك مخليني مش عارف اتعامل بالطريقة اللي تريحك، فكري كويس إنتي عايزك مني إيه ولما ترجعي تتكلمي معايا حطي الشروط اللي تحبيها وأنا هتعامل على أساسها.

نظرت له فلك ثم قامت بتشغيل الكهرباء مرة أخرى حتى غلق نوح نفسه ذاتيًا ثم نهضت فلك وتمددت بالفراش، لا تنكر أن نوح محق، ربما هذا التشوش الذي بداخلها جعلها تهرب إذا شعرت بأن هناك من يرى هذا الألم المدفون بداخلها وكأن أكبر أسرارها أصبح معلنًا أمام الجميع.

في الصباح، استيقظت فلك لتنظر إلى نوح بنظرة حزينة ثم بدلت ثيابها وذهبت إلى العمل.

بعد وقت وصل فادي فوقفت فلك أمامه وقالت بغضب: أظن عيب أوي لما يجي حد يسأل عليا هنا في الشغل وحضرتك تقول كلام زي ده عني.

فادي بارتباك: أنا مش فاهم بتتكلمي في إيه؟

صاحت فلك: لا فاهم، عيب يا فادي لما تقول عليا فاشلة وتخلي بابا ياخد الفكرة ديه عني، ومين إداك الحق تقيمني أصلًا؟! إنت هنا زيي زيك، كلنا في فريق واحد وكلنا بنحاول نطور من شغلنا، مش لازم كل نظرياتك تبقى زي نظرياتي ولا العكس، فلو سمحت متتدخلش في شغلي مرة تانية.

فادي: أنا متدخلتش في شغلك ولا مهتم بيه أساسًا، وبعدين شغل إيه اللي إنتي بتشتغليه، إنتي لحد دلوقتي مطلعتيش نتيجة واحدة من شغلك ده، بدل ما تساعدينا في الشغل المتراكم علينا والتسكات اللي بتطلب مننا ونقعد بالساعات والأيام مطبقين عشان نخلصهم قاعدة تحاولي في نظرية ملهاش أي أهمية، أنا بصراحة مع رأي مستر عبد الله، وجودك هنا في الفريق عبء علينا وممكن أي متخرج صغير يفيدنا أكتر منك.

حسن: عيب كده يا فادي، مينفعش تتكلم معاها كده ولا تحكم عليها بالشكل ده.

أيسل: على فكرة لما بنبقى مضغوطين فلك بتساعد ومن غير ما نطلب، إيه كمية الهجوم عليها ديه يا فادي؟!

فادي بغضب: والله ده رأيي، وكل واحد حر في رأيه، ومش عشان نحافظ على مشاعرها نقعد نساعدها على الغلط، وبعدين والدك اللي قعد يسأل عليكي وواضح أصلًا إنه كان عايز يسمع الكلام ده زي ما يكون عارف من الأول نتايج شغلك، ولما سألني قلت الحقيقة ما أنا مش هكدب عشان حضرتك.

نظرت له فلك بحزن ثم قاطع حديثهم دخول إسلام فقال بغضب: صوتكم عالي ليه؟!

نظرو له جميعًا ولم يتحدثو فأردف: إحنا مش صغيرين يا بشمهندسين عشان نقف نتخانق وصوتنا يبقى طالع برا المعمل، لو اتكرر ده تاني هيبقى فيه جزاءات وعقوبات مالية، وعشان الكلام اللي سمعته يا أستاذ فادي إنت وفلك كل واحد فيكو عنده أوفر تايم إجباري وهنبدأ بفلك عشان كانت أجازة إمبارح.

فلك: بس أنا معمل...

إسلام بحزم: الكلام منتهي.

لم يتحدث أحد فقط نظرو خجلًا بالأرض ثم باشرو عملهم، في نهاية الدوام ظل فادي وأيسل بالعمل قليلًا ثم أسندت أيسل بعض المهام إلى فلك وتركتها وذهبت وبعد وقت لحق بها فادي.

في وقت متأخر، كانت فلك تعمل على بعض القطع الداخلية للآلي وخلف هذه الشاشة هناك أحد التوصيلات الكهربائية التي بدأت بالتلف مع إرتفاع الجهد ودرجة الحرارة فبدأت أن تصدر بعض الشرارات. إلتفتت فلك وأخذت القطعة بيدها وذهبت بداخل غرفة المعمل المنفصلة ثم أغلقت الباب وقامت بتثبيت القطعة داخل الآلي وقامت بفحصها وبعد وقت، خرجت من الباب لتجد النيران تلتهم المعمل بالكامل، فتحت عينيها في صدمة، نظرت خلفها على معدات الآلي الأخير فأغلقت الباب الداخلي عليه حتى تحميه من النيران، حاولت الخروج ولكن الطريق إلى الباب كان مشتعل بالكامل، بدأت صفارات الإنذار تتعالى في الشركة ولكن لا أحد متواجد سوى عامل الأمن، قام عامل الأمن بالاتصال بنجدة الحرائق ثم قام بإبلاغ مالك الشركة والمدير، تعالت صفارات الإنذار وتصاعدت النيران بشدة فلم تجد فلك حل سوى هذه النافذة لتفتحها وتستنشق بعض الهواء، وبدأ الناس بالتجمع بالأسفل، صعد فرد الأمن وحاول الدخول إلى المعمل ولكن وجده مشتعل بالكامل ولا يرى شئ سوى النيران التي تلتهم كل شيء، لاحظ وجود شرارات كهربائية تخرج من الأسلاك فركض إلى أسفل وذهب إلى مولد الكهرباء الرئيسي بالمنطقة وقام بفصل التيار الكهربائي فانطفئت الأضواء بالشارع والعمارات المجاورة.

كانت فلك تصرخ من النافذة عل يصعد أحدٍ ما وينقذها ولكن لم يتحرك أحد خوفًا من النيران التي تلتهم باقي الغرفة، كانت فلك تبكي بشدة وكادت تفقد الأمل في الخروج من الغرفة وفي لحظة يأس لم تجد من ينقذها إلا اسم واحد تردد بذهنها فصرخت بقوة: نووووووح.

كانت تبكي وتنظر إلى الناس بالأسفل ثم وجدت نوح يركض بالشارع ويتجه إلى الشركة وصعد إلى المعمل دون تردد، وقف أمامها وقال: ينفع أنقذك ولا إنتي عايزة تنتحري؟!

فلك بفزع: خرجني بسرعة يا نوح.

نظر إلى مدخل المعمل، النيران تلتهم المكان دون هوادة فلم يجد طريق سوى النافذة فاقترب منها وحملها وبدأ يصعد النافذة فنظرت له فلك بصدمة وقالت: إنت بتعمل إيه؟!

نوح: نسبة تعرضك للحروق لو خرجنا من الباب هي ٩٨٪، مقدرش أعرضك للخطر ده.

فلك بفزع: ونسبة موتي لو نطيت بيا من الشباك أد إيه؟

نوح: مش هعرضك للخطر، أنا هاخد صدمة الارتطام.

فلك: المسافة بعيدة، ممكن تتدمر ومعرفش أرجعك تاني.

نوح: المهم سلامة المستخدم.

كاد يقفز فقالت فلك: لا يا نوح.

نظر بها نوح وقال: إنتي هتعرفي ترجعيني تاني، أنا واثق فيكي.

نظرت له بحزن ثم قفز من النافذة ليحتضن جسدها بالكامل ويلتف بضهره ويرتطم جسده بالأرض ويتوقف عن العمل في وقتها. إلتف الناس حولها تحت نظرات إسلام ومالك الشركة وعبد الله المتعجبة، نظرت فلك إلى نوح وهي تشعر ببعض الألم، لاحظت إنطفاء الإضاءة به، فقالت: نوح!

لم يستجيب، اقترب منها المسعفين ووحدات الأطفاء بدأت بإطفاء الحريق، وقف إسلام بجوارها وقال بفزع: فلك! إنتي كويسة؟!

أومأت له فلك بالإيجاب، نظر إسلام إلى نوح وقال: هو اللي أنقذك؟! مش ممكن!

نظر عبد الله إليها واقترب منه مالك الشركة السيد مراد وقال: الآلي ده قديم، أنقذها إزاي؟

نحن نبحث دائمًا عن الإهتمام، وبسبب قسوة القلوب أصبحنا نرهب من أن يأتينا الإهتمام على حين غفلة، نهرب، نختبأ، وعندما نشعر بأننا نفقد من أعطانا بعض المشاعر الطيبة لا نجد إمامنا سوى الندم.

وها أنا أشعر مرارة الفقد..... لقد فقدت نوح.

يتبع....

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تيار الحب

المؤلف Rabab Hussien
2025/11/07 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة