شَهِدَ طريقُ عودته إلى منزله سعادةً غَمَرَت نفسه ذلك اليوم، وشهد منزله نفسه ابتهاجاً عظيماً لم يَعتَده قبل ذلك اليوم، وشهدت نفسه خيالاتٍ عذبة وأفكاراً مرحة غريبة عليها ذلك اليوم، وباختصار لم يكن "ذلك اليوم" من حياته كأي يوم فات منها، وربما لن يكون كأي يوم قادم فيها!
استَقَرَّ على كرسيٍّ في شرفته، وتحركت شفتاه من بين قسمات وجهه المبتسم بندائه: "ليزا، أتسمعينني؟ أتشعرين بي؟ أو...أتشعرين بنفسكِ؟!"
أتاهُ ردٌّ حائرٌ أنثوي الصوت من داخل عقله: "ما هذا؟ من...ما أنا؟! ومن الذي يتحدث؟! أتعرفني؟!"
-اهدئي، اهدئي رجاءً، وسأشرح لك الأمر قدر ما أستطيع...لكن عديني أن تتمالكي نفسك!
=أنا لا أعرف حتى ما أنا! أنا...لا أستطيع شرح ما أشعر به!
-لا تكوني قاسية على نفسك هكذا، الأمر بسيط...أرجو أن تفهميه من المرة الأولى وحسب وأن أستطيع شرحه لك جيداً، اسمي كارل، وأنتِ باختصار وعيٌ حي لامرأة ماتت منذ بضعة أيام تدعى ليزا!
=وعي حي؟! ماتت؟! لكن...كيف لا أزال حية؟!
-نعم...هذا ما يصعب شرحه بعض الشيء...!
وهكذا تحدث كارل ببضع كلمات وجمل غريبة الوقع على ليزا محاولاً شرح بدايات كونها ما هي عليه، ولدهشته وجدها تستوعب الأمر وتفهمه، ليس بشكل كلي لكن بشكل أفضل مما ظن وتمنى، ووجدها تكمل حديثها في عقله قائلة: "أشعر أنه كانت لي ذكريات تختبئ خلف ضباب ما، لكن كلامك يبدو منطقياً إذ أني أشعر أني لا أسمعه للمرة الأولى!"
-هذا طبيعي؛ فما قصصته عليك أمرٌ يعلمه الجميع، لكنهم أيضاً قالوا أن الوعي البشري عندما يحدث له كما حدث لكِ فإن ذكرياتك السابقة تصبح ضبابية كما تقولين؛ كي تكون لكِ فرصة لحياة جديدة مختلفة ولا تشغلك هذه الذكريات عنها.
=...لكنها لا تزال محفورة بداخلي بشكل ما...أليس كذلك؟!
-نعم، لكن عودتها صعبة جداً، وهذا أفضل!
=لكن...هل كانت حياتي سيئة لدرجة تجعلني أتمنى أن أحيا غيرها عندما أموت؟!
-...هذا سؤال لا أستطيع أن أجيبه للأسف؛ فأنا حقاً لا أعلم!
=...عجيب أنني أتحدث وأسمعك وتسمعني و...أشعر...أشعر!
-نعم؛ فأنتِ وعيٌ حي بداخل عقلي؛ لكِ فكرٌ وشعورٌ كأنكِ شخصية ثانية بداخلي.
=واو! إذن...الأمر كما لو أنك مصاب باضطراب تعدد الشخصيات!
-شيء من هذا القبيل، نعم!
=لكن ما قصصته عليَّ غريب حقاً!
-وعلي أنا الآخر، لكن...
=لِمَ اخترتني بالمناسبة؟!
-علمتُ مواصفاتكِ وتركيب نفسكِ كما عرضوه، وشعرت أنكِ مناسبة لي؛ فأنا مجرد شخص حزين وحيد يكره العالم ونفسه، ولم أتمن طوال أيامي البائسة سوى رفيق يهون علي لياليَّ الطويلة، وعندما علمتُ أنكِ مرحةٌ متفهمةٌ مفعمة بالحيوية والمشاعر اخترتكِ كي تعلمينني حب الحياة!
=...وماذا لو أنني، في حياتي المعنوية الجديدة تلك، لم أكن كذلك؟!
-ألا يمكنكِ اختيار ما تودين أن تكوني عليه؟!
=لَكُنتَ فعلتَ أنت!
-إني ضعيفٌ، ربما تكونين أنتِ أقوى!
=...ربما!
-...ألا تشعرين بالملل مثلي؟!
=إني مجرد وعي؛ حتى ولو كان لدي شعور فليس الأمر مهماً...
-أنتِ أهم ما لدي الآن، بل إني لا أهتم لسواكِ!
=...أنتَ لطيفٌ حقاً يا كارل!
-وربما تكتشفين أنني ألطف من ذلك بمرور الأيام!
=نعم، ربما...!
-أرجو أن نحيا أياماً حلوة معاً!
=وأنا!
محمد تامر