رنّ المنبّه على السادسة والنصف صباحًا، لكنه لم يكن أسرع من صوت والدتها الذي جاء من خلف الباب:
– "يا سلمى… يلا قومي، هتفوتك السفينة!"
لكن سلمى لم تستجب فورًا. فتحت عينيها ببطء شديد، وهي تحاول الهرب من نور الشمس الذي تسلل من بين الستائر وكأنه يحاول إخراجها من سريرها بالقوة. الغرفة هادئة، والهواء فيها يحمل شيئًا من رائحة الطفولة… رائحة الكتب القديمة والمعطر البسيط الذي كانت أمها ترشه كل صباح.
تمددت قليلًا، يداها فوق الوسادة، ثم أغمضت عينيها للحظة أخرى. كانت تعلم أن اليوم ليس عاديًا. اليوم، تُغادر.
– "حاضر يا ماما..."، ردّت بصوت مبحوح.
دخلت والدتها، منى، تحمل كوب شاي بالنعناع، وتضعه على الكومود بجوار السرير. وقفت تتأمل سلمى لبضع ثوانٍ، وعيناها مليئتان بالقلق.
– "أنا مش مطمئنة، يا بنتي. سفينة في نص المحيط؟ ومافيش غير كاميرات وبحر؟ يعني لازم؟"
سلمى جلست على السرير، شعرها متناثر، لكن عينيها مليئتان بحماس خافت:
– "يا ماما… انتي عارفة دي أول مرة أشتغل ميداني. يعني الناس كلها هتكون هناك، مش بس صحفيين… علماء وباحثين… ومش أي سفينة، دي فيها مؤتمر عالمي. دي فرصتي!"
– "ماشي. بس أنا أم. وقلبي مش مرتاح. وبصراحة؟ شكل الرحلة دي غريب. مؤتمر وسط البحر؟ ولو حصل حاجة؟"
ضحكت سلمى وقالت بهدوء:
– "وإيه اللي ممكن يحصل؟"
سكتت منى. شعرت بشيء داخلي يصرخ، لكنه لا يُترجم إلى كلمات. كل ما استطاعت قوله كان:
– "ماعرفش… إحساس بس. بس بلاش تسافري لو مش مرتاحة."
– "أنا مرتاحة. متوترة شوية، بس مرتاحة."
ثم مدت يدها وأخذت الكوب من أمها، وارتشفت رشفة صغيرة:
– "ده أحسن شاي في الدنيا."
منى ابتسمت أخيرًا، وإن كانت ابتسامة حزينة، ثم قالت:
– "وعد؟ تبعتيلي أول ما توصلي؟ كل يوم تبعتيلي."
– "كل يوم، يا ست الكل."
قبل أن تغادر سلمى غرفتها، نظرت حولها نظرة طويلة. كأنها تودّع المكان، الصور على الجدران، المكتب القديم، الستارة التي كانت تتطاير في الليالي الهادئة.
خرجت إلى الصالة، فوجدت والدتها تضع في حقيبتها الصغيرة تميمة صغيرة من الخشب.
– "إيه ده؟"
– "دي بتاعة جدتك… كانت بتسافر بيها في شنطتها. كنت محتفظة بيها ليكي من زمان."
سلمى أخذتها، قلبتها بين أصابعها، ثم ابتسمت:
– "شكرًا يا ماما… بس هترجعيها لي لما أرجع، ماشي؟"
منى ضحكت من قلبها:
– "موافقة… بس بشرط، ترجعيلي بخير."
في لحظة الوداع، عند باب العمارة، وقفَتا في صمت. سلمى أرادت أن تقول شيئًا، لكنها لم تستطع.
منى مدت يديها واحتضنتها طويلًا:
– "خلي بالك من نفسك… أنتِ مش بس بنتي، أنت كل عمري."
سلمى همست في أذنها:
– "هارجع… وهخليكي فخورة بيا."
ثم ابتعدت، تاركة أمها واقفة على العتبة، تلوّح لها والدموع في عينيها.
...
في التاسعة صباحًا كانت سلمى تسحب حقيبتها ذات العجلات خارج العمارة. الشارع هادئ، والسيارة تنتظرها عند الرصيف. قبل أن تدخلها، توقفت لحظة، ونظرت إلى شباك غرفتها. ستائر بيضاء تتحرك مع الهواء، ونبتة صبار صغيرة كانت تُزيّن النافذة.
ركبت السيارة، وابتعدت.
...
في الطريق إلى ميناء ميامي، جلس بجانبها مساعدها كريم. شاب في أواخر العشرينات، شعره كثيف مجعد، يرتدي جاكيت خفيف ويحمل كاميرته على كتفه.
– "متوترة؟"
– "جداً… بس فرحانة."
– "نفس الشعور هنا. حسيت إني داخل فيلم من أول ما صحيت."
– "كل حاجة غريبة. السفينة، المؤتمر، والمكان. يعني ما فكروش يعملوا المؤتمر في جامعة؟ لازم في وسط المحيط؟"
– "يقولوا المكان فيه طاقة، أو ظواهر نادرة بيتم رصدها هناك. المهم إننا هنغطي حاجة مش عادية."
...
وصلوا الميناء. السفينة عملاقة، فاخرة، كُتب على جانبها: "عين المحيط – Ocean Eye".
دخلوا، وانبهروا بجمال الداخل: ردهات مزخرفة، ممرات بزجاج شفاف يرى البحر، غرف أنيقة.
في الاستقبال، استقبلهم رجل خمسيني أنيق، عرّف نفسه باسم السيد ليون، مدير العلاقات العامة.
– "أهلًا بكم. أنتم من الصحافة المصرية، أليس كذلك؟"
سلمى مدت يدها: "أيوه. سلمى فهمي، وصديقي ومساعدي كريم."
– "الغرف جاهزة، ستجدون برنامج المؤتمر في ملفاتكم. وسأصطحبكم في جولة بعد قليل."
...
اليوم الأول مرّ بهدوء، تفقّدوا السفينة، قابلوا عددًا من الصحفيين من بلدان مختلفة، وتعرفوا على أماكن الطوارئ، غرف الاتصالات، وصالات العرض.
ليلاً، تجولت سلمى وحدها على سطح السفينة. كانت تنظر إلى البحر المظلم، والأمواج تتلألأ تحت ضوء القمر. اقترب منها كريم.
– "كل ده تفكير؟"
– "كنت بحاول أتخيل الناس اللي تحتنا… الكائنات، الأسرار… إحنا فوق عالم غريب."
– "أحيانًا بحس إن البحر بيبص لنا أكتر ما احنا بنبص له."
– "قصدك؟"
– "إنه واعي. فاهم وجودنا. مش بس مية."
ضحكت، لكنها شردت في صمته.
...
في اليوم الثاني، عُقد المؤتمر. الدكتور الياباني إيشيدا بدأ العرض: جهاز اسمه "عين المحيط" يرصد الأعماق ويُظهر صورًا ثلاثية الأبعاد غريبة. بدا كأنه يُظهر مدنًا غارقة، أو أجسام تتحرك في الظلام.
لكن فجأة، دوّى طنين عالٍ، بدأ الجهاز يهتز، ظهرت رموز غير مفهومة، ثم انطفأ كل شيء. أحد العلماء سقط. همسات وقلق في القاعة.
إيشيدا قال بصوت خافت: "يبدو أننا تلقينا ردًا من الأعماق."
سلمى همست لكريم: "هو بيهزر؟"
كريم رد وهو يصور: "لو بيمثل، فهو عبقري."
بعد المؤتمر، تسللت سلمى وحدها إلى غرفة التحكم. وجدت بابًا مواربًا. سمعت حديثًا بين يوريكو وإيشيدا.
– "المكان بدأ يستجيب… هذا لم يكن متوقعًا."
– "علينا أن نحذر الصحافة… خاصة تلك الفتاة، سلمى. عيناها لا تغفل."
سلمى ابتعدت بهدوء، قلبها يخفق.
...
ليلاً، حلمت بكائنات بحرية تهمس باسمها. ثم رأت البحر يتحول إلى مرآة، ينعكس فيها وجهها، لكن بعينين ليستا لها.
استيقظت مفزوعة. كانت الساعة الرابعة فجرًا.
...
في اليوم الثالث، بدأت العاصفة.
أمواج تضرب السفينة، إنذارات تدوي، أضواء حمراء تومض.
– "دي مش مجرد عاصفة،" صرخ أحد الركاب.
سلمى و كريم خرجوا يركضون. رأوا الناس تتدافع، أشياء تتساقط، أحدهم صرخ أن المياه بدأت تتسرب.
في طريقهم، التقوا بالدكتورة يوريكو، وكارلوس الذي صاح: "اتبعوني، في قارب نجاة من الجهة الخلفية!"
ركضوا في ممرات ضيقة، ثم نزلوا إلى طابق منخفض. باب حديدي ضخم فتح بصعوبة، ثم ظهر القارب.
أربعة فقط تمكّنوا من الصعود: سلمى، كريم، يوريكو، وكارلوس.
الأمواج ترفع القارب، ثم تهوي به.
كريم كان يصوّر، لكن هاتفه انزلق.
سلمى كانت تمسك التميمة بيد وتتمسك بالحبل بيد.
– "شايفين؟! في حاجة جاية!"
ظهر شيء يشبه الإعصار المائي، لكنه يتحرك ككائن حي.
كارلوس صرخ: "دي دوّامة… هتسحبنا!"
حاولوا التجديف، لكن القارب دُفع بقوة.
صرخ كريم: "تمسكي يا سلمى!!"
الضوء اختفى.
القارب انقلب.
صرخة واحدة، ثم صمت.
ظلام.
نهاية الفصل الأول.