.1.الفصل الاول «وداع»

.1.الفصل الاول «وداع»

14 0

الجُبنُ آفةٌ يتشرّبها أكثرُ البشر، أمّا الشجاعةُ فهي نعمةٌ لا تُورَّث، ولا تُمنَح إلّا لقلوبٍ ظلت طاهرةً رغم ما تكدّس عليها من جراح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان عبقُ القهوة الباريسية يتعانقُ مع أريج العطور الراقية، فيُغشي صالاتِ مطار شارل ديغول بهالةٍ من السكينة الدافئ،

وعلى مقربةٍ من النافذة الزجاجية العريضة، استقرّت شابّةٌ في مطلع العشرين، تحتضن فنجانها الصغير بين راحتيها كما لو أنّها تتشبّث بجمرٍ دافئٍ يحرس ما تبقّى من صبرها، وتطلق عينيها في فضاء الطائرات بعُمقٍ يشبه بؤرتين من وهجٍ هادئ؛ وهجٍ تمتزج فيه سخونةُ الشمس بخشوعِ العشب المتمايل، في لونٍ نادرٍ يُخيَّل للناظر أنّ الطبيعة أسرّت به يومًا لقلّةٍ مختارة، لونٍ يتراوح بين بريق الذهب ولطافة الزيتون.

وكانت خصلات شعرها، المتقاربة في ظلالها من ذلك اللون، تنحدر على كتفيها كجدولٍ حريريٍّ جامح، ينساب بكبرياءٍ رقيقٍ ويرفض الخضوع، تمامًا كما ترفض هي أن تُقاد إلّا بما تُمليه عليها روحها.

وضعت الفنجان على الطاولة المجاورة برفقٍ محسوب، ثم استلّت تذكرتها من جواز سفرها، وظلّت تحدق فيها بعينين ممتلئتين بالعزم، فيما غاص عقلها في صدى آخر شجارٍ دار بينها وبين والدتها.

.....Flash Back

"لن تذهبي فاني! لن أدع ذلك الحقير يقول إننا جئنا لنتسول منه!"

كان صوت ماريان يزلزل أركان البيت غضبًا متأججًا، وقد انفجرت في وجه ابنتها كبركانٍ ثائر حين أدركت النيّة الحقيقية وراء سفرها: ذلك الحنين المستعصي لملاقاة والدها البيولوجي، الرجل الذي خذلها في أيامٍ ماضية وأدار ظهره بلا رحمة.

"لا تخافي أمي لنـ....."

لكنّ ماريان قاطعتها قبل أن تتمّ كلامها محدّقةً فيها بنظرة منكسرة و عادت الذكريات الأليمة لتقتحم عقلها مجددا:

"أتظنين أنه حين يعرف من أنتِ سيفتح ذراعيه لكِ؟! بل لن يتردد لحظة في التبرؤ منك مرة أخرى!"

تجمدت الكلمات في حلقها كقطع ثلجية، وشعرت وكأن حديث والدتها قد أضرم فتيل نيران في صدرها، نيرانٌ تتوهّج من صدقٍ مؤلم يفوق احتمالها. لم تكن القسوة فيما قيل، بل فيما كشفه الحديث عن الحقيقة التي لا تُحتمل.

جلست ماريان على الأريكة منهكة القوى، وقد أثقلها حملها في شهرها الثالث، فاقتربت منها ڤاني جاثية على ركبتيها، وهمست بصوتٍ يختنق برجاءٍ خافت:

"أتوسّل إليكِ أمي ربّما لن أره أو حتى أقابله لكنني..

.... لكني أريد أن أبدأ من نقطة الصفر، أقرر وانفذ لم أعد صغيرة أمي، دعيني اتحمل مسئولية قراراتي."

هنالك تدخّل غابرييل زوج والدتها ووالدها الروحي بصوته الهادئ الذي لا يخلو من حزم:

"دعيها ماريان تختار طريقها وتتحمل عواقب قراراتها"

كانت كلماته كختمٍ وُضع على الجدال فسكتت ماريان وأسدل السكون ستاره الثقيل على أرجاء الغرفة.

عادت لواقعها على وقع صوت المذيعة الفرنسية التي تترنم بنبرة رخيمة تعلن عن توجه الرحلة المنتظرة:

« على السادة الركّاب المتوجّهون إلى القاهرة على متن الرحلة رقم 7524، يُرجى التوجّه إلى البوّابة رقم 4.»

استقامت بهدوء، تتفحّص آخر لمسات مظهرها في الزجاج، بينما تعدّل سماعاتها الرأسية ومخدتها القطنية بعناية، استنشقت هواء بلادها للمرة الأخيرة، وألقت نظرة أخيرة على باريس، وهي تمشي، تعهّدت لنفسها أن تتحمّل مسؤولية قراراتها وحدها، وأن لا تسمح لأحد بالتدخل فيما تختار، ما دامت هي من تتحمّل العواقب.

لكن سؤالًا ظل يداهمها:

ماذا سيفعل والدها حين يراها؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

«رائحة الفانيليا.»

«روان فتحي.»

«دمتم بخير.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رائحة الفانيليا

المؤلف RAWAN Fathy
2025/11/13 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة