فتحت عينيها ببطء لا شيء سوى بياضٍ كثيف يحيط بها لا أرض، لا سماء، لا صوت… فقط ريحٌ باردة كأنها قادمة من باطن الجليد.
تلفّتت حولها، تنفّست ببطء، وعيناها البنفسجيتان تلمعان وسط الضباب الكثيف.
ثم سمعتْ صوت.
هادئ، عميق، لغة مختلفة لكنه مألوف… وكأنه ينتمي لذاكرة لم تعشها يومًا.
> "إيلاڤيرا… نحتاج لكِ."
خطت خطوة للأمام، فاختفى الضباب عن قدميها، كأن الأرض ترسم نفسها حيث تمر.
تقدمت أكثر… وهناك، بين الضباب، كانت ترى شيئًا يلمع. بوابة؟ مرآة؟ أم… عين؟
فجأة، دوى صوت آخر…
صرخة.
عواء.
ثم صمتٌ غريب، أتبعه طنين في أذنيها، كأن العالم نفسه توقف للحظة.
مدّت يدها نحو الضوء، لكنها قبل أن تلمسه، سمعت صوتًا أخيرًا يقول:
> "تذكّري…
الدمعة ليست ضعفًا، بل هي ما يحيي العالم."
صرخت وهي تسقط في الفراغ.
الهواء يلفح وجهها، تتهاوى بسرعة، حتى—
استيقظت.
شهقة قوية.
أنفاسها متسارعة.
وجسدها مغطّى بالعرق رغم برودة الغرفة.
نظرت حولها — هذا سقف غرفتها، هذا هو ضوء الشمس الخافت يتسلل من الستائر. كل شيء طبيعي.
لكن نبضها ما زال يركض…
وعيناها بقيتا عالقتين في الحلم.
ماذا يعني ؟! ،ماذا يحدث معها
ثم تكررت الكلمات في رأسها، لكن معناها ظل غامضًا، كأن عقلها يرفض أن يفهم.
أخذت نفس عميق وهي تطرد هذه الأفكار
و نهضت من سريرها ببطء.
خطواتها الأولى كانت ثقيلة
حتى اتجهت نحو المرآة، نظرت إلى انعكاسها…
شعرها الأسود ما زال ينسدل كما هو، تتخلله خصلات الثلج التي تعوّدت عليها، لكنها اليوم بدت أكثر وضوحًا.
وعيناها… البنفسجيتان، كان فيهما شيء مختلف. نظرة تائهة، متسائلة.
بلعت ريقها، ثم همست لنفسها:
"هبل، حلم عادي يعني… مش أكتر."
غسلت وجهها بماء بارد، آملة أن يُطفئ ما بقي من الحلم في ذهنها.
لكن الكلمات ما زالت تتردد…
"نحتاج لكِ؟"
أعادت ربط شعرها في عقدة سريعة، ارتدت بنطال الجينز الأسود والتيشيرت الأبيض الساده
ثم خطفت سترتها الصوفية من على الكرسي وشالها .
مرّت على المطبخ الصغير، أعدت لها ساندوتش سريع ثم ركضت للعمل
---
الهواء في الشارع كان منعش جدا جعلها تنسى الحلم قليلًا
وصلت للكافيه.
واجهة زجاجية، موسيقى خفيفة مسموعة من الخارج، وابتسامة نينا كانت أول ما قابلها وهي تفتح الباب.
"صباح الخير يا إيلاڤيرا!" قالتها نينا بابتسامة، وهي ترتّب بعض الأكواب.
إبتسمت إيلاڤيرا بخفة:
"صباح النور يا نينا."
لكن نينا حدّقت فيها للحظة، ثم رفعت حاجبها:
"كويسه ؟ شكلك قلقانه."
كادت تحكي لها إيلاڤيرا الحلم… لكنها ترددت.
ثم قالت باختصار:
"حلم غريب… بس عادي. هروّق مع أول قهوة."
ربتت نينا على كتفها وهي تقول:
"هروح أعملك القهوه وإنتِ متفكريش في الحلم دا تاني "
أخذت إيلاڤيرا أول رشفة…وهي تنظر ل نينا التي تراقبها
قالت وهي تضحك "خلاص يا بنتي شوفي شغلك يلا "
ضحكت نينا وقالت "خايفه عليكي "
ابتسمت إيلاڤيرا وقالت " الحلم مش فارق معايا اهدي إنتِ بس ،وأنا هخلص القهوة دي وأقوم أشتغل ''
اومأت نينا برأسها وهي تقول "ماشي "
وبالفعل عندما إنتهت إيلاڤيرا من قهوتها بدأت في العمل سريعًا
وعندما أتت الساعة العاشرة مساءا كانت تخرج من باب الكافيه وهي تقول "إلى اللقاء يا جدعان "
ثم ركضت ولم تنتظر الرد
نظرت لساعة يدها ثم تنهدت وهي تقول "تعالي يا إيلا، نروح نجيب عشاء قبل ما أموت من الجوع ونشتري عصير!"
الهواء أصبح أبرد قليلًا.
لفّت إيلاڤيرا شالها حول رقبتها وهي تمشي بخفة في الشارع الهادئ، تفكر في نوع العصير اللي ممكن تاخده.
الأنوار الخافتة للمحلات والرصيف الهادئ كانت مطمئنة… لكن شعور غريب بدأ يتسلل إليها.
كأن أحدهم يراقبها.
توقفت فجأة.
نظرت خلفها.
الشارع كان خاليًا… أو هكذا يبدو.
ابتلعت ريقها، ثم ضحكت بسخرية وهي تهمس لنفسها:
"إيه الهبل دا؟ شكلي اتأثرت بالحلم."
لكن الشعور لم يذهب.
بل زاد.
قلبها بدأ ينبض بقوة…
وبرودة غريبة مرّت أسفل رقبتها، رغم الشال.
رفعت رأسها فجأة…
وعيناها التقتا بعينين سوداوين، في نهاية الرصيف، يلمعان وسط الظلال.
شخص طويل، يقف ثابتًا، لا يتحرك.
مجهول… ملامحه لا تُرى، لكن حضوره كان قويًا بشكل يثير القلق.
تراجعت خطوة، ثم ثانية… لكن عيناها لم تفارقا عينيه.
وفجأة، رمش، فاختفى.
كأن شيئًا لم يكن.
تنفّست بصعوبة، لم تدرك أنها كانت تحبس أنفاسها.
نظرت حولها مرة أخيرة، ثم هزّت رأسها:
"خلاص، كدا رسمي أنا بتجنّن."
أسرعت في خطواتها، إلى المحل القريب، تحاول إقناع نفسها إن دا مجرد توهم.
لكنها لم تكن تدري…
أن الحلم بدأ ينسلّ إلى الواقع.
SH