قصة قصيرة

قصة قصيرة

23 0

شبح التنمر

بقلم / رباب حسين

يومٌ جديد في حياة تلك الفتاة قصيرة القامة، ممتلئة الجسد قليلًا، ليست شديدة الجمال، ولكنها تمتلك قلبًا طيبًا مثابرًا، ترى جمال الأشخاص من الداخل، وتعلم بأن هناك شيئًا جميلًا داخل كل نفسٍ بشرية، وهذا بحكم عملها كطبيبة نفسية.

بدأت يومها بكابوس عجيب، ولكن ما تعجبت له أكثر عندما استفاقت منه، أنها رأت ذلك الشاب الذي كان أول حب لها، وآخر حب أيضًا، ولكنّه لم يشعر بهذا الحب قط، فهو وسيم للغاية، وللأسف كان دائم الإعجاب بالفتيات الفاتنات، لذا عشقته في صمت.

ولكن العجيب هو أنها رأته مريضًا، هزيلًا، يركض بلا توقف من شيءٍ مجهول. استعاذت من الشيطان، وبدأت يومها بالصلاة وأذكار الصباح، وتناولت طعامها، وتوجهت إلى عملها في مصحة نفسية حكومية.

مارست عملها كالعادة، ولكن أثناء استراحتها، سمعت عن مريض جديد، قد جاء بأمر من النيابة العامة، بعد تورّطه في حادث قتل أخيه داخل منزلهما، ولكن عند التحقيق، تفاجأ الضابط بأن المريض ليس في حالته الطبيعية قط. ما جذب انتباهها هو اسم ذلك المريض (عاصم)، وهو ذاته اسم حبيبها الوسيم.

اقتربت سارة منهم وبدأت تسأل عنه أكثر، وعلمت أن الحالة لم تُسند لأحد من الأطباء بعد، وأن هناك أصواتًا عجيبة تصدر من غرفته منذ أن دخل المشفى، لذا هناك تخوف من جميع الأطباء من حالته، ورفضوا أن يشرفوا عليها. فسألتهم عن اسم أخيه، لتقع الصاعقة عليها عندما سمعت اسمه (راغب)، فتأكدت من أنه عاصم.

ركضت سارة إلى الغرفة سريعًا، وفتحت تلك النافذة الصغيرة بالباب، لتراه أمامها، والصدمة الأكبر أنه كان بذات الهيئة التي رأته عليها في ذلك الكابوس. ذهبت مسرعة إلى الطبيب (عدوي)؛ كبير الأطباء، وطلبت منه أن تستلم الحالة وتشرف عليها. وبالفعل وافق عدوي، حيث إنه تخلص من مشكلة رفض الأطباء لعلاج تلك الحالة العجيبة.

استلمت سارة ملف عاصم، وأخذت تقرأه بعناية.

الحادث عجيب، حيث إن عاصم وأخاه الأكبر راغب قد اشتريا منزلًا جديدًا، وبعد فترة قصيرة، اتصل عاصم بالشرطة يُبلغهم عن موت أخيه، بصوت خائف مرتعش، طلب منهم أن يأتوا مسرعين حيث إنه لا يستطيع مساعدته.

عندما وصلت الشرطة إلى المنزل، وجدوا راغب معلَقًا بحبل سميك، وجسده ينسدل من السقف، والغريب أن السقف كان مرتفعًا جدًا، لذا أول سؤال سأله الضابط: كيف صعد إلى هناك؟! ليبحث عن المتصل الذي قام بالبلاغ، ووجد عاصم يجلس بزاوية البهو، يضم ساقيه إلى صدره، ينظر أمامه بتوجس، جسده يرتعش، كمن رأى الموت بعينيه. اقترب منه الضابط (علاء) بهدوء، متعجبًا من هيئته، وقال: حضرتك اللي بلغت؟!

أومأ له عاصم بالإيجاب، وهو ينظر حوله بخوف، فأردف علاء: إنت كنت هنا ساعة لما مات؟!

نظر له عاصم بقوة، ليرى علاء عينيه بوضوح، وتوقف متعجبًا لهيئته، يبدو هزيلًا، وعيناه مرهقتان للغاية، وقد أحاطتهما تلك الهالات السوداء، ومن الواضح أنه لم ينم منذ فترة. اقترب منه علاء وهو ينظر إليه بنظرات غير طبيعية، وقال عاصم: هي... هي اللي قتلته، وهتموتني أنا كمان، هتموتكم كلكم.

ابتعد عنه علاء بقلق، إنه ليس في حالة عقلية سليمة، فأمر بالقبض عليه، ثم تحويله إلى مصحة نفسية، أما جثة راغب فقد تم تحويلها إلى الطب الشرعي.

أغلقت سارة الملف، متعجبة من اتهام الشرطة له، هي تعلم مدى تعلق عاصم بأخيه الأكبر منذ صغره، وهذا ما نفى عن عقلها فكرة أنه متورط بالقتل، ولكن بقي السؤال: من تلك المرأة التي تحدث عنها عاصم؟ وما الذي جعله بهذه الهيئة العجيبة؟ أخذت قرارها بأن تدخل إلى الغرفة، وتبدأ بمباشرة الحالة على الفور.

دخلت الغرفة، أغلقت الباب من الداخل، نظرت إليه، وسرعان ما تحولت نظراتها إلى الحزن، هذا ليس الشاب الوسيم الذي كانت تتهافت عليه الفتيات، بل أصبح شبه إنسان.

حملت كرسيًا بيدها واقتربت منه، هو لا ينظر إليها، بل لم ينتبه أنها دخلت الغرفة على الإطلاق، فهو في عالم آخر. وضعت الكرسي أمامه وجلست عليه وقالت بصوت هادئ وابتسامة بسيطة: إزيك يا عاصم؟

لم يُجِب، بل كان ينظر حوله في كل مكان، كمن يبحث عن شيءٍ ما بخوف وترقّب. فتحدثت سارة مجددًا وقالت: إزيك يا عاصم... عاصم.

نظر لها، ثم عقد حاجبيه قليلًا، يحاول أن يتذكّر من هي، ثم قال متسائلًا: سارة؟

ابتسمت سارة وقالت: كويس إنك فاكرني، عامل إيه؟

عاصم بخوف: أنا خايف يا سارة، خايف تبقى هنا، خايف تيجي ورايا وتموتني. إهربي، إبعدي عني، هي قالتلي إني هموّت أي حد يقرب منك. إهربي قبل ما تموّتك إنتي كمان، زي ما قتلت راغب.

ثم بكى كالأطفال وقال: راغب مات يا سارة... مات، قتلته قدامي، ومش هتسكت غير لما تموتني.

شعرت بالحزن عليه، بكاؤه أصاب ذلك القلب الذي لا يزال يشعر بالحنين له.

تحدثت بنبرة مهنية وقالت: هي مين يا عاصم اللي قتلت راغب؟!

نظر عاصم حوله بخوف، ثم أشار لها كي تقترب منه، وهمس بصوت خافت: دُرّة.

سارة: وفين هي دُرّة؟!

عاصم: في البيت، بس أكيد هتيجي ورايا.

سارة: طيب ما تحكيلي عنها أكتر.

عاصم: هقولك كل حاجة، بس أول لما أشوفها وأقولك إهربي، إهربي بسرعة.

أومأت له سارة، وبدأ يقصّ عاصم عليها كل ما حدث...

فلاش باك

تقترب سيارة نقل كبيرة من بوابة هذا المنزل الضخم، بعد أن قام كلٌّ من عاصم وراغب بالادخار من راتبهما، وأخذا قرضًا بسيطًا من البنك ليشتريا هذا المنزل، وقد قرّرا أن يعيشا معًا به حتى إن تزوجا، فقد كان راغب وعاصم متعلقَين ببعضهما البعض بشدة، حيث أن وفاة والدهما وهما بعمر صغير جعلت راغب يتحمل مسئولية عاصم، حتى أصبح والدًا له وليس أخًا كبيرًا.

نزلا من السيارة، وبدأ العمال يحملون الأثاث إلى المنزل. اقترب عاصم من راغب الذي ينظر إلى الحديقة بإعجاب، ابتسم له، فضمه راغب إليه وقال: أخيرًا يا عاصم، بيت جديد لينا.

عاصم: يلا بقى دور على عروسة، ونتجوز سوا في يوم واحد.

راغب: أطمن عليك الأول وبعدين أنا أتجوز، ده شرطي وإنت عارف.

عاصم: ما هو أنا بصراحة مش قادر آخد الخطوة، كلهم حلوين يا راغب.

راغب: ما أنا عارف يا دونجوان، بس أكيد هتيجي واحدة في يوم وتخليك متشوفش غيرها.

ضحك عاصم وقال: صعبة ديه بصراحة.

ربّت راغب على عاتقه وقال: طيب يلا نساعد الرجالة، عايزين نخلص قبل الشمس ما تغرب.

قبل حلول الليل، كان راغب وعاصم يجلسان في البهو، يبدو عليهما التعب كثيرًا، ثم قال راغب: نطلب أكل وبعدين ننام، أنا خلاص مش قادر.

أومأ له عاصم، وطلب الطعام. بعد وقت، كان كلٌّ منهما يجلس في فراشه، ويستعد للنوم بعد هذا اليوم الشاق.

انتصف الليل، وعاصم وراغب ينامان بعمق شديد، إلا أنهما سمعا صوتًا عاليًا بالأسفل. انتبه له راغب أولًا، ثم استيقظ عاصم على أثره، ظن أن راغب يقوم بتعديل بعض قطع الأثاث، فتح عينيه بإرهاق، وأمسك هاتفه لينظر إلى الساعة، تعجب أنهما في منتصف الليل، فخرج من غرفته وهو يرى بصعوبة من شدة النعاس، خرج إلى الممر ليتفاجأ بأن راغب يقف أمامه متعجبًا من الصوت أيضًا. هناك أشياء تتحرك بالأسفل، بل وصوت ارتطام مرتفع كثيرًا، تعجب راغب وقال: هو... هو إيه الصوت ده؟!

عاصم بخوف: معرفش.

كاد راغب ينزل الدرج ولكن أمسك عاصم يده بقوة وقال: لأ... بلاش، الصوت مش طبيعي يا راغب.

راغب: يعني هنفضل قاعدين كده؟ لازم ننزل نشوف فيه إيه، تعالى بس متخافش.

نزل راغب، ولحق به عاصم بخطى مُثقلة، وهو يتمسك بملابس راغب بقوة، وصلا إلى الطابق السفلي، هناك أصوات مرتفعة تأتي من أكثر من جهة؛ من المطبخ، من غرفة الطعام، ومن الطابق السفلي، حتى سمعا طرقًا قويًا على الباب. انتفض جسد راغب وعاصم لهذا الصوت، ثم قال راغب: هروح أشوف مين اللي بيخبط كده.

أومأ له عاصم وهو يتلفت حوله، حتى وصلا عند الباب، وما أن فتحه راغب، دفع الهواء الباب بقوة شديدة، ارتد على أثره راغب إلى الخلف، وصدم عاصم الذي يقف خلفه. الهواء شديد، يكاد يكون إعصارًا، فتح راغب عينيه متعجبًا عندما رأى تلك الرياح تتحول إلى سوداء، وتتركز بمنتصف البهو، مشكلة إعصارًا قمعيًا يدور بشدة، ويرتفع إلى أعلى. ثم انتفضا على أثر صوت إغلاق الباب بقوة، احتضن عاصم راغب خائفًا، وعادا ينظران إلى هذا الإعصار الذي يتشكل داخل المنزل، وفجأة ظهر صوت قوي من هذا الإعصار، تحوّل تدريجيًا إلى صوت ضحكات نسائية مرعبة.

اقترب عاصم من باب المنزل يحاول أن يفتحه ليخرج من المنزل، ولكن الباب موصَد بقوة، قال عاصم بصوت مرتفع: راغب... راغب، افتح الباب معايا، الباب مش بيفتح.

لم يجب، فنظر له عاصم فوجدَه ينظر إلى الإعصار بصدمة، ولا يتحرك. دفعه بقوة كي ينتبه إليه، ثم أردف: افتح الباب معايا.

التفت راغب إليه، وحاول أن يفتح الباب معه، ولكن لا جدوى، ليقطع محاولتهما الهدوء الذي حلّ على المكان فجأة. نظرا لبعضهما البعض ثم التفتا إلى الخلف، فوجدا الرياح قد توقفت، ولكن بدأ يظهر جسد من داخل هذا الإعصار، ليس بجسد طبيعي... لا، بل جسد امرأة طويلة القامة للغاية. نظرت لهما بابتسامة باردة، وبالرغم من تلك الابتسامة إلا أن عينيها تُطلقان غضبًا عارمًا، تنظر إليهما بنظرات حادة... مرعبة.

نظر راغب إلى النافذة، وركض نحوها يحاول أن يفتحها، ولكن سبقته إليها تلك المرأة ووقفت أمامه. رفع راغب رأسه بشدة كي يرى وجهها، فمدت يدها وقبضت على عنقه بقوة، ورفعته أمام وجهها، وقالت بصوت ذو صدى مخيف: كلهم حلوين... كلهم حلوين!

كان راغب ينظر إليها بخوف، يحاول أن يلتقط أنفاسه بصعوبة، ركض عاصم نحوها، وأمسك بأحد الكراسي، واقترب منها مسرعًا وضرب الكرسي بساقها. فانتبهت له، وركلته بقدمها، ليرتد إلى الخلف بقوة، ارتطم جسده بالدرج، ليتأوه عاصم بشدة من أثر الارتطام، وصاح راغب بصوت ضعيف خوفًا عليه: عاصم!

نظرت له تلك المرأة، ومالت برأسها قليلًا وقالت: بتحبه؟!

راغب: إنتِ... عايزة إيه؟!

دفعته ليسقط على الأرض، ومالت بجسدها قليلًا تنظر إليهما وقالت: كلكم زي بعض، بتحبوا اللي تعرفوهم بس... الحلوين صح؟ بتحكموا على الناس من برا وبس. كلكم زي بعض، بس النهارده هتدفعوا تمن كل كلمة جرحتوني بيها. من النهارده، إنتو جوا السجن بتاعي، مش هتخرجوا من هنا غير بشروطي. وبما إنكم بتحبوا بعض قوي... واحد فيكم لازم يضحي علشان التاني، ولو محدِّش ضحّى فيكوا، هتموتوا إنتو الاتنين. وأنا متأكدة إنكم هتموتوا مع بعض... عشان كل واحد فيكوا بيحب نفسه وبس.

ركضا من أمامها، والخوف يسدل غيمته على قلبيهما. دخلا غرفة وأغلقا الباب خلفهما، سمعا صوتها تضحك بقوة. نظرات الخوف كانت كفيلة بأن تزرع الضعف بكلٍ منهما. ذهب راغب نحو النافذة مهرولًا، فتحها، ليجد جدارًا منصوبًا أمامها من الخارج. فتح عينيه في صدمة، هذا الجدار لم يكن موجودًا من قبل. نظر إلى عاصم الذي نظر له بيأس وقال: هو ده مش كابوس وهيخلص؟! ولا ده حقيقة يا راغب؟

ابتلع راغب خوفه بشدة وقال بصوت مرتعش: حقيقة... هنعمل إيه يا عاصم؟ فكر معايا، إحنا كده محبوسين هنا.

عاصم: هي بجد ممكن تقتلنا؟!

راغب: إنت مش شايف هي عاملة إزاي؟! ديه طول البيت!

تجمّد جسدهما عندما طرقت هذه المرأة الباب بقوة، ليطير بالهواء أمام أعينهما، ثم دخلت من الباب وهي تنحني بجسدها كي تستطيع أن تعبر منه، ثم قالت بغضب: مفيش حاجة بتعجبكم!

صفعت عاصم بقوة، وباليد الأخرى دفعت راغب نحو الأريكة، وقالت: متحاولوش تهربوا، إنتو دلوقتي جوا الجحيم بتاعي.

راغب بخوف وألم: طيب... إنتِ عايزة إيه مننا؟!

نظرت له بابتسامة باردة وقالت: روحكم... زي ما هما قتلوني، هقتلكم.

عاصم: بس هما قتلوكي... إحنا مالنا؟!

تحولت نظرتها إلى الغضب، وقالت بصوت كاد يفقدهما السمع: إنتو زيهم! إنت كمان بتحكم على الناس من الظاهر. كل يوم مع بنت شكل، كل أما تلاقي بنت حلوة تجري عليها، بتتعامل مع الناس على إنهم قطع شوكولاتة، وكل شوية عايز تجرّب نوع شكل. ولو وحشة تفضل تتريق عليها، زي ما هما كانوا بيتريقوا عليّ، وزي ما أخوك لسه كان بيتريق عليّ دلوقتي.

راغب: أنا آسف إني اتريقت عليكِ.

ابتسمت باستهزاء وقالت: تفتكر أسفك... هيرجعني لأمي تاني؟!

نظرَ إلى عاصم بخوف، فصرخت به بقوة: لأ طبعًا! يبقى زي ما وجعتوا بنات كتير بكلامكم، وزي ما أنا اتوجعت من كلامهم، هتدفعوا التمن هنا... وعلى إيدي.

نظرت عاليًا، وتحولت عيناها إلى اللون الأبيض بعد أن اختفت حدقتاها، وبدأت الإضاءة ترتعش بقوة، وهناك أصوات مرتفعة تخترق مسامعهما، وصوت ضحكتها يدوي بالمكان.

ثم بدأ الألم ينتشر في جسديهما، ويتركز برأسيهما، فصرخا من شدته. كانا يتعرضان لأسوأ أنواع التعذيب؛ إذ عادت إلى ذاكرتهما كل ذكرى تنمّر، ولكن بصورة مختلفة… فقد أصبحا يشعران بكل ألم شعر به من تمّ التنمر عليهم، ولكن بألم مضاعف.

لا يتذكر عاصم كم من الوقت مرّ عليهما، لكنّ النظر إلى نحافة جسده وهيئته المزرية كان كفيلًا بأن يخبره أن هذا التعذيب استمر لأسابيع طويلة.

ما لم يتحملاه حقًا؛ هو أنهما لم يغمضا أعينهما طوال تلك المدة، وألم الرأس يعصف بهما من كل اتجاه، حتى صرخ راغب بقوة: كفاية… ارحمينا!

رفعته أمام عينيها وقالت بسخرية: مستعد تضحي عشان خاطر أخوك؟! لأ طبعًا… اللي زيكم ما يعرفوش حاجة عن التضحية.

نظر راغب إلى عاصم، الذي كان يصرخ متألمًا، ثم فكر قليلًا. في كلتا الحالتين، سيموتان معًا، لكن شعور الالتزام نحو أخيه، وشعوره الدائم بأن عاصم ابنه لا مجرد أخ، جعله يخفض عينيه قليلًا ثم يقول بحزن: هضحي عشانه… سيبيه يمشي.

نظرت له بابتسامة وقد حصلت على أول ضحية. رفعت عاصم بيدها الأخرى، ثم خرجت إلى البهو، ودفعتهما بقوة حتى صرخا من الألم، ولم يتحركا؛ فلم يعد لديهما قدرة أو قوة ليقاوما ما تفعله بهما.

أحضرت حبلًا سميكًا، وثبّتته بأعلى المنزل، ثم حملت راغب بيدها وسط نظرات عاصم المتعجبة مما تفعل؛ فهو لم يسمع ما دار بينهما بسبب صرخاته وألم رأسه. وأدرك أخيرًا ما تنوي فعله… إنها تقتل راغب، تعدمه شنقًا.

صرخ بكل ما أوتي من قوة، وحاول أن يمنعها، ولكن هيهات… كيف يوقف امرأة كهذه؟!

حتى رأى راغب يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو ينظر إليه بحزن.

صرخ عاصم وهو يبكي: ليه؟! ليه عملتي كده؟!

نظرت إليه بسعادة وقالت: هو اختار… ودُرّة نفذت طلبه. وقريب جدًا… هتيجي تطلب الموت زي ما هو طلبه، عشان تخلص من لعنتي وتهرب من جحيمي. وخصوصًا لما تعرف إنه ضحّى بنفسه عشانك.

فتح عاصم عينيه بصدمة، بينما ضحكت دُرّة بقوة، وهبت الرياح من حوله مرة أخرى مشكلة ذات الإعصار القمعي، ثم اختفت من أمامه.

ركض عاصم إلى الهاتف واتصل بالشرطة ليبلغهم بالحادث، لعلهم يستطيعون مساعدته. وفجأة احتل صدره خوف شديد… شعور لم يغادره حتى الآن.

عودة من الفلاش باك

نظرت سارة إليه متعجبة مما قال؛ فربما الحديث منافٍ للواقع، بل من يسمعه لن يصدّقه أبدًا، لكن وصف حالة الجثة في القضية يتماشى مع ما رواه عاصم. ثم نظرت له بحزن وقالت: الله يرحمه… بس لو اللي بتقوله صح، ليه خايف تيجي دُرّة هنا؟ هي خلاص خلّصت انتقامها منك.

عاصم بخوف: لأ… أنا حاسس بيها، هتيجي تاني. هي قالتلي هتفضل جوا لعنتي. أنا خايف يا سارة… الوجع كان صعب… مش عايز أرجع للوجع ده تاني. ساعديني.

أغلقت سارة دفتر الملاحظات الذي دوّنت فيه ما قاله، ثم تنهدت بقوة وقالت: الصراحة يا عاصم… مفيش حد يصدق اللي إنت بتقوله ده.

عاصم بتوتر: لأ… دُرّة حقيقية، أنا متأكد من اللي بقوله.

وقفت سارة وقالت بصوت مرتفع متحدية تلك المرأة: تمام… لو هي فعلًا موجودة، وإنت لسه جوا لعنتها، خليها تظهر هنا. مش إنت بتقول إنها حقيقية؟! وأنا بقول إني مش مصدقة. مفيش ست بالطول اللي إنت وصفته، مفيش حاجة اسمها دُرّة.

نظر عاصم حوله بخوف، يضم جسده بذراعيه، حتى سمع صوت الرياح يعود مرة أخرى. انتفض وزحف إلى نهاية الفراش، يضم ساقيه نحو صدره وهو ينظر حوله بتوجس. أما سارة فعقدت حاجبيها وهي ترى الرياح تتحرك بقوة وتتشكل أمامها كإعصار، ثم سمعت صوتها، ورأت جسدها يتكوّن بداخله.

حدّقت فيها سارة بصدمة… هي كما وصفها عاصم تمامًا.

انحنت دُرّة بجسدها وتنظر إليها بقوة، لكنها توقفت فجأة وقالت: إنتِ زيي… إنتِ كمان جرحوكي. حتى هو جرحك.

نظرت لها سارة وهي لا تزال تحت وقع الصدمة، فأكملت دُرّة: متخافيش مني… أنا بعاقب اللي زيه وبس. لكن ده؟! بتحبيه إزاي؟! ده ميعرفش الحب.

نظر لها عاصم بتعجب… هل تحبه سارة فعلًا؟!

ثم همس لها: إهربي… إهربي.

نظرت له دُرّة بغضب، فانكمش داخل ذاته من نظرتها. نظرت له سارة وشعرت بالحزن على حاله، ثم قالت:أنا حاسة بيكي… حاسة بكل وجع إنتِ حسّيتي بيه. زي ما قولتي… أنا زيّك بالظبط. ومستغربة أنا حبيته ليه!… بس للأسف الحب ملوش أسباب.

أنا مش حلوة زيهم… وعارفة ده. بس الفرق إني متقبلاه… متقبلة شكلي وحباه جدًا. أصل ربنا دايمًا بيصورنا في أحسن صورة.

ومن وجهة نظري… الجمال الحقيقي هنا… جوا قلوبنا. روحنا الجميلة. وده الجمال اللي بيدوم.

لكن جمال الشكل ليه وقت… وبيروح.

بس الناس دلوقتي بتدور على الشكل وبس… بيركّزوا على البرندات، وعلى الرصيد اللي في البنك… ونسيو رصيدهم عند ربنا، يوم ما يقفوا على الميزان قدام الحقّ العدل.

وعشان كده… عمري ما اتأثرت بكلام حد منهم… كلامهم سطحي زيّهم.

كفاية إني شايفة نفسي حلوة… وراضية بنفسي… وبنام كل يوم وضميري مرتاح.

وعمري ما هخسر نفسي عشانهم… عشان لو عملت كده هبقى زيّهم.

واللي متأكدة منه… إنك أحلى من كده بكتير. وعايزة أشوفك على حقيقتك… مش بالشكل اللي إنتِ مختاراه."

هدأت دُرّة… فحديث سارة لامس ضعفها. انسابت دمعة من عينها، وعادت لهيئتها الحقيقية… فتاة قصيرة القامة، أقصر من سارة، ساقها مصابة بشلل الأطفال، جمالها بسيط لكنه صادق.

ابتسمت لها سارة وقالت: طيب… ده إنتِ أحلى مني كمان.

قالت دُرّة بحزن: عايزاكي تساعديني… أمي متعرفش اللي حصلي، ولا تعرف جثتي فين.

ممكن تخرّجي جثتي… وتبلغي عن البنات اللي قتلوني؟!

نظرت لها سارة بحزن وقالت: أكيد… قوليلي كل حاجة وأنا هساعدك. وعاصم كمان.

أومأت دُرّة لها، فأردفت سارة: كلنا نستحق فرصة نصلّح بيها أخطائنا.

بدأت دُرّة تقصّ عليها ما حدث معها.

كانت تعود إلى منزلها، ولحقت بها ثلاث فتيات يتنمرن عليها بسبب ساقها المصاب. لم تتحمل دُرّة أكثر، فأخذت تبادلهم الحديث واللعنات، حتى أمسكن بها وبدأ الشجار بينهن، الذي انتهى بسقوط دُرّة بسبب عدم قدرتها على الوقوف بقوة نتيجة إصابة ساقها. ارتطم رأسها بأحد الأشجار، فنزفت بغزارة، وماتت على الفور.

حملن جثتها إلى ذلك المنزل الفارغ، وأخذن أدوات الزراعة من الحديقة، وقمن بحفر قبر هناك، ثم وضعن جثتها بداخله.

وفي الليل، كانت سارة تقف في تلك الحديقة، وبجوارها دُرّة التي لا يراها سواها، بينما كانت الشرطة تستخرج الجثة من القبر. بكت سارة بحزن على هيئتها، فنظرت إليها دُرّة مبتسمة وقالت: ياريتني قابلتك قبل ما يعملوا فيا كده… شكرًا يا سارة. قولي لماما متزعلش… أنا بخير."

ثم أحاط الضوء الأبيض بها، واختفت من أمامها وهي تبتسم بحب.

قامت سارة بالإبلاغ عن هؤلاء الفتيات، وبعد فحص الطب الشرعي لجثة دُرّة، وجدوا شعيرات في يدها. وعند تحليل الحمض النووي، تبيّن أن الشعر يعود إلى إحدى الفتيات، والتي انهارت واعترفت فورًا بما فعلت، وكذلك اعترفت على شريكاتها في الجريمة.

أما عاصم، فقد أثبت الطب الشرعي أنه لم يكن متورطًا في قضية قتل راغب؛ إذ لم تيجدو بصمات يده على الحبل، كما أنه لا يملك القدرة الجسدية على رفع راغب لهذه المسافة. وبناءً عليه، تم إخلاء سبيله لعدم كفاية الأدلة. وخلال التحقيق، كان عاصم يتلقى العلاج في المشفى حتى عاد إلى حالته الطبيعية، لكن ما تغيّر فعلًا… كان عاصم نفسه.

خرج عاصم من المشفى، وبجواره سارة التي أشرفت على حالته حتى شُفي تمامًا. وقف ينظر إليها بامتنان قبل أن يذهب، ثم ابتسم وقال: مش عارف أشكرك إزاي… إنتِ ربنا بعتِك ليا هدية من السما. يمكن عشان أعرف معنى الجمال الحقيقي… ويمكن عشان يعوّضني عن غياب راغب اللي ضحّى عشاني.

سارة: قولنا إيه؟! كل واحد ليه عمره. ومهما تعددت الأسباب… الموت واحد. لما ربنا بيأذن، مفيش حاجة بتقف قدّام أمره.

عاصم: فهمت… بس أنا عايز على الأقل أحقّق له آخر طلب طلبه مني قبل ما يموت. هو طلب مني إني أتجوز، وساعتها رديت عليه بعاصم القديم… اللي شايف جمال الدنيا من برا وبس، وناسي الجمال الحقيقي. والغريب إني مهما شفت بنات حلوين… عمري ما ارتاحت مع واحدة فيهم، ولا قدرت أتخيلها مراتي.

لكن إنتِ… لأ. إنتِ غيرهم كلهم يا سارة. ودلوقتي ندمان إني معرفتِكيش من بدري، ولا شفت جمالك الطبيعي… ولا روحِك الحلوة… ولا خدت بالي من جمال عيونِك دي.

أخفضت سارة عينيها بخجل وقالت: عاصم!

عاصم: عيون عاصم، أنا عارف إنك بتخافي من ربنا، وعمرك ما هتوافقي تعملي حاجة حرام. وعشان كده… أنا عايزك تحدديلي معاد مع باباكي… عشان أروح أطلبك رسمي.

نظرت له بسعادة، وهو يبتسم إليها بابتسامته الساحرة، بعد أن عاد إلى هيئته الطبيعية… لتنتصر قصة عشقهما الطاهرة في النهاية.

علينا أن نتوقف عن تجميل مظهرنا الخارجي، وأن نهتم أولًا بتقويم أنفسنا.

بسم الله الرحمن الرحيم:

"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"

النهاية

رباب حسين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شبح التنمر

المؤلف Rabab Hussien
2025/12/06 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة