بين نبضين |1

بين نبضين |1

23 0

{part 1}

--------------------------

لم أكن أؤمن باللحظات الفاصلة.

كنت أظن أن الحياة تسير في خطٍّ مستقيم، وأن أكثر أيامها قسوة يمكن احتمالها طالما ظلّ الجسد واقفًا.

في ذلك الصباح، دخلتُ قسم الطوارئ كعادتي، أرتدي معطفي الأبيض وأُخفي إرهاقي خلف حركة معتادة.

رائحة المطهّرات كانت أول ما استقبلني، ثم الأصوات: أجهزة، نداءات، خطوات متعجلة.

كل شيء في مكانه... وأنا كذلك.

ناداني الممرّض:

"دكتورة إيلارا، حالة ألم صدري في الغرفة الثالثة."

لم أحتج إلى سؤال. أمسكتُ الملف ودخلت.

كان الرجل مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب وعيناه تتشبثان بالسقف كأنهما تبحثان عن إجابة مكتوبة هناك. جلستُ بقربه، وخفّضتُ صوتي دون قصد.

"اسمي إيلارا. سأفحصك الآن، لا تقلق."

كنت أقولها دائمًا، وربما كنت أصدّقها أكثر منهم.

استمعتُ إلى قلبه، راقبتُ أنفاسه، لاحظتُ ذلك الارتجاف الخفيف في يده. أعرف هذا المشهد... رأيته كثيرًا. جلطة في بدايتها. الوقت هنا ليس رقمًا، بل فرقًا بين الحياة والفقد.

تحرّكتُ بسرعة، أوامر واضحة، ذهني حاضر، جسدي يعرف الطريق. دقائق ثقيلة مرّت، ثم بدأ الوضع يستقر.

حين نُقل الرجل إلى العناية، نظر إليّ بعينين دامعتين وقال: «شكرًا...»

أومأتُ بابتسامة صغيرة. لم أعرف ماذا أقول. لم أكن أبحث عن الامتنان، كنت أبحث فقط عن أن ينجو.

َ

جلستُ على أحد الكراسي البلاستيكية في غرفة الاستراحة، أنزع السماعة الطبية عن عنقي ببطء، كأنني أخلع معها ثِقَل الساعات الماضية.

كان الهواء مشبعًا برائحة المطهّر، تتداخل معها رائحة قهوة فقدت حرارتها منذ زمن.

جلست ليان قبالتي، ومدّت نحوي كوبًا ورقيًا، وقالت بنبرة حاولت أن تخفّف بها الإرهاق: "اشربي، قبل أن تتحوّلي إلى جزء من أثاث المستشفى."

ابتسمتُ ابتسامة خافتة.

كانت ليان أكثر من زميلة عمل؛ كانت مرآتي في هذا المكان، تفهم صمتي كما تفهم كلماتي.

سألتني:

"كيف كانت الحالات؟"

أجبتُ وأنا أحدّق في سطح القهوة الداكن: "كثيرة… ومتعبة. الطوارئ اليوم لم تهدأ لحظة."

تنهدت ليان، ثم قالت:

"أنتِ تأخذين كل شيء على عاتقك، إيلارا. كأنك وحدك المسؤولة عن إنقاذ الجميع."

رفعتُ بصري إليها، وقلت بهدوء:

"إن لم أشعر بآلامهم، فكيف أستحق أن أكون طبيبة؟"

ساد بيننا صمت قصير، لم يكن ثقيلاً، بل مألوفًا. صمت اعتدنا عليه في لحظات الاستنزاف الأخيرة.

ثم نظرت إليّ ليان نظرة متفحّصة، وقالت: "بعد انتهاء نوبتك، اذهبي مباشرة إلى المنزل. لا تبالغي في الإرهاق."

أومأتُ موافقة، دون أن أعرف لماذا علقت كلماتها في داخلي أكثر مما ينبغي.

دوّى صوت جهاز النداء، فنهضت ليان سريعًا، واستعادت ملامحها المهنية. وقبل أن تغادر، التفتت إليّ قائلة:

" لا تنسي… أنتِ أيضًا تحتاجين إلى من يعتني بكِ."

راقبتها وهي تخرج، ثم وقفتُ بدوري.

عاد الازدحام يبتلع الممرات كما لو أنّ الاستراحة لم تكن سوى وهمٍ قصير.

أضواء الطوارئ البيضاء انعكست على الأرضية اللامعة، وخطوات متسارعة تتقاطع بلا اعتذار.

كنتُ في مكاني.

ذلك المكان الذي لا يسمح لك أن تكون إنسانًا كاملًا… عليك أن تكون مفيدًا فقط.

دخل المريض محمولًا، أنفاسه متقطعة، وملامحه شاحبة كأوراقٍ نُزعت من شجرة قبل أوانها.

تحرّكت ليان فورًا، لا كلمات زائدة، فقط نظرة سريعة بيننا كانت كافية.

"الضغط؟"

قالتها وهي تثبّت الجهاز.

"منخفض."

أجبتُ وأنا أقترب، أصابعي ثابتة رغم الإرهاق المتراكم في العظام.

تعلّمنا مع الوقت كيف نعمل معًا دون شرح.

ليان تسبقني بخطوة، وأنا ألحق بالفكرة قبل أن تُقال.

وفي الزاوية، كان هناك شاب لم أره من قبل.

طبيب متدرّب على الأرجح… أو طبيب جديد لم يعتد بعد على الفوضى.

كان اسمه إيفان —

عرفتُ ذلك حين ناداه أحدهم.

وقف لحظة أطول مما ينبغي، يراقب المؤشرات، لا يتدخل، لكن عينيه لم تكونا تائهتين.

كان يلاحظ.

وهذه صفة نادرة في مكانٍ يتعلم فيه الجميع الركض قبل الفهم.

"أحتاج قسطرة ثانية."

قلتُها دون أن أنظر.

وقبل أن تتحرك ليان، كان إيفان قد مدّها بالفعل.

بهدوء. بلا محاولة لإثبات شيء.

رفعتُ عيني نحوه لثانية.

شكرٌ صامت، تبادله صمتٌ مماثل.

لم يبتسم.

لم يتباهَ.

فقط عاد خطوة إلى الخلف، كأنه يعرف متى يكون الوجود كافيًا.

استقرّت حالة المريض تدريجيًا.

أنفاسه عادت إلى إيقاعٍ يمكن الوثوق به، ولو مؤقتًا.

خرجنا من الغرفة.

ليان زفرت بعمق، ثم التفتت إليّ:

"يبدو أنّ اليوم لن ينتهي بسهولة."

هززتُ رأسي، وأنا أشعر بثقلٍ غريب في صدري…

ثقل لا علاقة له بالتعب.

وفي آخر الممر، رأيتُ إيفان مجددًا، يكتب ملاحظاته بهدوء.

لا شيء مميز في المشهد.

َ

في نهاية الممر الجانبي، كنتُ أسير إلى جانب ليان، نراجع ملفّات المرضى بسرعةٍ تليق بمكانٍ لا ينتظر أحدًا.

قالت وهي تقلب الصفحات:

"المريض في الغرفة سبعة… حالته لا تطمئنني."

توقّفتُ لحظة.

"التقرير يقول إن تحاليله مستقرة."

رفعت رأسها، نظرت إليّ نظرة تعرفينها جيّدًا حين تأتي من صديقة لا من زميلة.

"التقرير كُتب على عجل… وبقلم شخص لا أثق به."

لم تقل الاسم.

ولم يكن ذلك ضروريًا.

ذلك الطبيب…

الذي يحفظ القوانين ليكسرها، ويبتسم للإدارة أكثر مما ينظر للمرضى.

دخلنا الغرفة.

المريض كان متعبًا أكثر مما تسمح به الأوراق.

عيناه زائغتان، جلده بارد على غير العادة.

مددت يدي للفحص، شعورٌ ثقيل استقر في صدري.

شيء ما لا يسير كما يجب.

خرجتُ من الغرفة مباشرة، وتوجّهت إلى مكتب الأطباء.

وجدته هناك.

كان يجلس مسترخيًا، يحتسي قهوته، وكأنّ الوقت لا يعنيه.

قلتُ، دون مقدمات:

«طبيب ماركوس، تقريرك عن المريض في الغرفة سبعة ناقص.»

رفع عينيه ببطء، ابتسامة صغيرة على فمه.

"كل شيء تحت السيطرة، دكتورة إيلارا."

كرهتُ تلك النبرة.

النبرة التي تُستخدم لإغلاق النقاش لا لحل المشكلة.

اقتربتُ خطوة.

"تحاليله لا تتطابق مع الأعراض. لماذا لم تطلب فحوصات إضافية؟"

تنفّس بعمق، ثم قال بهدوء مصطنع:

"لسنا في مستشفى خاص. لا نطلب كل شيء لكل مريض."

هنا… انكسرت المجاملة.

"نحن في مستشفى. نقطة انتهى."

قلتُها بحدّة لم أحاول إخفاءها.

"وأنت مسؤول عن هذا الإهمال إن تدهورت حالته."

ساد صمت قصير.

ثم مال نحوي قليلًا، بصوتٍ منخفض:

"أنصحكِ ألا تُكثري من الأسئلة."

كانت تلك الجملة كفيلة بأن تشعل النار.

لكن قبل أن أردّ، جاء صوت من الخلف:

"الفحوصات الإضافية مبرَّرة طبيًا."

التفتُّ.

إيفان.

كان يقف بهدوء، ملفّ المريض بين يديه، وعيناه ثابتتان.

لا تحدٍّ مباشر… فقط حقيقة.

تابع بهدوء:

"الأعراض العصبية لا تتماشى مع التقرير. تجاهل ذلك مخاطرة."

لم يتوقّع الطبيب ذلك.

رأيتُها في عينيه.

شدّ شفتيه، ثم قال ببرود:

" سنراجع الأمر."

وغادر.

بقيتُ واقفة.

شيء دافئ وغريب مرّ داخلي… ليس انتصارًا، بل راحة قصيرة.

نظرتُ إلى إيفان.

"شكرًا."

هزّ رأسه بخفّة.

" هذا واجبي."

ثم تردّد لحظة، وأضاف:

"أحيانًا… قول الحقيقة مكلف."

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، متعبة.

" أعرف."

عاد كلٌّ منا إلى عمله، لكن الكلمات علقت في رأسي.

في الاستراحة القصيرة التالية، جلستُ مع ليان.

كنتُ أضحك، أتحدث، أبدو طبيعية.

لكن داخلي كان مشدودًا كوترٍ على وشك الانقطاع.

قبل أن أغادر المستشفى في نهاية اليوم، مررتُ بالممر ذاته. رأيتُ إيفان من بعيد.

تلاقَت أعيننا لثانية. لم يحدث شيء.

لا وداع، لا حديث.

ومع ذلك…

شعرتُ بأن اليوم لم يُغلق صفحته بعد.

وكأنّ شيئًا ما ينتظرني في الخارج.

شيء لن يسمح لي بالعودة كما خرجت.

خرجتُ من المستشفى وقد بدأت السماء تميل إلى الزرقة الداكنة، ذلك اللون الذي لا هو ليل كامل ولا نهار متأخر.

أخرجتُ هاتفي قبل أن أصل إلى السيارة، واتصلتُ بالرقم الذي أعرفه عن ظهر قلب.

ردّت والدتي بعد رنّة واحدة، كأنها كانت تنتظر.

"إيلارا؟"

ابتسمتُ رغم الإرهاق.

"نعم، انتهت المناوبة أخيرًا."

تنهدتْ، وسمعتُ في صوتها ذلك القلق القديم الذي لم يتغير منذ أن قررتُ أن أكون طبيبة. "هل أكلتِ؟ لا أريدكِ أن تعودي متعبة كعادتك."

نظرتُ إلى الشارع أمامي، إلى الأضواء القليلة والسيارات المتفرقة.

"سأتناول شيئًا في الطريق. لا تقلقي."

كانت أمي امرأة تعرف كيف تخفي خوفها خلف الأسئلة اليومية. لا تحب المستشفيات، ولا تحب الليل، ولا تحب فكرة أن ابنتها تقف كل يوم على حافة حياة الآخرين.

قالت بهدوء:

"عودي مباشرة إلى البيت. غدًا يومكِ حر، أليس كذلك؟"

"نعم…"

ترددتُ لحظة، ثم أضفتُ مبتسمة:

"سأنام طويلًا، أعدكِ."

ضحكتْ ضحكة خفيفة، تلك التي تشبه الطمأنينة أكثر من الفرح.

"هذا كل ما أريده."

أنهينا المكالمة، وبقي صوتها في أذني أطول مما ينبغي. جلستُ في السيارة، أغلقتُ الباب، وشغّلتُ المحرّك. للحظة، شعرتُ بشيء غريب… كأن قلبي تأخر عن النبض جزءًا من الثانية، ثم عاد.

هززتُ رأسي، أرجعتُ الأمر إلى التعب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

~ Soul light ~

المؤلف Ganna
2025/12/31 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة