حــيـنَ نـبَّـهَـتـني لـم أسـتـمِـع، ولـكِـن لـيـسَ لِـلـعَـودَةِ مـكـانٌ يـا جـسَـدي.
__
استيقظتُ على ما تَبقى من قطراتِ المطر، وأنا أفكّر: لِمَ قد يعيشُ المرءُ في تعاسةٍ بينما كلُّ شيءٍ حوله بديع؟
ذلك المالكُ كئيبٌ حدَّ الجفاف، مجالستُه مُرهِقة، وحديثُه أجوف، لا يمكن النظرُ داخله.
أُشفقُ عليه!
أرغبُ بالتنزه، إلى أنَّ الأمرَ مستحيلٌ إن لم تجفَّ الأرضُ أوّلًا.
جمعتُ أطباقَ الأمس بما أنّي تناولتُ الطعامَ بمفردي بعد أن أعدَّه وغادر، ذلك الرجلُ غريبُ التصرفات.
غسلتُ الأطباقَ بخمول، وأعدتُ وضعَها في أماكنِها. لا أعلم كيف غفوتُ، وأخشى أن تُصيبَني الحُمّى بسببِ لعبي بالمطر.
الجوُّ كئيبٌ نوعًا ما لتواجُدِ ضبابٍ طفيف في الخارج، ولأنَّ داخلي يقول إنه كئيب، وهذا اليومُ كذلك.
قرّرتُ أن أرد الجميلَ ولو بالقليل، قد لا أحب الطهو، ولكنّها طريقةٌ لقول: شكرًا.
وضعتُ سمعاتي وشاهدتُ مجموعةَ مقاطعَ للطبخ، فقدتُ الأملَ حتّى وجدتُ طريقةَ إعدادِ قطعِ دجاجٍ حلوةٍ وحامضة، فاتّخذتُها خيارًا لي.
من الجيّد في الحياة أنّ هناك دجاجًا مُقطّعًا جاهزًا، وأنّ السيد جيون عبأ الثلاجةَ بإخلاص.
تبلتُ الدجاجَ وتركتُه مُغطّى، ماذا أفعل لنصفِ ساعة؟
غادرتُ النُّزلَ لأخذِ جولة رغم عدمِ رغبتي بذلك. أخذتُ أسيرُ إلى الغابة، ولكني توقفتُ، حال تذكّري إخباره لي أنّي قد أتوه.
فعدتُ أدراجي بهدوء، وأعددتُ الطعام. تُبلَ أم لا؟ أنا لا أُجيد ذلك، هذا للامتنان.
قليتُه وتركتُه للحظات، بعدها أضفتُ الصلصاتِ عليه حتى بات كما في المقطع. لنتذوق.
"أنا ماهِرةٌ في الطبخ."
صرختُ بها لأتذكر أنّ السيد جيون يأتي على حينِ غفلة، ويلتقطني أُحدّث نفسي كالمجنونة.
وبحماسٍ وضعتُه في طبق، وأبقيتُ لنفسي البعض، تناولتُ القليلَ منه.
سرتُ الخطى إلى الخارج بفخر، لأقدم له تحفتي الفنية.
توقّفتُ أمام منزلِه لأطرقَ الباب، أرجو أن يفتحَه هذه المرة.
ومع محاولتي للطرق، تزحزح الباب، فإذا به مفتوحٌ أساسًا.
سرتْ داخلي فوضى: أدخل أم لا؟ تساءلتُ مرات، ولكن جانبي الآخر طغى عليّ، فتطفلت.
خلعتُ حذائي كي لا أُفسدَ المنزل، وأخذتُ الطبق. المكانُ شبيهٌ بالطرفِ الآخر ومختلفٌ في نفس الوقت.
لا صورَ عائلية، لا تذكارات، مجرد أثاثٍ خشبيٍّ فاخر. تركتُ الطبقَ أعلى الطاولة، وسمحتُ لنفسي بالتنزّه في مكانٍ ليس لي.
حتّى دنوتُ من بابٍ غريب، لا مثيلَ له في الواجهةِ الأخرى.
اقتربتُ وفتحته على مهل، وكانت خزانةً مملوءةً بأدواتٍ متعدّدة.
تركتُ المكانَ وغادرتُ، ولكنَّ صوتًا ما أعادني، فعَاودتُ الدخول. بدا كصوتِ أنينٍ خافت، عاينتُ المساحةَ بعينَيّ، واقتربتُ إلى الحائط حتّى وجدتُ الصوت.
ألصقت اذني على حيث صدر و تسألت. من أين يأتي؟ هل السيد جيون في ورطة؟ بحثتُ بهلعٍ عن أيّ شيءٍ يفتحُ الباب. لا أعلم ماذا أمسكتُ لأرى الحائطَ يتحرك، ودرجًا طويلًا أمامي.
تصلبتُ أحاولُ الاستيعاب، صوتُ الأنينٍ يعلُ ، حتى أقترب من أن يكون صراخًا. نزلتُ الدرجَ بحذر، وقلبي ينبضُ بتعجرف.
حتّى وصلتُ نهاية الدرج. بابٌ آخر.
آروم، لا تفتحيه. هذا ما استمرّ عقلي بقوله، وحتّى قلبي، فلم أرهما يتفقان في حياتي. أخذتُ نفسًا داهمًا إلى صدري،وأمسكتُ المقبض، إلى أن جسدي اقشعر أسوأَ ممّا سبق.
تبًّا لفضولي. فتحتُ الباب لأُصعقَ وأنهارَ أرضًا دون أن أشعر.
هناك ما استمرّ بإخباري بالركض، بالهرب، فنفّذتُ. أغلقتُ الباب وهرولتُ، وأنا أرجو أن لا أقابله.
حاولتُ إغلاقَ بابِ الدرج، فنجحتُ، وأغلقتُ بابَ الخزانة. حتى الطبق أخذتُه معي، لتسقطَ قطعةٌ منه، حملتُها ومسحتُ المكانَ بملابسي، انتعلتُ حذائي وركضتُ إلى الخارج.
دخلتُ النُّزل وأغلقتُ جميعَ أبوابه، إلى تلك التي دخل منها سابقًا عند الدرج. لم أعلم ماذا أفعل بها.
فقط ترقبتها بهلع .
مسحتُ وجهي مرّاتٍ متتالية، وصفعتُني آخرَها.
"استفيقي."
ركضتُ إلى الأعلى أجمعُ أغراضي بسرعةٍ وفوضى. أغلقتُ الحقائب وسرتُ مسرعةً للخروج من هنا.
طلبُ سيارةِ أجرة؟ عليّ طلبُ واحدة، فالمدينةُ الوحيدةُ هنا تبعد خمسًا وأربعين دقيقة على الأقل.
هاتفي؟ بحثتُ داخل جيوبِي وحقائبي، أسفلَ الأرائك، لألمحه ساقطًا أمام الباب من الخارج.
فتحتُ الباب ويداي تهتزان، جثوتُ على مهل وأخذتُه بسرعة.
مرارًا حاولتُ مع السائقين، لم أستطع الجلوس، جسدي يرتعش، وأناملي حبيسةٌ بين قواطعي.
"أجِب، رجاءً، أجب."
كان هذا الرابعَ من بين ثلاثةٍ آخرين، جميعهم تحججوا ببُعدِ المنطقة. إلى الأخير طلب مني أن أُمهله بعضَ الوقت.
انتظرتُ كثيرًا، وعاودتُ محادثتَه لأتأكد، أخبرني أنه قادم
ما زالت أقدامي ترفضُ الراحة، وعيناي بدأت بالانهيار.
"إلهي، ماذا أحضرني إلى هنا؟"
كنتُ أَشْهَقُ وأمحو الدمعَ عن رؤيتي، في كلّ مرةٍ أسمع صوتًا أقتربُ من النافذة أبحث، لعلّه السائق أتى.
الساعةُ تشيرُ للثالثة عصرًا، أي خمسُ ساعاتٍ وأنا أنتظر.
رسالةٌ وصلتني. ركضتُ إلى الهاتف وحملتُه. إنّه في الخارج.
السائقُ أتى.
ركضتُ أحملُ مقتنياتي وحقائبي، وجررتُها حتّى الباب. توقّفتُ أبحث في الأرجاء لعلّه هنا، ولكنّه لم يكن.
أُهرولُ بقدميّ وحقائبي خلفي حتّى وصلتُ حيث أنزلني السائقُ سابقًا.
لم يكن هناك أحد. انتظرتُ للحظات.
"تنوينَ المغادرةَ قبل الأوان؟"
ارتعشَ جسدي وخارت عزائمي. ما وددتُ الالتفاتَ لأراه، لذا أتى إلى نظري، ويداه خليلتَا ظهره.
"لن يأتي أحدٌ إلى هنا… لن يأتي."
أنهى حديثَه بابتسامةٍ مخيفة. كُلّي يرتجف، وداخلي يصرخ: آروم، اهربي، اركضي. ولكنّ قدميّ تخثّرتا وأبتا الانصياع. تركتُ كلَّ شيءٍ لعينَيّ وأغمضتُهما.
تلك اللحظةُ التي رأيتُ فيها الرجلَ طريحًا، ليس طريحَ فراش، بل على مشرحة، وجسدُه مغطّى بالدماء، أناملُه مفقودة، ووعيُه باهت.
بكيتُ بحرقة، لأنّي قد وقعتُ بين يدي قاتل، لأنّي لن أرى عائلتي وأصدقائي لمرّةٍ أخرى.
وقعتُ أرضًا وأنا أَشْهَقُ محاوِلةً التنفّس.
"ما كان عليكِ التطفّل."
رجوتُه، علَّ ذلك ينفع، ويتركني أعبر.
"دعني أذهب، وأُقسِمُ لك أنّي لن أتفوّهَ بشيء."
ظلّ يضحكُ ضحكاتٍ مريبة.
"لم يعد ذلك ممكنًا."
ومع نهيه جملتَه، اجترّني من ساعدي لأقف دون نزاع، ولكنّي. قاومتُ بتثبيتِ أقدامي على الأرض، وظللتُ أُردّد:
"لا… دعني، أرجوك."
توقّف. لقد توقّف. حاولتُ نزعَ يدي منه فلم أستطع.
بغمضةِ عينٍ رأيتُه خلفي، يُلوّح بسكّينٍ على عنقي، وبيده الأخرى يضغطُ على كتفي.
"سيري بهدوء."
وفي اللحظة التي وصلتُ بها، آفاقُ سعادتي خسرتُها.
أمام فضولٍ وثقةٍ عمياء بدواخل الآخرين، ليس وكأنّي عرّافة، بل مُحسِنةٌ للنوايا.
سرتُ أمامه وأنا أفكّر: كيف سأنتهي؟ سأموتُ بعيدًا عن كلّ من أحب.
رغم أنّ عينَيّ كانتا تبحثان عن مَهرب، وعقلي ينفي وجودَه.
توقّفنا في منتصف الطريق، على بُعدِ خطواتٍ من النُّزل.
"مرحبًا بكِ في النعيم."
همسَها على أُذني، وأخذ يضحك، يسخرُ من وصفي السابق لها.
شعرتُ بألمٍ مباغتٍ خلف عنقي، حاولتُ النظرَ إليه، إلى أن رؤيتي غابت تمامًا.
____
تتوقعو اش بيحصل ؟
𝑍𝑎𝑖𝑛𝑜𝑟𝑎