تبادل الأَدوار.

تبادل الأَدوار.

18 0

ككلّ يوم أَثناء خروجي صباحًا، أَرى الشوارع خاوية، الهدوء لا يزال يفرش بساطه، وقت خروجي مبكرٌ نوعًا ما لذلك لا أُصادف أَشخاصًا أَغلب الأَحيان، إِلا شخصًا واحدًا.

لفتَ انتباهي متسولٌ أَراه جالسًا على الرصيف صباح كلّ يوم، لا يهم كيف حال الطقس؛ هو موجود دائمًا. قلنسوته تغطي كافة ملامحه مما يخلق فضولًا أَقوى، ملابسه متّسخة وَأطرافها ممزقة. قررتُ أَن أُراقبه اليوم، لا ذهاب للعمل، فقط مراقبة هذا المتسول، بغية معرفة من يكون، أَو ما يكون، ما موضوعه، ما قصّة جلوسه هنا كلّ صباح دون المساء.

أَكثرت من ملابسي لليوم فالجو بارد، جلستُ على بعد مسافة، على مقعد صغير. يستطيع رؤيتي في حال نظره تجاهي، إِلا أَن نظره نحو الأَرض فقط، كأَنّه يرى فيها لوحة لفنان عالمي، أَو نجوم لا نهائية.

مرّ الوقت بثقل، إِلا أَن أَنظاره لم ترتفع عن الأَرض طوال الفترة، شارفت الشمس على بلوغ قمتها في السماء وَلا يزال على حاله. ثقل الساعات كان قد تسلل لكلّ أَطرافي ليعلن التخدّر سيطرته على قدميّ بفعل طول فترة الجلوس.

رغم كم الملل الذي كنتُ أَشعر به ورغبتي بالعودة إِلى مسكني إِلا أَن سكونه كان يثير فضولي بشكلٍ يعجز عنه أَي شخص آخر. وَبعد كلّ ذلك الانتظار رفع رأسه، ليس نحو شخص، بل نحو الأَعلى، يطالع الشمس من بين الغيوم المتقطعة.

لم يكن بهذا أَي مشكلة، بل المشكلة بوجهه الذي كُشِفَ عنه عندما رفع رأسه، يبدو كما لو أَنّه.. كما لو أَنّه تعرّض لأَلف جرحٍ، لا يوجد جزء من وجهه سالم سوى مقلتي عينيه.

خطوط عنيفة قد اعتنقت ملامحه بشدّة، مرورًا بحاجبيه دون اهتمام لوجود الشعر، حتى أَن أجفانه لم تسلم، أستطيع رؤية الجروح فيها بوضوح مؤلم.

وَما زاد الأَمر غرابة أَن بعض الجروح حديثة، لا تزال كتلات الدم المتحجر محتضنة لتلك الخطوط العشوائية العميقة، انتقلت أَنظاري لعنقه لأَرى الوضع ذاته متكررًا فيها.

ظهرتْ كافة أَنواع الخطوط بملامح وجهي، خطوط تدل على انكماشه، انكمش اشمئزازًا، ليس منه؛ بل من الفاعل أَيًّا كان.

ما أَن استقام إِذ بي انتفض من مكاني كطائر قد رأى أَفعى تتسلل قرب قدميه، لملمت شتات نفسي وَقررت السير خلفه، لا غاية محددة؛ فقط أَسير وفق ما يمليه عليّ فضولي.

أَخذ يسير وَقدماي تقودانني نحوه، دون تردد، ويا ليتني تحليتُ ببعضٍ منه. أَخذني وصولًا إِلى زقاق، وَعوضًا عن أَن أَتردد زاد عزمي؛ بفعل قربي من الموقع، أَشعر أَنني أَقرب إِلى المكان في عظامي..

دخل إِلى زقاق مظلم رغم كون الوقت ظهرًا، مددتُ قدميّ اليمنى، خطوتُ خطوتي الأُولى..

شعرتُ بقشعريرة تسري في عظامي وَليس أَسفل جلدي، ليست بفعل المكان؛ بل بفعل نظرته لي، عيناه تلمعان في الظلام كما لو أَنّه أَحد أَنواع الحيوانات المفترسة، وَلمعانها بارز دون باقي ملامحه..

وددتُ الكلام، النطق، لكن لا أَستطيع، الحروف عالقة بحنجرتي، ليس خوفًا؛ بل من تأثيره، له تأثير على أَفعالي..

وَخارجًا عن طوعي سارتْ قدماي تجاهه، أَوّد التوقف، أَوّد الركض بالاتجاه المعاكس، أَوّد الصراخ، الاستنجاد، لكن ما يحصل هو خلاف رغبتي تمامًا.

توقّفتْ قدماي عن التقدّم، طوعًا لي؟ مؤكد لا؛ توقّفتْ لأَن المسافة بيني وَبينه انعدمتْ. وَبثواني الشلل تلكَ قرع مسامعي صريرٌ حادٌّ ما، كخشبة قويّة تجرّ على الأَرض بسرعة هائلة.

الصرير، عالٍ جدًّا، لا أَستطيع فتح عيني من شدّته. أَشعر برغبة جسدي بالتكوّر تحت تأثيره لكنني أَعجز عن تحريكِ ساكن، كتمثال لا غير. أُذنيّ تكادان تنفجران من الضغط الرفيع عليهما..

قاطع كلّ ذلك شعور البرودة في أَعماقِ بطني لتنتشر لكافة جسدي، ثُقلُ جسدي.. أَصبح أَقوى من تحكمه، أَو ربما هو سمح لي بالوقوع لتعانق الأَرضُ الباردة ظهري..

تلاشت الأَصوات فجأة، كأَنّها كانت تنتظر سقوطي، حاربتُ لفتح عينيّ والنظر حولي، وَما لمحته هو أَنا، بكلّ ما بي، وبما ارتديته صباحًا وقاية من البرد، ابتداء من قبّعتي وصولًا إلى الوشاح الأحمر الذي بجيب بنطالي. أَسير بعيدًا، باتجاه الضوء، غيّرتُ زاوية نظري لجسدي لأَرى أَنّني أَعتمر زيّه، جسده، وحتى جروح يديه..

لقد.. لقد سرق جسدي، شكلي، هيأتي، حياتي..

~ النهاية..

مرحبًا مجدّدًا، آمل أنكم استمتعتم بالقراءة، شاركوها مع معارفكم إذا تحبون، شيء بسيط خفيف، ولا تنسوا كتابة آرائكم بتعليقات والتصويت بنجمة :)

أتمنى، فقط أتمنى، أن يكتب كل شخص توقعاته للأوضاع بعد هذا الحدث، علمًا أنه لا توجد تكملة، التكملة من أفكاركم *-*

1

سؤال سريع، سببت لكم مشاكل بالثقة بالمتسولين لو بعدي؟

دمتم برعاية الله وحفظه، إذا حبيتوها وحبيتوا بشكل عام القصص القصيرة مني؛ ممكن أكتب قصص قصيرة أكثر.

أعطوني رغبتكم ما إذا أكتب مزيد من القصص القصيرة أو لا.

1

وبس، سلام!

Insta: shizo_katoob

By: Shizo Katoob

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تبادل الأَدوار

المؤلف شِـيزو كَـتّوب
2026/02/05 مكتملة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة