أرشيف الغد

أرشيف الغد

22 0

الساعة 03:17

الرقم كان يحدّق في ليلى من شاشة الساعة الرقمية.

رقم ثابت… لكنه أثقل من أي وقت مضى، وكأن كل ثانية تحمل وزنها.

لم يكن يتحرّك.

في البداية ظنّت أن الكهرباء انقطعت…

لكن الضوء ما زال يعمل. والهاتف يعمل. وهي… تتحرّك.

"ماذا يحدث؟ هل أنا الوحيدة هنا؟"

همست لنفسها، أصابعها ترتجف.

اقتربت من النافذة، شعرت بأن الهواء حولها يشدّها للخارج، لكنه جامد كالمعدن.

السيارة في الشارع متوقفة في منتصف الدوران.

سائقها يميل للأمام، عينه نصف مفتوحة، وكأنها تراقبها.

حمامة معلّقة في الهواء، جناحاها جامدان، تحاول رفرفة، لكنها تفشل.

حتى أوراق الأشجار معلّقة في مكانها، تحدّث عن توقف العالم كله.

العالم ليس صامتًا.

العالم… متجمّد.

مدّت يدها نحو الهواء أمامها، كأنها تتحسّس سطحًا زجاجيًا غير مرئي.

"هل أنا الوحيدة التي تتحرك؟"

لا شيء.

نزلت إلى الشارع كل شيء ثابت كل شيء صامت إلا هي.

حاولت لمس ذراع الرجل المجمّد.

بمجرد أن لامست جلده، رمش بعينه.

تراجعت مذعورة، وتركته فعاد جامدًا كتمثال.

"هذا… مستحيل. هل أنا أحلم؟ أم أن الزمن فقد عقله؟"

تمتمت لنفسها، بينما قلبها يخفق بسرعة لا تطاق رفعت رأسها نحو السماء.

السحب ثابتة الضوء ثابت حتى الريح… مجمّدة

ثم لاحظت شيئًا صغيرًا: فراشة تحاول الطيران، جناحاها معلّقان في الهواء.

مدّت يدها كأنها تريد إنقاذها، شعرت برعشة تنتشر من أصابعها إلى قلبها.

"لا… لا أستطيع تحريك أي شيء."

ثم حدث شيء مختلف.

في نهاية الشارع، ظهر باب معدني رمادي، قائم وحده بلا جدار.

لم يكن هناك قبل لحظات.

لم يكن متجمّدًا.

كان يتحرّك ببطء… كأنه يتنفس.

فوقه عبارة محفورة:

أرشيف الغد – وحدة الاستدعاء

اقتربت.

ما إن وضعت يدها على المقبض حتى فُتح الباب من الداخل

ضوء أبيض بارد انسكب على الأرض.

وصوت قال بهدوء، عميق وموحٍ:

"ليلى حمدان. تأخرتِ دقيقة وسبع عشرة ثانية."

تجمّدت أنفاسها.

"من أنتم؟"

"نحن ما تبقّى."

داخل الباب لم يكن هناك جدران

كان فضاءً أبيض ممتدًا، تتدلّى فيه شاشات شفافة تعرض مدنًا تحترق، سماءً تتشقّق، وخرائط زمنية تتكسّر كزجاج.

همسات بعيدة، أصوات خافتة من مدن لم تطأها قدم، تتداخل مع صمت المكان، تجعل قلبها يرتجف أكثر.

شكل بشري غير محدد الملامح وقف أمامها.

"هل أنت… إنسان؟"

سألت، صوتها يرتجف، وعينها تبحث عن أي أثر مألوف.

"الخط الزمني الخاص بكِ سينهار بعد ثلاث دقائق."

"ينهار كيف؟"

أشار بيده.

ظهرت صورة لمدينتها…

وفي قلبها وميض أزرق يتضخّم، يلمع كأنه قلب العالم نفسه.

"تجربة طاقة. خطأ حسابي. تفاعل تسلسلي. لن يبقى شيء."

"ولماذا أنا هنا؟"

سكت الشكل لحظة.

صوت خافت قال:

"لأنكِ السبب."

شعرت أن الأرض غير موجودة تحت قدميها.

"أنا؟!"

"المعادلة التي ستُفعّل الجهاز… هي فكرتك. ستُرسَل بعد ثلاث دقائق من الآن."

ذاكرتها بدأت تستيقظ.

بحث علمي. نموذج طاقة نظيفة. رسالة بريد إلكتروني مؤجلة الإرسال.

كل تفاصيل مختبرها، كل حسابات الطاقة، كل تجربة، كانت تقود إلى هذه اللحظة.

"إذا أوقفتُ الرسالة… لن يحدث الانهيار."

"صحيح."

"إذًا دعوني أعود."

"هناك مشكلة."

اقترب الشكل منها

صوت هادئ لكنه صارم:

"لو أوقفتِ الانهيار… لن نُوجَد نحن."

الصمت تمدّد بينهما.

الشاشات بدأت تهتز، الضوء الأبيض ارتجف، الهواء بدا وكأنه يهمس في أذنها.

في الخارج، الساعة بدأت تتحرك.

03:18

03:19

"اختاري، ليلى."

"عالمكِ… أم أرشيف الغد."

دقات قلبها صارت أعلى من أي صوت.

تذكرت وجوه المارّة المتجمّدين، كيف لم يقدّر أحد قيمة الوقت إلا عند توقفه.

ثم فكّرت في هذا المكان. هؤلاء الذين نجوا… لأنها لم تمنع الكارثة.

03:20

الزمن يعود.

اتخذت قرارها

ركضت نحو الباب.

"ليلى!"

صرخ الصوت لأول مرة.

قفزت خارجه

في اللحظة التي لامست فيها قدمها الإسفلت

عاد كل شيء للحركة دفعة واحدة

الحمامة أكملت رفرفتها.

السيارة أكملت دورانها.

الرجل عبر الطريق.

ورائحة البنزين ونسيم الليل عاد بشكل طبيعي.

والباب… اختفى.

وقفت في منتصف الشارع، تتنفّس بصعوبة، تنظر حولها، تراقب كل تفاصيل المدينة التي استعادت حركة الوقت.

هاتفها اهتز

إشعار:

"تم إرسال الرسالة."

تجمّدت الدماء في عروقها.

نظرت إلى الساعة.

03:21

وفي السماء…

بدأ وميض أزرق صغير جدًا… بالكاد يُرى.

اقترب من خط السطح كأنه يلمع فقط لها، وكأن المكان كله يحتفل بصمتها.

ابتسمت ببطء.

"أرشيف الغد… يحتاج إلى بداية."

********************************

تمت بحمد الله

اول كتابة عبارة عن خيال علمي

Basmalla Mohamed Fouad

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الغد

المؤلف Basmalla Mohamed
2026/02/20 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة