اليوم نلتقي لأول مرة مع سيف وتبارك ، أبطال حكايتي الأولى، التي أرجو من قلبي أن تنال إعجابكم، وتلامس شيئًا جميلًا في أرواحكم.
هي أول تجربة لي في عالم الكتابة المعلنة، أول خطوة في طريق طويل أتمنى أن أقطعه معكم، بدعمكم، وكلماتكم، ووجودكم الحلو.
فلتفتحوا الصفحات، وتغوصوا معي في عالم سيف وتبارك، واتركوا الباقي على السطور.
قراءة ممتعة، ويا رب تكون البداية دي بداية خير لقلبي... ولقلبكم.
وتذكروا الصلاه علي الرسول🩷.
_________________________________________
الساعة الثالثة فجرا أطراف الصحراء مبنى مهجور وسط ظلام دامس
خلف نظارته الليلية، ثبت سيف عينيه على المبنى المهجور أمامه، حيث أكدت التحريات أنه مخبئ لخلية إرهابية تُعد لعملية كبرى في قلب العاصمة.
بصوت منخفض حازم، قال عبر جهاز اللاسلكي:
"كل وحدة تتأكد من جاهزيتها... ألف يتقدم من اليمين، باء يتسلل من وره، جيم تغطية من فوق التنفيذ بعد تلات دقايق مفيش مجال للغلط الهدف واضح عايز القائد حي انتو فاهمين حي، الضرب في الرجلين ."
ألقى سيف نظرة خاطفة على مساعده الملازم ياسين، الذي لمع العرق على جبينه رغم برودة الليل، وعيناه تجولان في المكان بتوتر.
قال له سيف بنبرة صارمة :
"سيب الخوف دلوقتي ... ده شغلنا مش كده؟"
أومأ ياسين برأسه، ثم تمتم بصوت مكسور:
"مش خايف علي نفسي يافندم... مراتي هتولد النهارده هبقي اب، خايف يحصلي حاجه ومشوفش ابني "
تنهد سيف، ونظر إليه بثبات:
"عشان كده... قررت متجوزش."
ثم ألقى نظرة سريعة على ساعته وهمس :
"ساعة الصفر... دلوقتي يلا بسم الله."
انفجار صغير أحدث فجوة في الجدار الخلفي وفي اللحظة نفسها انهمرت النيران من كل صوب اندفع سيف في الامام، يقود رجاله بنفسه اقتحم الغرفة الأولى، وأسقط أحد الإرهابيين أرضا بحركة حاسمة، مصوبا سلاحه إلى رأسه.
"أرمي السلاح علي الارض يلا انت لسه هتبصلي؟!"
صرخ بها بصوت نافذ قبل أن يثبت فوهة البندقية على جبين الرجل المرتجف أمامه.
من الطابق العلوي انطلقت طلقات عشوائية ليأخذ سيف ساتر سريعا و صاح عبر اللاسلكي
"جيم! القناص يتحرك فورا للمنطقه اربعه!"
وبعد ثواني، سقط المسلح أرضا قبل أن يعيد تعبئة سلاحه.
تابع سيف تقدمه داخل المبنى غرفة تلو الأخرى، يعطي أوامره بسرعة وصرامة حاول أحد أفراد الخلية الفرار عبر فتحة جانبية فأطلق سيف طلقة تحذيرية عند قدميه وتقدم نحوه بخطى واثقة قال بنبرة جامدة باردة:
"خطوة واحدة كمان... وأقسم بالله هتكون الأخيرة في حياتك."
تجمد الإرهابي، ثم ألقى بسلاحه أرضا، ويداه ترتعشان.
بعد عشر دقائق
انتهى كل شيء. سيطر رجال سيف على الوضع، وألقوا القبض على قائد الخلية حيا.
نزع سيف خوذته وجهه مغطى بالعرق، وعيناه لا تزالان حادتين وهو يتلو نذا الدعاء الذي يحفظه علي ظهر قلب.
"اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك،اللهم اجعل هذا العمل خالصًا لوجهك،
واحفظني وأهلي وبلدي من كل شر، اللهم ارزقني القوة على الحق، والثبات في مواطن الشجاعة،
واجعلني ممن قلتَ فيهم
"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، آمين."
اقترب ياسين وقال بارتياح:
"الخطة نجحت ياسيف... ومفيش خساير الحمدالله."
قبل أن يرد سيف استمع صوت طقطقة إلكترونية خافتة قادم من أحد الزوايا التفت بسرعة، تقدم بخطوات حذرة نحو مصدر الصوت. الضوء الأحمر يومض بسرعة فوق جسم معدني صغير، مثبت خلف عمود إسمنتي.
جحظت عيناه، وصرخ بأعلى صوته:
"ااااخليييييي! اخليييييي اكل الوحدات تتراجع فورا!!"
ولكن لم يكن هناك وقت في لحظة واحده ، عم الهرج مره اخره اندفاع،و ارتطام خطوات سريعة في كل اتجاه وقبل أن يستوعب سيف الصدمة، انفتحت فجوة من الجدار المقابل، واقتحم رجال ملثمون المبنى، يطلقون النيران عليهم بعشوائية.
سقط أحد الجنود أرضا، وأصيب آخر في كتفه.انبطح سيف أرضا وهو يصرخ عبر اللاسلكي:
"كمين! تراجع فورًا! القائد بيهرب!"
في غضون ثواني، استغل المسلحون الفوضى العارمة، وسحبوا قائد الخلية من الباب الجانبي تحت غطاء نيران كثيف.
لمح ياسين الهدف يتراجع وسط سحب الدخان، فصرخ عبر اللاسلكي بصوت حازم:
"الهدف بيتحرك على المحور السادس الجهة الغربية! متغطى بعناصر هجومية انا وراه !"
رد سيف على الفور وهو يتبادل الطلقات الناريه:
"جيم! ثبت سلاحك على المحور الغربي، غطي ياسين فورا!!"
اندفع ياسين من خلف ساتر خرساني، مخترقا خط النار، وهو يهتف بأعلى صوته:
أنا قريب من الهدف!"
انفجرت قنابل دخانية حوله، حجبت الرؤية، لكنه لم يتوقف. انقض على القائد، أطاح به أرضا، وأحكم تقييده من جديد وهو يصرخ:
"يخربيت امك فرهدتني اثبت بقي!"
لكن لم تمر لحظة حتى اخترقت رصاصة جنبه الأيسر، ترنح، لكنه تشبث بالقائد، يمنعه من الفرار، والدم ينزف تحت جسده.
رآه سيف من بعيد، فصرخ عبر الجهاز:
"ياسين! انسحب فورًا! انسحب ده امر انسحب!"
رد باسين بصوت حاول جعله صارم:
"مش هنسحب والهدف في ايدي انا تمام يافندم .. !"
دوى انفجار جديد، وسيف اندفع نحوه وسط زخات الرصاص.
عندما وصل سيف إليه وجده راقدا يده تمسك بالسلاح والأخرى تشد علي القائد.
جثا سيف بجانبه، وهمس بتحفيز:
"ههنهي المهمه... هتبقي كويس، يا بطل متقلقش الدعم والأسعاف في الطريق."
فتح ياسين عينيه بصعوبة، همس بشفاه مرتجفة: "
" ابني ياسيف ابني امانه هسألك عليها ياصاحبي"
ثمّ خفت النفس... وسكن الجسد.
جلس سيف بجانبه ، عيونه لا تدمع... لكنها تتقد بنار الغضب صرخ به وهو يحركه بقوه
"ياسين.....ياسين.... قوم قوم عشان ابنك انت الي هترببه قوم يا ياسين"
آتي العساكر حاولو حمل سيف وابعادو عن ياسين لكنه كان يمسك به بقوه وهو يصرخ بهم بغضب
"قوم يا ياسين بقولك متسبنيش ياصاحبي"
اقترب عسكري ووضع يديه علي نبض ياسين لينفي بيأس وهو ينظر الي زميله
رفع زميله جهاز الاتصال، وصاح
" انسحاب فقد عنصر الشهيد الملازم أول ياسين خطاب،كل الوحدات تنسحب يلااا التنفيذ حالًا!"
_________________________________________
كانت تجلس في غرفتها تتابع المسلسل التركي أمامها باهتمام بالغ، وفي يديها طبق من اللب تأكل منه بين الحين والآخر، ثم ترمي القشر على الأرض أمامها.
"آه ياني على بختي المنيل، يعني ملاقيش مهند لابس أبيض في أبيض وبيفتح عليا الباب دلوقتي ويقولي تبارك خانوم تقبلي تصيري زوجتي؟"
وفي نهاية حديثها فتح الباب لتطل منه والدتها وهي تنظر إليها بغضب شديد، فنظرت إليها تبارك بصدمة كادت تبكي، ورفعت نظرها إلى السماء قائلة:
"يا رب، أنا قولت مهند ولابس أبيض في أبيض، إيه السواد ده؟"
اقتربت منها والدتها وبدأت في صياحها اليومي:
"يا بت هو انتي ما عندكيش دم؟ قوليلي بس اللي بيجري فيكي ده إيه؟ هو انتي ما وراكيش غير الزفت ده ليل نهار، ولا بتساعدي ده انتي حتى أوضتك المعفنة مش بتروقيها، يا معفنة!"
نظرت إليها تبارك بملل وهي تتابع أزازة اللب أمامها.
"شركة الديك الرومي للصياح اليومي ترحب بكم. صباحك فل يا ست الكل، اتأخرتي عليا النهارده في الشتيمة."
نظرت إليها والدتها وكادت تموت غيظا منها، لكنها مهما حدث لم تكن تستطيع مد يدها عليها بسبب مرضها.
"تعالي بس يا حنون يا حبيبتي تعالي،ترويق إيه بس؟ ده الراجل هيعترف بحبه أهو."
قالت تبارك وهي تسحب والدتها لتجلس بجانبها على الفراش، وتدفعها لمتابعة التلفاز معها تعلقت حنان بالمشهد لدرجة أنها نسيت الطعام الموضوع على النار. فاقت من شرودها على رائحة الحريق التي بدأت تفوح في المنزل.
"الله يخرب بيت أمك انتي ومهند، الأكل اتحرق يا بت الكلب!"
صرخت حنان وهي تهرول مسرعة إلى المطبخ، ففتحت على الطعام سريعا، وحمدت الله أن الحريق لم يصل إلى الطعام بالكامل، فهذا طعام الزبائن ويجب تسليمه بعد قليل.
عادت سريعا إلى غرفة تبارك، وهي تغلي من الغضب، لتجد ابنتها تتابع المشهد بانتباه شديد وتصرخ بحماس:
"أيوه أهو، هيقولها أهو!"
سحبت حنان فيشة التلفاز سريعا لتغلقه نظرت تبارك إلى الجهاز أمامها بصدمة، ثم صرخت بغضب:
"يا ماما، ليه يا ماما حرام عليكي؟! يعني الراجل تاعب نفسه وواقف تحت الشتا وبيعترف بالحب خلاص، وانتي تقفلييييي؟!"
تحركت سريعا لإعادة تشغيل الجهاز، لكنها صرخت بإحباط عندما وجدت تتر النهاية يعمل وأن الحلقة قد انتهت بالفعل.
"عارفة، انتي لو ما كنتيش وليهه كبيرة، كنت... كنت... يارب حقي عندك يا رب!"
قالت ذلك وهي تصيح بغضب، تتحرك هنا وهناك، فقد قطعت حنان عليها أهم لقطة في المسلسل بأكمله.
"طيب يا ست الغلبانة بقولك إيه أختك وجوزها وعيالهم جايين النهارده،الشقة عايزة تتنضف، أنا هنزل أسلم الأكل للزباين، وهاخد الفلوس، وهعدي على عمك عبدو أجيب منه فرخة حلوة كده نعملها مع شوية رز وملوخية. عايزة أرجع ألاقيكي منضفة الشقة كلها وغاسلة المواعين، انتي فاهمة؟"
توقفت تبارك فجأة عن التمتمة، ورفعت عينيها بصدمه نحو والدتها، وقالت بعدم تصديق:
"إيه؟! مالك و مليكة جايين؟! تاني؟!"
أومأت لها حنان وهي تلف طرحتها على رأسها بإهمال:
"وجايين ليه النهارده؟ ولا هو الجمعة؟ ولا أول يوم رمضان؟ ولا وقفة العيد؟! ما يكونش عيد ميلاد عم عبدو؟!"
"بت، ما تشلنيش، فيها إيه يعني لما أختك تيجي؟ ما هو بيتها."
وضعت تبارك طبق اللب جانبا، وقامت واقفة وضعت يديها على خصرها وهي تتحدث:
"يا ستي أنا ما عنديش مشكلة تيجي يا مرحب! بس تيجي لوحدها، من غير عيالها، يا ماما دول مش عيال دول عفاريت! ده الواد مالك المرة اللي فاتت كان مصمم إنه يدخل القلم من ودني عشان يخرجه من ودني التانية!"
ضحكت حنان بصوت مرتفع واقتربت منها تقول بحنان:
"يا حبيبتي مش خالتهم،وبيتدلعوا عليكي! والله دول بيحبوكي دي كل ما أمنية تكلمني، يقعدو يسألوني روكا فين روكا فين؟
ضحكت تبارك بسخرية، وسارت في الغرفة بعصبية:
"بيحبوني؟! أيوه طبعا بيحبوا يضربوني! بيحبوا يشدوا شعري وأنا نايمة! بيحبوا يكسروالي حاجتي، ويقولوالي معلش يا روكا كنا بنلعب! دي البت مليكة دخلت المرة اللي فاتت أوضتي، قصت الملاية وعملت منها فستان لي باربي بتاعتها دي! ولما زعقتلها، ضربتني بالقلم!"
ثم التفتت فجأة نحو والدتها، وأشارت بإصبعها بعصبية:
"أنا أروق ليه طيب؟! ما هو اديني عقلك يعني! أروق، وهم ييجوا يحولوا البيت لزريبة؟! لا زريبة إيه؟! ده الجاموسة تتقرف تعيش في الشقة لما يمشوا! هما كده كده هيبهدلوه، يبهدلوا فوق المتبهدل بقى!"
تأففت حنان بملل من حديث ابنتها، وحملت حقيبة الطعام، فتحت الباب، وتحدثت بغضب:
"تبارك، أنا مش هطول بره لو رجعت ملقتش الشقة متروقة والمواعين مغسولة أنا هطلع عين أمك، يا بت الكلب، يا أم لسان ونص انتي! وما تنسيش تطفحي وتاخدي الدوا، يا بت!"
قالت ذلك وهي تغلق الباب بغضب نظرت تبارك حولها بتعب شديد، فالشقة تحتاج للكثير من العمل حقا. حملت هاتفها واتصلت بشخص ما، وهي تضحك بخبث:
"بت يا ياسمين، أمي عملت حتة كيكة تحفة، انزلي ناكلها سوا ماشي،هستناكي، ما تتأخريش."
ثم أنهت الاتصال وقالت ضاحكة:
"معلش بقى يا ياسو، الضرورة تحكم!"
________________________________________
كان يدخل المشفى وهو يقدم قدم ويؤخر الأخرى، تراب المأمورية لا يزال على بدلة عمله لا يريد الوصول، لا يريد هذا اللقاء... ماذا سيقول لزوجة صديقه عندما تسأله عن زوجها؟
هل يخبرها زوجك توفي! لم أستطع حمايته زوجك توفي في يوم ولادة ابنه الأول،قبل أن يراه.؟
خرج من شروده على يد توضع على كتفه، نظر إلى صاحب اليد، فكان يوسف الذي قال بصوت يثقله الحزن:
"اجمد يا سيف، هما مالهمش غيرك دلوقتي."
أومأ له سيف، وتابع سيره داخل المستشفى حتى وصل إلى قسم الولادة، متجاهلا نظرات الموظفين إلى هيئته المتعبة وملابسه الموحلة.
اقترب من القسم، فوجد والدة ياسين تقف أمام الغرفة، تردد الأدعية وهي تسير بتوتر أمام باب العمليات. ما إن رأته حتى هرعت إليه:
"سيف! الحمد لله إنك جيت شهد دخلت من نص ساعة... الدكاترة بيقولوا الوضع مش سهل أوي، بس إن شاء الله تعدي، إزيك يا يوسف يا ابني؟"
قالت آخر جملة ليوسف الذي اقترب منها وقبل يديها باحترام، محاولًا إخفاء حزنه:
"إزيك يا ست الكل، أنا بخير الحمد لله، متقلقيش... خير إن شاء الله."
ابتلع سيف غصته، وأجبر وجهه على الابتسام:
"هتعدي، إن شاء الله هتعدي... وشهد هتقوم منها."
قالها وهو يشعر بسكين الحزن ينغرس أعمق في قلبه.
نظرت له فتحية باستغراب:
"هو ياسين فين؟ أنا كلمته كتير ومبيردش!"
أدار يوسف وجهه سريعا ليخبئ ارتباكه، وقال سيف دون أن يلتقي بعينيها:
"كان معايا في المأمورية... بس حصل ظرف واضطريت أرجع قبله هو جاي ورايا على طول."
هزت فتحية رأسها وابتسمت:
" طول عمركم صحاب واجب يابني،ربنا يرجعه بالسلامة... إن شاء الله أول ما يشوف ابنه ينسى تعب الدنيا كلها."
وبعد نصف ساعة، خرجت الممرضة تحمل طفلا صغير، فهرع إليها سيف، لتقول بابتسامة:
"مبروك يا أستاذ، ولد زي القمر!"
ضم سيف الطفل إلى صدره، وهو ينظر له بمشاعر لا يفهمها يشعر بالمسؤولية والواجب وكثير من الخوف لأول مره يشعر بهذا الشعور
"خطاب ياسين خطاب الدمنهوري."
همس سيف في أذن الطفل ونظرت إليه فتحية بعينين دامعتين، ثم احتضنت حفيدها، وقد خانتها دموعها وقالت وهي تبكي من السعادة:
"يا روحي... ده شبه ياسين بالضبط!"
أومأ لها سيف، وقرب الطفل أكثر إليه مره اخره ، وبدأ في التكبير في أذنه وقول الشهادة.
سأل يوسف الممرضة:
"هي مدام شهد عاملة إيه دلوقتي؟"
خرج سيف من شروده في الطفل على سؤال يوسف، لتجيبه الممرضة:
"هي بخير الحمد لله، متقلقوش. هتتنقل أوضتها دلوقتي، تقدروا تستنوها هناك. ممكن الطفل؟ لازم يروح الحضانة."
ابتسم سيف بحزن، وأومأ في صمت وهو يعطيها الطفل.
مرت ربع ساعة على دخول شهد وفتحية الغرفة، بينما سيف ويوسف ينتظران في الخارج، حتى خرجت الممرضة تتحدث بنبرة رسمية:
"تقدروا تتفضلوا دلوقتي."
تبادل سيف ويوسف النظرات، هذا هو اللقاء... الذي لم يكن يريده.
دخل سيف الغرفة بخطوات مترددة، ينظر إلى الأرض، لا يستطيع رفع رأسه.
كانت شهد شاحبة، متعبة، لكن عيناها تبحثان بقلق ولهفة، وما إن رأته حتى حاولت أن تنهض، وهي تبحث خلفه بتساؤل:
"فين ياسين يا سيف؟"
لم تتلقا أي رد منه، فنظرت إلى يوسف، تحاول تكذيب إحساسها، وسألته مرة أخرى:
"يوسف... هو فين ياسين؟ مجاش ليه لغاية دلوقتي؟"
اقترب منها يوسف بسرعة، يحاول الكذب:
"ياسين كويس، صدقيني، هو ..."
قاطعته، ونظرت لسيف بصوت مرتجف:
"جوزي فين يا سيف؟"
كل هذا يحدث أمام فتحية التي تنظر لهم بصدمة، وتنتظر رده، فتقترب من سيف بصعوبة وهي تستند على الفراش:
"ابني فين يا سيف؟ ياسين فين؟ مش إنت قولتلي إنه في السكة وجاي؟"
نظر سيف إليها، وحاول أن يتكلم:
"يا أمي، ياسين..."
لكن شهد قاطعته، وهي تبتسم والدموع تملأ عينيها، وكأنها لا تصدق، وهمست:
"فينه؟ قول بس إنه كويس، إنه جاي في الطريق... أنا عاوزاه يشوفه... يشيله مرة بس، مرة واحدة والله مش طالبة كتير، مرة واحدة..."
اقترب سيف منها، وجثا على ركبتيه بجانب سريرها، وقال بصوت خافت:
"ياسين... ياسين مش جاي يا شهد."
لم تفهم في البداية، أو ربما رفضت أن تفهم.
نظرت له في ذهول، ثم إلى يوسف، ثم إلى والدة ياسين، التي بدأت تنطق بالشهادة وهي تهتز كغصن ضعيف.
"إنت بتقول إيه؟!"
صرخت شهد، تحاول النهوض رغم تعبها وألمها:
"ياسين فين يا سيف؟إنت بتهزر؟قولي إنك بتهزر بالله عليك! يوسف، خليه يبطل الهزار ده، أرجوك..."
صمت يوسف، وتراجع خطوة للخلف.كان المشهد أكبر من احتماله. يكفيه موت صديقه
أغمض سيف عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو يحاول التماسك:
"أنا آسف...أنا آسف يا شهد...كنا في المأمورية،... حاولت ألحقه، أقسم بالله حاولت...بس الرصاصة جات فيه... وما لحقتش..."
صمت قاتل كأن كل الأصوات تلاشت، وكل شيء توقف.
شهد كانت تنظر له وكأنها لا تسمع شيئًا... أو لا تريد.
فجأة، شهقت شهقة مكتومة ثم وضعت يدها على قلبها، تحاول منعه من التوقف:
"كذاب...إنتو كذابين... هو وعدني... وعدني إنه هيكون جنبي في اليوم ده! مستحيل... ياسين ميكذبش...مستحيل يسيبني لوحدي!"
صرخت...صرخة قطعت قلب سيف، وجعلت يوسف يغطي وجهه بيده، وفتحية تسقط على الكرسي باكية، تردد:
"ابني... يا ضنايا، يا ياسين، يا حبيبي، يا ابني...
ده انت ملحقتش تفرح، يا حبيبي، ملحقتش تشيل ابنك..."
أسرع إليها يوسف عندما وجدها توشك على السقوط، تكاد تفقد وعيها.
سقط رأس شهد على الوسادة، وأغمضت عينيها للحظة، وهمست:
"أنا مش قادرة أستحمل... سيف، أرجوك... هاتلي ياسين، هاتلي ياسين يا سيف..."
ركضت الطبيبة للداخل، وهي تصرخ على الطاقم الطبي:
"بره، كلو بره دلوقتي! مش عايزة حد هنا!
فيروز! هاتي دكتور معتصم للحاجة بسرعة!"
وجهت اخر حديثها للممرضة، بينما خرج سيف ويوسف من الغرفة سريعًا. _________________________________________
في منزل أمنية، كانت في غرفة أطفالها وهي تصرخ بهم بتعب وتحاول التحكم بهم:
"يا بني، بقى أبوس إيدك، ارحمني! واقف بقى، خليني أخلص منك عشان أشوف أختك!"
تحدثت بغضب وهي تمسك مالك، ابنها صاحب الخمس سنوات، الذي يحاول الفرار من بين يديها وهو يتحدث بغضب:
"لأ، أنا عايز التيشيرت اللي عليه سبايدر مان، مش هلبس ده! أنا أصلًا مش بحب سبونج بوب!"
كان يتحدث وهو يحاول خلع التيشيرت الذي يرتديه، لتصرخ أمنية به بغضب:
"يالهوي عليّا وعلى اللي جابني! يا بني ارحمني، التيشيرت ده في الغسالة، البس ده دلوقتي عشان نمشي! يلا، مش إنت عايز تروح عند تيتا وجدو وروكا؟"
"ماما، بصي عليّا، بقيت شبه باربي!"
استمعت امنيه الي صوت ابنتها مليكة، فنظرت إلى فستانها وهي تبتسم بسعادة:
"يا حياتي! وأجمل من باربي كمان... أي الجم.....يالهويييييييي!"
صرخت في آخر حديثها عندما نظرت إلى وجه ابنتها الممتلئ بالمكياج هرولت ناحية مليكة، تمسك وجهها الصغير بين يديها:
"إيه ده؟! إيه اللي إنتي مهبباه في وشك ده؟ جبتي ده منين؟!"
ردّت مليكة بكل فخر، وهي تميل برأسها وتغمز:
"من شنطتك يا ماما! أنا كبيرة زيك، مش إنتي بتعملي كده قبل ما نخرج؟!"
كادت أمنية أن تبكي من التعب:
"أنا بخرج ووشي عامل كده؟!"
أومأت لها مليكة وهي تتحدث ببراءة:
"آه بس قبل ما بابا يزعقلك ويخليكي تمسحي وشك كله... بس إنتي مبتزهقيش يا ماما؟ كل مرة بتحطي، وكده كده بابا بيزعقلك وإنتي بتمسحيه!"
كانت أمنية تستمع إلى حديثها بصدمة. هذه الطفلة تشمت بها الآن؟
"يا بت! يا بت! ما تعصبنيش! ما تبقيش إنتي وأبوكي عليّا! وكمان، إيه ده؟ إيه اللي تحت عينك ده؟!"
قالت وهي تحاول مسح الكونسيلر، لتتأفف مليكة وهي تقول بغضب:
"يا ماما، سيبيه! ده عشان الحالات السودة!"
"حالات؟ والله ما في حال أسود من حالي! عرفتي الهالات السودة يا مليكة؟ ودي جاتلك من إيه يا حبيبتي؟ من سهرك على توم وجيري ولا سبونج بوب؟!"
وبقول سبونج بوب، ركض مالك ناحيتهم وهو يخلع نصف التيشيرت، ويردد وهو في قمة الغضب:
"أنا مش رايح! أنا هافضل هنا لوحدي! وهقول لتيتا إنك بتضربيني!"
تسمرت أمنية في مكانها، نظرت لأطفالها، ثم نظرت لنفسها في المرآة شعرها المنكوش، وملابسها ما زالت غير مرتبة، وعيونها تغلق من الإرهاق...
قالت بصوت مبحوح:
"يا رب... اديني صبر أيوب... وهديه صغير على قد تعبي ده!"
وفجأة، انفتح باب الغرفة بعنف، وظهر أسر بنظراته الصارمة وصوته العالي:
"إيه القرف ده؟! أنا سامع صريخ من أول الشارع! مالكم علي الصبح؟!"
تجمّدت أمنية في مكانها، ثم قالت بعصبية:
"اسأل أولادك! أنا بلبّسهم بقالي ساعة! اناجبت اخري همشي ومش هتعرفولي طريق!"
نظر مالك الحوار الذي يدور أمامه بملل،.. ليتحدث بهمس لنفسه بعصبيه
"هنلاقيكي عند تيتا عادي يعني"
اقترب أسر من مالك، وهو يتحدث بصرامه:
"مالك هو أنا قلت إيه؟! إنت راجل ولا لسه طفل صغير؟! لما ماما تقول نلبس نلبس! مش كل مرة هنعمل نفس الفيلم! ليه بتتعب ماما معاك؟!"
اقترب منه مالك، وهو يحاول رسم دور المظلوم، عيونه بدأت تدمع، وقال بحزن مصطنع:
"يا بابا، هي بتلبسني بالعافية! أنا مش عايز ألبس التيشيرت ده!"
تنهد أسر بتعب، وهو يحاول التحكم في غضبه ومسايرة ابنه في تمثيله:
"معلش يا حبيبي، البس ده النهارده، وأنا بوعدك هاجيبلك تيشيرتات جديدة سبايدر مان، اتفقنا؟"
أومأ له الطفل بحماس، وهو يقبّل وجنتيه بسعادة.
اتجه أسر ناحية مليكة، حاوط وجهها بلطف:
"وإنتي؟ مكياج؟ دانتي عندك خمس سنين يا مليكة! هو مش إنتي بتسمعيني وأنا بقول لماما عن المكياج لأ انتيزمتعرفيش انه حرام؟"
انكمشت مليكة بحزن وخوف، وهي تهمس:
"كنت عايزة أبقى حلوة..."
عانقها أسر سريعًا وهو يتحدث بلطف:
"يا حبيبتي، إنتي أجمل بنت في العالم كله، ومن غير أي حاجة كمان. هي باربي بتحط مكياج؟"
نفت له مليكة، ليتابع أسر حديثه بهدوء:
"وإنتي أميرة زي باربي بالظبط، مينفعش تحطي مكياج يابابا، ماشي؟"
نظر أسر إلى أمنية التي كانت تستمع إلى حديثهم بتعب ظاهر على وجهها.
تنهد بقوة، وتحدث بصوت أهدى:
"بصّوا يا حبايبي، ماما تعبانة علشانكم، مش علشان نفسها. بتصحى بدري، وتلبّسكم، وتطبخ، وتنضّف... وإنتو كل اللي بتعملوه تزعقوا وتتخانقوا."
نظر الأطفال إلى أمهم، وتحدثوا بأسف صادق:
"إحنا آسفين يا ماما... متزعليش، مش هنعمل كده تاني."
ابتسمت لهم أمنية، وهي تومئ لهم بتعب. اقترب منها أسر، مدّ يده ومررها على شعرها بحنان:
"روحي يا حبيبتي، ارتاحي شوية، أنا هلبّسهم وهجيلك."
نفت له أمنية وهي تقترب منه:
"لأ يا حبيبي، روح إنت ارتاح شوية، إنت لسه جاي من الشغل. أنا هلبّسهم، خلاص قربت أخلص. بس همسح وش مليكة، وهعدّل لمالك هدومه، وهسرّحلهم شعرهم."
اقترب منها أسر وعانقها، وهو يتحدث بمزاح:
"يا ستي أنا مش تعبان! روحي إنتي بس ارتاحي شوية، وكمان أنا مش عايز طاقتك كلها تخلص هنا... أنا لسه عايز ألبس!"
قال آخر حديثه وهو يقرص ظهرها، لتتأوه بألم وتدفعه بغضب:
"أسر!"
"قلبه"
حاولت كتم ابتسامتها وهي تتحدث بصرامة مزيفة:
"قولتلك كذا مرة بلاش كده، وقدام العيال احترم نفسك بقى."
قالت ذلك وهي تغادر الغرفة مسرعةً نحو غرفتهما، هاربة من نظرات زوجها الوقحة.
بعد مرور نصف ساعة، فتح أسر باب الغرفة بهدوء، فوجد أمنية واقفة أمام الخزانة تخرج ملابسه منها.
أغلق الباب بإحكام، واقترب منها ببطء ليعانقها من الخلف.
كانت منهمكة في ترتيب الملابس، وشعرها منسدل على كتفيها بطريقة فوضوية محببة إليه، وملامح وجهها بدت مرهقة، لكنها في عينيه كانت أجمل من أي وقت مضى.
اقترب منها في صمت حتى أصبح خلفها مباشرة دون أن تشعر به.
مدّ ذراعيه ببطء وأحاط خصرها بحذر، ثم أسند ذقنه على كتفها وهمس في أذنها بنبرة دافئة:
"ربنا يخليكي لينا يا منون."
توقفت عن الحركة وأدارت وجهها نحوه ببطء، وعيناها تلمعان. أجابته بهمسٍ مماثل:
"ويخليك لينا يا حبيبي."
قبّل وجنتيها، وهو يقول بابتسامة صادقة:
"العيال تعبوكي معاهم جامد."
تنهدت بتعب، وهي تقول بمزاح:
"مش العيال بس، وحياتك."
رفع حاجبه بعدم تصديق، وهو يقول ببراءة وتمثيل:
"قصدك إيه بقى يا موني؟"
أشار إلى نفسه وهو يتابع حديثه:
"هو أنا عملت حاجة؟"
ارتفعت ضحكاتها وهي تلتفت إلى الخزانة مرة أخرى، وتقول بمزاح:
"لا يا حبيبي، هو فيه أطيب منك؟... دانت بلسم."
وضع وجهه بجانب رقبتها وهو يهمس بحب:
"وأنا بقى عشان بلسم، فكرت في حاجة تفرحك."
همهت له بصمت، وهي تنظر إلى الملابس أمامها بحيرة لا تعلم ماذا تُخرج له حتى يرتديه:
"إحنا نخاوي العيال، صدقيني هتشوفي العيل من هنا هتنسي كل حاجة."
صرخت بصوت مرتفع وهي تبتعد عنه سريعا:
"إيه؟! أخاوي؟ مش لما أربي اللي جبتهم الأول؟"
اقترب منها اسر مره اخره، قبّل وجنتيها، وهو يقول بخبث:
"ما إحنا هنربي كله مع بعض بقى، وبعدين إيه مشكلتك؟ مش أحسن ما أتجوز عليكي وأخلف منها هي؟"
كان يعتقد أنها ستغيّر أو ستغضب، ولكنها التفتت إليه وأعطته ملابسه وهي تقول بابتسامة قاسية:
"يا سلام، ده يوم المنى! اتجوز يا أسر، اتجوز يا حبيبي... بس بالله عليك لما تتجوز خد عيالك معاك، ويبقى تعالوا زوروني حد واربع. "
ذهبت من أمامه ولكنها التفتت إليه وقالت بغضب:
"ولا أقولك؟ أربع بس كفاية، أنا أصلًا مش عايزة أشوف وشكم. إنتو تجننوا اللي ما اتجننش!"
قالت آخر حديثها بصراخ، وهي تغادر الغرفة تاركة أسر ينظر في أثرها بصدمة.
________________________________________
عاد سيف إلى منزله أخيرا، فهو قد غادر المستشفى منذ لحظات بعد أن اطمأن على حال شهد، والحاجة فتحية، وأخبره الطبيب أن لا حاجة لبقائه، فغادر بخطى متسارعة، يتجه مباشرة لتسجيل المولود
لم يكن لياسين من يسند عائلته بعد رحليه سواه؛ فقد عاش وحيدا، بلا إخوة، لا يملك من الدنيا إلا شهد ووالدته.
ومع ذلك، كان يرى في يوسف وسيف إخوة لم تلدهم أمه، رفاق دربه وأقرب الناس إلى قلبه. وشهد أيضًا كانت فتاة يتيمة، لا إخوة لها، ولم تكن تملك أحدًا سوى ياسين. والآن، حتى ياسين لم يعد معها، لم يعد لديها سوى طفلها الصغير فقط.
دلف سيف إلى المنزل بخطوات بطيئة متعبه من اليومين السابقين ، وعيناه تنظر الي المظهر امامه، نفس الصمت الذي كان دائما في هذا البيت.
انطلق صوت والده من غرفة المعيشة، نظارته على عينيه وملف في يده، وتحدث بنفس نبرته الثابتة التي لم تتغير أبدا:
"اتأخرت، كنت فاكر المأمورية هتخلص امبارح."
أجاب سيف، واقفا امامه:
"أيوه، خلصت امبارح فعلا، حصل ظروف بس، وكنت في المستشفى كمان..."
تحدث والده بهدوء، رافعًا عينيه عن الملف أمامه:
"حصل إيه؟"
قاطعت حديثهما فاطمة، التي كانت تنزل الدرج بهدوء حاملة العديد من الملفات بين يديها:
"حمد الله عالسلامة."
"الله يسلمك."
قال سيف بهدوء وهو يجلس على الأريكة أمامهم.
"كنت بتقول ظروف إيه يا سيف؟"
نظر سيف إلى والده، ثم تنهد بتعب وقال:
"ياسين مات."
نظر إليه والده ووالدته بصدمة:
"لا إله إلا الله، مات إزاي؟"
قال علي ذلك وهو يتنهد بحزن شديد، فـ ياسين كان بالنسبة إليه شخصًا مسؤولًا وضابطا مجتهدًا في عمله.
قص عليهم سيف ما حدث في المأمورية والطريقة التي مات بها ياسين.
"عاش راجل ومات راجل، طول عمري بقول إن ياسين ده أكفأ ظابط في الداخلية، الله يرحمه... العزا إمتى يا سيف؟"
"مش عارف، بس احتمال كبير بعد بُكرة... شهد بس تطلع الأول من المستشفى فا جهزة نفسكم."
اومأ له والده وهو ينظر الي الملف الذي امامه مره اخره قاطعتهم فاطمة وقالت برفض:
"أنا بعد بكرة عندي مرافعة مهمة أوي في المحكمة، مش هقدر أروح كده العزا."
أومأ سيف برأسه، فا رد والدته لم يكن مفاجئا له
قال بنبرة هادئة بها شيئ من التعب الحديث:
"المرافعة مهمة، بس ياسين أكيد أهم. إزاي مش هتروحي انتي مش زعلانه عليه؟"
رفعت فاطمة عينيها إليه وقالت بصرامة هادئة اعتادها منذ طفولته:
"أكيد زعلانة يا سيف، بس الزعل مش هيعطل الواجب. أكيد دي مرافعة مهمة في قضية كبيرة، وياسين مات وهو بيأدي واجبه، وأنا كمان بأدي واجبي."
تدخل علي، وقد أغلق الملف بين يديه وأعاد نظارته إلى موضعها فوق أنفه:
"العزا فريضة يا فاطمة، ده واجب ولازم يتعمل. ياسين كان ضابط مخلص وشاطر في شغله، واحترامًا لكده لازم نحضر."
أجابت فاطمة بنبرة فيها شيء من الجفاء:
"غيابي مش هينقص حاجة، وكمان من إمتى يا علي وانت بتحط حاجة فوق الشغل؟"
ساد صمت للحظة، قطعه صوت سيف وهو يتنهد:
"جماعة، خلاص، اهدوا. كده كده شهد لسه في المستشفى، ولسه معرفش هتطلع إمتى... ادعولها بس."
نظرت إليه فاطمة وسألته بنبرة أكثر هدوءا، دون أن تتخلى عن نبرتها الواثقة:
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
"خرجت من العمليات من ساعتين تقريبا، جابت خطاب، بس هي تعبت لما عرفت الخبر... هي والحاجة فتحية، ربنا يصبرهم."
أومأ علي برأسه، وانكمشت ملامحه قليلًا، ثم تنحنح ليعدل من جلسته، ووضع الملف جانبًا، وقال بنبرة فيها تقدير:
"سيف... ياسين ماكنش مجرد زميل ليك بس ، ياسين كان نموذج للضابط المجتهد، حتى لو دفع حياته التمن... مكنش بيخاف، وممكن يحط نفسو في وش العدو عشان بس يحمي بلدو."
صمت لحظة، ثم تابع،بنبرة حازمة:
"دلوقتي شهد وخطاب ملهمش غيرك. دول مسؤوليتك من النهارده. زي ما ياسين حمى بلده لغاية آخر نفس، إنت لازم تعمل كده مع ابنه ومراته. إنت فاهم؟"
أومأ له سيف، وهو يشعر بألم في قلبه بسبب كل هذه الأحداث التي وقعت في يوم واحد:
"من غير ما تقول يا بابا، أنا هعمل كده فعلاً... أنا هطلع أرتاح شوية، علشان بالليل هروح المستشفى."
قال ذلك وهو يغادر غرفة المعيشة صاعدًا إلى غرفته.
_______________________________________
كانت حنان تسير في الحارة، وهي تنظر إلى البائعين حولها، وتستمع إلى نداءاتهم المرتفعة في مثل هذه المناطق الشعبية، حتى اقتربت من المحل الخاص بزوجها. دلفت إلى المحل وهي تتحدث بتعب:
"السلام عليكم يا حج."
نظر لها محمود واقترب منها، ثم سحب الكرسي ووضعه بجانبها وتحدث بهدوء:
"وعليكم السلام يا حنان. إيه اللي نزلك دلوقتي؟"
جلست حنان على الكرسي وهي تتنهد:
"كنت بوصل الشغل للزباين، وكمان عديت على عبدو الفرارجي، جبت منه فرخة، وجبت خضار عشان أمنية جاية هي وجوزها وعيالها."
تأفف محمود وهو يتحدث بغضب:
"ولازمته إيه بس؛ المصاريف! ما كنتي شيلتي شوية أكل من بتوع الناس، وحطناهم وخلاص."
شهقت حنان بصدمة وهي تقول بغضب:
"يا راجل حرام عليك! عايزني أسرق الناس؟ دي أمانة في رقبتي!"
نظر لها محمود وهو يتحدث بلا اهتمام:
"هو أنا بقولك تسرقيهم؟ ده كله كام صباع محشي على كام حتة جلاش وحبة مكرونة؟ هيعرفوا منين؟"
"وربنا اللي إنت بتصلي له يا محمود مش هيشوفني؟"
نظر لها محمود بصمت ولم يستطع الرد على حديثها، ليغير الموضوع وهو يقول بتعب:
"تبارك عاملة إيه دلوقتي؟"
تنهدت حنان بقلب موجوع على ابنتها:
"أهي كويسة الحمد لله، بس الدوا قرب يخلص يا محمود، وإحنا معاناش غير نص الفلوس بس، والدكتور كل شوية يقول على العملية دي."
وضع محمود يديه على رأسه بقلة حيلة، فالمصاريف حقًا كثيرة عليه، وهذا المحل لا يأتي إليه زبائن إلا كل فترة بعيدة، والمال لا يكفي، حتى المال الذي تأتي به حنان بالكاد يكفي المنزل.
"هتتحل يا حنان إن شاء الله. يا ما نفسي ييجي حد يتجوزها ويشيل هو مصاريفها، ويرحمها من مرضها ده."
"إنت بتقول إيه يا محمود؟ دي بنتنا! إنت نسيت؟ تبارك دي جت بالعافية، دانا جيباها بتعب وقيام الليل، ربنا ما يحوجها لحد طول ما إحنا موجودين."
تنهد محمود بحزن، فبرغم قسوته، إلا أن تبارك قريبة من قلبه كثيرًا، يحبها أكثر من نفسه حقًا.
"أنا عارف يا حنان، بس إنتي شايفة الحال. دانا بِعت كل حاجة عشان أجيب العلاج المرة اللي فاتت. هجيب منين المرة دي؟ هبيع إيه؟"
وقفت حنان وهي تتنهد بحزن، وحملت الحقائب التي على الأرض:
"هتتحل ياحج، متقلقش. ربنا يخليك لينا يا أخويا. أنا هروح بقى علشان ألحق أعمل الأكل، وإنت متتأخرش. هه، هرن عليك أول ما البت توصل."
تحدثت وهي تخرج من المتجر، ثم ذهبت إلى منزلها الذي يقع بعد بناية واحدة فقط من متجر زوجها. كانت تستمع إلى صوت الأغاني المرتفع وهي تصعد الدرج بخطوات خفيفة. وما إن فتحت باب المنزل، حتى فوجئت بالمشهد أمامها:
ياسمين كانت تحمل قطعة قماش مبللة، وقد ربطت عبايتها حول خصرها، وتتحرك بنشاط يمينًا ويسارًا وهي تمسح الأرض.
أما تبارك، فكانت واقفة على كرسي تحاول تنظيف المروحة بقماشه مبلله، وصوتها يعلو مع الأغنية التي كانت تصدح من السماعة:
"حبيبي يا نور العين... يا ساكن خيالييييي!"
صرخت تبارك وهي تهز المروحة بطريقه مبالغ فيها:
"سكن خيالي وسكن السقف كمان! المروحة دي فيها تراب يشيل بيت لوحده دانا لسه منفضاها من اسبوع!"
ردت ياسمين من الأرض وهي تلوّح بالفوطة:
"بس يا شيخة! التراب ده تُحفة أثرية... إنتي عارفة ده من سنة كام؟!"
ثم فجأة بدأت ترقص على الموسيقى وهي تهز مؤخرتها يمينًا ويسارًا وهي على جلستها في الأرض:
"يا حبييييب... يا نور العين..."
انزلقت قليلاً لكنها توازنت في اللحظة الأخيرة، وتحدثت بتعب وهي تمسح عرق جبهتها:
"هي دي الكيكة يا تبارك؟ منك لله، بس هقول إيه، أهي دي آخِرة الطمع!"
وفي نهاية حديثها، نظرت إلى حنان التي تقف على الباب وتنظر لهما بصدمة:
"الحقينا بالفوطة يا خالتي والنبي! لحسن الفوطة دي خلاص اتشاهدت تقريبًا!"
ضحكت حنان بصوت عالٍ، وأغلقت الباب وراءها وهي تقول:
"يخرببيتك يا بت يا ياسمين! هي جابتك بإيه المرة دي؟!"
تحدثت ياسمين وهي تعتدل في جلستها على الأرض المبللة:
"ضحكت عليا يا خالتي، قالتلي هديكِ حتة كيكة، وطلع مفيش لا كيكة ولا طعمية حتى!"
شهقت حنان بتذكر وهي تذهب سريعًا إلى المطبخ:
"فكرتيني يا منيلة! عايزة أعمل كيكة للولا مالك، ده بيحبها!"
"أموت أنا في خالتي حنان، والنبي يا خالتي، مش هوصيكي! خليها بالبرتقان، أنا عايزة الحتة اللي على الحرف المحروقة دي، أنا بحبها!"
قالت ياسمين بحماس وفرحة كطفلة صغيرة، وهي تعود لعملها بنشاط أكبر. أما تبارك فكانت تعافر مع المروحة وهي تحاول تنظيفها.
مرت ثلاث ساعات غادرت ياسمين حتي تذهب الي مقابلة العمل في مكتب محاماه قدمت عليه علي النت ووصلت أمنية وزوجها أمام باب المنزل. وقفت أمنية أمام مالك ابنها وهي تتحدث:
"مالك حبيبي، أنا جبتلك الشيبسي اللي بتحبه أهو، عشان إنت مرضتش تاكل في البيت. بالله عليك بلاش تفضحني جوه وتطلعني حرماك من الأكل."
أومأ لها مالك بطفولة وهو ينهي آخر قطعة من الحلوى التي في يده:
"متخافيش يا ماما."
"لما نشوف يا أخويا."
قالت بتنهد متعب وهي تطرق الباب. ثوانٍ وفتح على وجه تبارك، التي ارتمت في أحضان أختها سريعًا:
"أمنية، وحشتيني!"
بادلتها أمنية العناق بحب:
"وإنتي كمان يا روكا، وحشتيني. عاملة إيه حبيبتي؟"
"تمام يا موني، بخير. إزيك يا أبيه؟"
وجهت آخر حديثها لأُسر، الذي ابتسم لها بحب:
"أنا تمام يا روكا، الحمد لله. إنتي عاملة إيه؟"
"مطلعة عيني يا أسر، متقلقش على تبارك يا حبيبي، تبارك يتخاف منها مش عليها!"
قالت حنان وهي تخرج من المطبخ وتزيل العرق عن جبهتها. لتتأفف تبارك بتذمر:
"هو إنتي يا ولية مبتشكريش أبدًا؟ دانا طالعة عين أمي في الشقة النهاردة!"
لم تهتم لها حنان، واقتربت سريعًا لتعانق ابنتها الغالية وأسر الذي تعتبره أكثر من زوج ابنتها، فهو ابنها الوحيد أيضًا.
وأخيرًا، أتت اللحظة المشوقة بالنسبة إليها، وهي معانقة هؤلاء الشياطين. عانقت مليكة سريعًا وهي تُقبل وجهها الكثير من القبلات:
"حبيبة قلب تيتا، عاملة إيه يا ملوكة يا حبيبتي؟"
كانت مليكة تضحك بصوت مرتفع على قبلات جدتها الحبيبة:
"أنا كويسة يا تيتا، شُفتيني وأنا باربي؟"
قالت وهي تدور حول نفسها، لتبتسم حنان على أفعالها:
"وأجمل من باربي! إيه الجمال ده يا خواتي!"
"مالك، حبيب تيتا، عامل إيه يا نن عيوني؟"
قالت وهي تقترب لمعانقة مالك، الذي بادلها العناق بحماس شديد:
"أنا كويس يا تيتا. أنا كنت عايز أجيلك، بس لما بقول لماما بتضربني."
نظرت له أمنية بصدمة من هذا الكاذب المحتال:
"أنا؟ أنا بضربك؟! هو إنت يقدر عليك حد يا بني؟! دانت اللي بتضربني!"
ضحكت عليهم حنان بصوت مرتفع، فهي معتادة على هذه الحركات، ومعتادة على حديث وكذب مالك:
"معلش يا حبيبي، حقك عليا، أنا هصالحك النهاردة، وعملك الكيكة اللي بتحبها."
صرخ الأطفال بفرحة شديدة:
"هي فين يا تيتا؟ أنا جعان أوي أوي!"
"يا ابن الكلببببببب!"
هكذا صرخت أمنية بسبب ابنها، الذي فضحها للمرة التي لا تعرف كم، وهي تحاول أن تصل إليه، لكن تمنعها حنان.
نظرت لهم تبارك بملل، وذهبت لمشاهدة المسلسل الخاص بها، وأُسر خرج إلى الشرفة ليشرب سجائره، ومليكة تحاول أن تجد شيئًا يمكن أن تحوّله لفستان جديد آخر موضه لعروستها.
بعد مرور نصف ساعة، كانت أمنية تقف بجانب والدتها في المطبخ، تضع الطعام في الأطباق، لتتحدث أمنية بهدوء:
"تبارك عاملة إيه يا ماما؟ والعلاج جايب نتيجة؟"
تنهدت حنان بغلبة وهي تتحدث:
"أهو يا بنتي الحمد لله، مخليها عايشة من غير أجهزة، المشكلة إنه قرب يخلص، ومش عارفين هنجيبه تاني منين."
نظرت لها أمنية بحزن، لتضع الطبق الذي في يديها وتبدأ في خلع إسورتها الذهب، لتصرخ بها حنان بغضب:
"إياكي يا بت بطني! إنتي عبيطة يا بت؟ بتقلعي إيه؟ هو ده بتاعك ولا بفلوسك؟ ده دهب جوزك! إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟!"
اقتربت منها أمنية سريعًا وهي تحاول إقناعها:
"يا ماما، وهو أسر وأنا إيه؟ ولا أسر وتبارك إيه؟ إنتي عارفة أسر بيحب تبارك قد إيه. دي أخته يا ماما، والله ده بيشيل القرش على القرش عشان يساعد، بس الدوا خلص قبل ما نجمع، يبقى اللي يعرف يتصرف!"
نفت إليها والدتها وهي تتحدث بحنان وتحاول إخفاء الحزن الكامن في قلبها:
"هتدبر يا بنتي، هتدبر والله متقلقيش."
قاطع حديثهما صوت صراخٍ عالٍ من الخارج، فتبادلو النظرات بسرعة وركضو نحو الصالة.
تجمدت أنظارهم على تبارك، التي كانت تقف أمام التلفاز بنظراتٍ غاضبة، فيما كان مالك ومليكة واقفين أمام الشاشة، يحجبان الرؤية عنها.
قالت مليكة، واضعة يديها على خصرها وبصوتٍ عالٍ:
"احنا كمان عايزين نتفرج على الكرتون بتاعنا! وانتي كل يوم بتتفرجي على ناس بتعيط، هما مش بيزهقوا؟ أوف بقى!"
وفي تلك اللحظة، كان مالك يتسلل بخفةإلى الخلف، وبدون صوت، خطف جهاز التحكم عن بعد وبدّل القناة بسرعة.صرخت تبارك وهي تقفز من مكانها:
"رجّع القناة دلوقتي يا مالك! ده كان هيعترف ليها بالحب يا ابني!"
ضحك مالك بجنون وهو يركض ليختبئ خلف ساق جدته، ممسكًا بالريموت بيده قائلاً:
"انسيه بقى، بصي مارد وشوشني بيحب شعنونته برضو اهو !"
حاولت حنان تهدئة الموقف قائلة:
"خلاص يا تبارك، معلش دول عيال، هتعملي عقلك بعقلهم يعني؟"
رفعت تبارك حاجبها وهي تكتم غيظها:
" لو ما رجعتش القناة دلوقتي يامالك انا بقي هطلعلك من الدولاب زي مارد وشوشني بتاعك ده ، و انتي كمان يا ماما، حرام عليكي! أنتي قطعتي عليا الحتة دي الصبح، هو أنا مش مكتوب عليا أشوف اعتراف البطل أبدًا؟!"
وقفت أمنية وهي تحاول كتمان ضحكتها وهي تنظر إلى مالك ومليكة اللذين يقفان كأنهما أبرياء، وقالت وهي تفتح عينيها على وسعهما:
"هو مش كان المفروض يقولها إنه بيحبها في حلقة بكرة؟!"
ردّت تبارك وهي تضرب كفًا بكف:
" الحلقة دي النهاردة! وبنتك خربت عليا الحلقة وامك خربتها عليا الصبح!"
قالت امنيه، محاولة التخفيف عنها:
"معلش يا قلبي، أنا معايا نت، هديكي الفون تتفرجي على الحلقة براحتك، متزعليش نفسك."
أخرجت الهاتف من حقيبتها وأعطته لتبارك التي خطفته بسرعة وأخرجت لسانها لمالك بغيظ، ثم جلست على الأريكة تتابع المسلسل بحماسٍ شديد.
عادت أمنية إلى المطبخ، فوجدت والدتها تمسك دواء تبارك وتُخرج منه الحبوب المخصصة لليوم.
"فاضل كام واحدة يا ماما؟"
أجابت والدتها والقلق يعتري ملامحها:
"اللي فاضل ميكملش أسبوع يا أمنية، ربنا يستر يا بنتي."
قالت أمنية بنبرة مطمئنة:
"هتتحل يا ماما، إن شاء الله، ربنا مش بيسيب حد. روحي انتي اديها الدوا وأنا هحط الأكل على الطبلية."
أومأت حنان برأسها وذهبت لتعطي تبارك الدواء.
وبعد مرور نصف ساعة، انتهوا جميعًا من تناول الطعام.
أخرج أسر شيئًا من حقيبة أمنية وقدّمه إلى تبارك وهو يتحدث معها بحبٍ شديد:
"خدي يا تبارك، جبتلك السماعة دي عشان تتفرجي براحتك على اللي انتي عايزاه وتسمعي بهدوء ياستي"
قفزت تبارك بسرعة وأخذت منه السماعة وهي تتفحصها بفرحة طفل صغير:
"الله يا أبية! دي جميلة أوي! دانا كان نفسي فيها!"
قال مبتسمًا:
"مبارك عليكي يا حبيبتي، وكمان شحنتلك باقة الفون، يبقى اسمعي براحتك بقى."
كانت تبارك تشعر أن الغرفة قد نبتت لها أجنحة من الفرح، لكن قطع سعادتها صوت والدها:
"وعلي إيه كل المصاريف دي؟ وعلى حاجات ملهاش لازمة يا أسر؟ ما كنت سيبت الفلوس لعلاجها، اللي قاطع وسطنا، أحسن!"
نظرت إليه تبارك بحزن، وقد شعرت أنها تسمع صوت انكسار قلبها من الداخل.
فقال أسر بحزم:
"تبارك كل اللي تتمناه ييجي يا عمي، الفلوس كلها تحت رجليها."
نظرت إليه تبارك محاولة رسم ابتسامة باهتة على شفتيها:
"أ.. أنا هروح أحط السماعة في الدولاب عشان متتكسرش."
قالت ذلك وسارعت بالابتعاد، محاولة الهروب من الموقف.
زفرت أمنية بغضب، وتحدثت بهمس غاضب:
"هو انت يابا مبتزهقش نكد؟ قولي بس مبتزهقش ليه؟ غاوي كسر قلب البت هو ناقص؟"
نظر إليها محمود بغضب، فهي في نظره فتاة ساذجة، ولم يكن يريد المال لنفسه، بل كان يريد شراء الدواء.
قال بحنق:
"أنا قولت إيه غلط؟ أنا بقول الأولى نجيب العلاج للبت اللي المرض بياكل في جسمها، لغاية لما هتروح مننا!"
نظرت إليه أمنية بغضب وحزن لتتحدث بغضب
"بطل تقول كده تبارك هتخف وهتبقي كويسه"
ثم أسرعت بالخروج وهي تحاول كبح دموعها.
قال أسر، محاولًا إنهاء الموقف:
"عمي، بعد إذنك، بلاش الكلام ده. تبارك هتبقى كويسة إن شاء الله."
قالها بغضب، ثم تبع زوجته الحزينة على عجل.
وجد أمنية تقف أمام الحوض، والماء يتدفق أمامها كما تتدفق دموعها.
أحاط أسر خصرها وهمس قائلاً:
"اهدي يا موني، مانتي عارفة أبوكي يا حبيبتي، هو ميقصدش كلامه ده. تبارك هتبقى كويسة، صدقيني."
شعر بشهقاتها ترتفع وهي تضع يديها على يديه الملتفتين حولها:
"خايفة يا أسر، خايفة أوي. تبارك تعبانة أوي، والعلاج بيخلص، والعملية لازم تتعمل، خايفة يحصل زي ما..."
لم تستطع إكمال حديثها من شدة شهقاتها المرتفعة.
فكرة وفاة تبارك كانت تروّعها، لم تكن مجرد أختها، بل صديقتها وابنتها وكل شيء في حياتها.
احتضنها أسر بقوة، نافيًا برأسه بعزم:
"أمنية، اهدي يا حبيبتي، اهدي، مفيش حاجة هتحصل إن شاء الله. تبارك هتبقى كويسة، وهنعملها العملية، والله هتبقى كويسة. اهدي بالله عليكي."
ارتفعت شهاقتها، ليعانقها بقوه اكثر، وهو يقول بخبث:
"خلاص بقي متعيطيش، صدقيني كل حاجه هتبقي تمام... وهتبقي تمام اكتر لو خوينا العيال"
ضربت يديه وهي تقول بتذمر باكي:
"اسر"
"قلب اسر"
قالعا وهو يعانقها بحب، فبادلته أمنية العناق، تحاول طمأنة نفسها لكن قاطع كل هذا صراخ مليكة العالي المذعور:
"ماما! روكا وقعت على الأرض وبتنزل دم من مناخيرها!"