رحلة إدمان

رحلة إدمان

21 0

رحلة إدمان

حيوات 2

ك/ عمر فضليه

لم أكنْ سيئًا. لم أنخرطْ في عالمٍ ليس عالمي من فراغ. لقد كنتُ مغيبًا، وتلك كانت مجردَ شكةٍ واحدة، شكةِ حقنةٍ بها من الكوكايين والمواد المخدرة ما يكفي أن ينسيني مَن أكون.

كنتُ طالبًا في الثانوية العامة، أسيرُ بطريقي وحيدًا، لا رفيقَ يرافقني ولا صديقَ يصدقني القول. يومٌ وراء آخر، برزت لي بوادرُ صحبةٍ سامة، وكما يُقال: الصاحبُ ساحبٌ.

التواجدُ بين الأصدقاء كان مختلفًا؛ السيرُ وسط الطرق بين أشخاصٍ يشابهونك -لم أدركْ كم الاختلاف بيننا وقتها- يخلصون إليك وتخلص إليهم، يسيرون إليك بمجرد مكالمةِ استغاثةٍ بأنك وقعت في مشكلة. وبالطبع، كان عليَّ أنا الآخر أن أساندهم كما يساندونني، فنحن أصدقاء.

في يومٍ ما، جاءتني تلك المكالمةُ المشؤومة. لا تزال مسجلةً في هاتفي، وأستمع إليها كلَّ ليلةٍ قبل نومي، حتى أتذكر كيف أصبحتُ هذا الإنسان. كانت مكالمةَ أحد أصدقائي، قال كلماتٍ بسيطةً لم أفهمها، قال لي: "ما رأيك بأن تأتي معنا؟ سوف نرفه عن أنفسنا قليلًا بعيدًا عن ضغط الدراسة." لم يكن هناك ما يستدعي أن أرفضَ هذه الدعوة، فأجبته فورًا -ويا ليتني ما أجبته-: "حسنًا، أنا قادم."

خرجتُ من منزلي متجهًا إلى أصدقائي، حتى نرفه عن أنفسنا قليلًا. لم أكن أعلم أن هذه الرفاهية تتضمن رشفةً من بودرةٍ مخدرة.

كانت وجهتُنا ما وصفوه بـ"مجتمعنا الأسبوعي"، ومَن كان يعلم أننا كنا في طريقنا إلى مقهى شعبي؟ كان هذا المقهى بالقرب من منطقة معزولةٍ قرب الأراضي الزراعية، مكانٌ لم أفكر في أنني سأسير به يومًا، لكن على كل حال، هذا ما حدث.

في ذلك اليوم، كانت تجربتي الأولى. جلسنا بالمقهى قليلًا، باستثناء أحدنا الذي ذهب ليحضر لنا -ما علمت بعدها أنها- الجرعة. وعندما أتت تلك الجرعة، اتخذنا مكانًا آخر ملاذًا، أو يمكنك القول: مقبرةً جماعيةً للأحياء.

شقةٌ في بيتٍ مهجورٍ على أطراف القرية، أو الضاحية التي كنا بها، أو كما يسميها ضميري: ضاحية الهاوية.

كانت جرعةً أسبوعيةً لا أدفع بها شيئًا من المال، كل ما كنت أنفقه هو ثمن المواصلات، لكنني كنت أدفع ثمنها بشيءٍ آخر غير المال؛ لقد كنت أدفع من نفسي، ومن حياتي، ومن صحتي.

صارت جرعتان في الأسبوع، وهنا بدأت أدفع من المال إلى جانب باقي المدفوعات. ثلاث جرعاتٍ في الأسبوع؛ ثمن الدروس التي كنت أذهبها صار ضمن خارطة إنفاقي، لقد فقدت ضميري، وسبقها أن كنت فاقدًا لعقلي. أربع جرعاتٍ في الأسبوع؛ لقد خسرت أغلب وزني، تغيرت صفاتي وتصرفاتي، لقد مُتُّ. جرعةٌ يوميًا؛ سقطت في الهاوية، لم أكتفِ بسكني شبه الدائم في ضواحيها. بدأ كل شيءٍ في الانهيار، لم أعرف كيف حصل هذا! لقد سرقت مالًا من أخي حتى أتمكن من تعاطي جرعةٍ إضافية.

نسيت أنني في الثانوية العامة، لم أعرف أن هناك منهجًا دراسيًا... لحظة، لقد أخطأت؛ لقد وقعت في الأسوأ من الجهل: الجهالة! معرفة الشيء وتناسيه!

لم أعد ذلك الشاب النشيط، هو قد مات، وخرجت جثةً بلا حياة من رفاته، هذا هو أنا.

بدأت رحلة العودة إلى نفسي مبكرًا، لكنني فشلت. عاودت الكرة، لكنني فشلت للمرة الثانية، وتضاعفت جرعتي. باتت الجرعتان شيئًا أساسيًا في يومي، وبالطبع كُشف أمري. كانت ردة فعل عائلتي كارثية، تشاجرت مع أخي وجرحته، لن أنسى أنني كدت أموت في هذا الشجار. صفعتني أمي بعد أن فصلت بيننا، فقدت القدرة على التمييز، وقعت الكارثة: لقد صفعت أمي.

عاد أبي من العمل باكرًا ذلك اليوم، حضر عقب تجدد الشجار بيني وبين أخي، رأى دموع أمي تنهمر، لقد كانت جاثيةً على الأرض تبكي بحرقة، وأنا كنت مغيبًا أريد جرعةً ثالثة لليوم.

طردني أبي خارج المنزل. أتمنى أن أصف كيف كان كل شيء: شقتنا، وماذا أصبحت عليه، أتمنى وصف الشوارع، لكنني كنت مغيبًا إلى حدٍ جعلني غير قادرٍ على تمييز أي شيءٍ من تلك الأشياء. في ذلك الوقت، أدركت أنها نهايتي.

لم أعرف متى كان الوقت، لكنني سمعت النداء: "الله أكبر، الله أكبر". اتبعت مصدر الصوت، كنت أريد جرعة أخرى. وجدت نفسي أمام مسجد. دخلت إليه، كان فارغًا إلا من اثنين: المؤذن وشخص آخر. وجدت ابتسامة عريضة على وجهيهما عندما رآني أدلف إلى بيت الله. جلست على الأرض بعد خطوات معدودة من الباب. سألني أحدهما: "ألن تصلِّي تحية المسجد يا بني؟" فأجبته بصوتٍ مرهق: "كيف أصلِّي يا شيخ؟"

اختفت الابتسامة وتحولت إلى دهشة. أخذني أحدهما إلى حوض ماءٍ وجعلني أتوضأ، لم أعرف من أين جاء الحوض أو أين كنت، لكنني اتبعت أوامره بصمت.

عاد بي إلى المسجد، جلسا معي يعلمانني الصلاة. أنا أعرف كيف أصلِّي، لكنني استمعت إليهما على أي حال. مضى الوقت ببطء وبدأت حالتي تسوء، أنا بحاجة إلى جرعة بأسرع وقت ممكن. أقام المؤذن الصلاة، وأمَّني أنا والمصلي الآخر. عندما انتهت صلاتنا، جلسا معي وسألاني: "مَن تكون؟" هذا السؤال الذي تنسيك المخدرات إجابته، لذلك لم أجيبهما، بل قصصت عليهما قصتي، هذه القصة التي أقصها عليكم الآن.

كانا شديدي الاهتمام بما أقول، وكانا أشد حزنًا مني على حالي. وأعطاني نصيحة لا يفترض بي أن أنساها، ولكنني لا أدري ماذا قد أفعل بها.

هناك مراكز لمكافحة الإدمان، بإمكاني الالتحاق بها بسرية، حتى يتم علاجي. لكن قبل أن ألتحق أن أحتاج إلى إرادة حقيقية. هذه المراكز لا تقوم بأخذك من البيت حتى تعالجك بالقوة، أنت منْ يجب عليه أن يذهب إليهم، بكامل إرادته حتى يتم علاجك.

عدت إلى السير بوجوم في الشوارع، ظننت أن بإمكاني أن أعالج نفسي بنفسي. لقد رفضت قول الحقيقة، رفضت أن أعترف بانني مدمن ومذنب في ما يحدث لي، رفضت أن يراني أحد على هذا الحال.

لقد رفضت الكثير من الأشياء، أكملت حياتي بطريق لم أكن أرغب بها. سلمت نفسي إلى الهاوية مثل لقمة سائغة من القمامة. لكن كان هناك باب يُفتح لي متى طرقته، باب المسجد.

لم تكن لدي القدرة على التكيف مع الظروف الجديدة، لهذا اتخذت المسجد منزلًا، لم يمانع أحد من العجائز الذين يصلون به وجودي. ولاحظت شيئًا واحدًا، لا يخطو داخلًا هذا المبنى سوى رواده.

طال الأمر حتى طفح بي الكيل، وقررت أن أذهب إلى إحدى المصحات العلاج من الإدمان بسرية. ومن هنا بدأت رحلة العودة.

ربما قد تتساءل لماذا لم أتحدث عن أعراض الانسحاب في الفترة التي قضيتها مشردًا، بكل بساطة الإجابة هي أنني كنت أسرق هذه السموم وأدخلها إلى جسدي. أمر مضحك مشرد يسرق السموم ليلًا من المدمنين، ويذهب فجرًا إلى المسجد كي يتخذ منه مأوي، ومن أحد أركانه مضجعًا.

في أول أيامي بالمصحة حُجزت في غرفة. كانت الغرفة وأثاثها باللون الأبيض، لا أعرف الكثير عن ما حدث لي بها، لكنه كان سيئًا، سيئًا إلى حد جعلني أحاول إيذاء نفسي، وأظن أنني نجحت في هذا.

خرجت من غرفتي البيضاء إلى ثكنة المدمنين. وفي هذا المعسكر كانت أول خطوات الثبات الميثادون، هذا العقار الذي يصارع بداخلي الرغبة في التعاطي، لكنه لم ينجح في قتلها أبدًا.

كان هناك شيء يدعى النالتريكسون، لم أفهم ماذا كانوا يعنون بأنه يقلل دوافع التعاطي، لأنني لم أشعر بتأثيره في غياب ما أتعاطىٰ.

أول أيامي بهذه الثكنة كنتُ وحيدًا منعزلًا، لكن مع مرور الوقت تكونت علاقة لا أعرف مسماها بيني وبين باقي نزلاء المصحة، حتى نزلاء الثكنات الأخرى. كنا نتسامر طويلًا، لكل منا قصصه. كنا نستمتع بهذا مع أن كل قصصنا متشابهة، وسبب كل هذه المشاكل التي عشناها وقصصناها على بعضنا، كان جرامات بسيطة من أفاعي مثلت دور الأصدقاء.

كانت فترة العلاج صعبة، وكان العجوزان من المسجد أو من زارني، والوحيدان اللذان داوما على هذه الزيارة. حتى أتيا يومًا ومعهم شخصان آخران، أمي التي صفعتها، وأخي الذي سرقته وجرحته وكنت من أسال دمه. لم أعرف كيف أعتذر، لم يكن الوقوف أمامهما سهلًا، ولا أعرف كيف مرت تلك الزيارة لكنها مرت.

بات كل شيء مختلفًا، لم أفكر يومًا في العودة إلى عائلتي، لأنني كنت سبب أغلب مشاكلهم. لكن عائلتي هي التي أعادتني إليها، زارني أبي مرة في خارج موعد الزيارة، لم أعرف كيف. في تلك الزيارة الغريبة أعتذر مني. كم كان هذا غريبًا، كان الأمر مثل مجني عليه يعتذر إلى الجاني. في اليوم التالي قصصت زيارة أبي على أحد العاملين بالمصحة، كنت أثق به وبآرائه، وأخبرني شيئًا لا يفترض أن أنساه مهما حدث " لقد اعتذر منك لأنه لم يكن بجانبك في الوقت الذي احتجته فيه، إنه يلوم تقصيره ولا يلومك على ما وصل إليه الحال"

بعد هذا بقيت عدة أشهر في المصحة ومن بداية الشهر الرابع تغيرت الأحوال كثيرًا، أتذكر حتى هذه اللحظة صلاة المغرب التي كنتُ بها إمامً، وكان خلفي عدد كبير من نزلاء المصحة والعاملين بها. أظن أن تلك اللحظة هي اللحظة التي تعافيت بها حقًا، ومن بعدها أصبحت دائمًا الإمامً بالمسجد المرفق بهذا المكان، المكان الذي أصبح بوابة انتقالي من الهاوية إلى عالمي الذي كنت منه في الأساس. بعد سنة عدت إلى الدراسة، الصف الثالث الثانوي من جديد، ومن بعده التحقت بالجامعة، كانت عائلتي تساعدني، كأن شيئًا لم يكن. ولكنني لم أتوقف أبدًا عن الصلاة بالمسجد الذي بدأ منه كل شيء حتى أصبحت إمامه، ودائمًا ما أزور المصحة، وأقص قصتي، أملًا في أن تكون بداية جديدة لغيري من الذين يسقطون في الهاوية.

رحلة إدمان

تمت بحمد الله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رحلة إدمان (حيوات 2)

المؤلف Omarfadlia
2026/03/02 مكتملة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة