*الصفحة العاشرة - وراء قناعي*
في صباحٍ شتويّ، طُرِقَ بابُ شقّتي.
فتحتُ، فوجدتُ طفلةً في العاشرة.
ترتجفُ من البرد.
في يدِها دفترٌ ممزّق، وفي عينيها سؤالٌ أعرفُه.
قالتْ بصوتٍ مكسور: "أنتِ سما؟ قالوا لي إنّكِ تكتبينَ عن الأقنعة."
أدخلتُها.
صنعتُ لها شاياً ساخناً، وجلستُ أمامَها.
فتحتْ دفترَها.
في الصفحةِ الأولى، رسمٌ لقناعٍ أسودَ بلا فم.
تحتَهُ كتبتْ: "أبي قتلوهُ. وأنا رأيتُ."
توقّفَ قلبي لحظة.
ثمَّ تنفّستُ.
قلتُ لها: "ما اسمُكِ؟"
أجابتْ: "حياة."
ابتسمتُ رغماً عنّي.
"اسمٌ جميل. هل تريدينَ أنْ نكتبَ معاً؟"
أومأتْ.
أعطيتُها قلمَ أبي.
أمسكتْهُ كأنّها تمسكُ طوقَ نجاة.
قلتُ لها: "اكتبي. لا تنتقمي. اكتبي.
القناعُ الذي يُكسَرُ بالقلمِ لا يعودُ أبداً."
بدأتْ تكتب.
حرفاً، ثمَّ كلمةً، ثمَّ سطراً.
وأنا أنظرُ إليها، رأيتُني.
رأيتُ سما ذاتَ الثلاثةَ عشرَ عاماً، تجلسُ في غرفةٍ مظلمةٍ وقناعٌ أبيضُ في حجرِها.
لكنَّ هذهِ المرّة، لم تكنْ وحدَها.
في الليل، بعدَ أنْ نامتْ "حياة" على أريكتي، فتحتُ دفتري.
كتبتُ الصفحةَ الأخيرةَ من "وراءَ قناعي".
الصفحةَ التي لم تُطبَعْ في الكتاب.
الصفحةَ التي كنتُ أحتفظُ بها لي:
"انتهتْ حكايتي حينَ بدأتْ حكايتُها.
ظننتُ أنّني خلعتُ القناعَ لأحيا.
والحقيقةُ أنّني خلعتُهُ لأُعلّمَ آخرينَ كيفَ يخلعونَهُ.
أبي لم يمتْ في حادثِ سير.
ماتَ واقفاً، ليرفعَني.
وأنا لم أقتُلْ لأنتقم.
قتلتُ جزءاً منّي، ليولدَ جزءٌ أفضل.
الآنَ فهمتُ وصيّتَهُ الأخيرة:
'عيشي لي'
لم تكنْ أمراً بأنْ أبقى على قيدِ الحياة.
كانتْ أمراً بأنْ أمنحَ الحياةَ لغيري."
أغلقتُ الدفتر.
وضعتُ قلمَ أبي في علبةٍ خشبيّة، وكتبتُ عليها: "للقادم".
نظرتُ إلى "حياة" النائمة.
وهمستُ للفراغ، لأبي، للهواء، للبحر:
"رأيتُك.
ومن دونِ قناعٍ،
صرتُ أنا."
ميم را