انساب ضوء القمر من بين ستائر النافذة بخفة، ناشرًا وهجًا فضيًا رقيقًا في أرجاء الغرفة الهادئة. ارتسمت ظلال ناعمة على الجدران والأثاث، بينما استقر النور أخيرًا على ملامح الفتاة النائمة، فكسا وجهها سكونًا أشبه بالحلم، وجعلها تبدو كأنها لوحة مرسومة تحت ضوء الليل.
رفرفت أهدابها قليلًا قبل أن تفتح عينيها السوداوين ببطء. حدقت في القمر المعلق في السماء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة. نهضت من فراشها واتجهت نحو النافذة بخطوات خفيفة، ثم وقفت تتأمل ذلك القرص الفضي الذي يزين السماء المظلمة. كان الليل ساكنًا على نحوٍ مريح، وكأن العالم بأسره قد غرق في النوم، ولم يبقَ مستيقظًا سوى القمر وهي.
غرقت ديما في تأملها، مستمتعة بسكينة اللحظة وسحر الضوء المنعكس على أسطح المنازل البعيدة.
لكن فجأة، مزق صوت مرتفع هدوء الليل وقطع لحظة تأملها.
- ديما!
انتفضت قليلًا ووضعت يدها على قلبها، ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تتمتم بضيق. غادرت غرفتها واتجهت نحو السلم الخشبي، وما إن نظرت إلى الأسفل حتى هزت رأسها قائلة بصوت خافت:
- لن يتغير أبدًا هذا الحمق.
كان منير يقف في الأسفل مترنحًا، وقد احمر وجهه من أثر الشراب. رفع رأسه نحوها وابتسامة عريضة تعلو وجهه، ثم قال بصوت متقطع:
- ديما دمدومة... يا صاحبة العيون الفاتنة... يا أجمل النساء!
ترنح في مكانه وكاد أن يسقط، لكنه تشبث بالطاولة التي كانت بقربه كأنها طوق نجاته الأخير.
في تلك اللحظة، فُتح باب إحدى الغرف بعجلة، فالتفتت ديما لترى خالتها وعمها وقد بدت عليهما علامات القلق والانزعاج.
سأل العم بقلق:
- ماذا يحدث هنا؟
أجابت ديما بهدوء:
- منير عاد إلى المنزل.
وضعت الخالة يدها على رأسها وكأنها تحاول كبح صداعٍ مفاجئ، ثم قالت بحسرة:
- يا ويلتي! متى سيتغير هذا الفتى؟ كيف أنجبت ولدًا كهذا؟
اقتربت منها ديما وربتت على يدها بلطف محاولة تهدئتها.
- لا تحزني يا خالتي، أرجو أن يتغير في أقرب وقت.
لكن كلماتها لم تبدُ مقنعة حتى لها، وكأن قلبها نفسه لا يصدق ما تقول.
وفي تلك الأثناء، بدأ منير يصعد الدرج بخطوات غير متزنة، متشبثًا بالسياج وهو يضحك بصوت مرتفع.
- ديما... حبيبتي... هيا نتزوج!
شحب وجه ديما في الحال، وتراجعت بسرعة إلى خلف عمها وكأنها تبحث عن ملاذ آمن يحميها منه.
أما العم، فقد اشتعل الغضب في عينيه. قبض على عصاه بقوة حتى برزت عروق يده، ثم صاح:
- كيف تجرؤ على العودة إلى المنزل وأنت سكران؟! وكيف تزعج ابنة عمك بهذه الكلمات؟
اقترب منير من والده وهو يحاول التركيز بعينين مثقلتين.
- هل أزعجت ابنة عمي؟ لا أريد إغضابها... أنا فقط أحبها، و...
لكن كلماته لم تكتمل.
هوت صفعة قوية على وجهه، فارتد رأسه إلى الجانب وتجمد للحظة من شدة المفاجأة.
صرخ العم بغضب:
- اخرج من المنزل، ولا تعد حتى يعود إليك عقلك!
ساد صمت ثقيل للحظات، لم يُسمع فيه سوى أنفاس الخالة المرتجفة.
ثم التفت العم إلى ديما، التي كانت تحتضن خالتها وقد ارتسم الخوف بوضوح على ملامحها، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
- وأنتِ، اذهبي إلى غرفتك يا ديما.
أومأت برأسها بصمت، وعيناها تلمعان بالدموع. نظرت إلى عمها نظرة ممتنة، ثم استدارت مسرعة نحو غرفتها بينما كانت الدموع تنساب على خديها.
أما منير فصرخ قبل أن يغادر، وصوته يملأ أرجاء المنزل:
- سأذهب الآن، لكنني سأعود لأخذ عروسي!
ثم اندفع خارج المنزل وأغلق الباب خلفه بعنف، حتى اهتزت الجدران وارتجفت النوافذ من قوة الضربة.
جلست الخالة على أقرب مقعد وهي تبكي بحرقة.
- ماذا سنفعل؟ ابننا يضيع من بين أيدينا.
تنهد العم بمرارة، وكأن سنوات طويلة من التعب استقرت فوق كتفيه.
- ماذا أفعل؟ لقد اختار طريقه بنفسه. لكن ما يقلقني حقًا هو ديما... أخشى عليها منه.
هزت الخالة رأسها موافقة، ومسحت دموعها بطرف ثوبها.
- نعم، ديما أمانة في أعناقنا، ولا أريد أن يصيبها أي أذى.
قال العم بحزم:
- سأجد حلًا لهذا الأمر في أقرب وقت.
في تلك الأثناء، كانت ديما ملتصقة بباب غرفتها، تستمع إلى حديثهما بصمت. كانت كلماتهم تصل إليها واضحة، وكل كلمة تثقل قلبها أكثر.
أغمضت عينيها وهمست بصوت مرتجف يكاد لا يُسمع:
- لماذا يحدث كل هذا لي؟
ثم اندفعت نحو سريرها وارتمت عليه، بينما كانت الدموع تغرق وسادتها.
أخذت تبكي بحرقة، وكتفاها يرتجفان من شدة الألم، وهي تهمس لنفسها بصوت مكسور:
- ماذا أفعل؟ منير لن يتركني وشأني أبدًا... أبدًا.
وبقي ضوء القمر المتسلل من النافذة يضيء غرفتها بصمت، شاهدًا على دموعها التي لم تجد من يمسحها.
في صباح
أشرقت الشمس بلطف، وأرسلت خيوطها الذهبية عبر نافذة غرفة ديما، فتسللت إلى وجهها الهادئ. فتحت عينيها بصعوبة، وما زالت آثار الدموع عالقة في جفنيها، شاهدةً على ليلة طويلة قضتها بين الخوف والحزن.
نهضت ببطء من فراشها، ثم اتجهت إلى الحمام. تركت المياه الدافئة تنساب فوقها وكأنها تحاول أن تغسل عنها هموم الليلة الماضية، لكنها كانت تعلم أن بعض الأوجاع لا تمحوها المياه.
وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاس صورتها. كانت عيناها محمرتين من كثرة البكاء، والهالات السوداء ترسم تحت جفنيها آثار السهر والتعب. تنهدت بصمت، ثم وضعت بعض مساحيق التجميل الخفيفة لتخفي آثار حزنها، وارتدت فستانًا أحمر جميلًا زادها جمالًا وإشراقًا، رغم الانكسار الذي كانت تخفيه في أعماق قلبها.
خرجت من غرفتها ونزلت الدرج مسرعة.
فما إن رأتها خالتها حتى قالت بخوف:
- انتبهي يا ديما، سوف تقعين!
ضحكت ديما بخفة، ثم أسرعت نحو خالتها واحتضنتها بقوة.
- لا تخافي عليّ يا أجمل خالة في الكون.
ثم قبلت خدها بحب، واتجهت نحو عمها الجالس يحتسي كوب الشاي في هدوء الصباح.
قبلت رأسه وقالت بابتسامة مشرقة:
- ما أجمل هذا الصباح!
رفع العم رأسه نحوها وابتسم بحنان.
- أتعلمين لماذا الصباح جميل؟
جلست ديما على الأرض أمامه، وعيناها تتلألآن بالفضول.
- لماذا؟
مد يده وربت على رأسها بحنان الأب، ثم قال:
- لأنكِ فيه يا ابنتي.
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، وشعرت بدفء كلماته يتسلل إلى قلبها.
- أحبك يا عمي.
ثم أضافت بقلق طفولي:
- هل تناولت دواءك؟
تدخلت الخالة بسرعة:
- لا، لم يتناوله بعد.
رفعت ديما حاجبيها بتظاهر الغضب.
- ماذا؟! إلى الآن؟ خذ الدواء فورًا!
ضحك العم وقال بمزاح:
- اتركوني وشأني.
وضعت ديما يديها على خصرها وقالت بجدية:
- مستحيل! لن أسمح لك بذلك.
ناولتها الخالة علبة الدواء وهي تبتسم.
- خذي، حاولي أنتِ إقناعه، فهو لا يسمع كلامي أبدًا.
أمسكت ديما الدواء ومدته نحوه.
- هيا يا عمي، لا تجعلني أغضب منك.
تنهد العم باستسلام، ثم أخذ الدواء وقال:
- أمري إلى الله.
انفجرت الخالة وديما ضاحكتين، بينما عمّ الدفء أرجاء المنزل.
وبعد لحظات قالت ديما:
- سوف أذهب لزيارة صديقتي ياسمين.
أومأ العم برأسه.
- حسنًا، لكن لا تتأخري.
- حاضر.
ثم غادرت المنزل بخطوات سريعة.
---
في مكانٍ آخر...
داخل مبنى شركة فخم، كان الهدوء يسيطر على الطابق الأخير قبل أن يتحطم في لحظة واحدة.
تقدم أحد الموظفين ووضع ملفًا على المكتب الضخم أمام عمر.
- سيدي عمر، هذا آخر تصميم.
أمسك عمر الملف وألقى نظرة سريعة على محتوياته، ثم أغلقه بعنف ورماه فوق الطاولة.
- ما هذا؟
ارتجفت السكرتيرة في مكانها وقالت بتلعثم:
- سيدي... هذا التصميم الذي عمل الفريق على إنجازه خلال الأيام الماضية...
لكنها لم تستطع إكمال كلامها.
ضرب عمر الطاولة بيده بقوة حتى اهتزت الأوراق فوقها.
- هذا ليس تصميمًا! هذه قمامة!
ساد الصمت في المكتب، بينما ازدادت ملامح السكرتيرة توترًا.
ثم قال بحدة:
- اذهبي واجمعي الجميع في قاعة الاجتماعات فورًا!
ابتلعت ريقها بصعوبة وأجابت:
- ح... حاضر سيدي.
ثم غادرت مسرعة.
أمسك عمر هاتفه واتصل بصديقه المقرب عماد.
- ألو.
- مرحبًا يا عمر، كيف حالك؟
- بخير، وأنت؟
- بخير والحمد لله.
قال عمر مباشرة:
- أريد منك أن تذهب بدلًا عني لاستقبال شركائنا الأمريكيين.
- حسنًا، لا تقلق، سأهتم بالأمر.
- أعتمد عليك.
- اطمئن.
انتهت المكالمة.
وبعد دقائق، طرقت السكرتيرة الباب مجددًا.
- سيدي عمر، الجميع ينتظرك في قاعة الاجتماعات.
أومأ برأسه، ثم نهض من مكانه واتجه نحو القاعة بخطوات واثقة وهيبة واضحة.
---
في مكانٍ آخر...
كانت ياسمين تساعد والدتها في ترتيب المنزل عندما ارتفع صوتها من المطبخ:
- ياسمين! تعالي وافتحي الباب، هناك من يطرقه منذ مدة، وأنا مشغولة!
أجابت ياسمين:
- حاضر يا أمي.
اتجهت نحو الباب وهي تتمتم:
- حسنًا، حسنًا... لقد جئت، لا داعي لتحطيم الباب!
وما إن فتحته حتى ظهرت ديما أمامها.
وضعت ديما يديها على خصرها وقالت بتذمر:
- استغرقتِ ساعة كاملة حتى تفتحي الباب!
ضحكت ياسمين وقالت:
- وأنتِ كدتِ تحطمينه من كثرة الطرق!
ثم تغيرت ملامحها قليلًا وهي تنظر إلى صديقتها.
- المهم... هل أنتِ بخير؟
ابتسمت ديما محاولة إخفاء ما تشعر به.
- بخير.
ثم أضافت بمزاح:
- أم ستتركينني واقفة عند الباب؟
ضحكت ياسمين وابتعدت جانبًا.
- بالطبع لا، تفضلي.
دخلت ديما إلى المنزل، بينما كانت ياسمين تراقبها بصمت، فقد شعرت أن خلف تلك الابتسامة شيئًا من الحزن تحاول صديقتها إخفاءه.
مرأيكم