لم يكن الهروب سهلاً، لكن الأصعب كان البقاء.
ليونا لم تنظر خلفها، حين غادرت بوابة ذلك المنزل الكبير، الذي طالما شعرت فيه بأنها ضيفة مؤقتة، رغم أنها كانت تُدعى فيه "زوجة".
كانت الرياح الباردة تلفح وجهها حين استقلت القطار نحو الريف، لا لشيء سوى أنها أرادت أن تشعر بأنفاسها أخيرًا ملكًا لها، دون مراقبة، دون حساب، دون ذلك البرود الذي كسا علاقتها برافاييل منذ اليوم الأول.
رافاييل... اسم له وقع الجليد على قلبها. رجل وسيم، قوي، حاضر الحجة، لكنه كان دائم الغياب عنها - قلبًا وروحًا.
زواجه منها لم يكن حبًا، بل صفقة. زواج مصالح، أغرقها في بحرٍ من الصمت والوحدة.
مرّ شهرٌ كامل، كأن الريف قد غسل روحها من كلّ ما علق بها في المدينة.
في كوخ صغير تحيط به أشجار التفاح، كانت ليونا تعيش مع صديقتيها القديمتين، هيلينا وإيليسا. ضحكاتهن تملأ المكان، كأن لا خوف في العالم، كأنّ لا ماضٍ يُلاحقهن.
كانت هيلينا تنحت من الوقت لحظات سعادة، بينما إيليسا تحيك الحكايات وتزرع الأمل في كل صباح.
لكن ليونا... رغم كل ذلك، كانت تعرف أن الاختباء ليس حلًا دائمًا.
وفي صباحٍ رمادي، قررت أن تبدأ من جديد.
وقفت أمام المرآة، تتفحّص ملامحها ببرود. الشعر البني القصير اختفى تحت باروكة شقراء، عيناها الزرقاوان أخفاهما زوجٌ من النظارات الطبية، حتى نبرة صوتها قررت أن تجعلها مختلفة قليلًا.
《 اسمي لينا... لينا ميراي. ..هكذا لن يتعرف علي أحد 》
قالتها بصوتٍ ثابت، ثم خرجت بخطوات سريعة نحو المدينة القريبة، حيث تعيش الحياة الحقيقية، حيث تبدأ قصتها الجديدة.
دخلت مبنى شركة "فيريا" وهي تشدّ على حقيبتها الصغيرة.
استقبلتها موظفة الاستقبال بابتسامة هادئة، ثم أرشدتها نحو قسم التوظيف في الطابق السادس.
هناك، جلست تنتظر، تتنفس ببطء، فيما قلبها يخفق كطبول حرب.
《مرحبًا بك، آنسة ميراي.》
كانت من تحدثها امرأة في منتصف الثلاثينات، ذات ملامح دافئة ونظرة ذكية.
《أنا أُدير قسم التوظيف هنا. أراكِ كتبتِ في طلب التوظيف أن تخصصك هو الاقتصاد؟》
أومأت ليونا بثقة:
《نعم. لدي شهادة في الاقتصاد وأرغب بالعمل في قسم قريب من تخصصي.》
ابتسمت المرأة:
《جميل. لدينا شاغر في قسم التحليل المالي، ويمكنك البدء بعد يومين إن رغبت.》
شعرت ليونا أن قلبها يقفز من مكانه.
《 بكل تأكيد! 》
حين خرجت من المبنى كانت تلهث من الفرح. جرت نحو صديقتيها اللتين كانتا تنتظرانها في المقهى القريب.
هناك، بدأت القهقهات، الأحضان، والآمال الجديدة تنسج حولهن كأوشحةٍ حريرية.
لكن في الطابق العلوي من شركة فيريا، كانت الأمور تتحرك بشكل مختلف تمامًا.
طرقت الموظفة باب المكتب الكبير بخفة، ثم دخلت.
كان يجلس هناك، خلف مكتب أنيق من الخشب الداكن، رجلٌ يبدو كأنّه من منحوتات الرخام.
عيناه حادتان، ووجهه يحمل قسوة رجل لم يعرف الاستسلام يومًا.
《سيدي، أردت إعلامك... موظفة جديدة ستبدأ بعد يومين في قسم التحليل المالي.》
رفعت الورقة أمامه.
《 اسمها... لينا ميراي.》
سحب الورقة بهدوء، وعيناه تتسعان تدريجيًا وهو يتفحّص الاسم والصورة.
ظلّ صامتًا للحظة... ثم ابتسم، لأول مرة منذ شهور.
ابتسامة لم تعرفها ملامحه من قبل.
ثم تمتم بصوت منخفض، ساخر، كأنما يُحدّث أشباح الماضي:
《 أخيرًا عدتِ... ليونا.》
صمت لحظة، قبل أن يتابع في داخله، بنظرة تحترق تحت جليد ملامحه:
《لن أُسرع هذه المرة... لكنك ستعودين. هذه المرة، بإرادتك.》
حين دفعت ليونا باب النزل بخطواتها الهادئة، كانت ملامحها أخفّ تعبًا مما مضى، تحمل بين عينيها بريقًا خافتًا من الرضا.
وما إن دخلت الغرفة حتى وجدت هيلينا وإيليسا بانتظارها مع طاولة صغيرة امتلأت بخبز طازج وحلوى بسيطة وزجاجة عصير عنب.
قهقهت إيليسا أولًا وهي ترفع الكأس:
《إلى ضيفتنا المتألقة، التي استطاعت أن تخدع الجميع بلقبها الجديد... "لينا ميراي"!》
أضافت هيلينا وهي تضرب كفّها بكتف ليونا مازحة:
《أخبريني، كيف اخترتِ هذا الاسم الغريب؟ لينا ميراي... تبدو كأميرة من مسرحية هزلية!》
ارتبكت ليونا قليلًا، ثم رفعت كأسها بدورها محاولةً إخفاء ابتسامتها:
《كان أول ما خطر ببالي... ولم أتوقع أن يثير كل هذا الضحك.》
انفجرت الصديقتان في ضحك متواصل، حتى دمعت عينا إيليسا، بينما كانت هيلينا تقلّد صوتًا رسميًا صارخًا:
《قدّمي التحية للآنسة لينا ميراي، السيدة الغامضة التي لا يعرف أحد من أين جاءت!》
ورغم سخريتهما المحببة، شعرت ليونا بالدفء يغمر قلبها.
لقد كان الاسم المستعار مجرد قناع، لكنه جمعها بضحك صادق في تلك الليلة، بعيدًا عن القصر وظلاله الثقيلة.
بعد يومين فقط، وصل إلى الكوخ مظروف مختوم بشعار الشركة.
فتحته ليونا بيدين متردّدتين، فوجدت داخله جدول أعمالها المفصّل.
بقيت للحظة تحدّق في الورق، قلبها يخفق بخليط من الحماس والقلق، ثم قررت أن تتهيّأ ليومها الجديد.
ارتدت ثوبًا أنيقًا بلون داكن يبرز رزانتها، وربطت شعرها بعناية، وألقت على نفسها نظرة أخيرة في المرآة الصغيرة بجانب السرير.
ابتسمت بخفة لتشجيع ذاتها، ثم حملت حقيبتها وخرجت بخطوات ثابتة.
حين دخلت مبنى الشركة الرحب، استقبلتها رائحة القهوة وأصوات الموظفين المتناثرة هنا وهناك. بادرت بابتسامة صغيرة وهي تلقي التحية على الجميع:
《صباح الخير.》
التفتت إليها إحدى الموظفات، شابة مهذبة بزي رسمي، فتقدّمت منها وقالت بلطف:
《الآنسة لينا ميراي، صحيح؟ تفضلي معي، المدير بانتظارك لبدء العمل.》
سارت بجانبها عبر الممر المضيء بالثريات، كل خطوة تجعل قلبها يزداد سرعة.
توقّفت الموظفة أمام باب خشبي ضخم، طرقَت بخفة ثم فتحته، لتدخل ليونا وتجد نفسها في مكتب المدير الفسيح، بداية فصل جديد من حياتها.
تبعَتها ليونا عبر الممر الطويل، خطواتها تتناغم على الأرضية الرخامية في انسجام مع دقات قلبها المتسارعة.
حاولت أن تبدو واثقة، لكنها كانت تمسح المكان بعينيها بفضول، كل لوحة على الجدار وكل مكتب صغير كان يشد انتباهها.
أخيرًا توقفت الموظفة أمام باب خشبي عريض، طرقَت بخفة، ثم فتحته.
《تفضلي، هذا مكتب المدير. سيصل بعد قليل.》
أومأت ليونا شاكرة، ودخلت.
المكتب كان فخمًا بحق : مكتبة جانبية محمّلة بالملفات والكتب، مكتب ضخم في الوسط يكسوه الخشب الداكن اللامع، وستائر ثقيلة تحجب ضوء الشمس.
تقدمت بخطوات مترددة، ألقت حقيبتها على المقعد الجانبي، وجلست للحظة... ثم نهضت مجددًا كأن الجلوس لا يليق بها.
لتقتل الصمت، تقدمت نحو المكتب.
كانت هناك بعض الأوراق المرصوصة بعناية، وقلم فاخر، وإلى جانبه رزمة من بطاقات التعريف.
مدّت يدها، التقطت إحداها بعفوية وهي تفكر: ربما أتعرف على اسمه قبل أن يصل، سيكون الأمر أسهل فوالدي رئيس الف شركة ولربما رأيت أحدهم يوما .
لكن ما إن وقعت عيناها على الاسم، حتى اختنق الهواء في صدرها.
رافاييل دومينيك.
سقطت البطاقة من يدها، ارتطمت بالخشب ثم انزلقت على الأرض.
حدّقت فيها بذهول، شفتيها تتمتمان دون صوت:
《مستحيل... لا...》
انهالت عليها الذكريات كالسياط. لم يكن مجرد تشابه أسماء.
رافاييل دومينيك... زوجها، الرجل الذي هربت منه، الرجل الذي تكرهه و التي لم تعد تطيقه.
كم من الشركات يملك؟ كم من الأماكن تسيطر عليها سلطته؟ لقد نسيت العدد منذ زمن، لكن لم يخطر ببالها أبدًا أن تدخل واحدة منها بنفسها، وتضع رقبتها بين يديه.
ارتجف قلبها و تضاربت أنفاسها ، إلتقطت البطاقة مجددًا برعشة ثم رمتها كأنها جمرة.
الغرفة دارت بها، وكل ما فكرت به كان الهرب.
استدارت بسرعة محاولة الفرار قبل أن يأتي لكن الأوان قد فات ، بصوت هادئ ساخر اخترق الصمت قال 《إلى أين...يا لينا ميراي؟》
تجمّدت في مكانها. رفعت عينيها ببطء، وهناك كان.
رافاييل دومينيك بنفسه، واقفًا عند المدخل وقد أسند كتفه على الباب، ابتسامة ساخرة على شفتيه، وعيناه تلمعان بخليط من السخرية والانتصار.
لم تستطع أن تتحرك.
كل ما فعلته هو التراجع خطوة إلى الوراء، بينما يقترب هو بخطوات ثابتة، كذئب وجد فريسته أمامه بلا مقاومة.
اقترب رافاييل خطوة بخطوة، صوته منخفض لكنه يقطر سخرية《تظنين أنكِ بارعة بالتنكر، يا... لينا ميراي؟》
شدّت ليونا قبضتها على حقيبتها، ثم رفعتها فجأة وصفعته بكل ما أوتيت من قوة، ارتدّ وجهه قليلًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. عيناها ارتجفتا وهي تصرخ《أيها المنحرف! تقترب من امرأة غريبة عنك وكأنها لعبة..؟ كيف تسمح لنفسك بهذا؟》
قهقه رافاييل، ضحكة عميقة كسرت صمت المكتب، ضحكة تحمل استهزاءً جارحًا《لعبة؟... لا يا عزيزتي. انتهى وقت اللعب.》
اقترب أكثر حتى كادت تشعر بأنفاسه على بشرتها، عينيه تلمعان بمكر ثم وقال ببرود《لم تنجحي بخداعي ليونا. أعرفكِ أكثر مما تعرفين نفسك.》
ارتبكت، تراجعت خطوة للخلف و قد خرجت كلماتها متقطعة《أنت... مخطئ... أنا لست...》
قاطَعها بيده ثم انتزع النظارة الداكنة عن وجهها، ثم خلع الباروكة بحركة حاسمة، شعرها انساب على كتفيها وقظ فضحت عيناها كل خوفها، وقفت كالمسمّرة، والدموع تتجمّع في عينيها رغمًا عنها.
لحظة صمت ثقيلة مرّت بينهما.
نظر إليها طويلًا، حدّق في دموعها وكأنه اكتفى من كشف القناع ، همس بسخرية لاذعة《ها هي ليونا... بلا أقنعة.》
صرخت به، وصفعته من جديد، أقوى من الأولى، حتى احمرّ خده《تجرؤ على فضحي بهذا الشكل؟! أتظن نفسك فوق كرامتي؟》
أراد أن يردّ، لكنه وجد نفسه أمام عاصفة، اندفعت تضرب صدره وذراعيه بعنف، قبضتاها تهويان عليه مرارًا و دموعها تنهمر بغزارة 《أنت السبب في كل شيء! أنت السبب في هروبي! في عذابي ! كان كل ما أردته أن أعيش بسلام... لكنك لا تفعل سوى ملاحقتي كظل ثقيل ! لماذا يا رافاييل؟ لماذا لا تتركني وشأني؟》
الغريب أنه لم يقاوم.
بقي واقفًا مكانه، يتلقى ضرباتها بصمت. لم يرفع يده ليصدّها، لم يحاول إيقافها ، عيناه أغمضتا للحظة، وصوته خرج خافتًا، أقرب للاعتراف《ربما لأنني السبب فعلًا... السبب في كل جرح بصدرك.》
توقفت يداها لثانية، نظرت إليه بعينين دامعتين، ثم عاودت ضربه وكأن كلماته زادت الألم《لا تجرؤ أن تعترف هكذا ببساطة! هذا ليس اعتذارًا... هذا سخرية جديدة منك!》
تنهّد، وصوته بدا هشًا تحت ضحكته المعتادة《إن كان لا بد أن تفرغي غضبك عليّ، فافعلي... اضربي، اصرخي... أنا لن أقاوم.》
سقطت حقيبتها أرضًا، واستمرّت بضربه بقبضتيها المرتعشتين، كأنها تفرغ سنوات من الألم. وهو... بقي صامتًا، ثابتًا، يعرف أنه يستحق كل ضربة، يعرف أن صمته أصدق من أي كلمة.
بقيت قبضتاها تهويان على صدره حتى خارت قواها، وسقطت دموعها على وجنتيها.
دفعت صدره بعنف، التقطت حقيبتها من الأرض وقالت بصوت متحشرج《انتهى كل ما بيننا... لن أعود إليك أبدًا.》
استدار نحوها بخطوات ثابتة، ملامحه مشدودة لكن عيناه تحملان يقينًا مخيفًا 《أبدًا؟》
رفع حاجبه بابتسامة باردة《أين ستذهبين يا ليونا؟ لقد أحرقتِ كل الطرق خلفك.》
توقفت عند الباب، يدها ترتجف على المقبض، لم تلتفت إليه《سأجد طريقي... حتى لو اضطررت للعيش متخفية للأبد.》
قهقه ضحكة قصيرة كسرت صمت المكتب 《متخفية؟ وقد انكشف أمرك للتو أمامي؟ صدّقيني، العالم صغير جدًا حين أقرر البحث عنك.》
استدارت نحوه فجأة، عيناها حمراوان من البكاء والغضب《أنت لا تملك الحق في سجني! لستَ سوى رجل طاغٍ... تخشى أن تعترف أنك خسرتني.》
اقترب منها، عيناه مثبتتان في عينيها، صوته صار أكثر جدية《لم أخسركِ بعد... لأنك لا تملكين مكانًا آخر تذهبين إليه.》
ارتجفت أنفاسها، حاولت إنكار كلماته لكنها شعرت بوقعها في أعماقها.
هو يعرف... يعرف أنه قد حاصرها، يعرف أن كل محاولة هروبها ليست إلا دورانًا في حلقة مفرغة.
أضاف بصوت منخفض، خالٍ من السخرية هذه المرة《يمكنكِ أن تضربي، أن تلعني، أن تهربي... لكن في النهاية، ستعودين. ليس لأنكِ تريدينني، بل لأنه لا مكان لكِ بعيدًا عني بعد الآن.》
تراجعت خطوة للخلف، شعور بالخذلان المرّ غمرها《كلا... سأثبت لك العكس.》
ابتسم ابتسامة واثقة، وضع يديه خلف ظهره كمن ينتظر لعبته أن تنتهي《سأمنحك الوقت يا ليونا... لكن تذكّري كلماتي. لن تجدي مأوى إلا هنا. معي.》
خرجت من المكتب بخطوات متعثرة، قلبها يتخبّط بين الغضب والخوف، لكن صدى ضحكته الباردة ظل يلاحقها كظلال ليلٍ لا ينتهي.
أما هو، فبقي واقفًا مكانه، ملامحه جامدة، واثقًا أنها مهما ابتعدت... سيجمعها القدر إليه من جديد.
لم تنم ليونا ليلتها الثانية أيضًا، لكن هذه المرة لم يكن البكاء هو ما يسهرها، بل التفكير الحاد.
جلست أمام الشمعة المشتعلة، ودفترها بين يديها، تخطّ أسماء جديدة لأماكن بعيدة، شركات صغيرة، ورش عمل، حتى أسواق في الضواحي《لن أسمح له أن يربح...》
همست بعناد، وعيناها تلتمعان كجمرتين.
في الصباح خرجت من النزل باكرًا، أخذت عربة قديمة واتجهت نحو الضواحي.
لم تكن المدينة الصغيرة هناك فخمة ولا عامرة، لكنها كانت نابضة بالحياة بوجوه لا تعرف اسم دومينيك.
أو هكذا أرادت أن تصدّق.
توقفت عند ورشة نجارة صغيرة، حيث رجل ضخم الجثة يعمل بصمت.
انحنت نحوه بابتسامة مترددة《هل تحتاج إلى يد تساعدك في الحسابات أو تنظيم الطلبات؟》
رفع الرجل رأسه، مسح جبينه بقطعة قماش، ثم هزّ رأسه《ربما... نحن لسنا كباقي الشركات، لكن العمل هنا متعب.》
ابتسمت، وفي قلبها بصيص أمل《لا بأس... أريد فقط بداية جديدة.》
تركها الرجل تجرّب يومًا كاملًا، بين سجلات طلبات الخشب وأوراق العملاء.
شعرت للمرة الأولى أنها تفعل شيئًا بيدها، بعيدًا عن ظل رافاييل. ومع أن التعب أنهكها، إلا أن ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها.
لكن عند المساء، حين همّت بالعودة إلى الكوخ أوقفها الرجل أمام الباب.
كان وجهه متوترًا، وصوته مترددًا《آنسة... لقد جاءني اتصال غريب. قالوا إنكِ مطلوبة للعمل في مجموعة دومينيك... وأن بقاءك هنا قد يجرّ عليّ المشاكل.》
تصلبت أطرافها. نفس الاسم يطاردها من جديد.
حاولت التماسك، لكنها شعرت بمرارة تهوي في صدرها《أنا آسفة... لا أستطيع إبقاؤك.》
تركها الرجل تخرج، وعيناه مملوءتان بالحرج. أما هي، فخطت في الظلام، والريح تعصف بثوبها، لكن خطواتها لم تتوقف.
رفعت رأسها نحو السماء، والنجوم تلمع بخفوت، وقالت بعناد يشبه القسم《لن أعود إليك يا رافاييل... حتى لو حطّمت العالم بأكمله لأجل إعادتي 》
في الوقت نفسه، وفي قصره الغارق بالهدوء، جلس رافاييل على مقعد جلدي ضخم أمام المدفأة.
كان الليل قد أسدل ستائره، ووهج النار ينعكس على وجهه الصارم.
في يده كأس نبيذ لم يشرب منه قط، وفي عينيه بريق لا يُقرأ.
دخل أحد خدمه بانحناءة《سيدي... وصلت الأخبار. لقد حاولت الآنسة ليونا العمل في إحدى الورش الصغيرة خارج المدينة.》
لم يتحرك رافاييل أول الأمر، اكتفى بإدارة الكأس بين أصابعه، كأنه يتأمل ما بداخل الزجاجة أكثر من الخبر نفسه.
وبعد لحظة طويلة، رفع رأسه بصوت هادئ لكنه آمر《أخبرني... ماذا حدث بعد ذلك؟》
أجاب الخادم بحذر《 فعلنا اللازم يا سيدي 》
ساد صمت ثقيل.
ثم، فجأة، ارتسمت ابتسامة دقيقة على شفتي رافاييل. لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة من يعرف أن كل الخيوط بيده مهما تفرقت.
همس وكأنه يحدث نفسه《عنيدة... كما توقعت. لكنها ما تزال صغيرة أمام شبكتي.》
اقترب الخادم بخطوة، مترددًا 《هل ترغب أن نعيدها بالقوة هذه المرة؟》
هزّ رافاييل رأسه ببطء، ثم وقف، خطاه الرصينة تملأ القاعة الفسيحة.
نظر من النافذة العالية، حيث انعكست أضواء المدينة البعيدة، وقال بصوت مفعم بالثقة《لا... دَعها تركض. دَعها تجرّب وتفشل، كل محاولة لها هي قيد جديد يُحكم على معصميها دون أن تدري.》
التفت، وعيناه الداكنتان تحملان مزيجًا من الغضب المكتوم والهدوء الحديدي《الطيور الهاربة تطير عاليًا... لكن في النهاية لا بد أن تهبط. وعندما تهبط لن تجد إلا القفص الذي صنعته أنا لها.》
تردد الخادم لحظة، ثم غادر بصمت، تاركًا سيده غارقًا في صمته الواثق.
جلس رافاييل من جديد، وضع الكأس جانبًا، وأسند مرفقه إلى المقعد، داعب شفتيه بابتسامة أكثر اتساعًا:《لن تعودي منكسرة يا ليونا... بل ستعودين بإرادتك ، وستدركين بنفسك... أنه لا مكان لكِ إلا بجانبي.》
وخارج جدران القصر، في الظلام الممتد، كانت ليونا تخطو بخطوات متعثرة نحو مستقبل مجهول، غير مدركة أن كل ما تفعله الآن كان مرسومًا بدقة في عقل الرجل الذي يراقبها من بعيد.
بعد أيام من طردها، وجدت ليونا فرصة عمل غير متوقعة في شركة أنيقة وسط المدينة.
صاحب الشركة، رجل أنيق المظهر يُدعى إدغار، رحّب بها بحرارة غير معتادة《أنتِ تبدين ذكية... أحتاج إلى شخص مثلك.》
شعرت ليونا لأول مرة أن القدر قد ابتسم لها، وأنها ربما تستطيع بناء حياة جديدة.
الأيام الثلاثة التي عملت فيها مرّت بسرعة، وقد وجدت بعض الراحة في أجواء المكان.
لكن، في قصر آخر، وبين ظلال غرفة مظلمة، جلس رافاييل أمام طاولة مليئة بالملفات. أحد رجاله انحنى هامسًا《سيدي... الفتاة تعمل الآن لدى إدغار، الرجل الذي كان ينافسكم في تجارة المافيا القديمة.》
رفع رافاييل عينيه، تلك النظرة التي تُشبه شفرة باردة، وأجاب ببطء《إدغار... لم يتعلم من الماضي إذن.》
وقف، أدار معطفه الأسود على كتفيه، وتابع بصوت يقطر ثقة وتهديدًا《من يمد يده إلى ما هو لي... لا يخرج حيًا.》
ليلة واحدة كانت كافية. وفي صباح اليوم الرابع، دخلت ليونا الشركة كعادتها، لتُفاجأ بالهمسات تعصف بين الموظفين.
الأمن، الشرطة، الفوضى. أحدهم اقترب منها بخوف《المدير... إدغار... وُجد ميتًا في مكتبه.》
تجمدت في مكانها، قلبها يطرق كطبول حرب. شعرت أن الأرض تسحبها للأسفل.
في زاوية بعيدة، جلس رجل ببدلة سوداء، أحد أعوان رافاييل، يراقبها ببرود.
لم يقل شيئًا، اكتفى بابتسامة باهتة قبل أن يغادر.
ذلك المساء، جلست ليونا وحدها في شقتها الصغيرة، يديها ترتجفان.
حاولت أن تقنع نفسها أن ما حدث مجرد صدفة... لكن في أعماقها، كان هناك اسم واحد يتردد كهمس مرعب: رافاييل.
أما هو، فجلس في قصره، يتأمل كأسه المعتاد، وألقى جملة باردة في الفراغ《الآن... فلنرَ ماذا ستفعلين يا ليونا. هل ستهربين مجددًا... أم ستدركين أنه لا مهرب مني؟》
انتهى الفصل !!!!!