⊹ الـفـصـل الـســابـــع || شرارة ملعونة ✧

⊹ الـفـصـل الـســابـــع || شرارة ملعونة ✧

21 0

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير الأنام

و أشرف الأنبياء والمرسلين

لا تنسوالتفاعل مع كل جزء لأرى رأيكم و لا تنسو

أيضا ترك قلب و الاشتراك بحسابي

☆يا نجومي☆

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

كان صهيل الخيول يمتزج بحفيف الأشجار الكثيفة ، بينما كان الجوادان يسيرانِ جنبا إلى جنب بخطوات متزنة وسط ممرات الغابة المظللة.

رُغم المساحة المفتوحة حولهما ، كان الهواء بين لوسيان وولي العهد كايلم ثقيلا ، يشوبه توتر يكاد يُلمس.

أمال كايلم رأسَهُ قليلا ، وعيناه تلمعان بعتاب حاد ومبطن ، ونطق بصوتٍ خفيض لم يتجاوز حدودهما:

_لعبة قاسية حتى على معاييرك الدنيئة يا لوسيان.. أن تدوس على كرامتِها أمام الملأ؟ المنديل الذي استخففتَط به.. يرقد الآن فوق قلبي، وحذار أن تظن أنني سأعيده إليك يوما.

نظر إليه لوسيان بقناععه الرخامي البارد، رغم الوجع المكتوم والنزيف الصامت الذي أحدثته نظرة كلاريس الأخيرة في أركان روحه.

حررك لجام حصانه بقلة اكتراث متعمدة... وأجاب بنبرة جليدية خالية من أيّ تعبير:

_أنت تخلط بين العاطفة والواجب يا كايلم.. ما حدث كان ضروريا لترتيبِ الأوراق، وما تفعله بمنديلِها لا يعنيني.

كاد كايلم أن يرد بقسوة ، لكن حوافر الخيول تباطأت غريزيا عندما أشرفا على متسع من الأرض..

حيث انتصبت تلك الشجرة العتيقة الضخمة، التي تمتد جذورُها في عمقِ البرية كشاهد على الزمان.

الشجرة نفسها التي اختاراها معا قبل يومين ...كعادتِهما المقدسة منذ الصغر لتكون النقطة التي يفترق عندها طريقاهما في مسابقة الصيد كل عام ، والمكان الذي يعودان إليه مع غروب الشمس ليقارنا غنائمَهُما وسط صيحاتِ الفخر.

توقف الجوادان تماما تحت ظلالها العملاقة. نظرَ كايلم إلى الجذعِ الضخم ، ثم التفت إلى لوسيان بابتسامة جانبيةٍ غامضة، حملتْ هذه المرةِ طابعَ التحدّي الحقيقي:

_إذن.. هنا نفترق كالعادة ، يا سيادة الدوق....لكنْ تذكر.. في هذه المسابقة بالذات ، الغنيمةُ التي أسعى خلفها ربما لن تكون مجرد طريدة في البرية.. بل امرأة أضعتها أنت بغطرستك.

في تلك اللحظة، ساد سكونٌ أشد خطورة من صمت الموت.

تجمدت نظرات لوسيان الرخامية، ولثانية واحدة عابرة، ومض في عمق عينيه المطفأتين بريق أحمر قاني كالجمر المستعر ، بريق غريزي لم يستطع قناع الوريث المثالي كبحه.

قبضت يده المغطاة بالجلد الأسود على لجام حصانه بقوة جعلت القماش يئن، وشيء عتيق، مظلم، وشيطاني تحرك في مجرى دمه مستنكرا وقاحة ولي العهد.

أمال لوسيان رأسه ببطء شديد، وارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة الباردة الخالية من الحياة، لكن نبرته حين خرجت، لم تكن مجرد جليد.. بل كانت حادة كشفرة مقصلة:

_المناديل تُطرز وتُوهب يا سمو الأمير.. لكن الغنائم الحقيقية لا تؤخذ إلا من أيدي أصحابها. وإذا كنت تظن أن خطأ عابرا في الحسابات يجعل ممتلكاتي مشاعا للآخرين.. فأنت لا تعرف لوسيان جيدا.

اقترب بجواده خطوة واحدة، ليفصل بينهما طيف هواء ضيق، وتابع بصوت خفيض حمل فحيحا مرعبا غاب عنه المنطق البشري تماما:

_قد أهدم ما أملك بيدي، كايلم.. قد أحيله حطاما أو أدفنه تحت التراب، لكنه يبقى يحمل اسمي. وما وُسِم بختم الدوقية.. لا تجرؤ حتى وحوش هذه البرية على الطمع فيه، فما بالك برجل؟

اهتزت ملامح كايلم لشدة التملك الطاغي في نبرة لوسيان، وفهم فورا أن الصديق الذي أمامه قد استيقظت فيه الغريزة الأقدم والأكثر دموية...

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

تبادل الرجلان نظرة أخيرة ثقيلة، نظرة وضعت حدا لسنوات الصداقة وأعلنت بداية حربٍ غير مكتوبة.

حرك كايلم لجام حصانه والتفت نحو جهة الشمال بابتسامة غامضة.

وقال بنبرة استعاد فيها خفته المعتادة:

_إذن.. إلى الشمال كالعادة يا لوسيان. فالشمال طالما كان اتجاه حظي، وأشعر أن البرية اليوم ستكون كريمة معي.

انطلق جواد ولي العهد يهرول بخفة ليختفي بين الممرات المظللة، تاركا خلفه لوسيان واقفا وحده تحت ظل الشجرة العتيقة.

لم يتحرك لوسيان فورا . بل أغمض عينيه ، وارتجفت عضلات فكه وهو يستنشق هواء الصباح البارد.

في تلك اللحظة، لم يكن يستنشق رطوبة الندى، بل التقطت حواسه شيئا آخر.. رائحة نفاذة، كريهة، وثقيلة تشبه الموت الممتزج بالحديد.

رائحة وحش.. رائحة قوية لدرجة جعلت دمه يغلي.

لم يكن الخوف ما حركه، بل الرغبة في تفريغ ذلك الغضب المكتوم والنزيف الصامت الذي أحدثته نظرة كلاريس في صدره. كان يحتاج إلى طريدة يمزقها ليقنع نفسه أنه ما زال يسيطر على الأمور.

وجه لوسيان حصانه بقسوة نحو مصدر الرائحة، وانطلق كالسهم في الطريق المظلم، دون أن يدرك أن خطواته تقوده مباشرة نحو نفس البقعة البرية التي تختبئ فيها فريسته السابقة..

كلاريس.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

رفع الوحش مخلبه، ولم تكن كلاريس تملك حتى رفاهية الصراخ قبل أن يضربها بقوة غاشمة.

تراجعت إلى الوراء بعنف، ونصل مخلبه مرّ على خدّها ليترك خدشا ينزف دما قانيا. لكن الأسوأ حدث عندما فقدت توازنها ...تلوت كاحلها بصرخة مكتومة ، وسقطت لتتدحرج بجسدها بسرعة وهستيرية فوق تراب الغابة والمنحدر القاسي ، كأوراق شجر تعبث بها عاصفة.

لم تتوقف تلك "الدردبة" المؤلمة إلا عندما ارتطم جسدها بجذع شجرةٍ ضخمة.

خرجت صرخة متألمة ومزقت سكون الغابة.

الوجع كان لا يُطاق، وجع كاحلها الملتوي وظهرا الذي ارتطم بالجذع جعل عينيها تغرقان بالدموع ، عاجزة عن الحركة تماماً.

رأى الوحش سقوطها، فسال لعابه الأسود ، واندفع يركض بنهم نحو جسدها الملقى ليجهز عليها.

لكن.. في تلك الأجزاء من الثانية..

حدث شيءٌ لم يخضع لقوانين الطبيعة البشرية.

لم يكن هناك صوت حصان، ولا وقع حوافر. كان هناك فقط "إعصارٌ من الموت" انشق عنه الضباب. رُغم أن المسافة بين مكان وقوفه و مكان كلاريس كانت شاسعة جدا، إلا أن لوسيان بسرعةٍ مرعبة وخارقة قطعها في أقل من رمشة عين.

وقف لوسيان فجأة كأنه نبت من الأرض، جسد شامخ يفصل بين كلاريس والموت.

توقف الوحش العظمي غريزيا في مكانه، واحتكت عظام فكه ببعضها برعب.

تراجع خطواتٍ إلى الخلف، فهذا الكائن المسخ، رُغم أنه بلا عقل، إلا أن غريزته الروحية أخبرته فورا بمَن يواجه..

إنه يواجه "سيد الظلام" الحقيقي للوشاح الأسود.

لكن لوسيان لم يمنحه وقتا للتفكير، ولا حتى وقتا للتنفس.

ملامحه لم تكن غاضبة، بل كانت "ميتة" تماماً، وعيناه حمراوان كالجمر المستعر.

وبحركة واحدة.. حركة خاطفة لم تلمحها حتى عين كلاريس، استل سيفه وهوى به كالمقصلة.

بضربة واحدة قاطعة، طار رأس الوحش العظمي في الهواء، ليتدحرج جمجمته المشوهة تحت الأقدام، بينما سقط جسده الضخم كجدارٍ منهار، محدثاً غباراً كثيفاً في المكان.

أنزل لوسيان سيفه الذي تقطر منه الدماء السوداء، والتفت ببطء نحو كلاريس الملقاة تحت الشجرة، بينما كان فحيحه المرعب لا يزال يملأ الأجواء.

خطا خطواته الهادئة وسط الغبار المتصاعد من جثة الوحش، ثم انحنى أمامها. كانت نظراته باردة، حادة كالشفرات، وهي تتفحص جسدها الملقى تحت الشجرة، باحثةً عن عمق جروحها.

مدّ يده المغطاة بالجلد الأسود نحوها..

وفي تلك اللحظة العابرة، ظهر تردد طفيف على أصابعه، تردد لم يسبق لوريث الدوقية أن شعر به.

لكنه تجاوزه، ورفع كفه ببطء ليمسح خصلة شعر ثائرة كانت قد هربت على جبهتها المبللة بالدموع، وأرجعها خلف أذنها بنعومةٍ لم تتناسب أبدا مع قسوة المشهد.

ساد الصمت، قبل أن ينطق بصوت بارد كالجليد، لكن انبعثت من أعماقه نبرة خوفٍ خفيفة، خفيفة جدا لدرجة أنها كادت لا تُسمع:

_ هل أنتِ بخير؟

نظرت إليه كلاريس من تحت شتات شعرها، وعيناها تلمعان ببريق الكبرياء الجريح.

رُغم الألم الحارق في كاحلها والخدش الذي ينزف على خدها، خرج صوتها حاداً، ممتلئاً بالسم:

_ ليس من شأنك.

تحاملت على نفسها، وغرزت كفيها في التراب تحاول النهوض وحدها، رافضةً تماماً وجوده أو مساعدته.

رفعت جسدها قليلا ، لكن كاحلها الملتوي خانها، لتفقد توازنها وتشرع في السقوط مجددا.

وقبل أن يرتطم جسدها بالأرض، امتدت ذراع لوسيان كالبرق، وتشبثت بخصرها الصغير، جاذبا إياها نحو صدره العريض بقوة.

انحنى نحو وجهها، وهتف بنبرة تملّك طاغية:

_ ممتلكاتي.. من شأني دائما.... كلاريس.

اشتعلت عينا كلاريس بالغضب، ورُغم ضعفها، صرخت في وجهه وهي تحاول دفعه:

_لستُ من ممتلكاتك! لستُ شيئا تملكه أو تتحكم به يا لعين!

لم يهتم لوسيان بكلماتها، وبحركة واحدة خاطفة، انحنى وحملها بين ذراعيه؛ وضع ذراعا صلبة تحت ركبتيها، بينما أسند بذراعه الأخرى ظهرها، ليرفعها عن الأرض كأنها لا تزن شيئا.

بدأت كلاريس تضرب صدره الصلب بقبضتيها الصغيرتين، وتكيل له الشتائم بغضب هستيري وعجز قهرها، لكن لوسيان توقف فجأة عن المشي.

نظر إليها.. نظرة واحدة مرعبة، نظرة مظلمة خلت من أي مشاعر بشرية، نظرة جعلت الدم ييبس في ركبتيها وتوقف لسانها عن الحراك غريزياً. قال بصوتٍ خفيض، يقطر قسوة:

_ربما كان عليّ تركك تموتين هنا، ثم أقتل الوحش بعدها.. عصفوران بحجر واحد ، أربح غنائم الصيد، وأتخلص من إزعاجكِ يا حشرة.

رُغم الرعب الذي جمد أطرافها لثوانٍ بسبب نظرته، إلا أن كبرياء "كلاريس إيلانور كاروث" رفض الانحناء.

ابتسمت ابتسامة جانبية مستفزة، رُغم الندى والدموع التي تزين وجهها، وقالت بنبرة تقطر استهزاءً ببروده:

_إذن، أخطأتَ في الحسابات مجددا يا سيادة الدوق المستقبلي.. فبدل أن تتخلص من الحشرة، ها أنت تحملها بين ذراعيك كأغلى غنائمك.

تجمدت ملامح لوسيان لثوان، وبدت الكلمات المستفزة التي قذفتها في وجهه وكأنها ارتدت عليه سياطا من نار.

نظر إلى شفتيها، ثم إلى عينيها المتحديتين، وفي تلك اللحظة القاتلة.. انكسر شيءٌ في تحكمه الصارم.

فعل شيئا لم يخطط له، شيئا لم يكن مسموحا به في حساباته الباردة، شيئاً جعله هو نفسه يتفاجأ من جرأته..

انحنى ببطء، وهبط برأسه حتى لامست أنفاسه الحارة جبينها، وطبع قبلة دافئة، عميقة، وممتلئة بالتملك فوق جبهتها، تحديدا فوق خصلات شعرها التي أرجعها قبل قليل.

بقيت شفتاه ملتصقتين ببشرتها وهو يهمس بصوت أجش، تداخل فيه الفحيح الشيطاني بنبرة صادقة هزت كيانها:

_ممتلكاتي دائماً أغلى غنائمي... لأنها تحمل اسمي.

اتسعت عينا كلاريس بذهول تام، وشعرت بجسدها يتصلب بين ذراعيه.

الصدمة لجمت لسانها ، فالرجل الذي رمى منديلها تحت الأقدام صباحا ، يقبل جبهتها الآن ويعلنها ملكا له بأكثر الطرق جنونا.

لم تنطق بحرف، وظلت تحدق في ملامحه الجامدة بعيونٍ غارقة في الحيرة والاضطراب.

لم يمنحها وقتا لتستوعب صدمتها.

خطا بها نحو حصانه الأسود الذي كان ينتظر صامتا، وبحركة واحدة قوية وحذرة كحذر الصياد على طريدته، رفعها وثبتها فوق السرج.

قبل أن تحاول الحركة أو الاعتراض، قفز لوسيان بخفة خلفها على صهوة الجواد.

وفي كسر من الثانية، لف ذراعه حول خصرها من الخلف ، وجذب جسدها الرقيق إليه بعنف مبطن ، حتى التصق ظهرها بصدره العريض، ليشعر بنبضات قلبها المتسارعة التي كانت تطرق كطبول الحرب.

أمسك لجام الحصان بيده الأخرى، وهمس بجانب أذنها قبل أن ينطلق بالجواد.

_تحركي، وسأجعل هذه البرية تشهد على عقابكِ.

توقف حيز الزمن في تلك اللحظة عندما لفحت أنفاسه عنقها المكشوف.

في هذا القرب المهلك، انبعثت رائحة أخرى تغلبت على رائحة الموت والبرية..

رائحة دمائها الزكية، الدافئة التي كانت تسيل ببطء من الخدش الصغير على خدّها.

ثارت غريزة لوسيان الملعونة، غريزة عتيقة طالما كبحها بقناع الرخام.

وبحركةٍ تملؤها الرغبة الطاغية، رفع يده الحرة نحو وجهها.

وبأصابعه العارية بعد أن نزع القفاز الأسود بأسنانِه، مسح قطرة الدم السائلة من على وجنتها الشاحبة.

نظرت إليه كلاريس برعب واضطراب، واتسعت عيناها وهي تراه يرفع إصبعه الملطخ بدمائها إلى شفتيه..

ويلعقه ببطء.

تحركت في مجرى دمه عاصفة من اللذة المحرمة، ورغبةٌ جامحة في التهام المزيد، في تمزيق كل شبر منها واحتساء كل قطرة في عروقها.

برزت أنيابه الحادة فورا ،وتحولت عيناه إلى لون أحمر قانٍ كالجحيم المستعر.

حاولت كلاريس الالتفات برأسها لتنظر إليه، مدفوعة بصدمتها وخوفها،

لكن لوسيان في محاولةٍ مستميتة لكبح وحشه الداخلي وحمايتها من رؤية مسخه ضغط بذراعه حول خصرها بقوة أكبر، وألصق ظهرها بصدره العريض مانعا إياها من الالتفات.

أسند ذقنه فوق رأسها بجمود، وحين حاولت تحريك رأسها يمينا ويسارا لتفلت من قبضته، خرج صوته من بين أنيابه المكبوتة، متحشرجا، عميقا، وبكلمة واحدة جمدت أطرافها:

_اثبتي.

وقبل أن تملك القدرة على الاعتراض، ضرب لوسيان الحصان بقدميه غارزا مهمازيه في جنبيه ، لينطلق الجواد الأسود كالسهم الخاطف بسرعة جنونية وسط الأشجار المتشابكة.

شهقت كلاريس بذعر من المفاجأة، وبسبب سرعة الرياح والاهتزاز العنيف، ولأن كاحلها الملتوي منعها من التوازن، لم تجد أمامها سوى لجام الحصان لتتمسك به غريزيا لكي لا تسقط.

امتدت يداها ط وقبضتا على الجلد الخشن.. لتستقر يدها مباشرةً فوق كفه العارية الدافئة.

سرى تيار من الكهرباء بين جسديهما، وشعرت كلاريس بوجنتيها تشتعلان خجلا .

وحاولت سحب يدها بسرعة هربا من هذا القرب الفاضح، لكن لوسيان قلب يدها تحت خاخصته ،و شدّ قبضته أكثر تحت كفها، وهمس بصوت منخفض بجانب أذنها، نبرة تداخلت فيها القسوة بالحماية:

- 'دعيها.'

انصاعت له رغما عنها، وبقيت يدها أسيرةً تحت يده، بينما كان الحصان يطوي الأرض طياً في عمق الغابة، تاركين خلفهما جثة الوحش..

وحطام كبريائهما المبعثر.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

في الجناح الشرقي المطل على حدائق دوقية داركروك، حيث استضاف الدوق مسابقة الصيد.

كانت الأجواء داخل الصالون المخملي لا تقل غليانا عن البرية بالخارج ..لكن الأسلحة هنا لم تكن سيوفا أو قسيا... بل كانت ألسنة تقطر عسلا مسموما.

توسطت الأميرة أليسندرا الجلسة بهيبتها الملكية الصامتة، وعيناها تراقبان الغرفة بحذر .

بينما كانت فكتوريا داركروك تجلس كملكة غير متوجة، تترشف شايها بابتسامة نصر لم تحاول إخفاءها، والمناديل الحريرية تدور حولها الأحاديث كالنار في الهشيم.

حركت الليدي أريانا فاليمونت مروحتها الريشية الفاخرة المطعمة بالذهب، مائلة بجسدها المتأنق وفق أحدث صيحات موضة العاصمة، وقالت بنبرة تحمل فضولا حارقا:

_أوه يا إلهي.. ما زلتُ لا أصدق عينيّ مما حدث عند خط البداية! لوسيان.. أقصد سيادة الدوق، قَبِل منديل فكتوريا أمام الملأ وداس على كرامة خطيبته .. أليس هذا إعلانا رسمياً لترتيب العروش؟

ضحكت فكتوريا ضحكة خافتة وراقية، مررت بها أصابعها على فستانها المخملي، وقالت ببرود متقن:

_ عزيزتي أريانا، الأمر لا يحتاج إلى ذكاء تجاري كذكاء والدكِ الماركيز.. الدوق رجل واجب، والواجب يقتضي أن يختار من تليق بمقامه وتسانده، لا من تشكل عبئا على دوقيته.

هنا, دخلت الليدي ميرابيل روينكاستل على الخط بحنكتها المعهودة وحدة ذكائها العسكري المستمد من والدها الفيكونت، أمالت رأسها بابتسامة جانبية ساخرة وقالت وهي تضع فنجانها:

_ ربما يا فكتوريا.. لكن دعونا لا ننسى المفاجأة الأكبر التي جعلت دماء الجميع تتدفق! سمو ولي العهد كايلم.. وضع منديل كلاريس فوق قلبه مباشرة! فوق قلبه يا ليديات! وبنظرة تحد كادت تحرق الخيام.. هذا لا يبدو كـ"واجب روتيني"، بل يبدو كـ"إعلان حرب عاطفية.

امتعض وجه فكتوريا لثوان ، فالحديث عن كايلم يفسد متعة نصرها.

وفي تلك اللحظة، علقت الليدي إيزولدا مارشوين بصوتها الحالم الذي اعتادت عليه في دور الأوبرا، قائلة وهي ترتب فستانها:

_المشهد كان دراميا كافتتاحية أوبرا مأساوية.. لكن، هل لاحظتن شيئا آخر؟ لستُ وحدي من رأت جيمس.. معشوق النساء وصاحب الساحة الجديد.. كان يحمل منديلا مطرزا بخيوط حريرية غريبة! من عساها تكون المرأة السرية التي تجرأت على إعطاء منديلها لرجل كجيمس؟

تحركت العيون كلها في الغرفة بترقب، وبدأت الهمسات تتعالى والتحليلات تتضارب حول هوية صاحبة المنديل السري، مستعرضات أسماء بنات النبلاء واحدة تلو الأخرى.

وسط كل هذا الصخب والنميمة، وضعت الأميرة أليسندرا فنجان شايها بقوة على الطاولة الذهبيه، ليحدث صوتا رنانا أسكت الجميع فورا.

نظرت أليسندرا إلى فكتوريا وعيناها تلمعان ببريق ملكي حاد، وقالت بنبرة جليدية هزت أركان الصالون:

_تتحدثن عن المناديل والكرامة وكأنكن في سوقٍ عامة، ليديات.. أخي كايلم لا يضع شيئا فوق قلبه عبثا , وكلاريس ليست امرأة يمكن لألسنتكن أن تنهشها في غيابها. المسابقة ما زالت في بدايتها.. والغنائم لا تُحسم إلا عندما يعود الفرسان. وأنتِ يا فكتوريا.. حذارِ أن يغركِ منديلٌ قد يكون الدوق قبله فقط ليُمسح به غبار البرية.

ساد الصمت المطبق في الصالون، وتجمدت الابتسامة على شفتي فكتوريا، بينما تبادلت الليديات أريانا، إيزولدا، وميرابيل نظرات متوترة..

فالأميرة أعلنت ولاءها بوضوح، واللعبة السياسية في القصر أصبحت مكشوفة تماما.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

بينما كان الصمت المطبق لا يزال يخيم على الصالون بعد كلمات الأميرة أليسندرا، تعالت أصوات جلبة مفاجئة من الخارج.

تحركت الليديات نحو الشرفة بفضول، لتتسع عيون الجميع بصدمة لجمت الألسنة.. حتى فكتوريا سقط فنجانها كاد ينكسر.

من بين ضباب الغابة، ظهر الجواد الأسود الخاص بلوسيان يسير بخطوات هادئة.. ولم يكن وحده.

كانت كلاريس تجلس أمامه، مستندة براحتها على صدره العريض بعد أن زالت عنه تلك الحالة الوحشية، ويده العارية لا تزال مستقرة فوق يدها على اللجام بتلقائية مرعبة.

بدا المشهد للجميع وكأنه لوحة فرنسية قديمة عن "فارس يحمي أميرته"، مشهد نسف كل ادعاءات فكتوريا عن إهانته لكلاريس صباحا.

لم تنتظر أليسندرا ثانية واحدة؛ رفعت أطراف فستانها وركضت نحو الساحة تتبعها نظرات الليديات المذهولة.

توقف الحصان، وبدل أن يترك لوسيان كلاريس تنزل بمفردها كالعادة، انحنى ولف أصابعه الطويلة حول خصرها مجددا ، ليرفعها ويهبط بها هو بنفسه إلى الأرض بعناية فائقة رغما عن كبريائه.

تراجع خطوة، ونظر إلى كاحلها الملتوي، ثم قال بنبرة غضب مصطنعة، حملت في طياتها مزاحا خفيا لم يعتده أحد منه:

_سيفوز كايلم بهذه المسابقة حتماً.. لأنكِ تسببتِ في تأخيري أيتها الحشرة.

رغم الألم، لم تفقد كلاريس حدة ذكائها، ونظرت إليه بتحدٍ قائلة:

_لا.. ربما سيفوز لأن منديلي يجلب الحظ.

ارتسمت على شفتي لوسيان ابتسامة جانبية غامضة، وأجابها وهو يعدل قفازه:

_لا، ليس منديلكِ.. بل اتجاه الشمال.

استغربت كلاريس وعقدت حاجبيها:

_الشمال؟!

تابع لوسيان وعيناه تتلاقيان مع عينيها بكيمياء مفاجئة خطفت أنفاس الحاضرين:

_نعم، الشمال.. يقول ولي العهد دائما أنه إذا اتجه للشمال، ستهبه البرية غنائم ضخمة.

لم تتمملك كلاريس نفسها، واطلقت ضحكة ناعمة وعذبة خطفت الأنظار، وقالت:

_وهل ولي عهد الإمبراطورية يعتمد على الحظ؟

في تلك اللحظة وصلت أليسندرا، وامتزجت ضحكتها بضحكتهما وهي تتدخل قائلة:

_أخي لا يزال حتى اليوم يبحث عن نبتة البرسيم ذات الأربع أوراق في كل زاوية! إنه يؤمن بهذه الخرافات.

ضحك الثلاثة معا في مشهد دافئ وساحر، وعلقت كلاريس بنبرة مستهزئة ومحببة:

_إذن.. سيحكم الإمبراطورية بالحظ أيضا!

كانت الأجواء من حولهم قد تجمدت تماما.

النبلاء، فكتوريا، والليديات من الشرفة، الجميع كانوا يتهامسون بصدمة ذهول.

أين البرود الجليدي؟ أين الإهلال ورفض المنديل؟ الكيمياء العفوية والضحك المتبادل بين لوسيان وكلاريس أثبتا للجميع أن ما حدث صباحا لم يكن إلغاء لوجودها.. بل كان بداية للعبة أكثر عمقاً وخطورة.

بعد أن خفتت ضحكاتهم، ونزل ذلك الدفء المفاجئ كالسحر بين الثلاثة، تراجع لوسيان خطوة ونظر إلى الأرض، حيث كاحل كلاريس المحمر والمائل.

تلاقت عيناه بعينيها مجددا، وسألها بنبرة جافة وعادية تدارك بها مرحه السابق:

_هل تستطيعين السير بمفردكِ الآن؟

رفعت كلاريس ذقنها بكبرياء وعناد لا ينطفئ:

_بالتأكيد أستطيع.

خطت خطوة واحدة إلى الأمام، لكن جسدها اهتز بعنف وبدأت تعرج بوضوح، كاحلها الملتوي لم يكن قادرا على حمل ثقلها.

وقبل أن تصنع محاولة أخرى وتؤذي نفسها، انحنى لوسيان بسرعة خاطفة وبلا أي تردد، ولف ذراعيه حولها ليرفعها بين يديه للمرة الثانية هذا الصباح!

شهقت الليديات من على الشرفة، وتجمدت الدماء في عروق فكتوريا وهي تراه يحملها "علنا" وأمام حشد النبلاء بأكمله.

لم يلتفت لوسيان لأحد، ولم يعط أي اعتبار لهمسات الصدمة التي ملأت المكان.

سار بوجاهته المعهودة وخطواته الواثقة، حاملا كلاريس بين ذراعيه ليعبر بها الممرات الفخمة، متوجها مباشرة إلى الداخل.. نحو الجناح المشترك.

تبعتهم أليسندرا بخطوات متسارعة وقلق حقيقي يرتسم على ملامحها الملكية.

بمجرد دخلوهم إلى الجناح، وضع لوسيان كلاريس فوق الأريكة المخملية بحذر شديد، ثم التفت نحو الأميرة أليسندرا التي كانت تقف عند الباب.

عدل ياقة سترة دوقيته، ونطق بصوتٍ هادئ وعميق عادت إليه نبرة السيطرة:

_سمو الأميرة.. هل يمكنكِ البقاء معها والاعتناء بها لبعض الوقت؟ سأذهب بنفسي لإحضار الطبيب لفحص كاحلها.

نظرت إليه أليسندرا بابتسامة نصر خفية، وأومأت برأسها قائلة:

_بالطبع يا لوسيان، اذهب وأنا سأبقى بجانبها.

ألقى لوسيان نظرة أخيرة باردة ومبهمة نحو كلاريس الملقاة على الأريكة، نظرة حملت في طياتها مئة حكاية وحكاية، ثم التفت وخرج من الجناح تاركا خلفه عاصفة من التساؤلات، وجحيما مشتركا بدأ يشتعل ببطء في قلوب الجميع.

✦⊹˚༺☆༻˚⊹✦

بمجرد أن أُغلق الباب وخفتت خطوات لوسيان في الممر، تلاشت تلك الهيبة الرسمية التي كانت تغلف المكان.

تنهدت أليسندرا بعمق، وتحركت بسرعة لتجلس على حافة الأريكة بجانب كلاريس، ممسكة بيديها وعيناها تلمعان بفضول وحماس لا يليق بأميرة الإمبراطورية، بل بصديقة مقربة تنتظر التفاصيل على جمر.

قالت بنبرة عفوية ممتلئة بالدلال:

_أوه، ريس! أقسم أنني كدت أصفق في الساحة! وجه فكتوريا كان يبدو وكأنها تجرعت سما قاتلا!!

أخبريني، ماذا حدث في الغابة بحق الجحيم؟ كيف تحول ذلك الحمار الجليدي إلى فارس يحملك أمام الجميع؟

أرجعت كلاريس رأسها إلى الخلف على وسادة الأريكة المخملية، وقلبت عينيها بتعبير يمتزج فيه القرف الشديد من تصرفاته، مع نبرة خفية عجزت عن إخفاء إعجابها وذهولها مما جرى.

تلمست خدها مكان الخدش الخفيف، وقالت بنبرة ممتعضة:

_لا تذكريني يا أليس.. الرجل مصاب بانفصام حاد في الشخصية حتماً! في لحظة يرمي منديلي، وفي اللحظة الأخرى يظهر كالإعصار ليقطع رأس وحش عظمي في رمشة عين! والأكثر قرفاً وجنونا....

صمتت كلاريس لثوانٍ، وشعرت بوجنتيها تسخنان غصبا عنها وهي تتذكر قطرة الدم والقبلة المفاجئة على جبهتها، فتابعت بصوت خفيض:

_لقد نزع قفازه ومسح دمي.. ثم لعقه! نعم، كما أقول لك، لعقه ببرود! ثم قبل جبهتي وقال بوقاحته المعتادة أنني من ممتلكاته الغالية لأنني أحمل اسمه! رجل مجنون ومستفز، تمنيتُ لو صفعته على وجهه الرخامي ذلك!

اتسعت عينا أليسندرا بصدمة، ثم تحولت ملامحها ببطء إلى ابتسامة خبث وانتصار عارمة. دفعت كتف كلاريس بخفة ودلال، واطلقت ضحكة رنانة وممتلئة بالمرح قائلة:

_أوه، ريس.. توقفي عن التمثيل! لقد وقع كلاكما.. وقعتما تماماً ولا مجال للإنكار الآن!

_نهاية الفصل_

احمممممم عارفة أولا تأخرت كتييييررررر

و ثانيا الفصل قصيييررررر

بس بالله عليكم فصل نار مليء فراشات 😭🦋✨



و هههههههههههههههههههههههههههههههه

ذي المرة ماعندي اعذار لانو عذر اقبح من ذنب

لكن اوعدكم اني اصير انزل فصل كل أحد

سويت تصويت بالانستا و الكل اختار 13pm

و انا أصلا اصحى على ذا الوقت فأظن أنو أفضل وقت هو 17pm طبعا بتوقيت الجزائر و كل واحد يشوف التوقيت حسب دولتو 🙂✨✨

الان خبروني شو رايكم بلوسيان صار جنتل مان صح 🌚🦋✨✨✨✨

فصل كلو فرشات كنت أكتب أدور البيت كلو و أكمل

ولكككككك كنت أصارخ بالمخدة و اقرأ وش كتبت و أقول ✨انا كتبت ذا✨

مهم فرشاااتتتتتتت 😭 😭 🦋🦋🦋✨

نختمها بخاتمنا المعتادة 🫠🎀✨

إلى كل من عاش معي أحداث الفصل السابع، وابتسم وتأثر واحتبس أنفاسه مع تقلبات هذا العالم...

▪شكرًا لأنكم منحتموني وقتكم ومشاعركم، وشكرًا لأنكم كنتم الرفاق الأجمل في هذه الرحلة.

▪أعدكم أن الفصول القادمة ستأخذكم إلى أعماق أكثر إثارة، حيث تتشابك الخيوط وتتصاعد المفاجآت، وتنكشف أسرار لم يكن أحد يتوقعها.

_عدد الكلمات هو :3331 كلمة

وتذكروا دائمًا... "أنتم نبض هذه الحكاية ، و لكم تنبض سطورها "

▪أحبكم ♡ يا نجومي ☆

-كاتبتكم آريا♤-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدوق الأزلي

المؤلف ar._ya
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة