دق جرس انتهاء اليوم الدراسي، لتبدأ القاعات في إفراغ الطلاب واحدًا تلو الآخر.
أغلقت نورين كراسة الرسم بحذر، ثم ألقت نظرة أخيرة على اللوحة.
لم يتغير شيء... لكنها لم تستطع التخلص من ذلك الشعور الغريب الذي لازمها منذ الصباح.
وضعت أدواتها داخل الحقيبة، ثم أغلقتها بإحكام، وكأنها تحاول أن تغلق معها كل الأسئلة التي تدور في رأسها.
التفتت إليها سلمى وهي تجمع أغراضها.
"هتيجي الكافيتريا؟"
هزت نورين رأسها بأسف.
"مقدرش... لازم أروح الشغل."
تنهدت سلمى.
"إنتِ بجد بتتعبي نفسك أوي."
ابتسمت نورين ابتسامة هادئة.
"كلها كام ساعة وخلاص."
ثم تذكرت إعلان المسابقة، فقالت:
"على فكرة... هكلم ماما النهارده في موضوع مسابقة الخيل."
ابتسمت سلمى بحماس.
"وافقي وخلاص... عندي إحساس إنك هتكسبيها."
ضحكت نورين.
"ادعي بس توافق الأول."
خرجتا معًا من مبنى الكلية، ثم افترقتا عند البوابة.
لوحت سلمى بيدها وهي تبتعد.
"أشوفك بكرة."
ابتسمت نورين وقالت:
"إن شاء الله."
غادرت نورين بوابة الجامعة، ثم اتجهت بخطواتٍ هادئة نحو الشارع الرئيسي.
كان الزحام قد بدأ يشتد مع انتهاء اليوم الدراسي، واصطفت السيارات على جانبي الطريق، بينما تعالت أصوات المارة من حولها.
رفعت يدها قليلًا، فتوقفت سيارة أجرة بالقرب منها.
فتحت الباب الخلفي وجلست، ثم قالت للسائق:
"لو سمحت... على حضانة البراعم."
أومأ الرجل برأسه، وانطلقت السيارة تشق طريقها وسط ازدحام المدينة.
أسندت نورين رأسها إلى النافذة، وأخرجت هاتفها من حقيبتها.
ابتسمت ابتسامةً خفيفة وهي تضغط على اسم والدتها.
لم يمر سوى ثوانٍ حتى جاءها صوتها الدافئ:
"أيوه يا حبيبتي، خلصتي محاضرات؟"
ارتسمت على شفتي نورين ابتسامةٌ هادئة، ثم قالت: وهي تنظر من نافذة السيارة.
"آه يا ماما... ولسه رايحة الشغل."
قالت والدتها بحنان:
"ربنا يقويكي يا نورين... أكلتي حاجة ولا لسه؟"
ضحكت بخفة.
"لسه، هبقى آكل بعد الشغل."
تنهدت الأم قائلة:
"بلاش تهملي أكلك يا بنتي."
أجابت نورين بهدوء:
"حاضر يا ماما."
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتذكر نورين ما كانت تريد قوله.
"ماما... كنت عايزة أكلمك في موضوع."
جاءها صوت والدتها باهتمام:
"خير يا حبيبتي؟"
قالت نورين بحماسٍ لم تستطع إخفاءه:
"الجامعة أعلنت عن مسابقة فروسية، والجايزة السنة دي مليون جنيه... وأنا بفكر أشارك."
ساد صمتٌ قصير عبر الهاتف.
انعقد حاجبا نورين قليلًا.
"ماما؟"
أجابتها والدتها بهدوء:
"الموضوع ده محتاج نتكلم فيه براحتنا."
تنهدت نورين، لكنها ابتسمت.
"يعني لما أرجع؟"
قالت والدتها:
"آه... لما ترجعي البيت، ونتكلم أنا وإنتِ وبابا."
أومأت نورين، رغم أن والدتها لا تراها.
"تمام يا ماما."
ابتسمت الأم وقالت:
"دلوقتي ركزي في شغلك، وخلي بالك من نفسك."
ابتسمت نورين بحنان.
"حاضر... سلام."
قالت والدتها:
"مع السلامة يا حبيبتي."
أنهت المكالمة، وأعادت الهاتف إلى حقيبتها، ثم أطلقت زفرةً هادئة.
لم تكن تعرف إن كانت تشعر بالحماس... أم بالتوتر.
لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا...
أنها لن تتخلى عن حلمها بسهولة.
رفعت رأسها عندما بدأت السيارة تُبطئ سرعتها، قبل أن تتوقف أمام مبنى صغير تزينت واجهته برسوماتٍ ملونة، وعبارة كبيرة كُتب عليها:
"حضانة البراعم."
ابتسمت نورين تلقائيًا، ثم دفعت الأجرة، وترجلت من السيارة.
وما إن اقتربت من البوابة...
حتى جاءها من الداخل صوت ضحكات الأطفال، لتختفي كل أفكارها للحظات، ويرتسم على وجهها ذلك الدفء الذي لا يظهر إلا حين تكون بينهم.
دفعت نورين بوابة الحضانة برفق، وما إن خطت إلى الداخل حتى استقبلتها الألوان الزاهية التي تزين الجدران، ورسومات الحيوانات والأحرف المعلقة في كل مكان.
ولم تكد تخطو بضع خطوات...
حتى دوى صوتٌ صغير من آخر الممر:
"مس نورين جت!"
التفتت عدة رؤوس صغيرة نحوها في اللحظة نفسها.
وما هي إلا ثوانٍ، حتى ركض أكثر من طفل باتجاهها، بينما تعالت ضحكاتهم في أرجاء المكان.
انحنت نورين بسرعة، وفتحت ذراعيها لتستقبلهم.
"إزيكم يا أبطال؟"
تعلقت طفلة صغيرة برقبتها وهي تضحك.
"إنتِ اتأخرتي النهارده."
ابتسمت نورين وهي تربت على شعرها برفق.
"عشان كنت في الكلية يا سارة."
اقترب طفل آخر وهو يرفع يديه إليها.
"شيليني يا مس."
ضحكت وهي تحمله بين ذراعيها.
"يا سلام... إنت تقيل أوي يا عمر."
هز رأسه باعتراض، وقال بثقة:
"لأ... أنا بقيت كبير."
ضحكت نورين، ثم أنزلته برفق على الأرض.
في تلك اللحظة، خرجت مديرة الحضانة من إحدى القاعات، وما إن رأت المشهد حتى ابتسمت.
"واضح إن الأولاد كانوا مستنيينك."
التفتت إليها نورين باحترام.
"مساء الخير يا أستاذة هدى."
ابتسمت المديرة.
"مساء النور يا نورين. الحمد لله إنك وصلتي، الأطفال من الصبح بيسألوا عليكي."
شعرت نورين بدفءٍ يسري في قلبها، ثم نظرت إلى الصغار الذين التفوا حولها.
ابتسمت دون أن تشعر.
كان هذا المكان، رغم بساطته...
يمنحها راحةً لا تجدها في أي مكان آخر.
قالت المديرة وهي تشير إلى إحدى القاعات:
"يلا يا مس نورين، مستنيينك علشان نشاط الرسم."
اتسعت ابتسامة نورين.
"حاضر."
صفقت بيديها برفق وهي تنظر إلى الأطفال.
"يلا يا شطار... كل واحد على مكانه."
ركض الصغار إلى القاعة بحماس، بينما تبعتهم نورين بخطواتٍ هادئة.
داخل القاعة، جلست مجموعة الأطفال حول الطاولات الصغيرة، وقد وُضعت أمامهم الأوراق والألوان الخشبية.
جلست نورين بينهم، ثم قالت بابتسامة:
"النهارده هنرسم الحاجة اللي نفسنا نبقى عليها لما نكبر."
ارتفعت الأيدي الصغيرة في الهواء.
"أنا دكتور!"
"وأنا ظابط!"
"وأنا طيار!"
ضحكت نورين وهي تستمع إلى أحلامهم البريئة.
وقبل أن تبدأ، رفعت طفلة صغيرة ذات ضفيرتين يدها بخجل.
"مس نورين..."
التفتت إليها بابتسامة.
"نعم يا جنى يا حبيبتي؟"
خفضت الصغيرة رأسها قليلًا، ثم قالت بصوتٍ خافت:
"ممكن... ترسميني أميرة؟"
ساد صمتٌ قصير.
ثم ابتسمت نورين ابتسامةً دافئة، وأومأت برأسها.
"طبعًا."
سحبت ورقةً بيضاء، وأمسكت قلم الرصاص.
وبدأت يدها تتحرك بانسياب، ترسم فستانًا طويلًا، وتاجًا صغيرًا، وملامح طفولية بريئة تشبه جنى.
لم تستغرق سوى دقائق قليلة...
حتى دفعت الورقة نحو الصغيرة.
اتسعت عينا جنى بفرحة، واحتضنت الرسمة إلى صدرها.
"دي أنا؟"
ضحكت نورين.
"أيوه... أميرتنا الجميلة."
ابتسمت جنى ابتسامةً واسعة، ثم قالت بحماسٍ طفولي:
"أنا لما أكبر... هبقى أميرة بجد."
ضحك الأطفال جميعًا، بينما نظرت نورين إليها بحنان، وقالت:
"كل بنت تقدر تبقى أميرة... بأخلاقها، وقلبها الطيب."
سادت القاعة لحظةٌ من الدفء، قبل أن يعود الأطفال إلى ضحكاتهم، وقد امتلأت الأوراق بالألوان والأحلام الصغيرة.
وفي زاوية القاعة...
وقفت الأستاذة هدى تراقب نورين بصمت، ثم ابتسمت وهي تتمتم لنفسها:
"ربنا يوفقك يا بنتي... واضح إن مكانك الحقيقي وسط الأطفال."
انشغل الأطفال بالرسم، بينما أخذت نورين تتنقل بين الطاولات، تساعد هذا، وتصحح لذلك، وتبتسم لكل من يناديها.
في الجهة الأخرى من القاعة، كانت الأستاذة منى تساعد مجموعةً من الأطفال في تلوين رسوماتهم، بينما انشغلت الأستاذة ريهام بتعليم الصغار أغنيةً جديدة، في حين كانت الأستاذة سارة تجهز بعض الألعاب التعليمية استعدادًا للنشاط التالي.
سادت الحضانة أجواءٌ من البهجة، وامتزجت ضحكات الأطفال بالأغاني البسيطة التي ترددت في أرجاء المكان.
مرّت الساعات سريعًا، ولم تشعر نورين بمرور الوقت وهي تتابع الصغار بابتسامةٍ لم تفارق وجهها.
وقبل انتهاء الدوام بقليل، دخلت الأستاذة هدى إلى القاعة، وقالت بابتسامة:
"يلا يا جماعة... أولياء الأمور بدأوا يوصلوا."
بدأت المعلمات في تجهيز الأطفال لمغادرة الحضانة، فتقدمت نورين نحو جنى، وعدلت لها شريط شعرها برفق، ثم ساعدت عمر في ارتداء حقيبته الصغيرة.
وما هي إلا دقائق، حتى بدأ أولياء الأمور يتوافدون واحدًا تلو الآخر، وامتلأت الحضانة بأصوات السلام والتحية.
كان كل طفل يغادر وهو يلوح بيده قائلًا:
"مع السلامة يا مس نورين."
فترد بابتسامتها المعتادة:
"مع السلامة يا حبيبي... أشوفك بكرة."
وبعد مغادرة آخر طفل، خيم الهدوء على المكان من جديد.
أطلقت نورين زفرةً طويلة، ثم بدأت تجمع أوراق الرسم والألوان المتناثرة فوق الطاولات.
اقتربت منها الأستاذة منى وهي تبتسم، وقالت:
"كالعادة... الأطفال مش عايزين يمشوا غير لما يسلموا عليكي."
ابتسمت نورين بخجل وهي ترتب الأدوات.
"أنا اللي بتعلق بيهم أكتر."
ضحكت الأستاذة منى، ثم ربتت على كتفها.
"ربنا يديم قلبك الحنين."
وفي تلك اللحظة، خرجت الأستاذة هدى من مكتبها وهي تحمل حقيبتها.
"يلا يا بنات... خلاص كده، أشوفكم بكرة إن شاء الله."
ابتسمت المعلمات وودعن بعضهن، ثم أغلقت نورين أنوار القاعة، وحملت حقيبتها، وغادرت الحضانة مع زميلاتها.
كان الهواء قد أصبح أكثر برودة، بينما بدأت الشمس تختفي خلف المباني، معلنةً اقتراب المساء...
أما نورين...
فلم تكن تعلم أن هذا الهدوء لن يدوم طويلًا.
خرجت نورين من الحضانة بعد أن ودعت زميلاتها، ثم أغلقت البوابة خلفها وهي تعدل حقيبتها على كتفها.
ولم تكد تخطو بضع خطوات، حتى سمعت صوتًا صغيرًا يناديها من الخلف:
"مس نورين... استني!"
التفتت بسرعة، لتجد جنى تركض نحوها بخطواتٍ صغيرة، بينما كانت والدتها تسير خلفها وهي تبتسم.
انحنت نورين إلى مستوى الطفلة، وقالت بابتسامة:
"خير يا جنى؟"
وقفت الصغيرة أمامها، ثم مدت يدها الصغيرة إليها.
كان بين أصابعها قلم الرصاص الذي اعتادت نورين الرسم به.
اتسعت عينا نورين قليلًا، ثم تحسست جيب حقيبتها، قبل أن تضحك بخفة.
"يا نهار... ده قلمي!"
ابتسمت والدة جنى وقالت:
"جنى لقيته في شنطتها وهي بتطلع كراسة الرسم، وأصرت ترجع تجري علشان تديهولك."
هزت جنى رأسها بحماس، وهي تمد القلم نحوها أكثر.
"ده بتاعك يا مس."
أخذت نورين القلم برفق، ثم ربتت على رأسها بحنان.
"شكرًا يا حبيبتي... لولاكي كان زماني ضيعته."
ابتسمت جنى بفخر، ثم رفعت كراسة الرسم التي كانت تحتضنها بين ذراعيها.
"بصي..."
فتحت الكراسة بسرعة، لتظهر الرسمة التي رسمتها لها نورين منذ قليل.
كانت ترتدي فستانًا طويلًا، يعلوه تاجٌ صغير، وخلفها قصرٌ تحيط به حديقةٌ واسعة.
وفي أسفل الرسمة، كُتبت عبارةٌ بخطٍ أنيق:
"إلى أميرتنا الصغيرة... لا تتوقفي عن الحلم."
ابتسمت نورين دون أن تشعر، بينما كانت جنى تحدق في الرسمة بعينين تلمعان بالسعادة.
"هعلقها في أوضتي."
ابتسمت والدتها وهي تنظر إلى ابنتها، ثم قالت:
"من ساعة ما خلصتِ الرسمة وهي مش راضية تقفل الكراسة، وكل شوية تفتحها تبص عليها."
ضحكت نورين بخجل.
"يبقى تحافظي عليها كويس يا جنى."
احتضنت الصغيرة الكراسة إلى صدرها بقوة، ثم قالت بثقةٍ طفولية:
"ولما أكبر... هبقى أميرة بجد."
ربتت نورين على رأسها بحنان، وقالت بابتسامة دافئة:
"وأنا متأكدة إنك هتبقي أحسن أميرة... لأن الأميرة الحقيقية مش بالتاج، لكن بأخلاقها وقلبها."
اتسعت ابتسامة جنى، ففتحت ذراعيها الصغيرتين دون تردد.
ضحكت نورين بخفة، ثم حملتها بين ذراعيها واحتضنتها بحنان.
"إيه يا ستي؟ ده أنا كده مش هعرف أمشي."
ضحكت جنى وهي تطوق عنقها بذراعيها الصغيرتين، ثم همست:
"أنا بحبك أوي يا مس نورين."
شعرت نورين بدفءٍ يغمر قلبها، فربتت على ظهرها برفق، وقالت بابتسامة:
"وأنا كمان بحبك يا جنى."
نظرت والدة جنى إليهما بابتسامةٍ دافئة، ثم قالت:
"شكرًا يا آنسة نورين... بجد، بنتي بقت بتحب تيجي الحضانة بسببك."
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نورين.
"ده من ذوق حضرتك... وجنى بنت جميلة ومؤدبة."
ثم أنزلت نورين جنى برفق على الأرض، وانحنت قليلًا لتطبع قبلةً حانية على رأسها.
ابتسمت الصغيرة بسعادة، بينما اقتربت والدتها منها وأمسكت بيدها برفق، ثم قالت:
"يلا يا جنى... قولي ل مس نورين مع السلامة."
رفعت جنى يدها الأخرى تلوح بكل حماس، وقالت بابتسامةٍ واسعة:
"مع السلامة يا مس نورين... أشوفك بكرة."
ضحكت نورين بخفه ولوحت لهما بيدها.
"مع السلامة يا أميرتنا الصغيرة."
تشابكت أصابع جنى مع أصابع والدتها، وانطلقتا معًا في طريقهما، بينما ظلت نورين تتابعهما بنظرها حتى ابتعدتا.
ثم أطلقت زفرةً هادئة، وعدلت حقيبتها على كتفها، قبل أن تستأنف طريقها بخطواتٍ هادئة، بينما كانت أشعة الشمس تميل شيئًا فشيئًا نحو الغروب، لتغمر الشوارع بلونٍ ذهبي دافئ.
نظرت إلى الساعة في هاتفها، ثم ابتسمت ابتسامةً صغيرة.
"لسه بدري شوية..."
كان بإمكانها أن تستقل سيارة أجرة مباشرة إلى الموقف، لكنها لم تشعر برغبةٍ في ذلك.
بعد يومٍ طويل بين المحاضرات والعمل في الحضانة، كانت تحتاج إلى بضع دقائق من الهدوء.
لذلك قررت أن تتمشى قليلًا.
سارت على الرصيف بخطواتٍ بطيئة، بينما كانت المحال التجارية على جانبي الطريق تبدأ في إضاءة واجهاتها استعدادًا للمساء، وتعالت أصوات الباعة والمارة من حولها، لتمنح المكان حياةً لا تهدأ.
مرّت أمام محلٍ لبيع الألعاب، فتوقفت للحظة.
ابتسمت وهي ترى دميةً صغيرة ترتدي فستانًا وتاجًا ذهبيًا.
فضحكت بخفوت وهي تتمتم:
"أكيد جنى كانت هتحبها."
ثم هزت رأسها وهي تبتعد.
"بقيت أفكر في الأطفال حتى بعد الشغل."
واصلت سيرها، والنسيم يداعب خصلات شعرها، بينما أخذت تستعيد في ذهنها أحداث يومها...
حديث سلمى...
إعلان مسابقة الفروسية...
ابتسامة جنى...
ثم الرواية السوداء.
اختفت ابتسامتها تدريجيًا.
تنهدت وهي تهمس لنفسها:
"إيه سر الرواية دي بس..."
شدّت على حقيبة كتفها دون وعي، ثم تابعت سيرها في اتجاه الموقف، غير مدركةٍ أن خطواتها كانت تقودها إلى اللحظة التي ستغيّر حياتها إلى الأبد.
واصلت نورين السير بخطواتٍ هادئة، بينما بدأ الليل يبسط ستاره على المدينة شيئًا فشيئًا، وأضاءت أعمدة الإنارة على جانبي الطريق، لتمنح الشوارع دفئًا هادئًا رغم ازدحامها.
وما إن قطعت مسافةً قصيرة، حتى شعرت بمعدتها تعلن احتجاجها.
توقفت وهي تضع يدها على بطنها، ثم أطلقت ضحكةً خافتة.
"حقك عليا... من الصبح وإحنا على كام كوباية شاي."
ألقت نظرةً حولها، فوقعت عيناها على مطعمٍ صغير يبيع المأكولات السورية، يتصاعد من أمامه دخان الشواء وتفوح منه رائحة التوابل الشهية.
ابتسمت، ثم اتجهت إليه.
وقفت أمام البائع وقالت بابتسامة:
"لو سمحت... ساندويتش كبدة سوري."
أومأ البائع وهو يباشر إعداد الطلب، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى ناولها الساندويتش ملفوفًا بعناية.
شكرته، وسددت ثمنه، ثم واصلت طريقها وهي تحمله بين يديها.
ولمّا وصلت إلى موقف الحافلات، وجدته هادئًا على غير المعتاد.
ألقت نظرةً سريعة حولها، ثم جلست على أحد المقاعد الخشبية تنتظر وصول الحافلة.
فتحت غلاف الساندويتش، وما إن همّت بأخذ أول لقمة، حتى شعرت بشيءٍ يحتك برفقٍ بحذائها.
خفضت بصرها.
كانت قطةٌ صغيرة، يغطي الفراء الأبيض معظم جسدها، وتتخلله بقعٌ برتقالية حول أذنيها وذيلها، تقف أمامها وهي تحدق إليها بعينين واسعتين.
لانت ملامح نورين تلقائيًا.
"إيه يا ستي... جعانة؟"
أطلقت القطة مواءً خافتًا، وكأنها تجيبها.
ضحكت نورين بخفة، ثم قطعت قطعةً صغيرة من الساندويتش، ووضعتها أمامها بحذر.
اقتربت القطة ببطء في البداية، ثم بدأت تأكلها بسرعة، وكأنها لم تتذوق الطعام منذ وقتٍ طويل.
راقبتها نورين بابتسامةٍ دافئة، ثم هزت رأسها وهي تقول:
"بالراحة... محدش هيخطفه منك."
رفعت القطة رأسها للحظة، ثم عادت إلى طعامها، بينما كانت ذيلها الصغير يتحرك يمينًا ويسارًا.
تنهدت نورين وهي تراقبها.
"شكلك تعبتي النهارده إنتِ كمان."
أنهت القطة آخر قطعة، ثم اقتربت منها قليلًا، وأخذت تداعب ساقها برأسها الصغير.
ضحكت نورين، وانحنت قليلًا، تربت على رأسها برفق.
"خلاص... كده بقينا أصحاب؟"
أغمضت القطة عينيها للحظة، وأطلقت مواءً قصيرًا، قبل أن تتحرك مبتعدة ببطء بين المارة.
ظلت نورين تتابعها بابتسامة، حتى اختفت، ثم تمتمت:
"ربنا يحرسك."
ثم عادت لتكمل ساندويتشها، بينما أخذت السماء تزداد زرقةً مع اقتراب المساء، وأضاءت أعمدة الإنارة الواحدة تلو الأخرى.
أنهت نورين آخر لقمةٍ من ساندويتشها، ثم أغلقت الغلاف الورقي وألقته في سلة المهملات القريبة.
تنهدت براحة، ثم مدت يدها إلى حقيبتها تبحث عن زجاجة الماء.
أخرجتها، وارتشفت منها عدة رشفات، قبل أن تمسح شفتيها بظاهر يدها.
ثم أخرجت هاتفها لتتفقد الوقت.
انعقد حاجباها قليلًا.
"الساعة بقت تمانية؟"
رفعت رأسها تنظر إلى الطريق الممتد أمامها.
كانت أضواء السيارات تنعكس فوق الإسفلت، بينما ازدادت نسمات الهواء برودةً مع دخول الليل.
ابتسمت بخفة، وهمست لنفسها:
"واضح إن الشتا قرب..."
أعادت الهاتف إلى الحقيبة، ثم همّت بإغلاقها.
لكن...
توقفت.
لامست أصابعها الغلاف الجلدي الأسود المألوف.
سحبت الرواية ببطء، وحدقت فيها للحظات.
"إنتِ لسه معايا؟"
مررت إبهامها فوق عنوانها.
«ورثة الخداع»
تنهدت، ثم فتحتها بلا اهتمام، وكأنها أرادت فقط أن تتأكد من شيء.
لكن...
اختفت أنفاسها.
كانت الصفحة الأولى...
بيضاء.
رمشت أكثر من مرة.
قلبت الصفحة التالية.
ثم التي بعدها.
ثم أخرى...
وأخرى...
وأخرى...
لا كلمات.
لا عناوين.
لا أسماء.
لا شيء.
مجرد صفحاتٍ بيضاء، كأنها لم يُكتب فيها حرفٌ واحد قط.
اتسعت عيناها تدريجيًا.
"إزاي...؟"
خرج صوتها هامسًا، يكاد لا يُسمع.
أخذت تقلب الصفحات بسرعةٍ أكبر.
بعصبية.
بلهفة.
وبإنكار.
"لا..."
"أنا قريتها..."
"أنا قريت الرواية دي كلها..."
توقفت يدها فجأة.
تسارعت أنفاسها، بينما راحت تحدق في الصفحات البيضاء غير مصدقة.
رفعت رأسها تنظر حولها.
الناس يتحركون بصورةٍ طبيعية.
أصوات السيارات...
خطوات المارة...
كل شيء كما هو.
إلا هي.
خفضت بصرها إلى الرواية مرةً أخرى.
وكأنها تنتظر أن تعود الكلمات إلى أماكنها.
لكنها لم تعد.
وفي تلك اللحظة...
توقفت حافلةٌ في الجهة المقابلة من الطريق.
انتبهت إليها على الفور.
أغلقت الرواية بسرعة، وضمتها إلى صدرها، ثم أسرعت بخطواتٍ واسعة نحو الطريق.
كانت الحافلة قد فتحت أبوابها.
أسرعت أكثر.
ولم يكن يفصلها عنها سوى أمتار قليلة.
وفجأة...
شقَّ بوقٌ حادٌّ سكون الليل.
التفتت نورين غريزيًا نحو مصدر الصوت.
وفي اللحظة نفسها...
اندفعت أضواءٌ بيضاء ساطعة نحوها، حتى ابتلعت ملامح الطريق بالكامل.
اتسعت عيناها.
تجمدت في مكانها.
ارتفع صريرٌ حادٌّ لاحتكاك الإطارات بالإسفلت...
أعقبه ارتطامٌ عنيف، دفع جسدها بقوة في الهواء.
وسقطت الرواية من بين يديها.
سقطت حقيبةٌ على الأرض، وتناثرت محتوياتها فوق الإسفلت.
وانزلقت الرواية السوداء بعيدًا، حتى استقرت مفتوحةً وسط الطريق.
وبالقرب منها...
استقر ذالك الجسد فوق الإسفلت...
بلا حراك.
امتدت خيوط الدم ببطء...
حتى لامست أطراف الصفحات البيضاء.
للحظة قصيرة...
ظل كل شيء ساكنًا.
وفجأة...
ارتجف الغلاف الأسود ارتجافةً خافتة.
وبدأ نورٌ قرمزيٌّ غريب يتسلل من بين الصفحات...
ازداد...
وازداد...
حتى غمر الرواية...
ثم...
غمر ذلك الجسد الساكن فوق الإسفلت...
...
ظلام.
يتبع...
Ñorãn Fãwžy