لم يكن السر ليبقى إلى الأبد.
فمهما كانت جدران القصر عالية، ومهما كانت خطوات فيليبي حذرة، كان هناك دائمًا من يراقب.
في البداية كانت مجرد شكوك.
حارس لاحظ أن الأميرة تستعيد ابتسامتها رغم بقائها محبوسة.
خادمة وجدت رسالة صغيرة مخبأة بين صفحات كتاب فالنتينا.
وأخيرًا… عينان رأتا ما لم يكن يجب أن تراهما.
في تلك الليلة، كان القمر يضيء شرفة البرج، وكانت فالنتينا تضحك للمرة الأولى منذ أيام.
كان فيليبي يقف أمامها، يحكي لها عن موقف مضحك حدث له أثناء تدريبه مع الفرسان.
قالت وهي تضحك:
"ما زلت كما أنت… حتى وأنت فارس عظيم."
ابتسم.
"وأنت ما زلتِ الوحيدة التي تجرؤ على قول ذلك."
لكن ضحكتهما توقفت فجأة.
فقد سمعا صوتًا خلفهما.
صوتًا باردًا يعرفانه جيدًا.
"إذن… هكذا كان الأمر."
تجمدت فالنتينا.
والتفت فيليبي ببطء.
كان الملك يقف عند مدخل الغرفة، والغضب واضح في عينيه.
للحظة، لم يكن أحد قادرًا على الكلام.
رأى كل شيء.
رأى نظراتهما.
رأى الطريقة التي وقفت بها فالنتينا بجانب فيليبي دون خوف.
ورأى أن كل القيود التي فرضها عليها لم تستطع قتل حبها.
قال الملك بصوت منخفض:
"بعد كل ما فعلته… ما زلت تختارينه؟"
رفعت فالنتينا رأسها.
ولأول مرة، لم تكن خائفة.
"لم أختَره لأنني أريد تحديك."
نظرت إلى فيليبي.
"اخترته لأنه الشخص الوحيد الذي جعلني أشعر أنني أنا."
اشتد غضب الملك.
أما فيليبي، فتقدم خطوة إلى الأمام وانحنى احترامًا، لكنه لم يتراجع.
"جلالتك… إن كان ذنبي أنني أحببت الأميرة، فأنا أتحمل عواقبه."
نظر إليه الملك بحدة.
"أنت لا تفهم ما فعلته."
أجاب فيليبي بهدوء:
"بل أفهم… أفهم أنني وقفت أمام رجل يملك القوة، لكنني لن أقف يومًا ضد سعادة فالنتينا."
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة عرف الملك شيئًا أخافه أكثر من عصيان ابنته…
عرف أن حبها لفيليبي لم يكن نزوة عابرة.
لقد كان حبًا نجا من سنوات الفراق، ومن المسافات، ومن كل محاولاته للقضاء عليه.
لكن الملك لم يكن رجلًا يقبل الهزيمة بسهولة.
وفي تلك الليلة…
لم ينتهِ حب فالنتينا وفيليبي.
لكن بدأت أصعب معركة في حياتهما.
بعد اكتشاف الحقيقة، لم ينتظر الملك طويلًا.
في صباح اليوم التالي، استُدعيت فالنتينا إلى قاعة العرش.
كانت تعرف أن الأمر لن يكون مجرد عتاب هذه المرة.
عندما دخلت، وجدت والدها واقفًا أمام النافذة، وخلفه حارسان يقفان بصمت.
قال دون أن يلتفت إليها:
"لقد انتهى الأمر."
نظرت إليه بثبات.
"أي أمر؟"
استدار ببطء.
"اختيارك… تمردك… وهذا الفارس."
تجمد قلبها عندما ذكر فيليبي.
اقترب الملك منها وقال بصوت هادئ، لكنه كان أكثر قسوة من الغضب:
"ستتزوجين الملك الذي حددته لك."
صمتت فالنتينا.
ثم قالت:
"وإن رفضت؟"
نظر إليها طويلًا.
"فسيكون فيليبي هو من يدفع الثمن."
اتسعت عيناها.
لأول مرة، شعرت أن الخطر لم يعد يحيط بها فقط.
لقد وصل إليه.
"أنت لن تفعل ذلك."
قال الملك ببرود:
"أنا ملك. وأنت تعرفين أنني أفعل ما أراه ضروريًا."
كانت تلك الكلمات أقسى من أي سجن.
خرجت فالنتينا من القاعة وقلبها محطم بين خيارين لا يجب أن تختار بينهما.
كانت تريد الركض إلى فيليبي، أن تخبره، أن تطلب منه الهروب معها.
لكنها كانت تعرف أن أي خطوة خاطئة قد تعرض حياته للخطر.
وعندما التقته ليلًا في مكانهما السري، لم تستطع أن تخفي دموعها.
نظر إليها فيليبي فورًا وعرف أن شيئًا حدث.
"ماذا فعل؟"
لم تجب في البداية.
ثم همست:
"هدد بقتلك."
تغيرت ملامحه، لكنه لم يبدُ خائفًا.
بل حزينًا عليها.
اقترب منها وقال:
"فالنتينا… لا تختاري حياة لا تريدينها بسببي."
هزت رأسها والدموع في عينيها.
"وكيف تريدني أن أتركك وأعيش وكأن شيئًا لم يحدث؟"
أمسك يدها.
"أريدك أن تعيشي."
صمت لحظة، ثم قال:
"لكنني لا أريد أن يصبح حبنا سببًا في خسارتك لكل شيء."
نظرت إليه.
وفي تلك اللحظة أدركا أن أصعب شيء في حبهما لم يكن الفراق…
بل أن يحاولا حماية بعضهما حتى لو كان الثمن هو الابتعاد.
لكن فالنتينا لم تكن مستعدة للاستسلام.
للمرة الأولى، لم تفكر كأميرة تنتظر قرارًا من الآخرين.
بل كإنسانة ستقاتل من أجل حياتها… ومن أجل الرجل الذي أحبته.
Sidra Maram