فركت لبنى يديها المتعرقتين للمرة العشرين ربما، كانت قلقة، و محرجة بشدة ، بينما تجلس على أقرب فراش لباب غرفة الجلوس، رفعت سوداوتيها تنظر للعائلة الطيبة التي آوتها ليوم كامل، و قد كانوا متحلقين حول ابنهم الوحيد بينما تدهن والدته بعض الزبدة على جانب ذقنه المتورم بسبب لكمة لبنى.
كان ابنهم عَجْو ينافس الليل الدامس في سواده، و بفضل ظلمة الحظيرة فلم تتبين لبنى منه سوى عينيه، و انتهى بها المطاف تضربه بعد أن ظنته جنيا.
و رغم أن لون ذقنه لم يبدو متغيرا و لكنه كان يؤلمه، فقد كان يضغط على عينه حين تلمسه والدته. حينما فرغت، تحدث إليهم بابتسامة محرجة : " أنا حقا بخير، لا تقلقوا !"
- " أ تؤلمك كثيرا، أخي ؟" قالت ياقوت بصوت باكٍ و هي تقلب نظراتها حول وجهه. نظرت لبنى إليها بخوف و قد شعرت أنها بفعلتها خسرت محبة ياقوت إلى الأبد، لا بد و أنهم سوف يطردونها شر طردة !
حينها، اختارت التصرف قبلهم، فوقفت على قدميها، ما لفت انتباه الأسرة الكبيرة فنظروا إليها، ارتبكت قليلا لكنها ابتلعت و فتحت فمها بينما تنظر لأسفل:" أنا حقا أعتذر منك سيد عجو، بعد الذي فعلته أعرف تماما أنه لم يعد لي مكان هنا لذلك لا داعي للقلق بهذا الشأن، سوف أغادر منزلكم في الحال.
أردت أن أشكركم على ضيافتكم الطيبة قبلها." ثم قفزت نحو الباب مسرعة بالخروج قبل أن يتم إجبارها على الاعتذار لعجو أكثر، هي ليست آسفة حقا على أذية رجل، كل ما في الأمر أنها آلمت شخصا يهم جونة و عائلتها التي أحبتها.
- " مهلا يا مجنونة." أجبرت لبنى على الوقوف لأن شعرها علق في يد جونة التي ظهرت وراءها و جرتها لداخل المجلس، هل سيضربونها لأجل لكمة واحدة عن طريق الخطأ !؟
- " من قال شيئا عن رغبتنا في رحيلك؟" استنكرت حور بنبرة قلقة و هي تنظر للبنى التي أجبرتها جونة على الجلوس أمام أفراد العائلة بوجه مدهوش أمام ما يقولونه.
ياقوت:" لا يمكنك أن تذهب هكذا يا لبنى، وعدتني باللعب غدا بالدمى !"
الأب:" ثم هل نبدو لك شياطينا لنترك طفلة تمضي ليلتها في العراء ؟! ستبقين عندنا حتى نجد والدك."
ضحكة :" أنت تبالغين، ليس و كأنك ضربت عجو عمدا، صحيح؟ " هزت لبنى رأسها للجانبين بقوة مبعثرة شعرها الناعم لتضحك الأم و تمسح على رأسها : " إذا ليس هنالك من سبب لتتركي بيتنا، صغيرتي."
- " لكن لماذا؟ كان بالإمكان أن يخسر ابنكم فكه بسببي.." اعترضت لبنى و هي تمط شفتها و تضع عقدة بين حاجبيها، بدت لطيفة للغاية في عيون الجميع، حتى عجو، و لكنه لم يتبسم مثلهم بل شحب وجهه و تسمر في مكانه.
- " و لكن ذلك لم يحدث، لذا لا بأس." نظرت لبنى بالتعبير العابس ذاته إلى فاتنة التي ربتت على كتفها مبتسمة، و لكن وجه لبنى تشوه قليلا بسبب أن فاتنة كانت تضغط على كتفها بخشونة رغم وجهها المشرق.
- " يا عجو! أنت أيضا ليس لديك مشكلة مع لبنى، صحيح؟ إنها ضائعة عن أبيها لذا ستقيم معنا لفترة." سألت جونة توأمها الشارد في وجه لبنى مع أعين يضيقهما كما لو كانت تذكره بأحد، لم ينتبه إلى أن الكلام موجه له ما أثار استغراب الجميع.
ثم استيقظ على نظرات لبنى المترقبة و لمسة جونة لإصابة ذقنه. تأوه و قد أمسك منطقة الألم لتقول جونة:" ما بك؟ أين ذهبت؟"
- " آه..أعتذر! ماذا كنت تقولين؟" تلعثم لتعيد جونة جملتها، حينها نظر إلى لبنى بسرعة:" كلا، حقا لا بأس معي، الأمور طيبة! هي مجرد إصابة صغيرة لا تقلقي!"
- " إذا شكرا لك سيد عجو، سأكون حذرة في تسديد لكماتي مستقبلا." أجابت لبنى بأدب.
نطق الأب بإعجاب:" و لكنك تملكين لكمة قوية بالفعل، هل حصلت على تدريب مسبق في القتال ؟"
- " تستطيع قول ذلك..سيدي." ردت لبنى.
- " يمكنك مناداتي بعمي يا لبنى، تجعلين الأمر و كأنك تعملين لدي." ضحك السيد رمح لتبتسم لبنى.
و بذلك، مر الأمر مرور الكرام.
فتنهدت لبنى مرتاحة عندما اختلت بنفسها في الحمام.
و بينما تفتح الباب للخروج بعد أن هدأت، لمحت بطرف عينها مشط فاتنة فوضعت تعبيرا مشمئزا، من ثم استقبلت به الفتاة خلف باب الحمام، بأيديها المتقاطعتين و نظرتها الغاضبة.
دحرجت لبنى عينيها:" أخبريني لو لديكم حمام غيره، لا يمكن أن أراك في كل مرة أستخدمه." اختفت السخرية عن وجهها حين رفعتها فاتنة من تلابيب عباءتها : " من تظنين نفسك لتؤذي أخي! يا أيتها الطفيلية الجاحدة."
- " أ لم نُصفِّ الأمر في المجلس قبل قليل!!" تخلصت لبنى من يد فاتنة و لوتها بقوة لتتأوه هذه بألم ثم هبت لترد بعصبية على لبنى لولا ظهور ضحكة في المكان، فأسرعت إليهما، حينها أفلتت لبنى ذراع فاتنة فسقطت هذه الأخيرة أرضا و هي تمسك بذراعها و تئن بشدة.
ضحكة:" ماذا يجري هنا ؟"
فاتنة بدموع متألمة:" كانت تحاول كسر يدي! هذا ما يجنيه المرء من إدخال الغرباء إلى منزله.."
نظرت ضحكة إلى لبنى بعدم تصديق لتصرخ الأخيرة مدافعة عن نفسها : " هي أمسكتني من ثوبي أولا!"
أغمضت ضحكة عينيها ثم وقفت في مقابل لبنى، و بنظرة أم خائبة الظن في طفلها، هي تحدثت:" لبنى.. يمكنني أن أرى أنك فتاة قوية البدن، لكن لا يمكنك ضرب الناس من حولك كما يحلو لك."
- " أ لا تسمعين يا ضحكة! قلت لك هي أمسكتني من تلابيبي، كانت تجادلني حول أخيكم!"
- " أ هذا صحيح يا فاتنة؟" سألت أختها بصرامة لتنهض فاتنة عن الأرض بوجه مبلول : " هي تكذب! لقد كنت أحاول دخول الحمام و يبدو أنني فاجأتها فلوت يدي، تماما كما فعلت بعجو إذ يبدو أنها عاجزة عن السيطرة على ردود أفعالها." خطت لبنى خطوة نحوها بنظرة متوحشة لتعترض ضحكة طريقها موقفة إياها، هتفت فاتنة بقهر مزيف:" رأيتِ؟!"
قالت ضحكة :" ما هذا التصرف يا لبنى؟! هل تعتقدين حقا أن في وسعك ضرب شقيقتي و في حضوري!"
فتحت لبنى فمها و أغلقته بضع مرات عاجزة عن انتقاء الكلمات المناسبة، بدا أن أيا ما ستقوله أو ستفعله سيستعمل ضدها، ثم في الأخيرة تنهدت باستسلام، إن كانت تريد البقاء هنا فالأفضل لها تحمل فاتنة، ثم أين ستجد مكانا آمنا مريحا كهذا لتمكث فيه حتى وقت نزالات شيخ القبيلة في قتام؟
- " أنا آسفة يا فاتنة. لم أقصد للحظة كسر ذراعك.
و آسفة أيضا يا ضحكة، أنا فقط..في مكان جديد و بعيدا عن أبي لذلك أشعر ببعض التوتر و انتهى بي الأمر أتصرف بطيش، سامحاني." أخفضت لبنى نظراتها فانسدل شعرها على الجانبين و أخفى ملامحها الكاذبة، تلك لم تكن نظرات نادمة، بل نار حقد مقموعة.
أشرق وجه ضحكة فاحتضنت لبنى:" لا بأس، كل شيء بخير. أنا أيضا آسفة، لم أقصد مخاطبتك بتلك الطريقة." لم ترد لبنى بشيء، و لم ترفع ذراعيها لتبادلها العناق، بل اكتفت بتبادل النظرات المظلمة مع فاتنة في الوراء.
بعد هذا، دخلت لبنى في فراشها بغرفة الأخوات، و أخذت تنظر للسقف. كانت قد اعتذرت عن العشاء بأدب مدعية أنها تشعر ببعض الألم في رأسها، و الواقع أنها أرادت فقط البقاء بمفردها لبعض الوقت.
تساءلت كثيرا عن سبب تصرفات فاتنة معها، ليس و كأن بينهما عداوة قديمة أو موقفا خاصا أدى لهذه الكراهية!
أ يمكن للإنسان أن يبغض بلا سبب؟
فكرت كثيرا و كثيرا حتى أخذها النعاس.
◇◇◇◇◇◇
شعرت لبنى بيد تهزها لتفتح عينيها بكسل، و وجدت وجه جونة أمامها:" أعتذر لإيقاظك.. كيف تشعرين الآن؟" عقدت لبنى حاجبيها بغير فهم، ثم تذكرت كذبتها فأسرعت تضع يدها على رأسها : " آه..هو لا يزال يؤلمني قليلا." لمست جونة جبهتها بيدها : " هذا جيد، لست محمومة.." ثم أضافت و هي ترفع كأسا كان بجوارها:" حاولي أن تنهضي، لقد أعدت لك والدتي بعض الأعشاب المساعدة على النوم و تخفيف الصداع."
- " أوه..لم يكن عليها إتعاب نفسها." نهضت لبنى ببطء و قد أزالت الدهشة بعض أثار النعاس عنها، لم تكن تتوقع منهم أن يكترثوا لأمرها هكذا.
أمسكت الكوب و تنشقت رائحته المنعشة براحة، كانت قلقة من شرب دواء لداء لا تعانيه، و لكنها شربته على أية حال.
نظرت لبنى للأفرشة الفارغة:
" أ لم تخلدوا للنوم بعد ؟"
لتجيبها جونة و هي تجلس على فراش ضحكة المتاخم* لها:" لا يزال الوقت مبكرا قليلا على موعد نومنا، إنهم يتسامرون في المجلس." هزت لبنى رأسها بتفهم و تابعت الشرب.
كان هنالك صمت محرج قليلا، بالأخص مع نظرات جونة التي شعرت بها لبنى تلسع خدها، انتظرتها لتفتح فمها و لكن الأمر طال لذلك بادرت هي حالما فرغت من شرابها، فوضعت الكوب أرضا و نظرت إلى جونة:" أ تريدين قول شيء ما، جَونة ؟ "
رمشت جونة بهدوء، ثم هزت رأسها موافقة ببطء.
" قولي لي يا لبنى، بأي فرصة..هل لديك حساسية من البرتقال ؟" تبسمت لبنى براحة عقب القلق الذي سببه سكوت جونة: " هذا صحيح، أتحسس من كل الحمضيات، لماذا تسألين؟" رفعت جونة رأسها بدهشة.
ثم عادت تسأل بعد هنيهة:" أصدقيني القول يا لبنى، هل تعرفين عجو قبل اليوم ؟ "
لم تعرف لبنى العلاقة بين السؤالين، فظهرت الحيرة في نبرتها حين أجابت : " لا..أظن هذا." نظرت جونة لها مطولا ثم زفرت الهواء بتعب كشخص مستسلم.
سألتها لبنى:" ما المغزى من هته الأسئلة الغريبة ؟"
- " إنه فقط.." فركت ذراعها قليلا : " حين كنت سأجلب شاي الأعشاب، اقترحت أمي أن آخذ لك معي بعض البرتقال خير من نومك بلا أي طعام في بطنك، وقتها كان أخي معنا في المطبخ.. و بدا كما لو أنه أجاب من غير وعي قائلا ' لديها تحسس ' ! لقد أذهلني قوله ذلك بينما هو لا يعرفك. حين سألته، تلعثم كعادته و قال أنه كان يكلم نفسه حول موضوع آخر."
نظرت لبنى بعيدا مفكرة في الأمر قليلا ثم هزت كتفها :" ربما هي صدفة، لكن أ لست قلقة حول الأمر أكثر من اللازم قليلا ؟ " حينها قفزت جونة لتقترب أكثر من لبنى : " كلا، فالأمر مريب جدا، أنا أثق بك من باب ثقتي بماما ، و أثق بمبادئ أخي و أخلاقه و لكن.."
- " و لكن ماذا؟ و ما علاقة الثقة و الأخلاق أنا مشوشة؟" تساءلت لبنى بقلب نابض.
- " لقد سأل عجو عنك على العشاء! لماذا قد يفعل أمرا مشبوها كهذا ؟ و في الوقت الذي شرد فيه حين كنت أكلمه سابقا في المجلس، لقد كان شاردا و هو ينظر نحوكِ!"
- " إلى أين تريدين الوصول ؟" سألت لبنى باشمئزاز لتقول جونة بوجه قلق : " إن لم تكوني قد نلت إعجابه فأقله هو مهتم بك بشكل خاص."
- " أنا لا أفكر بالارتباط مطلقا ! تحدثي إلى أخيك، فليضبط نفسه قبل أن أكسر فكه بجدية هذه المرة." تحدثت لبنى بلهجة شديدة لتتذمر جونة بغضب طفيف: " لا تتحدثي عن توأمي بهذه الطريقة."
- " و كيف تريدينني أن أتحدث عنه! سأضع حدودا واضحة أمامه حين أراه في الصباح، لا نظر و لا كلام معي إلا للضرورة! ثم أ لم تقولوا أنه خاطب ؟ " ضربت لبنى رجلها بقبضتها.
- " اهدئي قليلا. أضمن لك أن أخي ليس من هذا النوع و لهذا أنا قلقة، هو لا يدنو من الفتيات أبدا و يضع حدا بينه و بينهن من شدة خجله.
خطيبته تلك كانت أول فتاة يبدي رغبة بل و إصرارا في الارتباط بها، و لم أتخيل رؤيته مهتما بسواها..أظن أن السبب يرجع إلى أنها فعلت ما فعلته أنتِ" انتبهت جونة إلى ما تفوهت به فأسرعت تقول:" آه ! إنسي ما قلته في الأخير، إنها أمور عائلية لا تشغلي بالك بها."
قالت لبنى بذهول : " هل..هربت خطيبة عجو مثلي ؟"
- " أرجوك، والداي صارمان في هذه الأشياء، أمور العائلة تبقى في العائلة و ما قلته كان زلة لسان، لذا اعذريني من فضلك." قالت جونة فاحترمت لبنى ذلك و بلعت أسئلتها.
بعدها خلدت كل منهما للنوم، و منذ أن حل الصباح فقد عملت لبنى على تحاشي عجو قدر الإمكان، هي لم ترد تحيته للصباح حتى، و تركته محرجا يحاول تبرير الموقف لنفسه بأن صوته كان منخفضا لذلك لم تسمعه الضيفة.
تناولت لبنى طعام الفطور على عجالة في المطبخ لتلتحق بأم جونة التي كانت ستخرج مع جونة و ياقوت و ضحكة، و بما أن حور كانت قد غادرت مع زوجها ليلة البارحة و السيد رمح سيذهب لعمله و فاتنة لا تنهض حتى الظهيرة فإن عجو سيكون الوحيد بالمنزل تقريبا، و هي حتما لا تريد البقاء معه بمفردهما حتى و إن كان أهله يثقون به و حتى و لو بقي حبيسا في غرفته، هي تراه مريباً.
◇◇◇◇◇
بينما تسير مع السيدة علياء و بناتها في السوق، اختلست النظرات إلى الوراء بضيق..
كان عجو قد رافقهن!
مالت نحو جونة و همست:" هل يأتي معكن دوما ؟" فردت عليها بنفس الهمس و قد فهمت عمن تتحدث:" أحيانا.
لا تقلقي، هو لن يزعجنا، إنه فقط يسير خلفنا بمسافة و يتأكد من سلامتنا و حمل المشتريات." زمت لبنى شفتيها بانزعاج ثم أعادت انتباهها للأمام.
توقفت الأم عند أحد الباعة تتفقد معروضاته فتوقفت الفتيات معها، و كذلك فعل عجو محتفظا بمسافته حتى لا يعترض تسوقهن.
- " بكم هذا يا بني؟" سألت الأم و هي تتلمس احدى الأقمشة. حينها كانت ضحكة تحدث لبنى، فمسحت بأصبعيها شحمة أذن لبنى و سألت : " هل ترغبين في شراء أقراط جديدة؟"
- " آه كلا، إنها هدية من أمي الراحلة، لقد أضعت واحدا بالفعل لذا لن أخلع الثاني." أجابت لبنى باسمة بحزن. فقالت ضحكة:" أنا آسفة، لم أعرف! لا بأس إذا، قرط واحد على الأذن يبدو كشيء مميز."
- " أظن." ردت لبنى باختصار و لأنها كانت تقف بشكل جانبي فقد ذهبت عينها بغير عمد إلى الشاب الواقف بعيدا ، و ذعرت قليلا من نظرته، كان ينظر إليها بابتسامة كبيرة و عيون مندهشة، وضعت لبنى وجها مظلما و مررت إبهامها على رقبتها كتهديد له، بدا و كأنه أدرك نفسه أخيرا فوضع يده على رأسه يحكه و أولاهن ظهره.
تساءلت لبنى في خلدها عن مشكلته، و عادت تسير مع البقية، و بمجرد أن توقفوا عند محل للاكسسوارت و الزينة فقد طفقن يتفقدن البضاعة و يثرثرن، بدون مركزات للغاية فوجدت لبنى فرصتها، لتتراجع بخطواتها ببطء.
و كما لو كانت تملك عينا خلف رأسها فقد توقفت تماما ببضع سنتمترات عن المدعو عجو، و التفتت إليه بوجه غاضب.
- " ماذا تريد يا سيد عجو؟ تكلم بسرعة."
بدا أن القطة أكلت لسانه، فأخذ يرمش و يفتح فمه و يغلقه:" هذا..إنه..أنا " ثم أغمض عينيه بقوة حين صرخت بوجهه من بين أسنانها : " توقف عن التلعثم بحماقة!".
- " أنا أعتذر إن أزعجتك يا لبنى، أبداً لم يكن قصدي." رد بتهذيب و يده على صدره، و لسبب تجهله كان يختلس النظرات إلى أذنها.
- " إذا ما هو قصدك؟ سمعت شيئا عن أن خطيبتك هربت، إن كنت بهذه الهشاشة فلها الحق.
المهم الآن، إياك أن تفكر بالاقتراب مني، ما بيني و بينك هو لكمة خاطئة و اعتذار، لا أريد أن أراك تنظر إلي ثانية أو تأتي باسمي على فمك!"
خلال صراخها كان ينظر نحوها بنظرة هادئة و ابتسامة خفيفة، و سرعان ما تلاشى ذلك و حل محله الخوف حين وبخته:" أزل هذه النظرة المريبة عن وجهك حالاً!" ثم انصرفت و هي تضرب الأرض بأقدامها في غضب و لمحت ياقوت تبحث عنها بين الجموع.
في تلك الأثناء، كان عجو ينظر في أثرها عاجزا عن منع ابتسامته، و حدث نفسه بصوت مسموع بينما يضع يده على خصره: " كنت قلقا من أجل لا شيء، لبنى بقيت لبنى."
و منذ ذلك اليوم، استمر اهتمام عجو بإزعاج لبنى، كانت تتجاهله على العموم و أحيانا يفيض بها فتوبخه حين يتصادفان في رواق الدار، و لكن مهما بدا خائفا من تهديداتها إلا أنه يعود لمعاملتها باهتمام و السؤال عنها حين تغيب عن عينيه كما لو كانت شقيقته السادسة.
لم يخف ذلك تماما عن أهله بالطبع، فكانوا في البداية مستغربين من حيويته حولها ثم سرعان ما تعودوا، فهو كان يتصرف على طبيعته بدل الخجل و الصمت اللذين تعودوا أن يكون عليهما في وجود الأغراب.
و لكن قبوله للبنى بينهم و حسن معاملتها لم يرق لفاتنة أبدا، فزاد تعرضها للبنى، و هذه الأخيرة كانت تتحمل في صمت، إذ لم ترغب في إحداث المشاكل بسبب فتاة قلبها مريض بالشر.
كانت فاتنة تضيف لها الكثير من الملح في طبقها، أو تضع لها الفلفل الحار لتستمتع بمنظرها المتألم على المائدة.
و ذات يوم، وجدت لبنى ثلاثة صراصير ميتة على وسادتها، و في يوم آخر، حين كانت على وشك الدخول إلى البيت سكب عليها ماء وسخ من السطح، و رأت وجه فاتنة المتشمت في الأعلى.
كانت السيدة علياء قد انتبهت إلى حاجة لبنى للملابس فلم تتوانى عن شراء البعض لها، و ذات يوم ارتدت لبنى أجملها لترافقهن لدعوة الغداء في منزل أحد الأقارب، لبنى كانت جميلة جدا رغم بساطة الثوب و ضفيرتها التي صنعتها لها الأم، لكنها ما كادت تعبر طريقا في القبيلة معهن حتى وجدت نفسها مستلقية في بركة من الطين.
كانت فاتنة قد دفعتها ثم مدت يدها مدعية مساعدتها.
شعرت لبنى بقهر كبير و هي تنظر لثوبها المتسخ و ظفيرتها التي غرق نصفها في الوحل القذر، و كانت تلك أول مرة ينتهي بها الأمر بالبكاء بسبب فاتنة، لقد كانت سعيدة حقا بالخروج بمظهر لائق منذ سنين و ها هي ذي أصبحت قذرة..!
صدمت فاتنة و ارتبكت لكنها قالت بغرور:" شعرك أطول من اللازم، أنظري إليه و قد غمر بالقذارة، فلتقصيه."
و لم تسمع شقيقاتها أو أمها كلماتها و قد هرولن لمساعدة لبنى التي كانت تشهق، لطالما كانت صارمة و صلبة، و لكنها لكثرة مكابرتها ينتهي بها الأمر تبكي كالطفل أحيانا.
حاولن أن ينفضن عنها الوحل و جونة تكرر أنه كان عليها الانتباه في مشيها، أرادت بشدة أن تقول أن فاتنة من دفعتها و لكن هل سيصدقنها هي و يكذبن أختهن ؟ تذكرت الحادثة عند الحمام و آثرت متابعة البكاء على الكلام.
- " أنا.. سأرجع إلى البيت. آسفة لأنني أخرتكن." مسحت لبنى دموعها و هي تحاول استعادة نفسها أمام عدوتها الممثلة.
قالت الأم تمسح على رأسها بحزن :" نظفي نفسك ثم التحقي بنا، فلترافقها احداكن."
- " لا بأس، ربما من الأفضل ألا أتدخل في اجتماعكم العائلي، سأمكث في البيت." عصرت لبنى ظفيرتها و شرعت تتحرك مبتعدة و لكن ضحكة أمسكتها من ذراعها:" ليس من عادتك التصرف بإحباط هكذا يا لبنى، هل تشعرين بالمرض؟"
- " كلا، أنا بخير..أشكرك." ابتسمت لبنى بوهن.
وقفت جونة في طريقها بنظرة غاضبة:" لقد بدوت متحمسة للغاية و أنت تجهزين نفسك، سأذهب معك لتغيري. لديك ثوبان غيره و هما جميلان أيضا، ارتدي أحدهما ثم نلحق بهن."
- " لكنني أحببت هذا أكثر من البقية، لقد دفعني أحدهم عمدا إلى الوحل، فقط لو أمسكه فسأبرحه ضربا حتى يفقد وعيه." قالت لبنى بغضب كبير و هي ترمي الكلام لفاتنة التي فهمت المقصد ثم انسحبت و قد قررت متابعة المسير وحدها.
أعقبت لبنى:" اعذروني لأني بكيت بغباء، أنا بخير. سأذهب للبيت و أغسله و أستحم، حين يعود نظيفا سأستعيد حيويتي."
تقدمت الأم و شدت يد لبنى بمواساة:" أنا آسفة لأجلك يا ابنتي، كنت أحب أن ترافقينا و لكن يمكنك فعل ما يريحك، سأرسل لك حصتك من الغداء مع رمح فهو يرجع مبكرا ، و حتى ذلك الحين، مطبخنا لك."
- " شكرا لك يا خالتي."
عادت لبنى بمفردها بعد أن أصرت على ذلك، كان الغضب يخنقها خنقا فلم تكترث لنظرات المارة و هم يضحكون أو يستغربون فتاة الوحل ذات المشية المنفعلة.
استحمت و بدلت ثوبها بآخر، ثم قررت الذهاب إلى البستان.
و جلست في منطقة ظليلة، تحدق في اللامكان...
◇◇◇◇
في مدينة زمردار الكبيرة، كان هنالك رجل يجوب الشوارع سائلا عن التاجر عجو، و رغم مرور أسابيع على توكيله بهذه المهمة إلا أنه لم يحرز تطورا، و شعر بالتعب و الأسف من أجل الفتاة المسكينة التي ضاعت عن والدها، و يظهر أنه ليس بتلك الشهرة فلا أحد سبق و سمع باسمه.
- " حسنا، سأسأل إن كان أحدهم يعرف الفتاة بحد ذاتها!" بعد أن كان يجلس على اخدى العتبات محبطا، وقف الرجل في عزيمة، كانت له فرصة رأى فيها لبنى فقرر وصفها للمارة و السؤال عنها، لربما أحدهم يعرفها هنا.
عندما بدأت الشمس في الغروب، أضناه التعب فجلس عند نخلة يلتقط أنفاسه، كم تمنى لو أخبره سيده عن قبيلة الفتاة ليسأل عنها بينهم، فلا يبدو أن أحدا من زمردار يعرفها هي أو أبيها.
و في غمرة يأسه، لمح شابا يمر من أمامه فقرر أن يكون آخر من يسأله لهذا اليوم، فتحامل على نفسه و أسرع نحوه ينادي عليه، توقف الشاب و نظر إليه، كان ذلك رمل شقيق لبنى!
و قد تحدث بنبرته الجافة:" تكلم."
- " معذرة منك يا أيها الشاب، أ تعرف تاجرا يدعى عجو؟"
- " كلا" أجاب رمل و كان سيتابع المشي و لكن أوقفه الرجل ثانية : " انتظر لحظة أرجوك! إذا أ تعرف فتاة تدعى لبنى ؟ إنها شابة في الثامنة عشرة، بشعر أسود طويل و عيون سوداء واسعة، تتميز بوضعها لقرط واحد في أذنها اليسرى."
عقد رمل حاجبيه للحظة، ثم نظر للرجل أمامه من أعلاه إلى أسفله، و سأل بعد تفكير:" ما علاقتك بها ؟"
- " إنها فتاة ضائعة عن والدها التاجر، لقد كلفني سيدي بالبحث عن والدها. فكر قليلا، أ لم تصادف تاجرا باسم عجو قبلا ؟"
- " كلا، لم أصادف. و لكني أعرف شخصا يعرف فتاة بالمواصفات التي ذكرت." قال رمل ثم أشار بسبابته نحو قصر السلطان الكبير المنتصب وراءهما:" ستجده يتدرب بسهم و نشاب قرمزي في المساحة جوار القصر، اسأله عنها." و قبل أن يقول الرجل شيئا، كان رمل قد تحرك مبتعدا عنه.
صاح الرجل بالشكر و لم ينتظر لحظة واحدة فقد حرك ساقيه مسرعا إلى منطقة مشجرة تكثر فيها الحيوانات الصغيرة، و يقصدها هواة الرماية و الصيد، أو محبو الطبيعة. و كله أمل في العثور على خيط يوصله لأهل لبنى.
ركض بين الأشجار كثيرا و هو يفتش عن الرجل المطلوب، ثم وصل لمنطقة عميقة تخلو من أي شجر، و امتد فيها العشب يغطي أرضها. هناك، لمح شابا بشعر أسود يلامس رقبته و كان يوجه سهمه للسماء في تركيز.
جلس الرجل أرضا غير راغب في المقاطعة، و بمجرد أن انطلق السهم و اخترق حمامة حتى نهض ينظر لجسدها الذي يهوي أرضا بينما يسرع الشاب إليها، صفق الرجل بخفة معجبا و قبل أن يتحرك إلى الشاب القناص توقف مكانه مندهشا برؤية أهم رجل على هذه الأرض، يسير في ملابسه الفاخرة و على جانبيه حرس أشداء. و كان يتجه إلى الشاب!
همس الرجل برهبة :" يا إلهي، إنه السلطان ! "
صفق السلطان الشاب بنظرة متحمسة على وجهه المغرور و خاطب رامي السهم: " كان لك الشرف لإثارة إعجابي أيها الشاب. إن مهارتك و دقتك يستحقان الثناء. ما اسمك؟"
- " اسمي أخيل.. و من أنت، سيدي ؟ "
_____________
المتاخم : المحاذي ، المجاور.