بِلا عُنوان
رواية
بقلم: ملاك Ben
---
الفصل الأول: استبرق
لم تكن استبرق تعرف أن بعض السنوات التي نعيشها عاديّة، قد تكون في الحقيقة مجرد مقدمة لقصة ستغيّر حياتنا كلها.
كانت في بداية مراهقتها، فتاة عادية تحب الضحك، والصديقات، والدراسة أحيانًا، والهروب من جدية الحياة في أحيان أخرى. عرفت أشخاصًا كثيرين، ودخلت في بعض العلاقات العابرة التي لم تكن تعني لها الكثير.
كانت تظن أن الحب مجرد شعور جميل يأتي ويرحل.
إلى أن ظهر هو.
شاب لم يشبه أحدًا ممن عرفتهم من قبل.
في البداية لم تلفت استبرق اهتمامها به كثيرًا، لكن شيئًا ما في حضوره كان يجعلها تلاحظ وجوده حتى وسط الزحام.
لم تكن تعرف أن ذلك اللقاء الصغير سيكون بداية سنوات كاملة من الحب والانتظار والخذلان.
ولم تكن تعرف أيضًا أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا لكي يبقوا فيها...
بل لكي يتركوا أثرًا لا تستطيع السنوات محوه.
---
الفصل الثاني: هو
بدأت العلاقة بينهما ببساطة.
حديث قصير، ثم حديث أطول، ثم انتظار رسالة، ثم سؤال عن يوم الآخر.
شيئًا فشيئًا أصبح وجوده جزءًا من تفاصيلها.
كان أول شخص تشعر معه أن قلبها أصبح متعلقًا بإنسان آخر فعلًا.
أحبته استبرق بصدق، وبذلك النوع من الحب الذي يجعل الإنسان يرى المستقبل قبل أن يصل إليه.
سنوات مرّت.
ضحكا معًا، اختلفا، تصالحا، تشاركا أحلامهما الصغيرة، وتحدثا عن الأيام التي سيأتي فيها الوقت الذي يصبح فيه كل شيء رسميًا.
كانت استبرق تؤمن أن الحب وحده يكفي.
أما هو، فكان يرى أشياء أخرى.
كان يرى العمل.
والبيت.
والمال.
والمسؤولية.
وكان كلما اقترب الحديث عن الزواج، بدأ الخوف يكبر بداخله.
---
الفصل الثالث: النهاية
في أحد الأيام تغير كل شيء.
لم يكن هناك خيانة.
ولا كراهية.
ولا شخص ثالث.
كانت هناك فقط أعذار كثيرة.
قال إنه لا يستطيع الزواج الآن.
قال إن ظروفه لا تسمح.
قال إنه يحتاج إلى عمل أفضل.
وبيت.
واستقرار.
وكانت استبرق تستمع إليه وهي تحاول فهم كيف يمكن لكل تلك الأشياء أن تكون أقوى من سنوات الحب.
قالت له:
— وهل توقفت عن حبي؟
صمت طويلًا.
ثم جاء الجواب الذي لم تستطع نسيانه:
— لا.
كانت تلك الكلمة أقسى من كلمة "لا أحبك".
لأنها جعلتها تفهم أن الحب موجود...
ومع ذلك، سيتركها.
انتهت العلاقة.
وبقي السؤال معلقًا في قلبها:
إذا كان الحب موجودًا، فلماذا انتهى كل شيء؟
---
الفصل الرابع: القرار
بعد الانفصال، لم تسمح استبرق لنفسها أن تضيع.
بكت في البداية.
تعبت.
اشتاقت.
ثم قررت أن تتوقف عن انتظار شخص اختار الابتعاد.
قالت لنفسها:
"إذا لم أستطع تغيير الماضي، أستطيع أن أغيّر مستقبلي."
ركزت على دراستها.
أغلقت الأبواب التي كانت تعيدها إلى الماضي.
ابتعدت عن العلاقات العابرة.
وحافظت على نفسها أكثر من أي وقت مضى.
كل شهادة تحصل عليها كانت بمثابة خطوة جديدة بعيدًا عن النسخة القديمة منها.
مرت سنة.
ثم أخرى.
ثم سنوات.
واستبرق لم تعد تلك الفتاة التي عرفها.
أصبحت أكثر قوة.
أكثر نضجًا.
وأكثر استقلالًا.
لكنها، رغم كل شيء، كانت تحتفظ في زاوية صغيرة من قلبها بذكرى لم تستطع السنوات قتلها تمامًا.
---
الفصل الخامس: بعد سنوات
لم تكن استبرق تتوقع أن تراه مجددًا.
كانت قد أقنعت نفسها بأن الماضي أصبح خلفها.
وفي يوم عادي، دخلت إلى مكان لم تكن تعلم أنه سيعيد إليها سنوات كاملة في لحظة واحدة.
ثم رأته.
توقفت خطواتها.
تغير كل شيء حولها للحظات.
كان هو.
نفس العينين.
لكن ملامحه أصبحت أكثر نضجًا.
أما هو، فما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد مكانه.
سنوات كاملة اختفت في ثانية.
لم يقل أي منهما شيئًا.
كان الصمت كافيًا.
ثم قال:
— استبرق؟
رفعت عينيها إليه.
— نعم.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وكأنه لا يصدق أنها أمامه.
أما هي فقالت بهدوء:
— مر وقت طويل.
أجاب:
— طويل جدًا.
لكنه لم يقل الحقيقة.
الحقيقة كانت أن الوقت مر...
أما الحب فلم يمر.
---
الفصل السادس: ما لم ينتهِ
بدأت لقاءاتهما تتكرر بحكم الظروف.
في البداية كانت استبرق حذرة.
لم تكن تريد أن تعود إلى الماضي.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.
كان ينظر إليها بالطريقة نفسها.
كان يتذكر تفاصيل ظنت أنها نسيها.
الأشياء الصغيرة التي لم تكن تعني شيئًا بالنسبة لها، كان يتذكرها.
وفي إحدى المرات سألته:
— لماذا عدت؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— أنا لم أعد.
— ماذا تقصد؟
— أنا لم أذهب أصلًا.
صمتت.
تابع:
— كنت أعيش بعيدًا عنك فقط.
لم تجبه.
فقد كانت تعرف أن الكلمات سهلة.
أما الثقة...
فشيء آخر.
---
الفصل السابع: الحقيقة
في ليلة هادئة، قرر أن يخبرها بكل شيء.
قال لها إن الأسباب التي أخبرها بها يوم الانفصال كانت حقيقية، لكنها لم تكن الحقيقة كاملة.
كان يشعر أنه غير مستعد.
كان يخاف أن يتزوجها ثم يفشل.
كان يخاف ألا يستطيع أن يمنحها الحياة التي تستحقها.
وكان يعتقد أن ابتعاده عنها سيكون أفضل من أن يبقيها معه في حياة غير مستقرة.
قال:
— كنت غبيًا.
نظرت إليه استبرق.
— نعم، كنت كذلك.
ابتسم رغم الألم.
— أعرف.
ثم أضاف:
— لكنني اليوم أملك كل الأشياء التي كنت أظن أنني أحتاجها حتى أتزوجك.
عمل مستقر.
مكانة جيدة.
بيت.
استقرار.
ثم نظر إليها:
— لكنني اكتشفت أن الشيء الوحيد الذي لم أستطع الحصول عليه من دونك... هو أنت.
خفضت استبرق عينيها.
كانت الكلمات تصل إلى مكان ظنت أنه مات منذ سنوات.
لكنها لم تكن مستعدة للتسامح بهذه السهولة.
---
الفصل الثامن: الخطر
قبل أن تتمكن استبرق من اتخاذ قرارها، بدأت أحداث غريبة تحدث حولهما.
رسائل مجهولة.
مواقف غير مفهومة.
وشخص من الماضي ظهر فجأة.
لم يكن عودتهما أمرًا يرضي الجميع.
اكتشفت استبرق أن حياة الرجل الذي أحبته لم تكن بسيطة كما كانت تعتقد.
كان هناك سر أخفاه عنها لسنوات.
سر يتعلق بماضيه وبأشخاص لم يكونوا مستعدين للسماح له ببدء حياة جديدة.
وجدت نفسها وسط أحداث لم تخطط لها.
ولأول مرة، لم يكن الحب وحده هو ما يهدد علاقتهما.
كان عليهما مواجهة الماضي معًا.
---
الفصل التاسع: بين الحب والخوف
قالت له استبرق:
— أنا خائفة.
أجاب:
— مني؟
هزت رأسها.
— من أن أصدقك مرة أخرى.
ساد الصمت.
ثم قال:
— لن أطلب منك أن تثقي بي لأنني أريد ذلك. سأجعلك تثقين بي لأن أفعالي ستثبت لك أنني تغيرت.
نظرت إليه.
كان الفرق بين الماضي والحاضر واضحًا.
في الماضي كان يهرب عندما يخاف.
أما الآن...
فقد أصبح مستعدًا للمواجهة.
قال لها:
— هذه المرة لن أتركك وحدك أمام شيء.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت استبرق أن الرجل أمامها لم يعد ذلك الشاب الذي رحل.
لقد أصبح شخصًا آخر.
لكن السؤال بقي:
هل يمكن لقلبٍ انكسر مرة أن يثق مرة أخرى؟
---
الفصل العاشر: المواجهة
وصلت الأمور إلى ذروتها.
ظهر الشخص الذي كان يهدد استقرارهما، وانكشفت الأسرار التي أخفيت لسنوات.
لم تهرب استبرق.
ولم يسمح هو للخوف بأن يكرر الماضي.
وقفا معًا في مواجهة كل ما حاول التفريق بينهما.
كانت ليلة طويلة.
مليئة بالخوف والقرارات الصعبة.
لكن في نهايتها أدركت استبرق شيئًا مهمًا:
الحب الحقيقي ليس أن تجد شخصًا لا يخطئ.
بل أن تجد شخصًا عندما يخطئ، يعترف بخطئه ويحاول إصلاحه.
---
الفصل الحادي عشر: الاختيار
بعد أن انتهى كل شيء، جلسا في المكان الذي جمعهما للمرة الأولى منذ سنوات.
قالت استبرق:
— هل تعرف ما أكثر شيء يؤلمني؟
— ماذا؟
— أنني كنت أحبك طوال تلك السنوات، وكنت أعتقد أنك تركتني لأنك لم تعد تريدني.
أطرق رأسه.
— وأنا كنت أعتقد أنني حين أتركك أحميك.
ابتسمت بحزن.
— كنا نؤذي بعضنا ونحن نظن أننا نفعل الصواب.
نظر إليها.
— وهل ما زلت تحبينني؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
— الحب لم يكن المشكلة يومًا.
رفع عينيه إليها.
تابعت:
— المشكلة هي هل نستطيع هذه المرة أن نبني شيئًا يستحق كل ما مررنا به؟
قال:
— أريد أن أبنيه معك.
---
الفصل الثاني عشر: بلا عنوان
مرت أشهر.
لم تعد استبرق تلك الفتاة التي تنتظر أن يقرر شخص آخر مستقبلها.
هذه المرة كانت هي من تختار.
اختارت أن تمنح الحب فرصة جديدة، لكن بشروط مختلفة:
لا وعود فارغة.
لا هروب.
لا أسرار.
ولا قرارات يتخذها أحدهما وحده باسم حماية الآخر.
أما هو، فقد فهم أخيرًا أن الزواج ليس انتظار الظروف المثالية.
فالاستقرار يُبنى معًا.
وفي يوم من الأيام، وقف أمامها من جديد.
لم يكن بينهما شيء من الماضي سوى الذكريات.
قال:
— هل نبدأ من جديد؟
ابتسمت.
— لا.
تفاجأ.
فأكملت:
— لا أريد أن نبدأ من جديد... أريد أن نكمل من حيث توقفنا، لكن بطريقة أفضل.
مد يده إليها.
هذه المرة لم تتردد.
وضعت يدها في يده.
وكانت السنوات التي فرقت بينهما قد أصبحت مجرد فصل طويل من قصة لم تنتهِ.
قصة بدأت في عمر صغير...
كبرت معهما...
وانكسرت...
ثم عادت.
لكنها لم تجد عنوانًا يليق بها.
لأن بعض القصص لا يمكن اختصارها بكلمة واحدة.
ولهذا بقيت قصتهما...
بلا عنوان.
النهاية
بقلم: ملاك Ben