سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
تحذير حقوق النشر والملكية الفكرية
هذا الفصل جزء من رواية
"❰قرين الكدر❱"
وهي عمل أدبي حصري للكاتبة هبة.
جميع الحقوق محفوظة.
يُمنع منعًا باتًا نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى، أو تحويله إلى صيغة إلكترونية (PDF، Word، إلخ)، أو توزيعه بأي وسيلة كانت دون إذن كتابي صريح من الكاتبة.
أي محاولة انتهاك لحقوق النشر تُعدّ سرقة أدبية.
_____________
انغرستْ أصابعُ الكفِّ المجهولةِ في معصمَي إليور بقوةٍ مؤلمةٍ، مُطوِّقةً عظامَهُ النحيلةَ كأنَّها كماشةٌ من فولاذٍ.
وبحركةٍ فظةٍ، دُفِعَ جسدُهُ ليصطدمَ صدرُهُ بخشبِ البابِ الزخرفيِّ الضخمِ، كتمَ تأوُّهَهُ عندما شعرَ بإطباقِ جسدِ الغريبِ عليهِ.
سادَ سكونٌ مسمومٌ لم يكسرْهُ سوى هسيسِ الأنفاسِ الساخنةِ التي عادتْ تُداعبُ عُنقَهُ وبشرتَهُ الشاحبةَ، حاملةً معها برودةً داخليةً مرعبةً.
عادَ الصوتُ الباردُ نفسُهُ، يهمسُ في أُذنِهِ كفحيح الأفاعي:
"أتعلمُ أينَ تقفُ الآنَ؟ في هذا الجناحِ، يمكنني أن أقتلعَ رُوحَكَ وألقي بجسدِكَ للكلابِ، ولن يجرؤَ حارسٌ واحدٌ على السؤالِ عن هويَّتِكَ."
شعرَ إليور بقلبِهِ يقرعُ صدرَهُ بعنفٍ كطبلٍ في ساحةِ حربٍ، وغلفتِ الحمى أطرافَهُ برعشةٍ لاهبةٍ، عالِماً أنَّها من الآثارِ الجانبيةِ للفحصِ.
ومع ذلكَ، ارتسمتْ على شفتيهِ الباهتتينِ ابتسامةُ ارتباكٍ مريرةٌ؛ ابتسامةُ سخريةٍ من حظِّهِ العاثرِ الذي ألقى بهِ من المقصلةِ إلى جناحٍ مجهولٍ.
حاولَ التهدئةَ من روعِهِ، وقالَ بصوتٍ مرتعشٍ ممزوجٍ برعبٍ حقيقيٍّ:
"أرجوكَ... ارحمني... أنا... أنا مجردُ خادمٍ جديدٍ في القصرِ. أقسمُ لكَ أنني ضللتُ الطريقَ وسطَ هذِهِ الممراتِ اللعينةِ، ولم أكنْ أقصدُ انتهاكَ حُرمةِ غرفتكَ... أنا لا أعرفُ حتى مَنْ تكونُ أيُّها الرجلُ!"
بدلاً من الشفقةِ، جاءَ الردُّ قسوةً تضاعفتْ؛ إذ شعرَ بقبضةِ الغريبِ تشتدُّ على معصميهِ بعنفٍ أشدَّ، ضاغطةً على الضماداتِ القطنيةِ البيضاءِ حتى كادتْ تُمزقُ الجروحَ الكامنةَ تحتَها.
تأوَّهَ إليور بألمٍ، وانسابتْ دموعُهُ الساخنةُ لتُبللَ خشبَ البابِ، فتابعَ توسُّلاتِهِ بنبرةٍ متهدجةٍ:
"آااه رفقاً... يدايَ! أرجوكَ اتركني... تبّاً، إنَّهُ من غيرِ العادلِ أن يموتَ امرؤٌ في قصرِ الملكِ لمجردِ أنَّهُ عاملٌ بسيطٌ تاهَ في الظلامِ! لسْتُ جاسوساً ولسْتُ قاتلاً... اتركني أرحلْ أيُّها المعتوهُ!!"
ولم يكدْ يُنهي كلماتِهِ، حتى فاجأَهُ الغريبُ بقبضةٍ قويةٍ دفعتْ برأسِهِ وعُنقِهِ عُنوةً لِيصطدمَ جَبينُهُ بخشبِ البابِ الصلبِ.
انطلقَتْ من حنجرةِ إليور صرخةُ ألمٍ حادَّةٌ، وشعرَ بدوارٍ مفاجئٍ يضربُ وعيَهُ، بينما انفجرتِ الدماءُ من جديدٍ من جرحِ جبينِهِ القديمِ لِتسيلَ على وجنتِهِ.
في تلكَ اللحظةِ، تبخَّرَ هدوءُهُ تحتَ وطأةِ الغضبِ والألمِ. استدارَ بجسدِهِ مُحاولاً الإفلاتَ بكلِّ ما تبقَّى لهُ من قوةٍ يائسةٍ، واشتعلتْ عيناهُ الخضراوانِ ببريقٍ حانقٍ وهو يسبُّ الغريبَ بصوتٍ مَبحوحٍ:
"سحقاً لكَ ولتحلَّ لعنةُ الربِّ عليكَ! تبّاً لهذا القصرِ ومَن فيهِ... أنا أصلاً مَنْ أخطأَ عندما قرَّرَ الخروجَ من غرفةِ ذلكَ الطبيبِ المجنونِ ذي الشَّعرِ الأسودِ! كان يجدرُ بي البقاءُ هناكَ بدلاً من الوقوعِ بينَ يدَي مختلٍّ مثلكَ!"
وفجأةً، وكأنَّ ذِكرَ الطبيبِ المجنونِ قد أحدثَ صدمةً غيرَ متوقعةٍ، تراختْ أصابعُ الغريبِ الصلبةُ وانفكتْ عن معصمَي إليور دفعةً واحدةً، مخليةً سبيلَهُ وسطَ الظلامِ.
لم ينتظرْ إليور ليفهمَ سببَ هذا التراجعِ المفاجئِ؛ بل استغلَّ الثَّانيةَ ذاتَها، ومَدَّ يديهِ المرتجفتينِ ليدفعَ صدرَ الغريبِ بخوفٍ، مُستجمعاً كلَّ قواهُ لِيُبعدَهُ عنهُ.
وفي لمحِ البصرِ، أدارَ مِزلاجَ البابِ الضخمِ وفتحَهُ، ثمَّ انطلقَ يركضُ في الممراتِ، يلهثُ برعبٍ قاتلٍ وعرقُ الحمى والدمُ يمتزجانِ على وجهِهِ الشاحبِ، لم يتوقفْ عن الركضِ والالتفاتِ خلفَهُ حتى وجدَ نفسَهُ يقتحمُ غرفةَ الطبيبِ زيفير مجدداً، لِيغلقَ البابَ ويسندَ ظهرَهُ إليهِ.
وفجأةً، تجمَّدتْ نظراتُ إليور وهو يلمحُ كائناً قابعاً في عتمةِ الغرفةِ؛ لقد كان قزماً ضئيلَ الحجمِ، يرمقُهُ بعينينِ جاحظتينِ.
جفلَ إليور وارتدَّ إلى الخلفِ، لتنطلقَ من حنجرتِهِ صرخةُ رعبٍ مكتومةٍ امتدَّتْ معها يدُهُ المرتجفةُ في عشوائيةٍ نحو الطاولةِ القريبةِ، باحثاً عن أيِّ شيءٍ يدافعُ بهِ عن نفسِهِ ويضربُ بهِ هذا المخلوقَ.
لكنَّ القزمَ تفادى يدَهُ برأسٍ أصلعَ لامعٍ، وصرخَ فيهِ بنبرةٍ حانقةٍ تملؤُها الجلبةُ والانزعاجُ:
"تبّاً لكَ أيُّها الصبيُّ الأخرقُ! اثبتْ مكانَكَ ولا تتحركْ!"
لم يستمعْ إليور لهُ؛ بل التقطتْ أصابعُهُ زجاجةَ دواءٍ زجاجيةً ثقيلةً، ورفعَها في الهواءِ ويداهُ تتناوبانِ الارتجافَ، مهدداً القزمَ الأصلعَ بصوتٍ مرتعشٍ:
"ابتعدْ عني... أقسمُ أنني سأهشمُ رأسَكَ بهذِهِ الزجاجةِ إنِ اقتربْتَ أيُّها الأصلعُ القصيرُ!"
اتسعتِ ابتسامةُ القزمِ عن ضحكةٍ ساخرةٍ ومتهكمةٍ، وهزَّ رأسَهُ بقلةِ حيلةٍ وهو يقولُ:
"يا لكَ من ولدٍ مجنونٍ... أتظنُّ أنَّكَ تستطيعُ إيذائي؟"
ارتسمتْ على شفتَي إليور ابتسامةُ ضيقٍ ممتعضةٌ، لكنَّ الكلماتِ تلاشتْ من عقلِهِ فجأةً؛ إذ شعرَ بدوارٍ عنيفٍ يضربُ جمجمتَهُ، اختلَّ توازنُهُ ليتراجعَ خطوةً إلى الخلفِ.
وفي الوقتِ نفسِهِ، شعرَ بسائلٍ ساخنٍ ولزجٍ يتدفقُ بغزارةٍ من جبينِهِ ليعبرَ وجنتَهُ ويغرقَ وجهَهُ بالكاملِ.
عادتْ ضحكةُ القزمِ الساخرةُ لتملأَ المكانَ، وقالَ بنبرةٍ متهكمةٍ:
"من الأفضلِ لكَ أن تكفكفَ دماءَكَ وتعالجَ نفسَكَ فوراً؛ فالطبيبُ زيفير إنْ عادَ ووجدَ قطرةَ دمٍ واحدةٍ قد لوَّثتْ أرضيةَ عيادتِهِ... سيجبرُكَ على لعقِها عن الأرضِ بلسانِكَ!"
لم يجدْ إليور في جوفِهِ طاقةً للردِّ؛ أفلتتْ أصابعُهُ زجاجةَ الدواءِ لتسقطَ فوقَ المنضدةِ، ورفعَ يديهِ ليقبضَ على رأسِهِ بألمٍ كأنَّ جمجمتَهُ ستتفتتُ.
نقلَ عينيهِ الخضراوانِ الواهنتينِ نحو الأرضيةِ، ليرى بقعَ الدماءِ الكثيرةِ التي تصبغُ الرخامَ بلونٍ قانٍ داكنٍ.
تملَّكَهُ ذعر حقيقيٌّ، وشحبَ وجهُهُ المغسولُ بالدمِ وهو ينظرُ للقزمِ برعبٍ طفوليٍّ عاجزٍ.
أمامَ هذِهِ الرؤيةِ البشعةِ وجديةِ الموقفِ، انقطعتْ ضحكاتُ القزمِ فجأةً وحلَّ محلَّها وجومٌ جادٌّ.
صمتَ لثوانٍ وهو يتأملُ حالَ الصبيِّ المتهالكِ، ثمَّ تراجعَ نحو البابِ قائلاً بنبرةٍ آمرةٍ حاسمةٍ:
"ابقَ مكانَكَ ولا تتحركْ... سأذهبُ لآتيَ بالطبيبِ زيفير قبلَ أن تنزفَ حتى الموتِ وتجلبَ لنا المصائبَ أيُّها المجنونُ."
اندفعَ القزم_خارجَ الغرفةِ، بينما تهاوى إليور فوقَ المقعدِ الخشبيِّ القريبِ بجسدٍ مهدودٍ.
وضعَ يدَهُ فوقَ جبينِهِ النازفِ، وأخذَ يشتمُ بصوتٍ مبحوحٍ ذلكَ اليومَ الذي فكَّر فيهِ بالهربِ من المملكةِ:
"سحقاً... كان يجدرُ بي البقاءُ هناكَ، وقسمُ رأسِ ذلكَ الرجلِ الوضيعِ صاحبِ المنزلِ القديمِ بالسيفِ... بدلاً من أن ألقى حتفي نازفاً في قصرٍ يملؤُهُ المجانينُ!"
دقائقُ قليلةٌ فقط حتى اندفعَ البابُ بخشونةٍ ليدخلَ الطبيبُ زيفير الغرفةَ، وعلاماتُ الغيظِ مرسومةٌ على ملامحِهِ الحادةِ.
كان القزمُ يسيرُ خلفَهُ بخطواتٍ سريعةٍ، مشيراً بيدِهِ نحو الفتى المتهالكِ. توقفَ زيفير أمامَ إليور، ورمقَهُ بنظرةٍ ناريةٍ تفيضُ بالحنقِ، قبلَ أن يوبخَهُ:
"أيُّها الأخرقُ! كيفَ تجرؤُ على الخروجِ من الغرفةِ أصلاً وأنتَ في هذِهِ الحالةِ؟ ألمْ أُخبرْكَ سابقاً ألا تتحركَ؟"
رفعَ إليور عيونَهُ الخضراءَ الواهنةَ، وحاولَ النطقَ، لكنَّ صوتَهُ خرجَ مبحوحاً، ضعيفاً، ومثقلاً بألمٍ حقيقيٍّ:
"أنا... أنا متعب جداً..."
تنهدَ زيفير بضيقٍ، وتقدَّمَ منهُ بخطواتٍ سريعةٍ حازمةٍ. أمسكَ بكتفِ إليور وأجبرَهُ على الاستلقاءِ فوقَ السريرِ الأبيضِ، ثمَّ انحنى فوقَ رأسِهِ ليتفحصَ جرحَ جبينِهِ الذي انفتحَ بعنفٍ.
عَقَدَ زيفير حاجبيهِ وسألهُ بجفاءٍ ممزوجٍ بالشكِّ:
"كيفَ أحدثْتَ هذا الشرخَ في رأسِكَ مجدداً؟"
ابتلعَ إليور ريقَهُ بصعوبةٍ، وأجابَ كاذباً بنبرةٍ لاهثةٍ، متقطعةٍ بفعلِ الألمِ الحادِّ الذي ينهشُ جمجمتَهُ:
"لقد... كُنْتُ خائفاً. استيقظْتُ ولم أجدْ أحداً، فخرجتُ... لكنني لمحتُ دوريةَ حراسةٍ في الممرِّ، فتملَّكني الذعرُ وانطلقتُ أركضُ في العتمةِ... تعثرتْ قدمي وسقطتُّ بعنفٍ لِيصطدمَ رأسي بحافةِ أحدِ الأبوابِ الضخمةِ. كُنْتُ أنزفُ ببطءٍ في البدايةِ... لكنْ، فجأةً... فجأةً انفجرَ النزيفُ بهذا الشكلِ... صدقْني هذا كلُّ ما حدثَ...."
زفرَ زيفير أنفاسَهُ بانزعاجٍ شديدٍ والتفتَ نحو طاولتِهِ الطبيةِ. أخذَ يمسحُ الدماءَ بغضبٍ مكتومٍ، ثمَّ بدأَ في تطهيرِ الجرحِ وإعادةِ خياطتِهِ بمهارةٍ أرستقراطيَّةٍ باردةٍ، قبلَ أن يجبرَهُ على تجرعِ سائلٍ عُشبيٍّ مرٍّ.
لم تمضِ دقائقُ قليلةٌ على تناولِ المسكنِ، حتى شعرَ إليور بثقلٍ غريبٍ يداعبُ جفونهُ، واستسلمَ لِنومٍ عميقٍ هرباً من آلامِ جسدِهِ وأفكارِهِ.
تحرَّكَ القزمُ بخطواتٍ قصيرةٍ حتى وقفَ إلى جانبِ السريرِ، متأملاً ملامحَ الصبيِّ الأشقرِ الشاحبِ، ثمَّ التفتَ نحو زيفير وسألهُ بنبرةٍ فضوليةٍ منخفضةٍ:
"مَن يكونُ هذا المجنونُ يا زيفير؟ وما قصتُهُ؟"
وضعَ زيفير أدواتِهِ الطبيةَ في مكانِها، وردَّ ببرودٍ وهو يُجففُ يديهِ:
"مجردُ مراهقٍ هاربٍ من أطرافِ المملكةِ، تَمَّ الإمساكُ بهِ الليلةَ الماضيةِ رُفقةَ قطيعٍ من السحرةِ القذرينَ. مرَّ باختبارِ النقاءِ على يدِ إلدار ونجا، وغداً في الصباحِ... سينظرُ القاضي في أمرِ ديونِهِ ومحاولةِ هروبِهِ."
ارتسمتْ على وجهِ القزمِ ابتسامةٌ خبيثةٌ، وانطلقتْ منهُ ضحكةٌ خافتةٌ وهو يقولُ:
"إنَّهُ ولدٌ ممتعٌ على أيِّ حالٍ... أسلوبُهُ في التهديدِ بالزجاجةِ كان مسليّاً."
التفتَ إليهِ زيفير، ولمحتْ عيناهُ السَّوداوانِ الفراغَ قبلَ أن يقولَ بنبرةٍ غامضةٍ:
"بل هو ولدٌ مزعجٌ وغريبٌ... وهناك شيءٌ ما بشأنِهِ لا يعجبُني."
جلسَ زيفير على مقعدٍ خشبيٍّ واقتربَ من فراشِ الصبيِّ، ثمَّ التفتَ نحو القزمِ وقالَ بنبرةٍ خلتْ من أيِّ ودٍّ:
"عُدْ إلى مكانِكَ الآنَ يا هذا، واتركْني أُنهي عملي."
رمقَهُ القزمُ بنظرةٍ تفيضُ بالتقززِ والاستعلاءِ، ثمَّ استدارَ وخرجَ مغلقاً البابَ خلفَهُ بخفةٍ.
التفتَ زيفير نحو إليور الغارقِ في نومِهِ.
انحنى فوقَهُ ببطءٍ، ومدَّ أصابعَهُ الطويلةَ نحو عُنقِ الصبيِّ؛ أزاحَ خُصلاتَ شَعرِهِ الأشقرِ الكثيفِ بعنايةٍ، وراحتْ عيناهُ السَّوداوانِ تفحصانِ البشرةَ الشاحبةَ بدقةٍ متناهيةٍ، يبحثُ عن "خَتمِ السحرِ"؛ تلكَ العلامةِ الخفيةِ التي يتركُها السحرُ على أجسادِ أصحابِها.
لكن... لم يَكُنْ هناكَ شيءٌ. كانت البشرةُ نقيةً لا شائبةَ فيها.
تنهدَ زيفير بعمقٍ، وأرجعَ ظهرَهُ للخلفِ بزفيرٍ حانقٍ، وتمتمَ في سرِّهِ:
"لقد أصبحْتُ شكاكاً أكثرَ من اللازمِ... هذا الولدُ سيدفعُني للجنونِ حتماً."
توجَّهَ نحو طاولتِهِ الطبيةِ، وجلسَ يُكملُ أبحاثَهُ وتركيبَ أدويتِهِ وسطَ صمتِ الليلِ، حتى بدأتْ خيوطُ الصباحِ الأولى تتسللُ عبرَ النوافذِ الزجاجيةِ.
وفجأةً، انتفضَ إليور من فراشِهِ بشهقةٍ مكتومةٍ مرعوبةٍ، وكأنَّ كابوساً بشعاً كانَ يخنقُهُ في ذلكَ السَّوادِ.
تجمَّدَ الدمُ في عروقِهِ وهو يتنفسُ بسرعة، بينما كانَ العرقُ يتصببُ من جبينِهِ. اقتربَ زيفير منهُ بهدوءٍ، ومَدَّ لهُ كوباً من الماءِ الباردِ، وراحَ يربتُ على ظهرِهِ بخفةٍ.
شربَ إليور بسرعةٍ، لكنَّ عقلَهُ كانَ عاجزاً عن تخطي مشاهدِ الإعداماتِ البشعةِ والرؤوسِ الثمانيةِ التي رآها بالأمسِ؛ كانت الصورةُ تطاردُهُ وتنهشُ هدوءَهُ، ومع ذلكَ، أجبرَ أنفاسَهُ المضطربةَ على الهدوءِ تدريجيّاً.
وضعَ زيفير الكوبَ جانباً، وقالَ بنبرةٍ جافةٍ:
"المحاكمةُ ستُعقدُ بعدَ ساعةٍ من الآنَ، والقسيسُ إلدار ينتظرُ رؤيتَكَ. انهضْ وغيِّرْ ثيابَكَ الملوثةَ هذِهِ، لقد تركتُ لكَ ثياباً نظيفةً في الداخلِ."
نهضَ إليور بجسدٍ مثقلٍ بالإنهاكِ والتعبِ، ودخلَ الحمامَ الملحقَ بالغرفةِ. أخذَ حماماً سريعاً لِيغسلَ آثارَ الدماءِ والوحلِ عن جسدِهِ، ثمَّ ارتدى الثيابَ الجافةَ البديلةَ.
وعندما خرجَ، بادَرَ زيفير بسحبِهِ برفقٍ من معصمِهِ وأجلسَهُ قريباً منهُ تحتَ الضوءِ. انحنى يتفحصُ جرحَ جبينِهِ بعينينِ خبيرتينِ، وتنهدَ براحةٍ مكتومةٍ عندما وجدَ أنَّ النزيفَ قد توقفَ تماماً وأنَّ الجرحَ بدأَ يلتئمُ بفضلِ علاجِهِ.
"جيدٌ، بضعةُ أيامٍ وسيلتئمُ تماماً..."
ارتسمتْ على شفتَي إليور ابتسامةٌ خفيفةٌ، دافئةٌ، وقالَ بصوتٍ خافتٍ:
"شكراً لكَ سيدَ زيفير..."
تصلَّبتْ ملامحُ زيفير فوراً، وظهرَ الانزعاجُ على وجهِهِ لِيُخفيَ ابتسامةً كادتْ تفلتُ من شفتيهِ جراءَ كلماتِ الصبيِّ، ثمَّ تحرَّكَ نحو البابِ وقالَ بنبرةٍ حادةٍ أخفتْ مشاعرَهُ:
"الحقْ بي دونَ جلبةٍ... الوقتُ يداهمُنا وذلكَ القسيسُ صاحبُ مئةِ مزاجٍ."
خرجَ من الغرفةِ بخطواتٍ موزونةٍ متبوعاً بإليور.
سارَ إليور خلفَ زيفير في الممراتِ، وعيناهُ الخضراوانِ تترصدانِ تفاصيلَ الجدرانِ المرصوفةِ بالحجرِ الأسودِ.
لم يستطعْ كبتَ فضولِهِ أكثرَ، فتقدمَ خطوةً وهمسَ بصوتٍ منخفضٍ يحملُ حيرةً حقيقيةً:
"بالمناسبةِ سيدَ زيفير... ذلكَ القزمُ الأصلعُ في غرفتكَ... كيفَ تركَهُ الملكُ يعيشُ في قلبِ القصرِ؟ أليسَ كائناً سحريّاً؟ ألا يُفترضُ أن يُحرقَ كالسحرةِ؟"
توقفَ زيفير عن السيرِ فجأةً، والتفتَ نحو إليور؛ ولبضعِ ثوانٍ من الوقتِ، انفرجتْ أساريرُ الطبيبِ وانفجرَ ضاحكاً بصوتٍ صاخرٍ لم يعهدْهُ إليور فيهِ، ضحكةٌ سخرتْ من جهلِ الصبيِّ.
لكنَّ الضحكةَ لم تدمْ؛ إذ انشقَّ من خلفِ أحدِ الأعمدةِ الرخاميةِ ذلكَ القزمُ الأصلعُ ذاتُهُ، وعيناهُ تجحظانِ بشررٍ.
صرخَ بنبرةٍ حانقةٍ زلزلتِ الممرَّ، وهو يُشيرُ بإصبعِهِ النحيلِ نحو وجهِ إليور:
"أيها الصبيُّ الجاهلُ القذرُ! مَنِ الذي تدعوهُ قزماً؟! أنا لسْتُ قزماً، ولسْتُ كائناً سحريّاً أيُّها الغبيُّ! أنا بشريٌّ أصيلٌ، ومستشارٌ للملكِ، واسمي كروف! كروف! هل تفهمُ أيُّها المجنونُ؟!"
جفلَ إليور ذُعراً، وتراجعَ إلى الخلفِ بخطواتٍ عشوائيةٍ سريعةٍ ليهربَ من ثورانِ القزمِ القصيرِ.
وفي غمرةِ رُعبِهِ واهتزازِ توازنِهِ، اصطدمَ ظهرُهُ بقوةٍ بمسندٍ رخاميٍّ مرتفعٍ يقبعُ فوقَهُ تمثالٌ أثريٌّ ضخمٌ.
سُمعَ صوتُ احتكاكٍ عنيفٌ، ولم تدمِ الثواني حتى هوى التمثالُ أرضاً، ليتشظَّى بِدويٍّ هائلٍ صمَّ الآذانَ، وتتناثرَ قطعُهُ الرخاميةُ البيضاءُ في أرجاءِ الممرِّ.
سادَ صمتٌ مسمومٌ ومطبقٌ. انقطعتْ صرخاتُ كروف، وتلاشتْ ضحكاتُ زيفير لِيحلَّ محلَّها جمودٌ صاعقٌ.
وسطَ هذا السكونِ المريرِ، التفتَ إليور على صوتِ شهقةٍ مكتومةٍ آتيةٍ من نهايةِ الممرِّ.
نظرَ، فإذْ بهِ يجدُ القسيسَ إلدار واقفاً، وقد اتسعتْ عيناهُ الرماديتانِ بصدمةٍ شلَّتْ ملامحَهُ، وهو يضعُ يدَهُ فوقَ فمِهِ غيرَ مصدقٍ لما يرى.
التفتَ إليور ببطءٍ نحو حطامِ الرخامِ تحتَ قدميهِ، لِيلمحَ القاعدةَ المتبقيةَ من التمثالِ، وقرأَ العبارةَ المنقوشةَ عليها:
"تمثالُ الملكِ الأكبرِ المعظمِ كرفانَ...رائع...!"
لقد كانَ هذا التمثالُ المجسدُ للملكِ الأكبرِ، مؤسسِ السلالةِ الحاكمةِ وأقدسِ رموزِ المملكةِ.
ابتلعَ إليور ريقَهُ بصعوبةٍ، وارتسمتْ على شفتيهِ الباهتتينِ ابتسامةُ توترٍ شديدٍ ومريرةٌ، بينما كانَ في داخِلِهِ يلعنُ غباءَهُ ويشتمُ نفسَهُ وحظَّهُ الساخرَ الذي لا يملُّ من الضحكِ عليهِ؛ وتمتمَ في سرِّهِ بمرارةٍ:
"سحقاً لي... من المقصلةِ إلى تهمةِ هدمِ تمثالِ المملكةِ الأثمنِ... يبدو أنَّ حظِّي قررَ إعدامي بكلِّ الطرقِ الممكنةِ، تبّاً! أكانَ ذلك القزمُ يستحقُ التنمرَ؟"
يتبع.........
_____________
رأيكم وتوقعاتكم؟
إليور والمصائب أحباء لا يتفارقان (ಥ‿ಥ)
يسوء حظ الأمير ناثير به مقدما~
زيفير وشكوكه تجاه إليور؟
كسر التمثال؟