مملكة الجليد

مملكة الجليد

15 0

في إحدى القرى البعيدة، هبّت نسمات الصباح الباردة، فاستيقظ الفلاحون قبل أن تشتد الشمس، وخرجوا يطلبون الحطب من أطراف الغابة. لفّوا أجسادهم بثيابهم الثقيلة، وحملوا فؤوسهم، وانطلقوا بين الأشجار الصامتة.

كان أحد الصبية يركض خلف الرجال، لا يعنيه من الحطب شيء. كان يختبئ خلف جذوع الأشجار ثم يخرج فجأة، يضحك كلما بحث عنه رفاقه.

وبينما كان يركض صعودًا نحو التلة، لمح شجرة توت وحيدة تمتد أغصانها فوق العشب اليابس.

اتجه إليها مسرعًا.

لكن ما إن بلغها حتى توقفت قدماه.

تلاشت ابتسامته، واتسعت عيناه.

ثم خرجت صرخته من بين الأشجار:

— هناك شيء!

التفت الرجال وركضوا نحوه. وحين بلغوا التلة، تجمدوا بدورهم.

كانت الأشجار المحيطة بالشجرة قد اسودّت.

لم يكن سوادًا يشبه احتراق الخشب، بل لونًا قاتمًا تسلل إلى الجذوع والأغصان كما لو أن شيئًا ما امتص الحياة منها. الأرض تحتها خلت من العشب، والنباتات ذبلت وهي في أماكنها، كأن الشتاء حلّ عليها في لحظة واحدة.

لم يتكلم أحد.

كانوا جميعًا يعرفون ما يعنيه ذلك.

أمرًا واحدًا لا غير.

شعب الظلام لم يمت.

---

بعيدًا عن تلك القرية بمئات الأميال، فوق قمة جبل جليدي شاهق، كانت الثلوج الأبدية تمتد بلا نهاية، والجبال ترتفع حولها كمنحوتات من الكريستال.

وقف أوس عند حافة المنحدر.

لم يكن يحدق في الثلج.

كانت عيناه الزجاجيتان معلقتين بمملكته الممتدة أسفل الجبل؛ القصور البيضاء، الساحات الجليدية، والجنود الذين يتحركون في انتظام صارم.

هذا هو شعبه.

قومٌ ولدوا للبرد، بشرتهم شاحبة كالثلج، وعيونهم بلورية تعكس الضوء كقطع الجليد. كان الصقيع بالنسبة إليهم شيئًا مألوفًا، حتى إنهم لم يعرفوا معنى أن ترتجف أجسادهم منه.

وفي الساحة البعيدة، كان الجيش الملكي يتدرب.

ضربة من مخلب واحد قادرة على شق جسد عدو، ولمسة من أصابعهم تستطيع تجميد الدم في عروق خصمهم.

كانت تلك قدرات يولد بها أبناء شعب الجليد.

أما أوس، فكان بينهم... ثم بعيدًا عنهم في الوقت ذاته.

أميرهم المنبوذ.

قلب الذئب.

لم يمنحه قومه ذلك اللقب محبةً.

بل لأنه روّض الذئاب البرية، وجعلها تتبعه حيثما ذهب، حتى صار سيد قطيع لا يخضع لأحد.

كان مختلفًا عنهم.

وربما كان ذلك سببًا كافيًا ليُنبذ.

جاءه عواء حاد من خلفه.

استدار أوس ببطء.

خرج ذئب أسود ضخم من بين الثلوج. كان أكبر من بقية القطيع، وفروه الداكن يلمع تحت ضوء الصباح. وقف بعيدًا عنه، رافعًا رأسه، وعيناه مثبتتان على أوس بتحدٍّ واضح.

لم يتحرك أحد.

حتى الذئاب الأخرى تراجعت.

أما أوس، فابتسم.

لم يغضبه التمرد.

على العكس...

لطالما راقه أولئك الذين يملكون شجاعة قول «لا».

ربما لأنه لم يملكها يومًا.

ظل واقفًا أمام الذئب، يتأمل عينيه السوداوين، وكأنه يرى فيه شيئًا يعرفه جيدًا.

شيئًا كان يتمنى لو امتلكه.

الشجاعة.

ثم انخفض قليلًا، واستعد.

لم يتراجع الذئب.

انقضّ أوس.

وفي لحظة، صار بينهما أقل من نفس واحد. انبثقت مخالبه من أطراف أصابعه، وغرسها في عنق الذئب قبل أن يتمكن من الإفلات.

تناثرت قطرات الدم القانية فوق الثلج الأبيض.

ساد الصمت.

ثم أطلق القطيع عواءً طويلًا.

لم يكن عواء حزن.

كان إعلانًا عن خضوعه لسيده.

سحب أوس مخالبه ببطء، وظل ينظر إلى الذئب الأسود للحظات.

لم يشعر بالنصر.

كان في صدره شيء أثقل من ذلك.

— كان ينبغي أن أتركك تهرب...

قالها بصوت خافت، وكأن الذئب وحده يستطيع سماعه.

ثم استدار.

لم يكد يخطو خطوتين حتى زمجر القطيع دفعة واحدة، والتفتت الذئاب نحو المنحدر.

رفع أوس رأسه.

كان قطبي يتسلق الثلج بصعوبة، يلهث من شدة العجلة.

— مولاي!

وصل إليه أخيرًا وانحنى.

— الملك يطلبك فورًا.

رفع أوس حاجبه.

— الآن تذكرني؟

تردد قطبي قبل أن يجيب.

— الأمر جلل.

صمت لحظة، ثم قال:

— مملكة الظلام عادت.

اختفت ابتسامة أوس.

— ماذا قلت؟

— هناك من أعاد بناء المملكة في الخفاء. مزارعون من قرانا اكتشفوا آثارًا غريبة في الغابة، وأرسلنا جواسيس للتحقق منها. عادوا بخبر مؤكد... إنهم يستعدون لغزو الممالك الأربع.

انعقد حاجبا أوس.

— ومن أين أتتك هذه الأخبار يا قطبي؟

— من الجواسيس، مولاي. رأوا آثارهم بأعينهم.

سكت أوس.

هبّت الريح، فبعثرت شعره الفضي حول وجهه.

ثم رفع عينيه نحو الأفق.

— إذن...

خرج صوته أخفض من أن يسمعه إلا قطبي.

— ما زالوا أحياء.

---

في قاعة العرش الجليدية، كان الملك ينتظره.

تدلت بلورات الثلج من سقف القاعة، وانعكس ضوءها البارد على الأعمدة البيضاء والعرش القابع في آخرها.

توقف أوس أمام أبيه.

انحنى احترامًا.

لم تكن انحناءته عميقة، لكنها كانت كافية لتقول إنه، رغم كل شيء، لم ينسَ أنه ملكه.

رفع الملك عينيه إليه.

وللحظة، لم يرَ أمامه الأمير المنبوذ الذي أبعده عن القصر.

رأى ابنه.

كبر أوس.

كبر أكثر مما أراد أن يلاحظ.

قال الملك:

— أوس.

رفع أوس رأسه.

— أبي.

ساد صمت ثقيل بينهما.

كان هناك الكثير مما يمكن أن يقال، لكن سنوات الجفاء جعلت الكلمات غريبة على لسانيهما.

كسر أوس الصمت:

— أصحيح ما بلغني؟

أطرق الملك قليلًا.

— نعم.

ثم رفع عينيه إليه.

— غسق حي.

بقي أوس ساكنًا.

اسم واحد.

اسم مملكة ظن الجميع أنها دُفنت تحت الرماد.

ثم قال ببرود يخفي ما تحته:

— وكم من الوقت كنتم تعرفون؟

لم يجب الملك فورًا.

وكان ذلك كافيًا.

شد أوس قبضته.

— لا يهم.

رفع عينيه إلى أبيه.

هذه المرة لم يكن في صوته غضب فقط، بل شيء أقدم منه.

— اعلم يا أبي... أنني لن أسامحك على ما فعلته بي.

تغيرت ملامح الملك.

لكن أوس تابع:

— ومع ذلك، لا تظن أنني سأترك هذه المملكة لمصيرها.

تقدم خطوة.

— قد أكون ابنًا نبذته، وأميرًا لم ترَ فيه ما يستحق مكانه... لكنني ما زلت واحدًا من هذا الشعب.

استقرت عيناه في عيني أبيه.

— وسأفتدي هذه المملكة بدمي. لن يعبر أسوارها عدو إلا على جثتي.

ظل الملك ينظر إليه.

ثم ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة.

لم تكن ابتسامة ملك وجد جنديًا مطيعًا.

كانت ابتسامة أب رأى، متأخرًا جدًا، الرجل الذي صار عليه ابنه.

اختلط الفخر في عينيه بشيء يشبه الندم.

قال:

— كنت أعرف أنك ستقول ذلك.

ثم استدار نحو طاولة طويلة، حيث كانت ثلاث رسائل مختومة بالشمع.

— وقد أرسلت بالفعل طلب التحالف إلى الممالك الثلاث الأخرى.

نظر أوس إلى الرسائل.

ثم إلى أبيه.

ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن ما بينهما مجرد ماضٍ لم يُغلق.

كانت هناك حرب تقترب.

وحين تقترب الحرب...

تتغير كل الولاءات.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حرب الممالك

المؤلف شيرين
2026/09/11 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة