التفتت الفتاة ببطء نحو أمايا ، لتكشف عن عيون بلون المحيط، تتداخل فيهما زرقة البحر مع خضرة هادئة
تجمدت أمايا في مكانها، اتسعت عيناها البنفسجيتان قليلا ، فذلك الإحساس الغريب الذي انتابها فور رؤيتهما...كان مألوفا الى حد أخافها
أعين المحيط
خرج صوتها همسا دون أن تشعر
"...آريا؟"
اتسعت عينا الفتاة على نحو مفاجئ و ارتسم فيهما خوف حقيقي
بدى وكأنها لم تصدق ماتسمعه
"أمايا... هذا لا يمكن أن يكون"
ثم همست وقد ازداد الاضطراب في عينيها
"لأن التي... في هذا العالم"
اقتربت بخطوات حذرة ، رفعت يدها ببطء ومدتها نحوها، كما لو كانت تحاول الإمساك بها بإستماتة
أو ربما كان هدفها الإمساك بشيء اخر
[ أمل زائف ]
ارتجفت أطراف أصابعها
"هل تتذ...؟"
تك... تك...
تك! تك! تك! تك! تك! تك!
انطلقت أصوات الساعة فجأة
في البداية كانت متقطعة، ثم تسارعت على نحو غير طبيعي، حتى بدا أن عقاربها أخذت تدور بجنون، أسرع من أن تتمكن العين من تتبعها
ارتفع صوتها تدريجيا
ثم تحول إلى ضجيج حاد، مرتفع، اخترق أذني أمايا كما لو أنه يحاول شق رأسها من الداخل
شهقت ورفعت يديها إلى أذنيها بقوة
"ها..؟!"
انحنت قليلا و أغمضت عينيها من شدة الألم
لكن وبلا رحمة
أخذ الصوت يزداد ارتفاعا بصورة لا تحتمل
رفعت أمايا رأسها بصعوبة لتلمح تلك الفتاة الواقفة أمامها
لم تتحرك ولم تغط أذنيها
بل لم تبد عليها أي علامة تدل على أنها تسمع شيئا
حدقت فيها أمايا بذعر
هل أنا الوحيدة التي تسمع هذا الجنون؟
وفجأة...
طق!
تحطمت عقارب الساعة
لم يكن صوت تحطمها كافيا لوصف ما حدث بعدها...
مع سقوط قطعها، بدا وكأن العالم هو الذي أصيب بالصدع
اهتزت الجدران أمام عيني أمايا، ثم انحرفت مواضعها عن أبعادها الأصلية ، وكأن العالم فقد قدرته على الحفاظ على شكله
تمددت النافدة للحظة ثم انكمشت
مالت الأرضية تحت قدميها
التفت الجدران حول نفسها
حتى الألوان بدأت تتغير
الأزرق لم يعد أزرق
الأخضر أخذ يتداخل مع البنفسجي، والأبيض تحول إلى رمادي باهت، أما الضوء فبدا وكأنه يتقطع إلى أجزاء تشبه قطع زجاج مكسور
كان الأمر أشبه بشاشة حاسوب أصابها خلل في النظام
نعم...
لقد حدث خلل في نظام هذا العالم
شيء ما خالف القوانين، عبث بالتوازن، وفتح ثغرة لم يكن من المفترض أن توجد
وكان الثمن...
[ الفوضى ]
"ما... الذي يحدث...؟"
خرج صوت أمايا مرتجفا
حاولت التراجع لكن ساقيها لم تستجيبا لها
ازداد التشوش في عينيها وتداخلت الأشياء من حولها، حتى لم تعد قادرة على التمييز بين الأرض والجدار والنافذة
شعرت بأنها ستصاب بالجنون
"لا..."
مدت يدها إلى أقرب شيء لتستند إليه، لكنها لم تستطع الوصول
بدأ جسدها يفقد توازنه
ثم خانتها ساقاها تماما و هوت إلى الأرض
لكن في اللحظة الأخيرة، وقبل أن يبتلع التشوش ما تبقى من رؤيتها، لمحت شيئا واحدا
تلك الفتاة...
كانت تركض نحوها مذعورة، وقد تحولت ملامحها إلى فزع حقيقي، إلى أن...
غرق كل شيء في الظلام
فتحت أمايا عينيها ببطء...
كان الظلام مطبقا من حولها
أما الهواء فكان ثقيلا خانقا، مشبعا برائحة نتنة نفاذة تسللت إلى أنفها... مزيج من الرطوبة والعفن
انقبض صدرها بمرارة
حاولت أن تحرك رأسها
كان المكان مهجورا بصورة تثير القشعريرة
جدران متآكلة غطاها السواد، أرضية قذرة تشققت في مواضع كثيرة، مغطاة بطبقة من الغبار والأوساخ تتخللها بقع داكنة جافة
وماإن بدأت عيناها في التأقلم مع الظلام
توقفت أنفاسها للحظة
جثث متناثرة في الظلام بصورة غير طبيعية
فتاة صغيرة ملقاة على ظهرها، ورأسها مائل إلى الجانب بزاوية بشعة، بينما بقيت عيناها مفتوحتين على اتساعهما... بارزتين بشكل مخيف، محاطتين بآثار الدم، وكأن خوفها تجمد في عينيها قبل موتها
رجل منكمش على نفسه في زاوية الجدار، ملابسه مشبعة بالدماء وممزقة بشكل مروع، و ذراعاه ملتفتان حول جسده تغطيهما الخدوش والندوب
هل حاول حماية نفسه؟ أو ربما استسلم لمصيره
أما الجثة الأقرب إليها، فكانت لإمرأة في منتصف العمر، جسدها ممزق بعنف وأحد أطرافها ملتو بصورة يستحيل معها تخيل كيف كان الجسد قبل أن ينتهي إلى هذه الهيئة، أما عيونها فكانت بارزة بصورة مروعة، تحدقان في السقف بلا رمش
حدقت أمايا في الوجه ثم نظرت إلى السقف
تلك الجثة كانت تحدق في السقف بلا شك
لكنها كانت متأكدة
من أن تلك العيون كانت تنظر إليها قبل لحظات...
حدقت أمايا في المشهد طويلا
حتى شعرت بشيء دافئ ينساب بين أصابعها
أنزلت يدها ببطء
لكن..
كان الدم يغطي كفيها وأصابعها، يتجمع تحت أظافرها وينساب ببطء نحو معصميها
حدقت فيه دون أن تصرخ
الغريب أنها لم تشعر بالخوف
بل بشيء أقرب إلى الألفة
اكتفت بالنظر حولها بوجه خال من التعبير
ولم تبد عليها حتى ملامح الاشمئزاز المعتادة
بل جلست بهدوء ونظرت إلى الجثة أمامها بنظرة فاترة
"هذه ليست المرة الأولى التي ألعب فيها هذه اللعبة"
عادة كانت الجثث تنهض وتطاردها بلا توقف، حتى لو أسقطتها أرضا، كانت ستعاود النهوض لتلاحقها من جديد
كانت تضطر إلى الركض في ممرات لا تنتهي، بينما تلاحقها أصوات حادة ومشوهة تخترق رأسها حتى تكاد تفقد عقلها
حدقت أمايا في أرجاء المكان، ثم أراحت ظهرها على أقرب جدار
"بصراحة..."
تثاءبت
"هذا حلم لطيف مقارنة بالبقية"
نظرت إلى إحدى الجثث القريبة منها
"على الأقل أنتم هادئون"
وبعد لحظة من التفكير أغلقت عينيها
"أعتقد أنني سأبقى هنا حتى ينتهي هذا الحلم"
فجأة
انفجر في أرجاء المكان ضجيج هائل، كما لو أن شيئا ضخما ارتطم بالأرض
فتحت أمايا عينيها ببطء، أطلقت زفيرا طويلا
"كنت أعرف أن هذا الهدوء لن يدوم"
لكن ما إن توضحت رؤيتها حتى تجمدت في مكانها
كانت هناك عين
عين واحدة هائلة، انفتحت في قلب الظلام، تحدق فيها مباشرة
لم تكن مجرد عين كبيرة، بل كان في نظرتها شيء جعل أمايا تشعر وكأنها مكشوفة تماما
كان لونها أزرق مخضرا كلون المحيط، الذي لطالما أحبته
لكنه لم يكن ذلك اللون الهادئ الذي تعرفه، كان أعمق، أثقل، كأن الظلام غاص في أعماقه ومعه كل ما عرفته البشرية من كوارث ومآس
ولسبب لم تفهمه، ذكرها ذلك بالشيء نفسه الذي كانت تفكر فيه قبل أن تصل إلى هنا
[صندوق باندورا]
حدقت أمايا فيها، وقبل أن تتمكن من التفكير أكثر
بدأت الجثث تتحرك
رُفعت الرؤوس واحدة تلو الأخرى وانفتحت أعينها...
كانت جميعها تحدق في أمايا بالحقد ذاته
توقفت أنفاسها للحظة، ثم تنهدت بملل
"آه... بجدية"
نهضت ببطء
"أنتم تحبون لعبة المطاردة كثيرا"
لكن وبدون سابق إنذار
انبعث ضوء أبيض من مكان مجهول ابتلع المكان بأكمله
وحين استعادت أمايا بصرها
وجدت نفسها في مكان آخر
كان كل شيء مضيئا وهادئا
سماء صافية، هواء لطيف، مساحة شاسعة من العشب تمتد حتى الأفق
وفي كل مكان حولها... كانت الزهور البيضاء تتفتح، بتلاتها رقيقة ونقية، تهتز مع النسيم بخفة
كان المكان جميلا بطريقة مخيفة ، فالبياض لم يكن يمنحها شعورا بالراحة تماما
كان هادئا إلى حد جعلها تشعر أن هذا الهدوء يخفي شيئا
وبالفعل، لم تكد تستوعب ما يحيط بها، حتى ظهر أمامها ثلاثة أشخاص ، أعينهم تحمل ذلك اللون نفسه
[لون المحيط]
اتسعت عيناها، وسقطت كل السخرية من ملامحها
في اعماقها ، كانت قد عرفتهم
كما يعرف الإنسان وجه ظل يبحث عنه في أحلامه لسنوات
"أنتم..."
امتلأت عيناها بشيء لم تسمح لنفسها بإظهاره منذ زمن طويل
[الشوق]
"هل أنتم..."
ابتسم الرجلان....واختفيا
نظرت إلى المكان الذي كانا يقفان فيه.
"...ماذا؟"
بقيت الفتاة وحدها
نظرت إليها للحظات، ثم بدأت تقترب
وحين أصبحت أمام أمايا، فتحت ذراعيها وعانقتها بشدة
تجمد جسد أمايا و للحظة واحدة فقط...
شعرت بالدفء
أغمضت عينيها وكادت ترفع ذراعيها لتبادلها العناق
لكن العالم انقلب
سقطت الفتاة بين ذراعيها فجأة
وانفصل رأسها عن جسدها في لحظة
لم تصرخ أمايا
بل بدا وكأن صوتها قد تجمد في حلقها
سقط الرأس فوق الزهور البيضاء، ثم بدأ الأحمر ينتشر بين البتلات
تراجعت أمايا خطوة و رفعت عينيها
كان جسد الفتاة لا يزال أمامها
لكنه اختفى بسرعة
في اللحظة التالية، كانت الفتاة تقف خلفها
هذه المرة حية، سليمة، وكأن شيئا لم يحدث
"أمايا..."
استدارت إليها بسرعة
"لا تقتربي"
مدت الفتاة يدها نحوها لتمنعها من الاقتراب
لكن رغم ذلك تقدمت أمايا خطوة لتقترب منها
كانت فقط تريد الوصول إليها
مدت يدها
"انتظري..."
لكن بمجرد أن اقتربت أطراف أصابعها منها
انفجر جسد الفتاة من الداخل وانبثرت اطرافها فوق الزهور البيضاء
تراجعت أمايا مذعورة
وبدون أن تمنحها الرؤيا فرصة لاستيعاب ما حدث، عادت الفتاة إلى الظهور، ثم حدث الأمر من جديد
مرة أخرى
ثم مرة أخرى
وفي كل مرة، كانت الزهور البيضاء تحت قدميها تفقد لونها لتتحول الى اللون الأحمر القاتم
أمايا لم تعد تفكر... استمرت في الركض باستماتة فقط، تتعثر، تنهض، ثم تمد يدها من جديد
"توقفي!"
لكن في كل مرة تحاول أمايا الوصول إليها، كان العالم ينتزع منها شيئا جديدا
"كفى..."
بدأ صوتها يرتجف
"أرجوك!"
لم تعد تعرف هل كانت تخاطب الفتاة ، أم هذا العالم الذي ينتزع منها ماتحبه
وفي النهاية
وقفت أمايا وسط الزهور الحمراء، تلهث ويداها ممدودتان إلى الفراغ
تحدق في المكان الذي ماتت فيه الفتاة للمرة الأخيرة
فتحت أمايا عينيها ببطء ليقع بصرها على سقف أبيض، تسللت إلى أنفها رائحة المطهرات والأدوية الطبية ، فعرفت المكان على الفور
[ عيادة المدرسة ]
رفعت يدها إلى جبينها وضغطت عليه بأطراف أصابعها، بينما تحاول استعادة ما حدث قبل أن تستيقظ، كان هناك شيء ما شعرت بأنها رأته أو عاشته، لكنه لم يكن أكثر من ذدرى باهتة
كانت متأكدة من أنها حلمت بشيء فظيع، لكنها لم تستطع تذكر أي شيء منه
"ما خطب رأسي اليوم؟"
"هل هذا لأنني سهرت إلى وقت متأخر وأنا أشاهد مقاطع فيديو لفتيان الأنمي الوسيمين؟"
صمتت للحظة ثم هزت رأسها نفيا
"حسنا هذا شيء معتاد ، لا يفترض أن يسبب لي اضطرابا"
"استيقظت أخيرا؟"
التفتت أمايا بسرعة نحو مصدر الصوت، ولم تدرك وجود شخص آخر في الغرفة إلا حين استقرت عيناها بالقرب من النافذة
هناك، جلست تلك الفتاة