12 1

تقديم


رويدك، عزيزي(ة) القارئ.


فما مصيرك ومصيرنا إلا بيد الله، إنما نحن نمر بأيام تنقضي.


لا تبالِ بما أنت مُقبل عليه من أيام عسيرة، فقد كانت هذه الأيام من أكثر أيام حياته مرارةً وحزنًا.


الجزء الأول


هناك، غير بعيد، قرابة الساعة الحادية عشرة ظهرًا، سمع صوتًا قادمًا ينادي عليه من بين الصغار:


«يا ولدي... تعال.»


فتبعها. كانت جارة تُسمى عبوش.


وفي أثناء طريق الرجوع إلى البيت، رأى نظرات الأسى في عيني تلك المرأة العشرينية، التي أكل منها الزمن حتى أصبح مظهرها يوحي بأن عمرها خمسون سنة، مع صغر سنها.


ومع اقترابهما من مشارف البيت، الذي كان مثل دكان وقتها، استشعر وحشته، رغم حال البيت الذي ما فتئ يحمل ضحكات الأب سعيد، رب الأسرة، والأم رقية، وزوجة العم.


وبين حين وآخر، كانت ترتفع صيحات البكاء.


وإن دخلا، وفي سنه ذاك، بين الثامنة والعاشرة من عمره، لم يكن يفهم معنى الموت، أو أن شخصًا فارقنا إلى دار البقاء، تاركًا خلفه كل أسراره.


وعرف بعد ذلك موت العم محمود، رب أسرة ثانٍ بعد سعيد، الذي كان معاقًا.


الجزء الثاني


أما الآن، فهو يتذكر تلك الأحداث. أليس قد مر عليها أربعة عشر عامًا؟


وها هو في الرابعة والعشرين من عمره، ما زال عاطلًا عن العمل.


يتجول في شوارع آسفي، مدينته، مجمع المعوزين، رغم بحرها وسمكها؛ مدينة مهمشة تبخرت أحلام ساكنيها، مثلما يتبخر الماء فوق صخور حامية.


أراك ما زلت لا تبالي بما أنت مُقبل عليه من أيام.


ها أنت جالس تتأمل البحر، مدًّا وغروبًا.


رغم رونق المنظر وجماله، إلا أنه لا يراه؛ لا يرى سوى ما وراء هذه السماء الزرقاء، وسفنًا طائرة، وبدأ وابل من الأفكار يدخل ويخرج صَرَدًا.


في تجمع عاطلي الحي، الذي هو منهم، يبثون أفكارًا عابرة مسمومة، ورائحة سجائر خانقة لنفوس ترى فيهم السندباد وعلاء الدين وأرسطو ونزار والإمام.


تعجب مما يقولون، وما يحزن أن مصيرهم واحد.


هو وسطهم، لا يدخن، ومع ذلك منسجم معهم، منهم وإليهم. يضحك إذا ضحكوا، ويلقي نكتة هنا وهناك.


ما به يتحدث عن الاغتراب؟


عمَّ صمت للحظة، وهو يحكي بما جاءه في باله، كيف أنه يتفكر في الاغتراب وعيش حياته سعيدة هناك كما يتمنى.


وهم؟


بعضهم راقت له الفكرة، ومنهم من فكر في أمه ومصيره، لقلة من يمتلك دبلومًا أو شهادة مدرسية.


ومع حلول منتصف الليل، تفرقت الصحبة شرقًا وغربًا، بحثًا عن منازلهم.


ها هو يعود مقبوض القلب إلى هذه الغرفة الضيقة، فيها نفسه ووسواس فكرة تعود ثانية وثالثة ورابعة وخامسة... طوال الليل.


إلى الصباح، ومع مرور الأيام والأسابيع، إلى لقائه بفلسفة الحي:


«عمل؟ متى العمل؟ عاطل عن العمل.»


ومع سماع هذه الكلمات كل صباح، كما يسمع نهيق الحمير، وكان يُعاب فيه.


رد عليهم بوحشية كلام، رغم كِبَرهم عن سنه.


ذهب إلى إحدى المقاهي الشعبية، لردح من الزمن، علَّه يخفف ما به من هموم وشقاء الحياة.


فتخيلت في عقله صورة عبوش، المرأة العشرينية الخمسينية، فارتسمت على وجهه بسمة حسرة، واسودَّ لها محياه كغمامة بلا مطر.


الجزء الثالث


إنك الآن تتجول بين أزقة ضيقة، وتمر كضيف عابر، لا يسمع ولا يرى.


أما لبثتَ من أيام تفكر في الاغتراب؟ ما لك الآن لا حس ولا حماس؟


هل حل عليك حال الأوثان؟


لا، بل مفلس، فأين له بالمال حتى يفكر في الاغتراب؟


في تجمع عاطلي الحي، كان أصدقاؤه: عبد الرحيم، شاب عشريني بملامح مسمّرة من كثرة التدخين، ترعرع بين أزقة لا يعرف فيها معنى حنان أم أو أب، لعدم اهتمامهما به. رغم ذلك، كان يفكر فيهما وفي إخوته الثلاثة.


ويوسف، جاء من البادية لظروف الفاقة وقلة الموارد، بحثًا عن عمل بعد موت أبويه في سن الخامسة عشرة، ورعاية عمته له.


وبلال، ابن المدينة، وابن ميتم منذ طفولته، إلى أن بلغ سبعة وعشرين عامًا، وكان أكبرهم سنًا، ورغم ذلك أقلهم خبرة.


كانوا معًا مهتمين بفكرة الاغتراب، حيث ما فتئوا، هو وهم، يفكرون في طريقة للمّ شتاتهم وجمع مبلغ يسير يعينهم على ما هم فيه.


لا يتفرقون إلا ليلًا، ليرتموا إلى منازلهم المتهرئة.


ومع انقضاء الأيام والأسابيع، تعاونوا في كراء عربة رباعية تقليدية، يبيعون فيها غالبًا الليمون والتفاح، لعل الزمن يقبل عليهم برزق.


لكن المشاكل لحقتهم مع مجيء العمدة، المقدم مجيد، ببطنه الكبير وسرواله العريض المربوط بحزام أسود، يكون غالبًا من جلد خشن.


منعهم من البيع في المكان الذي كانوا فيه، لأسباب إدارية لم يشرحها، وفي الغالب لأنهم لم يرشوه.


لم يعترض أحد منهم، لعلمهم بأزمتهم، فأقبل الفتية يبحثون عن مكان آخر.


شردوا، وهم هائمون، على أسوار مطلة على البحر، وكلهم يفكرون في ذلك اليوم الذي يصلون فيه إلى جنتهم.


أيقظهم صوت يوسف مردفًا:


— إنه ذاهب إلى البادية في زيارة لعمته.


وما لبث عبد الرحيم أن قال:


— إلى متى سنبقى على هذا الحال؟


قطعهم هدوء بلال، وهو يحدق في بعيد الأمواج.


ورد عليه قائلًا:


— ما لهذا مطير العقل؟


ثم لمس كتفه الأيسر ليُعيرهم انتباهه، وأجابهم:


— أسمعكم... أسمعكم.


أكمل عبد الرحيم قائلًا:


— حالنا هذا ميؤوس منه، لن نجمع قرشًا ولو لبثنا سنين.


أجابه بحسرة:


— لا، لا، سنوفق إن شاء الله.


أكمل يوسف بعد استئذانه قائلًا:


— سأبيع أرضًا صغيرة ورثتها عن أبويَّ، ولهذا الغرض سأذهب إلى عمتي.


وسأل عبد الرحيم:


— وما كان ثمن هذه الأرض؟ سيكفيه ويكفينا في الرحلة؟


صمت يوسف مدة، ثم أجاب:


— لا أعرف إن كان كافيًا، فقد سمعت أن أثمان الأراضي الزراعية مرتفعة في هذه الفترة.


وأدهشهم صمت بلال، وجفاف كلماته.


وبعد تفرقهم، بحث كل واحد منهم عن مدخل رزق ينقذه، ويوسف الذي غادرهم إلى عمته.


الجزء الرابع


ها هو في غرفته الضيقة، جالسًا يسمع رنين هاتف، غير مكترث له.


ثم عاد الرنين ثانية.


حمل الهاتف مجيبًا:


— من معي؟


فإذا بها أخته تسأله عن حاله، يسمع صوتها رقيقًا.


وهي تعاتبه لانقطاع اتصاله بها، وهي آخر من تبقى من أسرته.


فأجابها مفضفضًا عما في قلبه، فطالت نفحة المشاعر بينه وبينها، وانتقلت إلى قهقهتها بعد أن حكت له عن مجرى لها في أحد الحمامات.


فكانت تلك الدقائق المعدودة أحسن دقائق ذلك اليوم.


وبعد الأيام التي مرت، تجمع الأصحاب معًا في منزل عبد الرحيم، أو لنقل: الغرفة، لصغر المنزل، بعد قدوم يوسف من عند عمته، ليسمعوا منه أخباره.


جلسوا ردحًا من الزمن ينتظرون دخوله، وكان هو سبقهم، حيث وجد عبد الرحيم مرتميًا على كرسي خشبي.


وما لبث أن جاء بلال، وتبعه يوسف.


واجتمعوا على فناجين الشاي.


وعرفوا من يوسف أنه باع أرضه، وعرض عليهم المبلغ الذي كان لا يتجاوز عشرة آلاف درهم.


بدا لهم مبلغًا ضخمًا في الوهلة الأولى، حتى استفاقوا على واقعهم.


بدأ كل واحد يخرج ما في جيبه، فإذا بالمبلغ يصل إلى خمسة عشر ألف درهم، وثلاثة آلاف ريال.


وما زال المبلغ صغيرًا.


قادهم هذا التسرع إلى الترحال نحو مدينة طنجة، للقاء أحد يوفر لهم وسيلة مرور عبر البحر، «الاغتراب».


ورغم خطورة الأمر، إلا أن واقعهم المؤلم دفع بهم إلى خوض تلك الرحلة.


وفي صباح اليوم التالي، التقى الأربعة، وتوجهوا إلى محطة النقل.


ومع وصولهم، قرابة الساعة الثانية ظهرًا، سمعوا أصوات السائقين وأبواق الحافلات العالية، ونداء الركاب للإسراع بالقفز داخل الحافلات.


وإذا بهم يجدون حافلة بثمن بخس، ستأخذهم في الطريق رقم واحد إلى مدينة طنجة.


وأمرهم السائق بالانتظار نصف ساعة حتى يكتمل عدد الركاب.


وحين جاء موعد الانطلاق، حملوا أمتعتهم إلى داخل الحافلة.


وأسرع كل منهم إلى كرسيه، وإلا سيجد نفسه مضطرًا إلى إكمال الطريق واقفًا لكثرة الركاب.


الجزء الخامس


ها هي الحافلة تنطلق، وتحمل معها الأحلام والأماني.


تحمل معها فقراء وباحثين عن لقمة العيش، متجهين إلى مصيرهم.


وبعد مرور دقائق، وعلى جوانب زجاج الحافلة، يرى صخورًا وسهولًا.


مرورًا عبر الجديدة، بوابة الأطلس، بسواحلها الصخرية وأمواجها.


إلى العاصمة الاقتصادية، ملتقى الليل والنهار، بضبابها الرمادي.


وعبورًا بالمحمدية والقنيطرة.


ترى أعينهم تتوسع عندما لمحوا الجبال والبحر الأزرق، مرتديًا تاج السماء.


يتبادلون النظرات، وأعينهم توحي بفرحة غامرة.


نسوا التعب والضجيج، و...


متوجهين إلى مصيرهم، يسألون هنا وهناك، وهذا وذاك.


ورغم علمهم بمخاطر الهجرة غير القانونية، إلا أن ذلك واقع مرير وغصة عيش تقودهم أقدامهم إليه.


وقد مر أسبوع، وبحثوا عن ملجأ وعمل ليكملوا الليالي المتبقية هنا، حتى يجدوا وسيلة للرحيل.


وبدأت الغيوم تخيم عليهم، إذ لم يجدوا وسيلة بعد.


وفي ليلة مطيرة، جاءهم خبر أن أحدهم وجد لهم وسيلة.


ذهب هو مسرعًا كيلا يفوته الأمر.


فإذا هو رجل ثلاثيني، تبدو على ملامحه الخفة.


عرّفهم على رجل قصير القامة، أشهب اللحية.


قال حينها إنه سيوفر لهم قاربًا.


وأفادهم أن رحلتهم، بعد اتفاقهم على الثمن، ستكون بعد يوم أو يومين من لقائهم به.


بدأت أقصى حالات الاستعداد من طرف الأربعة لذلك اليوم المنشود.


وورده اتصال من رقم مجهول يعلمه بموعد الرحلة، فأسرع إلى إعلام أصحابه.


فجمعهم ليخبرهم بالموعد المتفق عليه، الذي كان قبيل الفجر، بعيدًا عن العيون.


تحرك الفتية إلى مكان قريب من الرمل والقارب، على بُعد مليمترات من عيونهم.


ومع إسراعهم، قفزوا داخل قارب خشبي، إذ وجدوا تقريبًا أحد عشر راكبًا، وهم يكملون خمسة عشر.


ها هي الأمواج عالية تقترب، ورياح البحر تجمد العروق.


لا، لن تصل إلى الخوف الذي يعتليهم وسط ظلمة عاتمة.


وما لبثوا إلا ساعة ونصفًا وسط هذا المحيط.


وسط هذا المحيط الغريب، خمسة عشر إنسانًا يتحدثون بينهم؛ سود وبيض، عجم وعرب، جمعهم مصير واحد.


وقفة الراوي


دعني، عزيزي(ة) القارئ، أقفك هاهنا، وقل معي:


رحم الله تعالى كل من مات، وآوانا وإياكم في فسيح جناته.


أما بعد...


فمصير الاغتراب ومرارة العيش التي تدمي كرامة المرء، تجعله يفكر في الرحيل عن أهله، وتركهم إلى المجهول.


ها هي الأمواج تقلبهم يمينًا ويسارًا، في أعماق الأعماق، وأرواح تتنفس.


ماذا يجري؟


ويُسمع صوت الأمواج تضرب بقوة، متلهفة لسقوطهم، كفخ شباك العنكبوت تلتف حولهم، فتقلبهم شمالًا وجنوبًا.


وسُمع صوت صراخ أصدقائه وآخرين، بل رأى خونة يهربون بمطاط النجاة، وهم يتقلبون، كلٌّ يحاول الإمساك به.


وشريط الذكريات يمر...


ابتسامات، لحظات، وضحكات يوسف، وبلال، وعبد الرحيم...


كل يغرق، وبقيت إصبعه تطل وسط الأمواج.


عذرًا...


بل غرق، ليكون بين رفات هذا المحيط، حالمًا وهمًا.


مات محاولًا.


فأسألك بالله، لا تتحول مثلهم.


وأخيرًا، صلِّ وسلِّم على أشرف المخلوقين، محمد صلى الله عليه وسلم.


﴿وكم من عزيز فقدناه بين غياهب أمواج الزمان﴾

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

إلي المصير

المؤلف عبد الرحمان لشكر
2026/09/14 مستمرة
قائمة الفصول (1)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة