الأسماء التي لا تعود
بعد اختفاء أمينة، ما اتغيرش شكل الإسكندرية.
وده كان أكتر شيء غريب.
الشمس كانت بتطلع في معادها.
والبحر كان بيصحى قبل الناس.
والباعة كانوا بيقفوا في نفس الأماكن.
والعربيات كانت بتعدّي فوق الحجارة القديمة.
كل حاجة كانت ماشية.
كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن بالنسبة لأم أمينة...
كل حاجة كانت اتغيرت.
---
كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر.
في الأول، كانت بتقوم عشان تصلي.
وبعدين...
كانت تقعد قدام الباب.
تستنى.
ما كانتش عارفة هي مستنية إيه بالضبط.
يمكن تسمع خطوات.
يمكن تشوف بنتها جاية من آخر الحارة.
يمكن تسمع صوتها وهي بتنادي:
— يا أمي.
أي حاجة.
أي علامة.
لكن الحارة كانت كل يوم بتفضل زي ما هي.
ناس رايحة.
وناس جاية.
وأطفال بيلعبوا.
وستات واقفة قدام البيوت.
لكن أمينة...
ما كانتش بينهم.
---
في اليوم العاشر، دخلت عليها أم زينب.
كانت شايلة طبق صغير.
قالت:
— جبتلك أكل.
بصتلها أم أمينة.
— مش عايزة.
— لازم تاكلي.
— قلتلك مش عايزة.
حطت أم زينب الطبق على الأرض.
وقعدت جنبها.
سكتوا شوية.
وبعدين قالت أم أمينة:
— إنتِ آخر واحدة شافتها.
أم زينب رفعت عينيها.
— أيوه.
— كانت رايحة فين؟
سكتت أم زينب.
قالت:
— قالتلي هتخلص كام مشوار.
— مشاوير فين؟
— ما قالتليش.
بصت أم أمينة ناحية الباب.
وبعدين قالت:
— أكيد قالت حاجة.
— والله يا أختي، ده اللي حصل.
— كانت خايفة؟
أم زينب اترددت.
— لأ.
— كانت زعلانة؟
— لأ.
— كانت بتستخبى من حد؟
هنا سكتت أم زينب.
وبعدين قالت:
— أمينة كانت عادية.
لفت أم أمينة ناحيتها.
— عادية؟
— أيوه.
— خرجت من البيت عادي؟
— أيوه.
— واتكلمنا عادي؟
— أيوه.
بدأ صوت الأم يرتفع:
— وضحكت؟
ما ردتش أم زينب.
— ضحكت؟
هزت أم زينب راسها.
— أيوه.
سكتت الأم.
وبعدين بصت قدامها.
وقالت بصوت واطي:
— يبقى كانت فاكرة إنها راجعة.
---
الكلمة دي فضلت في دماغ أم زينب طول اليوم.
كانت فاكرة إنها راجعة.
يمكن ده اللي بيخلي الاختفاء مؤلم بالشكل ده.
إن الإنسان ما بيخرجش من بيته وهو عارف إنه مش راجع.
ما بيودعش كل الناس.
ما بيقفش يبص للحيطة للمرة الأخيرة.
ما بيقولش:
«خلاص.»
الإنسان بيخرج عادي.
بيقول:
«هخلص مشوار.»
«راجع بعد شوية.»
«استنوني.»
وبعدين...
ما بيرجعش.
---
بعد كام أسبوع، ابتدت الناس تتكلم أكتر.
مش بصوت عالي.
في الأول.
الكلام كان بيطلع في الحواري.
بين الستات.
قدام الأفران.
وفي الأسواق.
واحدة تقول:
— سمعتِ عن البنت اللي اختفت؟
والتانية ترد:
— أيوه، أمها راحت القسم.
واحدة تالتة تقول:
— يمكن هربت.
فترد عليها واحدة:
— هربت فين؟
— ما أعرفش.
— طب ليه ما بعتتش خبر لأهلها؟
فتسكت.
لأن محدش كان عنده إجابة.
---
وبعدين...
اختفى اسم تاني.
في الأول، ما حدش ربط بين الحكايتين.
ست خرجت من بيتها.
وما رجعتش.
أهلها دوروا عليها.
وسألوا الجيران.
وراحوا القسم.
والناس قالت نفس الكلام.
«يمكن سافرت.»
«يمكن راحت عند حد.»
«يمكن حصلت مشكلة.»
وكانت كلمة يمكن بتتكرر.
لكن مع كل اسم جديد...
الكلمة بدأت تفقد قوتها.
---
في أحد الأيام، كانت ستين واقفين عند بياع الخضار.
واحدة منهم قالت:
— مش دي تاني واحدة تختفي؟
قالت التانية:
— أيوه.
— في نفس المنطقة؟
— تقريبًا.
— غريبة.
ضحكت الأولى ضحكة قصيرة.
— غريبة إيه؟ الستات بتسافر.
بصتلها التانية.
— كلهم مرة واحدة؟
ما ردتش.
رجعت تحط الخضار في السلة.
لكن السؤال فضل موجود.
كلهم مرة واحدة؟
---
في القسم، كانت البلاغات بتتجمع.
ورقة.
وبعدين ورقة.
واسم.
وبعدين اسم.
موظف يكتب.
راجل يسأل.
أم تبكي.
أخ يقول إنه هيدور.
زوج يقول إنه مش فاهم.
وجار يقول:
— آخر مرة شوفتها كانت هنا.
لكن ما كانش فيه شيء واضح.
ما كانش فيه دليل واحد يجمع كل الحكايات.
ولا كان فيه حد يقول:
«كل ده مرتبط ببعضه.»
لسه.
---
وفي ناحية تانية من المدينة...
كانت ريا قاعدة لوحدها.
الغرفة كانت ضلمة إلا من نور بسيط داخل من الشباك.
قدامها كوب شاي.
برد من وقت طويل.
دخلت سكينة.
وقفت عند الباب.
وقالت:
— قاعدة في الضلمة ليه؟
ريا ما ردتش.
سكينة قربت.
— ريا؟
قالت ريا:
— إيه؟
— مالك؟
ضحكت ريا ضحكة خفيفة.
— إنتِ بجد بتسأليني؟
سكينة قعدت.
— أيوه.
بصتلها ريا.
— من إمتى وإحنا بنسأل بعض عن اللي جوانا؟
ما ردتش سكينة.
قالت ريا:
— وإمتى بنقول الحقيقة؟
سكينة بصت للشباك.
— الحقيقة؟
— أيوه.
— إيه الحقيقة؟
سكتت ريا.
وبعدين قالت:
— إن في حاجات حصلت ومش هتروح.
سكينة رفعت عينيها.
— كل حاجة بتروح.
ريا هزت راسها.
— لأ.
— أمال إيه اللي بيفضل؟
ريا بصت في الفراغ.
وقالت:
— اللي الواحد فاكر إنه نسيه.
---
سكتوا.
كان فيه صوت حد ماشي بره البيت.
وبعدين صوت باب بيتقفل بعيد.
ريا اتنفضت.
سكينة خدت بالها.
— مالك؟
— مفيش.
ابتسمت سكينة.
— إنتِ ما بتقوليش «مفيش» إلا لما يكون فيه حاجة.
بصتلها ريا.
الكلام ده كانت سمعته قبل كده.
لكن المرة دي...
ما ردتش.
---
سكينة كانت مختلفة.
أو على الأقل، كده ريا كانت شايفاها.
كانت تعرف إن أختها ما بتحبش الخوف.
ما بتحبش الضعف.
ولو كانت خايفة...
كانت بتغطي خوفها بالغضب.
ولو كانت قلقة...
كانت تتكلم بعصبية.
ولو حسّت إن الدنيا بتضيق عليها...
كانت تحاول تتحرك أكتر.
تتكلم أكتر.
تضحك أكتر.
لكن في الأيام الأخيرة...
كانت سكينة بتسكت.
وده كان جديد.
---
في نفس الليلة، خرجت سكينة من البيت.
الشارع كان هادي.
الليل في الإسكندرية له شكل مختلف.
المدينة اللي تبان زحمة في النهار...
بتظهر حواريها في الليل.
الأبواب المقفولة.
الشبابيك المضيئة.
والظلال اللي بتتحرك على الحيطان.
مشت سكينة بسرعة.
كانت عارفة الطريق.
عدّت من شارع.
ودخلت حارة.
وبعدين وقفت قدام باب.
خبطت مرتين.
ما حدش فتح.
خبطت تاني.
المرة دي...
اتفتح الباب شوية.
ظهر وش راجل.
بصلها.
— إنتِ؟
قالت:
— أيوه.
— جاية في الوقت ده ليه؟
ردت:
— لازم أتكلم.
فتح الباب.
دخلت.
واتقفل الباب وراها.
---
ما نعرفش إيه اللي اتقال جوه.
وده مش لأن الكلام ما كانش مهم.
لكن لأن بعض البيوت...
ما بتخرجش أسرارها بسهولة.
الناس بره تشوف الباب.
لكن ما تسمعش اللي بيحصل وراه.
يمكن حد يزعق.
يمكن حد يضحك.
يمكن حد يبكي.
لكن الجيران يكملوا حياتهم.
لأنهم متعودين على فكرة إن كل بيت ليه أسراره.
---
تاني يوم، صحيت الإسكندرية على خبر جديد.
ست تانية ما رجعتش بيتها.
الخبر انتشر بسرعة.
لكن الغريب إن الناس ما اتصدمتش.
وده كان أخطر شيء.
لأن الإنسان لما يسمع خبر غريب مرة...
بيتفاجئ.
ولما يسمعه مرتين...
بيسأل.
لكن لما يسمعه كتير...
بيبدأ يتعود.
والتعود على الخوف...
أخطر من الخوف نفسه.
---
واحدة من الستات قالت لجارتها:
— خلي بالك من بنتك.
ردت الجارة:
— ليه؟
— ما تسيبيهاش تمشي لوحدها.
— إنتِ بتخوفيني.
— مش بخوفك... أنا بقولك خلي بالك.
قربت منها.
ووطّت صوتها.
— الناس بتختفي.
الجارة بصتلها.
— مين؟
قالت:
— ستات.
— راحوا فين؟
سكتت الأولى.
وقالت:
— لو كنت أعرف، كنت قلتلك.
---
ابتدت الأمهات تقلق.
مش كلها.
لكن البعض.
ست تستنى بنتها عند الباب.
وأم تسأل بنتها:
— هترجعي إمتى؟
وبنت ترد:
— هو إيه يا أمي؟
فتقول:
— مفيش... بس ما تتأخريش.
وراجل يقول لمراته:
— ما تمشيش لوحدك بالليل.
فتضحك وتقول:
— هو إحنا عايشين في حرب؟
لكنه ما يضحكش.
لأن الحكايات اللي كانت بتطلع من الحواري...
ما بقتش مريحة.
---
وفي القسم، ابتدى واحد من الرجال يبص للبلاغات بشكل مختلف.
ما كانش أهم شخص.
ولا أشهر اسم.
كان مجرد موظف شاف ورق كتير.
لكن ساعات الحقيقة ما بتظهرش للإنسان العبقري.
ساعات بتظهر لحد...
قرر يبص كويس.
فتح ورقة.
وبعدين ورقة.
وبعدين ورقة تالتة.
أسماء مختلفة.
أعمار مختلفة.
لكن فيه حاجة مشتركة.
قرب الأماكن.
الأوقات.
والظروف.
قام من مكانه.
وشال الورق.
وراح لراجل أكبر منه.
حط الأوراق قدامه.
قال الرجل:
— إيه ده؟
رد:
— بلاغات اختفاء.
— وعادي يعني؟
سكت لحظة.
وقال:
— مش حاسس إنهم كتير؟
بص الراجل في الورق.
— الناس بتختفي.
— بس مش بالشكل ده.
رفع الراجل عينيه.
— إنت عايز تقول إيه؟
قال الموظف:
— مش عارف.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— بس يمكن يكون في حاجة إحنا مش شايفينها.
---
الكلام ده ما كانش اتهام.
ما كانش دليل.
ما كانش بداية تحقيق كبير.
كان مجرد سؤال.
لكن أوقات...
أخطر حاجة في الدنيا مش الإجابة.
أخطر حاجة...
إن حد يسأل السؤال الصح.
---
في المساء، كانت أم أمينة قاعدة قدام البيت.
زي كل يوم.
عدّت جنبها أم زينب.
وقفت.
وبعدين قعدت جنبها.
قالت:
— لسه مستنياها؟
بصتلها أم أمينة.
السؤال كان غريب.
لكنها ما زعلتش.
قالت:
— أعمل إيه غير إني أستنى؟
— ممكن ترتاحي شوية.
ابتسمت الأم ابتسامة حزينة.
— الراحة للناس اللي عارفة هي مستنية إيه.
أم زينب سكتت.
قالت الأم:
— أنا مش عارفة أمينة فين.
وبعدين بصت لآخر الحارة.
— بس عارفة إنها مش هنا.
---
مرت بنت صغيرة من قدامهم.
كانت بتجري.
أمها نادت عليها:
— ما تبعديش!
البنت وقفت.
وبعدين رجعت لأمها.
أم أمينة فضلت باصة عليهم.
وقالت:
— زمان كنت بقول لأمينة الكلام ده.
أم زينب بصتلها.
— تقوليلها إيه؟
قالت:
— ما تبعديش.
سكتت.
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
— كأن الواحد يقدر يمنع حد من إنه يبعد.
---
الليل نزل.
والحارة هديت.
والناس بدأت تقفل أبوابها.
باب.
وبعدين باب.
وبعدين باب تاني.
وفي كل مرة كانت أم أمينة تسمع صوت باب بيتقفل...
كانت تبص.
يمكن.
يمكن يكون بابها هي اللي هيتفتح.
لكن ما كانش بيتفتح.
---
في بيت ريا، كانت الأختان قاعدين في صمت.
سكينة ماسكة حاجة في إيدها.
وريا بتبصلها.
قالت ريا:
— إنتِ سمعتي الكلام؟
سكينة ما رفعتش راسها.
— كلام إيه؟
— عن الستات.
ردت سكينة:
— الناس بتحب الكلام.
— المرة دي مختلف.
رفعت سكينة عينيها.
— إيه اللي مختلف؟
ريا قربت منها شوية.
وقالت:
— الناس ابتدت تسأل.
سكتت سكينة.
— يسألوا.
— والبوليس كمان.
هنا...
اتغير وش سكينة للحظة.
لحظة صغيرة جدًا.
لكن ريا شافتها.
قالت ريا:
— إنتِ سمعاني؟
سكينة قامت.
— أنا مش فاضية للكلام ده.
— سكينة.
— قلتلك مش فاضية.
— إنتِ خايفة؟
لفت سكينة بسرعة.
بصت لأختها.
لكن المرة دي...
ما ابتسمتش.
قالت:
— الخوف مالوش لازمة.
قالت ريا:
— ده مش إجابة.
قربت سكينة منها.
— وإنتِ عايزة تسمعي إيه؟
ريا ما ردتش.
سكتت سكينة شوية.
وبعدين قالت:
— لو كل واحد فضل خايف من كل حاجة ممكن تحصل...
محدش هيعرف يعيش.
قالت ريا:
— ولو الواحد خاف بعد ما الحاجة تحصل؟
سكتت سكينة.
وبعدين بصت ناحية الباب.
كان مقفول.
قالت:
— ساعتها...
فات الأوان.
---
في الخارج...
كان البحر بيضرب الشاطئ.
والمدينة بتستعد ليوم جديد.
لكن في أماكن كتير...
ناس ما كانتش مستعدة تنام.
أم مستنية بنتها.
زوجة مستنية زوجها يرجع من القسم.
أخ بيلف في الشوارع.
وستات بيسألوا بعض:
— سمعتي عن فلانة؟
— أيوه.
— ما رجعتش؟
— لأ.
ومع كل اسم جديد...
كانت المدينة بتبدأ تفهم إن فيه حاجة غلط.
حاجة أكبر من مجرد سفر.
وأكبر من مجرد هروب.
وأكبر من كلمة:
«يمكن.»
---
لكن الحقيقة...
كانت لسه بعيدة.
مدفونة ورا أبواب.
ووسط حواري.
وفي بيوت شكلها عادي.
ناس تدخلها.
وناس تخرج منها.
وجيران يسلموا على بعض.
وأطفال يلعبوا قدامها.
ولا حد يعرف...
إيه اللي ممكن يكون مستخبي في المكان اللي بيعدّي من جنبه كل يوم.
---
وفي آخر الليل، قعدت أم أمينة لوحدها.
بصت للباب.
وبعدين قامت.
فتحته شوية.
سابته موارب.
زي كل ليلة.
لأن جزء منها كان لسه مصدق إن أمينة ممكن ترجع.
يمكن تخبط.
يمكن تدخل.
يمكن تقول:
— اتأخرت بس يا أمي.
وكانت الأم مستعدة تصدق أي حكاية.
أي كذبة.
أي تفسير.
المهم...
إن بنتها ترجع.
لكن في مكان بعيد من المدينة...
كان اسم جديد بيتكتب في ورقة.
اسم ست تانية.
خرجت من بيتها.
ولم تعد.
والورقة دي...
ما كانتش الأخيرة.
---
نهاية الفصل الثاني
يتبع...
الفصل الثالث: عندما بدأ البوليس يسأل
mohamed ayman